الملعب الأكبر
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٣ يناير ١٩٤٦
هو هذا الذي يفتتح اليوم (الخميس) في لندرة، ويقوم فيها أسابيع، بعد أن افتُتح في أبريل الماضي في مدينة سان فرنسسكو وقام فيها شهرين، وهو الملعب الأكبر بأدقِّ معاني هذه الكلمة وأوسعها، فيه جدٌّ كثير؛ لأنه يمسُّ مستقبل الإنسانية كلها، ويحاول أن يتصوره وأن يصوره على نحو ما، وفيه هزل كثيرٌ؛ لأن الإنسان مغرور بطبعه، محاول أكثر مما يستطيع، متعرِّض في هذه المحاولة لألوان من الخلط والخطأ، تضحك أحيانًا، وتبكي أحيانًا أخرى. وفيه فكاهة كثيرة؛ لأن الذين يمثلون فيه قد أقبلوا من أكثر أقطار الأرض، مندوبين عن أكبر شعوب الأرض، وكل منهم يحمل مزاج شعبه أولًا، ومزاج نفسه ثانيًا، أو قل إن شئت إن كلًّا منهم يحمل مزاج نفسه، ثم يحمل مزاج شعبه.
ومهما يكن من شيء فهم يحملون أمزجة مختلفة أشد الاختلاف، متباينة أشد التباين، وكل هذه الأمزجة المختلفة المتباينة ستتفق وتفترق، وستأتلف وتختلف، وستتصل وتنفصل، وسينشأ عن اتفاقها وافتراقها، وعن ائتلافها واختلافها، وعن اتصالها وانفصالها كثيرٌ جدًّا من الدعابة التي تثير الابتسام، والفكاهة التي تدفع إلى الضحك، والجد الذي يحمل على التفكير.
وقد كان من الظواهر التي تؤيد ما ذهب إليه أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع، أن يجتمع أهل المدينة الواحدة كافة ليشهدوا التمثيل في الملعب، أو أن يجتمع نوَّابهم وشيوخهم ليديروا بينهم حديث السياسة والإدارة والتشريع، أو أن يجتمع مندوبو المدن المختلفة من الأمة الواحدة ليزوروا معبد أبولون، أو ليشهدوا الألعاب الأولمبية ويشاركوا فيها.
وكان اجتماع المندوبين عن القبائل العربية — ليحجوا البيت قبل الإسلام، أو ليبيعوا ويشتروا في سوق عكاظ — مظهرًا أيضًا من مظاهر التأييد لما كان يقوله أرستطاليس من أن الإنسان مدني بالطبع.
والذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحضارة — على اختلاف الأمم والشعوب، وعلى اختلاف العصور والظروف — يقتنعون فيما أظن بأن الإنسانية ما زالت تجتهد لتثبت أنها مدنية بالطبع، وأنها في حاجة إلى التعاون والتآزر؛ لتعيش أولًا ولترقى وترقي الحضارة ثانيًا. ولكن الذين يتتبعون التطور الاجتماعي للحياة الإنسانية يقتنعون أيضًا فيما أظن بأن الإنسانية وحشية بالطبع، تتعاون ما وسعها التعاون، ولكنها تتنافر ما وسعها التنافر أيضًا. ولعلها لا تقبل على التعاون ولا تحرص عليه إلَّا بعد أن تذوق مرارة التنافر، وتصطلي نار الحرب، وتضيق بما يزهق من النفوس، وما يسفك من الدماء. فالإنسانية مدنية بالطبع، ووحشية بالطبع، أو هي كما يقول أبو العلاء: إنسية الولادة، وحشية الغريزة.
ولكن أرستطاليس لم يقرر هذه الحقيقة وحدها في كتاب السياسة، وإنما قرر حقيقة أخرى في كتاب المنطق، وهي أن النقيضين لا يجتمعان. وكما أن الإنسانية عملت وستعمل ما تستطيع؛ لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة، فهي كذلك قد عملت، وستعمل ما تستطيع لتثبت أن المعلم الأول لم يخطئ في الحقيقة الثانية. فالإنسانية تتعاون في السلم وتتنافر في الحرب، وهي لا تجمع بين التعاون والتنافر في وقت واحد وفي مكان واحد وفي ظروف واحدة. وكذلك تجري الأمور كما أراد المعلم الأول أن تجري؛ فتتحقق للإنسانية مدنيتها وقتًا طويلًا تزهر فيه الحضارة، وتثمر فيه المدنية، ويشتدُّ فيه التعاون، ويعظم فيه الائتلاف والإخاء. ثم تتحقق للإنسانية وحشيتها؛ فتضطرب الحضارة، وتفسد المدنية، وتضيع الألفة، ويصبح بعض الناس لبعض عدوًّا. غير أن الإنسانية متقدمة دائمًا، وهي تحب أرستطاليس أشدَّ الحب، وتكبر فلسفته أعظم الإكبار، ولكنها في الوقت نفسه تصلح هذه الفلسفة ما وسعها الإصلاح، وتهدمها إن اقتضى الإصلاح هدمها!
ولم يكن تاريخ النهضة الأوروبية في العصر الحديث إلَّا تقويمًا لما اعوجَّ من فلسفة المعلم الأول، وإصلاحًا لما فسد من نظرياته، وإلغاءً لبعض هذه النظريات حين يقتضي تقدم العقل إلغاءها. فليس من الضروري مثلًا ألَّا يجتمع النقيضان، وألَّا يكون الناس في وقت واحد ممعنين في الحرب والسلم، وغارقين في المدنية والوحشية، وإنما التقدم الصحيح والرقي العقلي المنتج هو الذي يتيح للإنسان أن يحارب ويسالم، وأن يتحضَّر ويتوحش، وأن يرفع بيمينه غصن الزيتون، ويشهر بشماله السيف الذي يتراءى فيه الموت، أو الذي يقطر منه الموت والدمار.
كل ذلك شيءٌ ممكن، أو شيء يجب أن يكون ممكنًا، أو شيء يجب أن يتحقق بالفعل؛ ليعلم الناس أنهم يرتقون، وأن عقولهم تخضع الطبيعة لسلطانها، وأن فلسفة المعلم الأول — على ما تحف به من التوقير والإجلال — قد أصبحت قديمة رَثَّة لا تلائم حياة النهضة والتجديد. وقد نجحت الإنسانية المتحضِّرة بعضَ النجاح في الجمع بين النقيضين، وفي تحقيق الحرب والسلم معًا، حين كانت عصبة الأمم تمثل فصولها الرائعة في جنيف في نفس الوقت الذي كانت إيطاليا تعتدي فيه على الحبشة اعتداءً خليقًا بآلهة العصر القديم. ولكن الإنسانية في ذلك الوقت لم تبلغ من النجاح أقصاه، ولم تنته به إلى غايته، فهي قد حاولت أن تكفَّ إيطاليا عن الأذى، وتردَّها عن العدوان، وهي قد فرضت على إيطاليا عقوبات اقتصادية لم تنفذها، أو لم تُرِدْ تنفيذها، أو لم تفلح في تنفيذها.
