نجدة
إذا[1] قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.
[1] كوكب الشرق في ٢٩-٨-١٩٣٣.
Tag: نزلة غنيم
-
نجدة | Rescue
-
عوجاء | A Crookedness
عوجاء
نعم عوجاء، شديدة العوج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريق التي تعلن فيها إلى الناس أنك ستسلكها إلى الخير والإحسان، وإلى البر والمعروف، حتى إذا مضيت فيها تقطع الآماد والأشواط، وتنهب الأرض نهبًا، تبيّن للناس أنك لا تسلكها إلى الخير والإحسان، ولا إلى البر والمعروف، وإنما تسلكها إلى الإذاعة عن نفسك ونشر الدعوة لما تحب أن يظن الناس بك ويرون فيك، والتخييل إلى الناس أنك رفيق بهم على حين أنك رفيق بنفسك، حريص على منفعتهم على حين أنك حريص على منفعة نفسك، جادّ في خدمتهم على حين أنك جادّ في أن تخدعهم عن نفسك وتلهيهم عمّا كان يجب أن ينهضوا به من السعي إلى الخير والاجتهاد في الإصلاح، تُخيّل إليهم أنك ستقوم بذلك عنهم وستكفيهم مؤنته ومشقة الجد فيه والسعي إليه، فإذا صدّقوك واطمأنّوا إليك وأولوك ما تطلب من ثقة ومنحوك ما تريد من تأييد، أعرضت عنهم وعن آمالهم، ولم تصنع لهم شيئًا، كأنك لم تعدهم بشيء وكأنك لم تعاهدهم على شيء.
نعم، عوجاء شديدة الاعوجاج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس، يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله، فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضا الله ولا رضا الناس، وإنما يلائم أغراضًا غير واضحة، وأعراضًا غير بيّنة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكرام الناس.
وما أكثر ما يسلك الناس هذه الطرق المعوجة، وما أكثر ما يمضي الناس في هذه السبل الملتوية إذا فسدت أمور الحياة العامة واضطرب رأي الناس فيها وتقديرهم لها وحكمهم عليها. هنالك يظهر المنتفعون والمنتهزون للفرص، وهنالك يظهر العابثون واللاعبون بالعقول. وهنالك تصبح المنافع العامة خدعة من الخدع، وتعلّة من التعلات، ووسيلة إلى تحقيق المآرب الخاصة، وسببًا إلى قضاء الحاجات. وهنالك يكثر الفساد، ويزداد انتشارًا، وتعظم الأثرة وتشتد سيطرتها على القلوب والنفوس. وهنالك يضعف تقدير الناس للمنفعة العامة وتفكيرهم فيها ورعايتهم لحرمتها. وهنالك يصبح الناس فرديين، لا يعني كل واحد منهم إلا بنفسه، يدفع عنها ما يستطيع دفعه من الشر، ويجر إليها ما يستطيع جره من الخير. وهنالك يضعف الروح الوطني وتنحل قوة التضامن، ويصبح الناس وقد لهوا عن قوميتهم، وشُغلوا عن وحدتهم، وأصبح كل طامع قادرًا على أن يذلهم فيمعن في إذلالهم، ويستغلهم فيغرق في استغلالهم، ويسخرهم لما يريد دون أن يخشى رقيبًا ولا حسيبًا.
هذه ظاهرة من ظواهر الحياة العامة في كل بلد من البلاد يُصاب بمثل هذه الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى مصر بها في هذه الأيام. وإنك لقادر على أن تشهد هذه الظاهرة وتحققها، وتأسف أو لا تأسف حين تشهدها وتحققها في كثير من أنحاء الحياة المصرية. فما أعظم الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، وما أبعد الأمد بين ما يظهر كثير من الناس وما يضمرون. كل الناس إذا تحدثت إليهم محبّ لمصر، عطوف عليها، رؤوف بها، مؤثر لها على نفسه. فإذا بلوت أعمال الناس فكثير منهم من يحب نفسه ويعطف عليها، ويرأف بها ويؤثرها على كل شيء، ويؤثرها على مصر قبل أن يؤثرها على أي شيء. ولولا انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، ولولا انتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، لما شقيت مصر بهذه الحال السيئة التي شقيت بها منذ أعوام.