وهي على كل حال قد أنكرت عدوان إيطاليا، وتركتها مع ذلك تعتدي، وتركت لسفنها وجندها قناة السويس تمر بها مرفوعة الأعلام موفورة الحظ من التوقير والإجلال، تحمل الهول والموت والدمار إلى قومٍ لم يكن لهم حول ولا طول ولا قدرة على الدفاع. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما اعترفت الإنسانية بالفتح الإيطالي في أرض الحبشة، وقبلت بريطانيا العظمى وفرنسا وغيرهما أن يلقب ملك إيطاليا — كما يلقب ملك بريطانيا العظمى — بهذا اللقب العظيم: الملك الإمبراطور.
بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما نظرت الإنسانية — راضيةً ساخطةً، وقابلةً رافضةً — إلى إيطاليا وهي تعتدي على ألبانيا، وتمطر عليهم الموت في يوم من الأيام المقدسة عند المسيحيين، وإلى ألمانيا وهي تُلغِي استقلال النمسا إلغاءً، وتعلن الحماية على تشكوسلوفاكيا إعلانًا، وفي أثناء هذا كله كانت المدنية الطبيعية تستخفي شيئًا فشيئًا، وكانت الوحشية الطبيعية تتراءى قليلًا قليلًا. حتى إذا كان اليوم المعلوم شبَّت نار الحرب العالمية الثانية، وامتلأت الأرض هولًا، واستمتعت بهذه النعمة العظيمة، نعمة الدمار يهدم كل عمران، والموت يختطف الأبرياء والضعفاء، يخرج لهم من الأرض، ويهبط عليهم من السماء، وهم يقبلون على هذه الخطوب راضين بها أو كارهين لها، ولكنهم يقبلون عليها لأنهم لا يجدون عنها مرَدًّا.
ثم ضعفت القوى، وفتر النشاط، فأغمي علي إيطاليا، ثم استسلمت ألمانيا، ثم صرعت اليابان. ثم أخذت الوحشية تستخفي شيئًا فشيئًا، وجعلت المدنية الطبيعية تظهر قليلًا قليلًا. ثم استُؤْنِفَ التمثيل في الملاعب الخاصة، واستؤنف بعد ذلك في الملعب العام، فمثلت في سان فرنسسكو قصة ميثاق الأمم المتحدة، وأخذ الآن في تمثيل قصة أخرى هي جماعة الأمم المتحدة، وما سيتصل بها من المجالس واللجان.
وكان التمثيل في العصر القديم يستغرق يومًا كاملًا، يبتدئ مع الصبح وينتهي عند مقدم الليل، ثم أصبح يستغرق ساعات قليلة، ولكنه في هذه الأيام قد أخذ يستغرق الأسابيع، ولعله يستغرق الأشهر أحيانًا.
وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة؛ فإن القصص التي تمثل في الملعب الأكبر طويلة مسرفة في الطول، معقدة مغرقة في التعقيد؛ لأنها تمثيل بشئون الإنسانية كلها، لا شئون مدينة واحدة من المدن، أو فرد واحد من الأفراد.
وكان القدماء يعرفون نوعين من التمثيل؛ التمثيل المحزن … التراجيديا، والتمثيل الملهي … الكوميديا. ثم جاء المحدثون فأنشئوا فنًّا ثالثًا يضحك ويبكي، ويسوء ويسر، وهو الدراما. وربما افتنُّوا في هذا الفن الجديد، فخالفوا فيه بين الضحك والبكاء، وبين الحديث والغناء، وأكثروا من ذلك حتى يتنوع الفن، وتجد فيه ملكات الإنسان كلها ما تريد من المتاع.
وقد آثر الملعب الأكبر هذا النوع المعقد من الفن الجديد. فقد رأيت في سان فرنسسكو ما شاء الله أن ترى — وسمعت ما شاء الله أن تسمع — من الخصام العنيف، والوئام الظريف، ومن الجدِّ الذي يرتفع حتى يبلغ الروعة، والهزل الذي ينخفض حتى ينتهي إلى الإسفاف، ولم يكد يلقى الستار في الصيف الماضي حتى تبين أن أبا نُوَاس لم يكن مخطئًا حين قال:
صار جدًّا ما مزحت بهرُب جدٍّ جره اللعبُ
فقد لعبت الأمم في سان فرنسسكو ما شاء الله لها أن تلعب، ثم انتهت إلى هذا الجدِّ المخيف، وهو أن الأمم الصغيرة الضعيفة كانت مضطرة إلى أن تخضع لسلطان الأقوياء، غير مقرة بهذا الخضوع ولا مذعنة له إلَّا كارهة، فأصبحت الآن تخضع لهذا السلطان عن رضًا خالص، واختيار حر، وإيمان لا إكراه فيه.
لقد أمضى ممثلوها ميثاق سان فرنسسكو، وأقرت برلماناتها هذا الميثاق، واعترفت هذه الأمم بأن من حقِّ القوي أن يتحكم في الضعيف، وبأن من حق الكبير أن يسيطر على الصغير، وبأن من حق الغني أن يصرِّف أمور الفقير كما يحب ويهوى؛ فأمور العالم قد أصبحت بحكم الميثاق إلى طبقتين من الأمم: إحداهما طبقة الأرستقراطية العليا، وهي الدول الثلاث المنتصرة، والأخرى طبقة الأرستقراطية المتوسطة، وهي هذه الدول الثلاث، يضاف إليها فرنسا والصين. ولا تقل إن الأمم المتحدة كلها ممثلة في الجمعية العامة، فليس لهذه الجمعية العامة رأي ذو خطر في الحرب والسلم، ولا تقل إن هذه الجمعية ممثلة في مجلس الأمن، فليس لمجلس الأمن رأي ذو خطر في الحرب والسلم، إلَّا إذا أقرته الدول الخمس الكبرى مجتمعة. بل قل إن شئت إن النظام الجديد للعالم الجديد يتيح لدولة واحدة من الدول الخمس أن تتحكم في العالم كما تريد، فقد عاد النظام الدولي إلى لون طريف من حكم الفرد، أو قل إلى لون طريف من تحكم الفرد. وإذا ذكرت الفرد فإنما أريد به معناه الدقيق. فقد تدبر الأمم الكبرى والصغرى شيئًا من الأشياء، ولكنه لا يتم لأن المستر إتلي، أو المستر ترومان، أو الماريشال ستالين، أو الجنرال ديجول، أو المارشال تشاي كنج تشيك، قال عابسًا أو مبتسمًا: لا …
ثم نحن نشهد الآن القصة الثانية في الملعب الأكبر الذي يقوم في لندرة، والذي سينشئ جماعة الأمم المتحدة … أستغفر الله، بل سيمنحها الوجود، ويضع لها القواعد واللوائح والأصول، وينشئ مجلس الأمن، ومجلس الوصاية، ومجلس الطاقة الذرية، وما شئت من المجالس واللجان، والقصة تمثل على نفس النحو الذي مثلت عليه قصة سان فرنسسكو؛ فقد اجتمع المنتصرون في القرم، ووضعوا القصة التمثيلية لملعب سان فرانسسكو، فمثلها أحسن تمثيل، ثم اجتمع المنتصرون في موسكو أخيرًا، فوضعوا القصة التمثيلية لملعب لندرة، وسيمثلها بإذن الله أحسن تمثيل.
على أن هناك قصصًا يتاح لها النجاح، وأخرى يتاح لها السقوط؛ فقد وضع المنتصرون قصة سان فرنسسكو، وأتيح لها النجاح، ولكنهم وضعوا قصة أخرى في بوتسدام، فلما عُرِضت للتمثيل في لندرة أثناء الخريف؛ أخفق وزراء الخارجية الخمسة في تمثيلها إخفاقًا شنيعًا. وهم قد وضعوا التمثيلية الثالثة في موسكو، ورفع الستار عنها في لندرة اليوم، وأخذ العالم كله يشهد التمثيل من طريق الراديو والبرق والصحف، وستنبئنا الأيام المقبلة بما كتب لهذه التمثيلية من نجاح أو سقوط.
والشيء المحقق هو أن الصلة مقطوعة قطعًا خطيرًا بين هذا الفن من التمثيل وبين الحياة، فتستطيع أن تقول إن هذا التمثيل يجري على هامش العالم، وتستطيع أن تقول إن حياة العالم نفسه تجري على هامش التمثيل. فمشكلة إيران ومشكلة تركيا، ومشكلات الشرق الأدنى، ومشكلات الشرق الأقصى؛ كل هذه المشكلات تسلك طريقها إلى التعقد والارتباك — أو إلى الحل والانفراج — دون أن يظهر أثر شيء من ذلك فيما يجري على الملعب من تمثيل. ومن يدري لعلها تتعقد وترتبك — أو تنحل وتنفرج — فيما بين الفصول من أوقات الراحة. ومهما يكن من شيء فمن حق العالم أن يلهو وينعم بعد أن حُرِمَ اللهو والنعيم ستة أعوام. والتمثيل لون من ألوان اللهو، وضرب من ضروب النعيم، فليستمتع العالم بقصة لوندرة كما استمتع بقصة سان فرنسسكو. ولكن الخطر كلَّ الخطر أن تنخدع الأمم الصغيرة فتأخذ التمثيل على أنه حق، فليس التمثيل إلَّا فنًّا، فأمَّا الحق فهو عناية الأمم بنفسها، واعتمادها على ما تبذل من الجهود.
Tag: نظام ما بعد الحرب
-
الملعب الأكبر | The Grand Stage
-
بعد اجتماع واشنجطون | After the Washington Meeting
بعد اجتماع واشنجطون
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢ ديسمبر ١٩٤٥
لم يُتِح الاجتماعُ الذي تمَّ في واشنجِطُون بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزارة البريطانية ورئيس وزارة كندا لطلَّاب الأمن وأنصار السلام الدائم أن يتنفسوا تنفس الراضي المطمئن؛ لأن هذا الاجتماع لم يَخْطُ بالعالم خطوة بعيدة أو قريبة نحو الثقة والاستقرار، وإنما أمسك العالم في حيث هو من القلق، والخوف، وسوء الظن. ولعله أن يكون قد زاد حظ العالم من القلق والخوف وسوء الظن، فهو من غير شك قد وثَّق الصلات بين أعضاء العصبة السكسونية توثيقًا متينًا، ولكنه لم يقرب الأمد بين هذه العصبة وبين الاتحاد السوفييتي. وكل قوة تستمتع بها إحدى العصبتين مدعاة إلى القلق والخوف وسوء الظن إلَّا أن يتحقق التقارب بينهما، وتوجد الثقة التي ليس إلى التقارب من دونها سبيل.
واختلاف المصالح وتباينها هو مصدر ما بين العصبتين من الشك وسوء الظن، فإحدى العصبتين تسيطر على العالم الخارجي بما لها من إمبراطورية واسعة في أقطار الأرض كلها، وبما لها من سيطرة على البحار كلها أيضًا، وبما تتيح لها هذه السيطرة وتلك الإمبراطورية من اتخاذ القواعد البرية والجوية والبحرية حيث تشاء.
ثم إن هذه العصبة لا تسيطر على العالم الخارجي لاتساع الإمبراطورية والتسلط على البحار فحسب، ولكنها تسيطر عليه كذلك في هذا السلطان الاقتصادي المالي الهائل الذي تكتسبه من ثروة أمريكا التي لا تنضب، وغنى الإمبراطورية البريطانية الذي لا حدَّ له.
أمَّا العصبة الأخرى، وهي عصبة الاتحاد السوفييتي والدول التي تدور حوله، فلها قوتها الهائلة التي تأتيها من سعة الجزء الذي تحتله من الأرض في القارتين. ومن ثراء هذه الأرض الزراعي والمعدني، ومن قدرة أهل الأرض على العمل والإنتاج، ومن براعتهم في تنظيم هذا العمل، ومضاعفة هذا الإنتاج، ومن قدرتهم الرائعة على البحث والاستقصاء، ثم على الاستنباط والاستكشاف، ومن إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بمستقبلهم، وطموحهم إلى أن يكون لهم في العالم مكان ممتاز يلائم كل هذه الخصال.
وإمبراطورية الاتحاد السوفييتي هائلة في طولها وعرضها وكثرة سكانها، ولكنها مجتمعة قد انضم بعضها إلى بعض، محصورة أو كالمحصورة، لا تكاد تنفذ إلى العالم الخارجي؛ لأنها لا تسيطر على البحار، بل لا تكاد تنفذ إلى هذه البحار.
وقد انتهت الحرب، ولم يتردد الرفيق مولوتوف في أن يعلن صادقًا أن روسيا هي التي أسرعت بالحرب إلى الانتهاء، فهي التي سبقت إلى قهر ألمانيا، بعد أن استنفذت قوتها، وهي التي أعلنت الحرب على اليابان فاضطرتها إلى الاستسلام. وما دامت قد احتملت من أهوال الحرب أكثر مما احتمل غيرها، وما دامت قد كسبت من النصر أكثر مما كسب غيرها، فمن حقها أن تطمع في أن يكون لها في العالم مكان يلائم ما بذلت من جهد وما لقيت من هول وما كسبت من نصر. وهي من أجل ذلك لا تقنع بمكانها التقليدي المحصور من كل وجه، وإنما تريد أن تتنفس كما يتنفس حلفاؤها، وأن تضع قدمها حيث شاءت من أجزاء الأرض الخالية، وأن تجري سفنها التجارية والحربية في حيث شاءت من البحر والمحيط. وهي لا تحب الاستعمار، ولكنها لا تكره أن تكون وصية على هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض.