وكم نحب أن يبرأ فريق من المصريين، فريق بعينه، من حب هذه الطرق الملتوية العوجاء، لأنها لا تلائم طبيعة مركزه، ولا تلائم ما يريد الناس أن يروا فيه وأن ينتظروا منه. كم نحب أن تكون طريق علماء الدين أبرأ الطرق من الاعوجاج، وأبعد الطرق عن الالتواء، وأقرب الطرق إلى الصدق والإخلاص والنصح لله وللمسلمين، والملاءمة بين ما يسرّون وما يعلنون، وبين ما يعملون وما يقولون. هؤلاء علماء الدين قد سكتوا وسكنوا، وأطالوا السكوت والسكون، فأنكر الناس عليهم ذلك. ثم قالوا ونشطوا وأكثروا القول وأمعنوا في النشاط، فحمد الناس لهم ذلك، ولكن سكوتهم وسكونهم كانا يضران ويجلبان على الناس شرًّا كثيرًا. فكان من حق الناس أن ينكروا ويلوموا، وكان من حق الناس أن ينتظروا من قول هؤلاء الشيوخ ونشاطهم خيرًا كثيرًا. فماذا أفاد الناس من قول الشيوخ حين قالوا، ومن نشاط الشيوخ حين نشطوا؟ لقد مضى شهر ونصف شهر منذ نهضت هيئة كبار العلماء تدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، وفي هذا الشهر الذي مضى وفي نصف الشهر الذي تبعه اجتمع الشيوخ واجتمعوا، وقال الشيوخ وقالوا، وعمل الشيوخ وعملوا. ثم يتساءل المسلمون اليوم عن نتيجة هذا كله، فيذكرون قول أبي العلاء حين أنشد لبعض شعراء الغرب الإسلامي، وسئل عن رأيه فيما سمع فقال: كأني أسمع رحى تطحن قرونًا، أي أنه كان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا.
وكذلك يسمع المسلمون كلامًا كثيرًا من شيوخ الأزهر، ويرى المسلمون نشاطًا عظيمًا من شيوخ الأزهر، ولكنهم لا يظفرون من هذا الكلام الكثير، ومن هذا النشاط العظيم بشيء يسير.
لقد علمت هيئة كبار العلماء أن المسلمين يفزعون إليها ويلحون في الفزع لتجدّ في إنقاذ هذه المرأة المسلمة التي تسمى نظلة غنيم، والتي ما تزال لغير المسلمين عليها سبيل، والتي لا تستطيع أحكام الله أن تنفذ فيها، ولا أن تردها إلى أهلها، ولا أن تصرف عنها المكروه، لأن حكمًا من أحكام المجلس الملي الإنجيلي يقوم دون أحكام القضاء الإسلامي فيعترض سبيلها ويحول بينها وبين النفاذ. تعلم هيئة كبار العلماء هذا كله وتسمعه في كل يوم وتقرؤه في كل يوم، وهي تجتمع وتجتمع. فنحب أن نعلم ماذا فعلت لتنفذ أحكام الإسلام في بلد من بلاد الإسلام، مع أن هذه الأحكام لا تناقض الدستور، ولا تخالف القانون، ولا تعرض مصر لخطر من الأخطار. نحب أن نعلم أي سعي سعت هيئة كبار العلماء عند الوزارة لتنفذ هذه الأحكام، ولترعى هذه الحرمات، وماذا أنتج هذا السعي عند الوزارة، وبماذا لقيته؟ أبالقبول أم بالاعتراض؟ فإن تكن الأولى فما بال هذه الفتاة المسلمة لم ترد إلى أهلها المسلمين؟ وإن تكن الثانية فما بال هيئة كبار العلماء لم تنكر ولم تحتج ولم تعلن إلى المسلمين عجزها عن حماية الإسلام، وبراءة ذمتها من هذا العبء الذي نهضت به وهي لا تقدر عليه؟ والأمر أشد خطرًا من أن يكتفى فيه بكلام يقال وصمت يطول. فلابد من أن يعلم المسلمون إلى أي حد كانت الوزارة جادة فيما وعدت به من حماية الإسلام، وإلى أي حد كانت هيئة كبار العلماء جادة فيما أخذت نفسها به من الذود عن الإسلام.
زعموا أن مفاوضات تجري بين الوزارة ودار المندوب السامي في إصدار قانون ينظم مراقبة التبشير والمبشرين. وقد طلبنا إلى الوزارة أن تقول في ذلك فلم تسمع لنا ولم تحفل بما طلبنا. فنحب أن نعلم: أيراد أن يظل أمر هذه الفتاة المسلمة الأسيرة معلقًا موقوفًا حتى يصدر هذا القانون؟ ولعل بين مواده ونصوصه ما يجعلها خالصة للمبشرين. أم يراد أن يفصل في أمر هذه الفتاة بما يرضي الله والقانون والدستور قبل أن يصدر هذا التشريع الجديد؟ سؤال ينتظر جوابًا، وينتظر جوابًا صريحًا سريعًا من هيئة كبار العلماء ومن لجنتها التنفيذية بوجه خاص، ومن صاحبَي الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بوجه أخص. فقد كثر الكلام في هذا الموضوع وطال الصمت. وقد اشتد الإلحاح في هذا الموضوع، وطال الإعراض، وآن للناس أن يعرفوا: أهم من أمر التبشير والمبشرين في جد أم في هزل؟
هناك طريقان: إحداهما واضحة مستقيمة، وهي السعي الصريح في إنفاذ أحكام الإسلام، أو الإعلان الصريح للعجز عن ذلك.
والأخرى عوجاء ملتوية، وهي المماطلة والمراوغة والإعراض والإغضاء، وإكثار القول وإقلال العمل. وواضح أننا نحرص أشد الحرص، ونتمنى ما وسعنا التمني، أن تسلك وزارتنا وشيوخنا تلك الطريق المستقيمة، لأننا نكبر وزارتنا وشيوخنا عن التورط في كل طريق ملتوية عوجاء.
كوكب الشرق في ٨-٨-١٩٣٣