وهي لا تريد أن تخضع الشعوب لسلطانها ولكنها لا تكره أن تتخذ الانتداب وسيلة إلى تحرير الشعوب، وهي من أجل ذلك لا تكره أن تضع قدمها في شمال أفريقيا منتدبة على ليبيا، مجاورة لحليفتها فرنسا، مطلة على غرب البحر الأبيض المتوسط. ولا تكره أن تضع قدمها على ساحل البحر الأحمر في مستعمرة من المستعمرات الإيطالية، تطل منها على هذا البحر، وتنظر منها إلى المحيط الهندي، وتجاور فيها حليفتها بريطانيا العظمى.
وليس من الضروري أن تُعقَد المحالفات في أثناء الحرب والكرب والضيق، حتى إذا كان الفوز أدار كل حليف ظهره إلى حليفه الآخر! بل من الممكن ومن المعقول أيضًا أن تبقى المحالفات في أثناء السلم كما كانت في أثناء الحرب، وأن يتفق المنتصرون على اقتسام الغنائم فيما بينهم بالعدل، أو بشيء يشبه العدل، وعلى استغلال الانتصار بالقسط، أو بشيء يشبه القسط.
فليس من الطبيعي إذن أن تستأثر العصبة السكسونية بالسلطان على الأرض في الشرق والغرب، وتظل العصبة الروسية حيث هي، لا تجد لها متقدمًا ولا متأخرًا.
والحلفاء لم ينتصروا ليبقى العالم بعد الحرب — كما كان قبل الحرب — مصدرًا للثروة يستأثر به فريق من المنتصرين دون الفريق الآخر.
أضف إلى ذلك أن بعض الأمم المحررة لها إمبراطوريات واسعة خارج أوروبا، فلفرنسا إمبراطوريتها، ولهولندا إمبراطوريتها، ولبلجيكا إمبراطوريتها أيضًا. فكيف يستقيم في حكم العقل أن تكون لهذه الدول المحررة مستعمرات في أفريقيا وآسيا، وألَّا تكون لروسيا المستعمرة — لا نقول مستعمرات، فروسيا لا تحب الاستعمار — بل وصاية على جزء هنا وجزء هناك؟!
هذا غريب، وأغرب منه أنه لا يخطر للبريطانيين والأمريكيين أن من حق روسيا أن تشاركهم في استغلال العالم والتسلط عليه. ولا ينبغي أن نكون من السذاجة وسلامة القلب بحيث نظن أن من حق المستعمرات أن تسترد حريتها وتنال استقلالها. فكل هذا كلام كان يقال أثناء ورطة الحرب، فأمَّا وقد انتهت الورطة وخرج الحلفاء منها منتصرين، فيجب أن تبقى المستعمرات كما كانت، وأن تُضاف إليها مستعمرات أخرى يُؤخَذ بعضها من أسلاب المنهزمين، ويُؤخَذ بعضها من الشعوب الصغيرة على أن يُسمَّى استعمارها باسم جديد لا يؤذي النفوس؛ كالمشاركة التي تقوم على المساواة، وكالتعاون على رفع مستوى المعيشة للأفراد والجماعات.
وآية ذلك أن المنتصرين لم يعلنوا استقلال مستعمرة من المستعمرات، ولم يردوا إلى شعب من الشعوب حقه في الاستقلال كاملًا أو منقوصًا، ولم يعلنوا استقلال المستعمرات التي انتُزِعَتْ من يد الأعداء.
وآية ذلك أيضًا أن بعض هذه المستعمرات صدَّقَت الحلفاء وهمَّت أن تستقل، فهي تلقى الآن عذابًا أليمًا.
وأظن أن ما يحدث في أندونيسيا يكفي كل الكفاية للدلالة على أن الحلفاء المنتصرين لا يريدون أن يغيروا من أمر العالم شيئًا جوهريًّا، فستحتفظ الدول بمستعمراتها وبمناطق نفوذها، وستزيد في هذه المستعمرات ومناطق النفوذ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وإذن؛ فما بال روسيا لا يكون لها مستعمرات ومناطق نفوذ خارج أوروبا؟! وهل يُعقَل أن تكون روسيا أقل تسلطًا على العالم من هولندا وبلجيكا، بل من إسبانيا والبرتغال؟!
هذه هي المسألة التي تختلف حولها قلوب المنتصرين، ولا تكاد ألسنتهم تذكرها إلَّا قليلًا. وهناك مسألة أخرى تختلف فيها القلوب والنيات، ولا تذكرها الألسنة إلَّا بالتحفظ والاحتياط؛ وهي تسلط المنتصرين من الطبقة الأولى على المنتصرين من الطبقة الثانية. فأوروبا مثلًا أرقى وأكرم عنصرًا من أن تخضع للاستعمار؛ لأن الاستعمار نقص في الكرامة الإنسانية، وهذا النقص جائز على أهل آسيا وأفريقيا، ولكنه لا يجوز بالقياس إلى الأوروبيين.
غير أن أوروبا ضعيفة قد أنهكتها الحرب، وهي محتاجة إلى معونة المنتصرين، وإذا كانت أوروبا فوق الاستعمار والانتداب والوصاية لامتيازها وكرم عنصرها، فإنها ليست فوق الخضوع لبسط النفوذ؛ ولذلك يمكن أن يبسط بعض المنتصرين نفوذهم المعنوي والاقتصادي على غرب أوروبا، وأن يبسط بعضهم الآخر هذا النفوذ المعنوي والاقتصادي على شرق أوروبا. وهنا تنشأ مشكلة ليست أقل تعقيدًا من مشكلة الاستعمار؛ لأن المنتصرين جميعًا يريدوا أن يبسطوا نفوذهم على أوروبا كلها.
فإذا استأثرت روسيا بالنفوذ في شرق أوروبا غضب السكسونيون، وإذا استأثر السكسونيون بالنفوذ في غرب أوروبا غضب الروسيون. وليس المهم أن يُعرَف رأي أوروبا نفسها، ولا أن تستمتع أوروبا بحريتها في اختبار حلفائها إذا احتاجت إلى المحالفات؛ فإرادة الشعوب ليست شيئًا ذا خطر، وإنما الشيء ذو الخطر هو هذه الدول المنتصرة والجيوش القائمة التي لا تسرح إلَّا في بطء شديد، وتريد المصادفات الصرفة أن تستكشف القنبلة الذرية في آخر لحظة، وأن يستكشفها ويحتفظ بأسرارها ودقائقها الحلفاء السكسونيون. والقنبلة الذرية قوة مروعة تخيف من لا يخاف، وتخضع من لا يريد الخضوع، فالذين يحتفظون بأسرارها متفوقون ما في ذلك شك، وإذن فلا بد لروسيا من أن تقلق، ولا بد للعهود والمواثيق من أن تُمتحَن، ولا بدَّ للقلوب من أن تظهر على دخائل القلوب. فإذا كان الحلفاء المنتصرون صادقين فيما يظهر بعضهم لبعض من حب، أوفياء بما أعطى بعضهم لبعض من عهد، فلا ينبغي أن يُحجَب سر القنبلة الذرية على الروسيين، ولا ينبغي أن تُحجَب أسلحة الروس السرية على الحلفاء السكسونيين.
وكان الناس يظنون أن اجتماع واشنجطون قد يُقرِّب مسافة الخلف بين العصبتين، فتفضي كل منهما إلى الأخرى بذات النفس ودخيلة الضمير، وأصبح للأسلحة السرية هنا وهناك شركة تقوم على المساواة بين المنتصرين من الطبقة الأولى. ولكن الحوادث تكشف عن غير ما كان الناس ينتظرون، فسيظل أمر القنبلة الذرية سرًّا سكسونيًّا حصينًا إلى أن تعلن روسيا مطالبها واضحة صريحة، فإن قُبِلَتْ هذه المطالب جُعِل أمر القنبلة الذرية إلى الأمم المتحدة، وأقول أمر القنبلة الذرية ولا أقول سرها، فقد يظهر أن سرها شيء، وأمر استخدامها لإقرار الأمن والنظام شيء آخر.
وكذلك تم اجتماع واشنجطون، وتفرَّق المجتمعون، وظل العالم حيث كان من القلق والخوف وسوء الظن، بل حدث من القول والفعل ما يزيد العالم قلقًا وخوفًا. فقد يُقال إن في بريطانيا العظمى ميلًا إلى تعديل ميثاق سان فرنسسكو، بحيث يلغي حق الاعتراض الذي احتفظ به للدول الخمس الكبرى، ويعود الأمر سواء كما كان في عصبة الأمم أو قريبًا مما كان في عصبة الأمم. ويومئذ تُستأنَف المساعي الدبلوماسية القديمة، فتُعزَل روسيا كما عُزِلَتْ ألمانيا إلى آخر ما أشار إليه الأستاذ محمود عزمي في بعض أحاديثه منذ أيام.
وفي أثناء ذلك يحدث في إيران ما يحدث من الخطوب، ويُنسَب إلى روسيا ما يُنسَب من الكيد، ويلح السكسونيون في تعجل الجلاء عن إيران، وتضع روسيا أصابعها في آذانها، وتمضي في سياستها الصامتة التي تملأ قلوب الديمقراطيين شكًّا وخوفًا، على أن روسيا ليست وحدها التي تعمل في صمت، فقد يظهر أن أمريكا تعمل في صمت أيضًا، ولكنها تعمل في الصين لا في إيران، ويظهر أنها لا تحسن الصمت كما تحسنه روسيا، فهذا سفيرها في الصين يستقيل في عنف، ويتهم وزارة الخارجية الأمريكية بأنها تتدخل في شئون الصين بما ينافي الديمقراطية فتقبل استقالته، ويُعيَّن خلفه في أقصر وقت ممكن.
أمَّا في غرب أوروبا فالأمر لا يخلو من تعقيد خفي، فلا بد لفرنسا من أن تحالف بريطانيا، ولا بد لبريطانيا العظمى من أن تحالف فرنسا؛ لِمَا بينهما من الجوار واشتراك المصالح في الشرق القريب والبعيد، ولكن لا بد لفرنسا من أن تحالف روسيا أيضًا، وهي قد حالفتها بالفعل، ولا بد من توثيق هذه المحالفة التقليدية؛ لتحقيق التوازن بين شرق أوروبا وغربها، ولاتقاء الخطر الألماني في المستقبل.
ولذلك ينظر وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة ويفاوضها، وفي الوقت نفسه تستعد بعثة فرنسية للسفر إلى روسيا لتفاوض في شئون المال والتجارة والاقتصاد. فقد يظهر أن البلدين في حاجة إلى التعاون الوثيق على هذه الشئون كلها.
وكذلك أخفق المؤتمر الذي عقده وزراء الخارجية في آخر الصيف، وظن الناس أن زعماء الحلفاء سيقهرون المصاعب، ويذللون العقبات، ويقربون آماد الخلاف. فلما كان اجتماع واشنجطون ظن الناس أنه الخطوة الحاسمة في إزالة الخوف وسوء الظن، ثم تبين للناس أنه لم يُزِل خوفًا وإنما أضاف قلقًا إلى قلق، وشكًّا إلى شك.
ومع ذلك، فما أيسر التقارب والتعاون وإقامة العالم الجديد على أسس من الحق والعدل والإنصاف، لو خلصت نيات الحكومات كما خلصت نيات الشعوب؛ فالشعوب لا تريد جورًا ولا ظلمًا ولا استئثارًا.
ولكن يظهر أن طبيعة الحياة الإنسانية تقضي أن تريد الشعوب شيئًا وتريد الحكومات شيئًا آخر، وأن تخضع الشعوب لما تريده الحكومات؛ لأن الشعوب لم تعرف بَعْدُ كيف تحكم نفسها. -
مستقبل الاستعمار | The Future of Colonialism
مستقبل الاستعمار
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٦ أغسطس ١٩٤٥
كانت وعود الحلفاء أثناء الحرب حين كانت الخطوب تتلاحق، والكوارث تتابع، والمحن يقفو بعضها إثر بعض …
كانت وعود الحلفاء رائعة حقًّا؛ فهم قد ضمنوا للعالم سلامًا دائمًا، وأمنًا متصلًا من العدوان والحرمان والخوف والجوع، واستمتاعًا مستقرًّا بحرية الرأي والقول والعمل والدين.
وكانت هذه الدعوة الرائعة ملحة تتكرر في كل يوم، لا يدار مفتاح الراديو إلا سُمعت من المذيعين، ولا تنشر صحيفة إلَّا قُرِئتْ فيما يذاع من المقالات المُدبَّجة، والفصول المنمقة، والأخبار الطوال، حتى استيقن أصحاب السذاجة وأصحاب الثقافة الممتازة، والذين يتوسطون بين أولئك وهؤلاء، أن هذه الوعود ستصبح حقائق واقعة متى وضعت الحرب أوزارها.
وقد وضعت الحرب أوزارها، وأخذ قادة العالم الجديد يضعون أسس العالم الجديد، واتجهت العقول والقلوب والأبصار والأسماع إلى سان فرانسسكو لترى فَجْرَ عالم العدل والأمن والحرية، ولتتنسم هذا النسيم الجديد الذي يملأ النفوس رضًا وبهجة وأملًا، ولكنها ارتدت خاسرة حاسرة، وبائسة يائسة؛ فقد وضعت أسس العالم الجديد، ولم يُضمَن فيها للناس أمن من خوف ولا من جوع، كما لم يُضمَن للناس استمتاع بحرية أو استقلال، وإنما قام العالم الجديد على ما قام عليه العالم القديم من الأسس: توازن بين الأمم القوية من جهة، وتسلط على الأمم الضعيفة من جهة أخرى، واستغلال الشعوب المتأخرة في الحضارة من جهة ثالثة.
وإذن فستطلع الشمس وتغرب على نفس العالم الذي كانت تطلع عليه وتغرب من قبلُ لا يتغير إلا تغيرًا ضئيلًا ظاهرًا … فقد قلَّ عدد الأمم القوية فأصبحت ثلاثًا بعد أن كانت ستًّا أو سبعًا، وكثر عدد الأمم الضعيفة، وتفاوتت في الضعف؛ فمنها ما لا خطر له من قوة، ومنها ما له من القوة حظ متواضع، ومنها ما لا يخاف الآن، ولكنه سيخاف غدًا أو بعد غد، ومنها ما لا يخاف اليوم ولا غدًا ولا بعد غد …
أمَّا الشعوب التي كانت خاضعة للاستعمار فظلت خاضعة للاستعمار، ولكن الأمر فيها يختلف اختلافًا شديدًا، فقد همَّت بعض الأمم المنتصرة أن تفكر في إصلاح حالها شيئًا ما، وأن تتحدث عن تهيئة مستقبل حسن لها في الغد القريب أو البعيد، ولكنها رُدَّت عن ذلك ردًّا عنيفًا، وتقرر في مؤتمر سان فرانسسكو أن ليس لأحد أن يتعرض للمستعمرات التي كانت في أيدي المنتصرين قبل الحرب. أمَّا مستعمرات الأمم المغلوبة فسيُنظر في أمرها؛ أي في تقسيمها بين المنتصرين، وفي طريقة إدارتها، وفي الغرض من هذه الإدارة …
وتقرر مجاراةً للرأي العام العالمي، وإرضاء للعدل والأخلاق، في ظاهر الأمر على أقل تقدير، أن الغرض الأساسي للاستعمار إنما هو الوصول بالمستعمرات إلى الاستقلال الذاتي في يوم من الأيام. والمهم أن المؤتمرين في سان فرانسسكو تفرقوا دون أن يقدموا للعالم خطوة قريبة أو بعيدة نحو هذه الحرية الشاملة الكاملة التي وُعد الناس بها طوال ستة أعوام.
فالإمبراطورية البريطانية محتفظة بمستعمراتها القديمة، منتظرة ما سيضاف إليها من أملاك المغلوبين، والإمبراطورية الفرنسية محتفظة بمستعمراتها على شيء من الشك والتردد في مصير بعض هذه المستعمرات في الشرق الأقصى، وقل مثل ذلك بالقياس إلى هولندا وبلجيكا، والولايات المتحدة تنظر إلى الشرق الأقصى نظرة طامعة طامحة فيها كلف كثير، وشغف كثير، وعطف كثير على المستضعفين، وتنظر إلى الشرق الأدنى والشرق الأوسط نظرة فيها كثير من الحرص على تحقيق المصالح التجارية والاقتصادية بتأييد من النفوذ السياسي العظيم، وروسيا تنظر إلى الشرق الأقصى وإلى الشرق الأوسط كما تنظر إليهما الولايات المتحدة، فهي تحب الصين حبًّا جمًّا، وتعطف على إيران عطفًا عظيمًا، ولا تكره مداعبة جارتها تركيا. وكما أن الولايات المتحدة هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في القارة الأمريكية كلها، فقد يحسن أن تكون روسيا هي الزعيمة المستأثرة بالزعامة في شرق أوروبا ووسطها، وفي بلاد البلقان أيضًا. كل هذا على أساس العدل والأمن والحرية والمساواة بين الشعوب!
ومع ذلك فقد ظهر اتجاه جديد في الاستعمار لا يخلو من طرافة، وهو هذا الذي أذاعته الحكومة الفرنسية أمس الأربعاء. ولأجل أن نفهم طرافة هذا الاتجاه يحسن أن نتبين في شيء من الإيجاز الصورة القديمة للاستعمار، فقد عرف العالم المعاصر أنواعًا مختلفة من الاستعمار، أبسطها هذا الاستعمار الخالص الذي تخضع فيه المستعمرات خضوعًا مطلقًا لسلطان الأمم التي تستعمرها؛ فليس لهذه المستعمرات حق في أن تحكم نفسها، أو تدبر أمرها، أو تتصرف في شأن من شئونها، وإنما هو الاستغلال المطلق. وهذا النوع من المستعمرات شائع بين الإمبراطوريات الاستعمارية المعروفة؛ فلإنجلترا وفرنسا وهولندا وبلجيكا، بل لإسبانيا والبرتغال مستعمرات تستغلها على هذا النحو.
وهناك نوع آخر من المستعمرات له لون من الاستقلال الشكلي بشئونه الداخلية يطلق عليه أحيانًا اسم الحماية، وتطلق عليه أحيانًا أسماء أخرى، ولفرنسا وإنجلترا مستعمرات معروفة من هذا النوع الذي يستمتع بشيء من الشخصية، ولكنه لا يكاد يستمتع بشيء من الحق. على أن المثل الأعلى الذي وصل إليه العالم الحديث في الاستعمار هو هذا الذي حققته الإمبراطورية البريطانية بالقياس إلى مستعمراتها المستقلة، فكندا وأفريقيا الجنوبية وأستراليا وزيلندا الجديدة بلاد مستقلة استقلالًا داخليًّا تامًّا، لها نظمها البرلمانية الكاملة، وهي مستقلة استقلالًا خارجيًّا كاملًا أيضًا لا تحده إلا مصالح الإمبراطورية؛ فسياستها الخارجية يجب أن تكون متسقة مع السياسة الإمبراطورية الخارجية.
ومن أجل ذلك وُجد هذا النظام الرائع الذي يقضي بالتشاور بين الحكومة البريطانية في لندرة، وبين حكومات المستعمرات المستقلة في كل ما يتصل بالسياسة العالمية. فالصلة إذن بين بريطانيا العظمى وهذه المستعمرات أشبه بأن تكون صلة تحالف دقيق متين منها بأي شيء آخر.
وصاحب الجلالة البريطانية ملك لكل مستعمرة من هذه المستعمرات، كما أنه ملك للمملكة المتحدة.
وقد أنشأت الحرب العالمية الأولى نظام الانتداب، ولكنه نظام لم ينجح، وإنما أخفق إخفاقًا شنيعًا في بعض المواطن، وتحول إلى النظام الاستعماري القديم في بعضها الآخر. أمَّا الاتجاه الجديد، الذي استحدثته فرنسا وأذاعته أمس، فهو هذا الذي يرمي إلى أن تشترك أجزاء الإمبراطورية الفرنسية كلها في وضع النظام الدستوري الفرنسي الجديد، فسينتخب الفرنسيون في شهر أكتوبر المقبل أعضاء الجمعية التأسيسية التي تضع للجمهورية الرابعة دستورها.
وكان المنتظر أن يُقصَر حق العضوية في هذه الجمعية على الفرنسيين دون غيرهم من أهل الإمبراطورية، وكان المنتظر أيضًا أن تُعنى الجمعية التأسيسية إلى جانب الدستور الفرنسي الخاص بوضع نظام للإمبراطورية يحدد العلاقة بين فرنسا ومستعمراتها، وكان المنتظر كذلك أن يكون هذا النظام أدنى إلى الحرية والتسامح، وأشد تأثرًا بما يخضع له العالم من التطور الحديث، ولكن الفرنسيين خطوا خطوة لا تخلو من الجراءة حين أشركوا أجزاء الإمبراطورية في وضع الدستور الفرنسي، وفي وضع النظام الإمبراطوري أيضًا.
وقد علل المسيو جاكوبي، وزير المستعمرات، هذه الخطوة الجريئة في الإذاعة التي حملها إلينا الراديو أمس، بأن الإمبراطورية قد وفت لفرنسا في محنتها فقاومت الألمان والإيطاليين واليابانيين، كما قاومها الشعب الفرنسي نفسه، ثم أرسلت أبناءها إلى ميادين القتال في جميع أقطار الأرض، ثم أرسلت أبناءها إلى أوروبا لتحرير الشعب الفرنسي نفسه، وأعانته على طرد الألمان من الأرض الفرنسية، وما دامت الإمبراطورية قد نهضت بالواجبات التي نهض بها الشعب الفرنسي، فمن العدل أن تشترك في الحقوق التي يستمتع بها الشعب الفرنسي.
وكذلك سترسل المستعمرات نوَّابها إلى الجمعية التأسيسية، وسيختلف الانتخاب في هذه المستعمرات باختلاف حظوظها من الحضارة والرقي، فيكون عامًّا مباشرًا في بعضها، ويكون محدودًا غير مباشر في بعضها الآخر. والمهم هو أن الإمبراطورية ستُعامل معاملة الفرنسيين، فتستمتع بحقوقهم كما نهضت بواجباتهم. والفرنسيون أصحاب تجديد دائمًا، وقلما يمضي عصر من العصور دون أن يبتدعوا فيه شيئًا جديدًا، فخطوتهم هذه الجريئة لا تخلو من طرافة، ولكن إلى أي حد يمكن أن يقال: إن هذه الخطوة ستخفف من عنف الاستعمار، وستُرضي طموح المستعمرات إلى الحرية والاستقلال؟
هذه هي المشكلة الكبرى؛ فالفرنسيون فخورون بحقوقهم الوطنية، مكبرون لديمقراطيتهم، وحريتهم، ونظمهم الدستورية، ولكنهم قد يخطئون إن ظنوا أن الناس جميعًا يشاركونهم في هذا الفخر، ويشاطرونهم هذا الإعجاب. ومن المعقول أن يُؤثِر بعض الشعوب حياته المتواضعة ووطنيته اليسيرة، وأن يطمع في نمو طبيعي ملائم لتقاليده وعاداته وحضارته الموروثة، ويُؤثِر هذا كله على أن يشارك في الحقوق الوطنية الفرنسية. وليس من شك في أن الشعوب العربية التي تخضع للسلطان الفرنسي في أفريقيا الشمالية مثلًا تُؤثِر وجودها الشخصي العربي، واستمتاعها باستقلالها الخاص وتطورها في حدود ما ورثت من حضارة وتقاليد على أن تكون جزءًا مقوِّمًا للوطن الفرنسي العظيم.
ومن المحقق أن المراكشي يؤثر ألف مرة أن يكون مراكشيًّا مستقلًّا حليفًا لفرنسا أو صديقًا لها، على أن يكون فرنسيًّا له ما للفرنسيين، وعليه ما عليهم من الحقوق والواجبات.
فالخطوة التي اتخذتها فرنسا طريفة من غير شك، جريئة من غير شك، حسنة من غير شك، ولكن بشرط أن تكملها الجمعية التأسيسية، وأن تضع النظام الإمبراطوري الذي يسمح لبعض أجزاء الإمبراطورية بأن تحيا حياة مستقلة، تقوم على المحالفة والصداقة لا على الارتباط بحقوق الوطنية الفرنسية وواجباتها، وأكبر الظن أن العرب في شمال أفريقيا، وأن أهل الهند الصينية في الشرق الأقصى لن يرضوا بأقل من هذا.
فإذا كانت فرنسا تريد أن تستقبل العالم الجديد بشيء من الهدوء الذي يكفل لها استئناف حياتها المجيدة؛ فقد يظهر أنها مضطرة إلى أن تسير مع بعض الشعوب التي تشارك في الإمبراطورية الفرنسية، كما تسير بريطانيا العظمى مع كندا وأستراليا وغيرهما من المستعمرات المستقلة.
هذا من ناحية الحياة الفرنسية الخاصة، على أن هناك وجهًا آخر لمشكلة الاستعمار في مستقبل العالم الجديد، فقد أصبح الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية أساسًا من أسس التوازن الدولي خارج أوروبا، وقد ظهر بوضوح شديد حرص المنتصرين على تحقيق هذا التوازن، فقد تفوقت الولايات المتحدة في المحيط الهادي وفي الشرق الأقصى، ونظرت بريطانيا العظمى فإذا هي محتاجة إلى أن تسند نفسها بما يكفل التوازن بينها وبين حليفتها الأمريكية العظمى؛ ولذلك تغير اتجاه السياسة البريطانية نحو فرنسا تغيرًا سريعًا، ظهر في رسالة الملك جورج السادس إلى الجنرال دي جول بمناسبة استسلام اليابان، ولم يكد اتجاه بريطانيا العظمى يتغير نحو فرنسا حتى ظهر أثر ذلك في السياسة الأمريكية، وبعد أن كان الفرنسيون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا على الهند الصينية، أصبحوا مطمئنين يشاركون في تلقي إذعان اليابان من جهة، وفي تنظيم شئون الشرق الأقصى من جهة أخرى.
وكذلك يقوم أمر الاستعمار على تحقيق التوازن خارج أوروبا بين هذه الدول الثلاث المنتصرة، كما يقوم أمر إنهاض أوروبا على تحقيق هذا التوازن نفسه، وفرنسا هي التي تُحقق التوازن بين الإنجليز والروس في أوروبا، وبين الإنجليز والأمريكيين في الشرق الأقصى، وإذا لم أُخطئ الفهم فسيلجأ العمال إلى فرنسا لتحقق التوازن بين الإنجليز والروس في الشرق الأوسط وفي الشرق الأدنى مُشتَرِكةً في ذلك مع تركيا.
والخلاصة أن مستقبل الاستعمار في العالم الجديد كماضي الاستعمار في العالم القديم، يقوم على التنافس وتعارض المنافع بين الأقوياء أكثر مما يقوم على النظر إلى حقوق الضعفاء؛ فعلى الأمم الضعيفة أن تختار بين اثنتين: فإما أن تكون نهبًا مقسمًا، وإما أن تكد وتجد وتشقى وتحتمل لتلقي في نفوس الأقوياء شيئًا من الاحترام يحملهم على أن ينزلوا عن بعض الأثرة، ويحسبوا لها بعض الحساب. -
الدكتاتورية الدولية | International Dictatorship
الدكتاتورية الدولية
طه حسين
جريدة الوفد المصري
٢٩ يونيو ١٩٤٥
لم يتلقَّ الناس مؤتمر سان فرنسسكو بما كان ينتظر أن يتلقَّوه به من غبطة وابتهاج، ولم يتتبعوا أعماله بما كان ينتظر أن يتتبعوها به من عناية واهتمام. ثم لم يستقبلوا ميثاقه بما كان ينتظر أن يستقبلوه به من رضًا وحبور. وإنما أحاط بالمؤتمر قبل انعقاده وأثناء انعقاده وبعد انفضاضه جو غريب خانق من التشاؤم والشك، ثم من الحذر والخوف، ثم من اليأس والقنوط.
وأسباب ذلك واضحة كل الوضوح، فقد كان المؤتمر الذي عقده الرؤساء الثلاثة في القرم تمهيدًا لسان فرانسسكو، وفهم الناس من هذا التمهيد أنه وضع للقواعد التي لا ينبغي للمؤتمرين في سان فرنسسكو أن يحيدوا عنها، وأنه فرض لإرادة المنتصرين الأقوياء على المنتصرين الضعفاء وعلى الذين لم يشتركوا في الحرب إلَّا حين كادت الحرب أن تنتهي. ومن أجل ذلك تمنعت فرنسا وترددت ورفضت ما عرض عليها من الاشتراك في الدعوة إلى المؤتمر، ولولا إشفاقها من العزلة وحرصها على المشاركة في كل عمل دولي رعايةً لمكانتها بين الدول الكبرى؛ لكان من الممكن أن تغلو في التردد والتمنع. فأمَّا غير فرنسا من الدول فقد أقبلت على المؤتمر كارهةً فاترةً كأنما كانت تساق إليه سوقًا، ودفعها إلى هذا الإقبال الاحتياط للمستقبل، والحذر من الحاضر، وحب الاستطلاع، ومجاراة القوي، والرغبة في أن يسمع العالم صوتها على كل حال.
وزاد في هذه الشكوك التي ملأت الجو حول المؤتمر قبل انعقاده ما قرره الثلاثة من أن المشاركة في هذا المؤتمر مقصورة على الذين شاركوا من الحرب، وأن من شاء من المحايدين أو من غير المحاربين أن يشارك في هذا المؤتمر فليس أمامه إلَّا طريق واحدة، هي أن يعلن الحرب على دول المحور بعد أن أوشكت الحرب أن تنتهي في أوروبا.
وكذلك دخلت تركيا ودخلت بلاد الشرق الأدنى ودخلت بعض الدول الأمريكية الجنوبية، وكان هذا كله نوعًا من الترغيب المريب أو نوعًا من الترهيب المخيف.
ثم انعقد المؤتمر ولم يكد يتقدم في عمله حتى ظهر الخلاف بين الدول الأوروبية والأمريكية الكبرى في مسائل كثيرة، وحتى تبين للناس أن المهم الخطير من أعمال المؤتمر إنما يدبر من دون الأستار لا على مشهد من كافة المؤتمرين، وحتى تبين للناس أيضًا أن الأمر كله إنما كان يدور على تحقيق التوازن بين مصالح الدول الكبرى دون عناية ظاهرة بآمال الدول الصغرى.
ومن أجل ذلك كان الخلاف يثور من حين إلى حين بين السكسونيين والروسيين، فيضطرب كل شيء ثم يقف كل شيء، حتى إذا استقامت الأمور وتراضى المختلفون جرت سفينة المؤتمر بريح مواتية. وكانت الدول الصغيرة ترفع صوتها بين حين وحين بهذا الرأي أو ذاك، فيسمع لها الكبار مبتسمين ثم يعرضون عنها مبتسمين، ثم يصرون على ما أرادوا مبتسمين، ثم تذعن الأمم الصغرى باسمةً مرة وعابسةً مرة أخرى، ولكنها تذعن على كل حال. ثم أتم المؤتمر عمله وأمضى ميثاقه؛ فلم تبتهج الأمم ولم تغتبط، وإنما قال المؤتمرون أنفسهم كلامًا يصور الغبطة والابتهاج. ثم تفرقوا وأُلقيَ الستار وجاءتنا الأنباء صباح اليوم من سويسرا بأن المحايدين والمحاربين في أوروبا تلقوا ميثاق المؤتمر في كثير جدًّا من الفتور.
وكذلك اضطربت الدنيا أشهرًا ثم عادت إلى السكون، وكأنها لم تضطرب. وقيل للناس: إن عالمًا جديدًا سينشأ في سان فرنسسكو، ثم رأى الناس أن سان فرنسسكو لم تزد على أن أعادت تنظيم العالم القديم. فلقي الناس ذلك كله، لا أقول بالفتور كما تقول الأنباء التي جاءت من سويسرا، وإنما أقول: بالحزن والابتئاس. فقد كان الناس ينتظرون شيئًا كثيرًا من انتصار الديمقراطية، وكانوا واثقين بأنهم سيبلغون ما كانوا ينتظرون، ثم نظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئًا ولا يكادون يرجون أن يبلغوا شيئًا.
وإذن، فلقد بذلت الإنسانية ما بذلت، واحتملت ما احتملت، وضحَّت ما ضحَّت؛ لا ليقوم العدل الشامل الكامل مكان الجور المرهق المهلك، ولكن ليحقق المنتصرون الأقوياء ما ينبغي أن يتحقق بينهم من توازن المصالح وتكافؤ المنافع. وإذا لم يكن بد من أن نلاحظ أن مؤتمر سان فرنسسكو قد أنشأ شيئًا جديدًا، فقد نستطيع أن نلاحظ أنه أنشأ الدكتاتورية الدولية الكبرى، وهي جديدة حقًّا لم تستطع الحرب الكبرى الماضية أن تنشئها، ولم تستطع عصبة الأمم الماضية أن تنشئها؛ لأن أوروبا في أعقاب الحرب الماضية لم تخضع كلها لألمانيا، ولم يقم منها الإنجليز والأمريكيون والروس مقام المحررين المنقذين، وإنما كان النصر شائعًا، شاركت فيه فرنسا وإيطاليا وبلجيكا مشاركة قوية؛ فكان لها أن تقول كلمتها. واستطاعت أوروبا أن تخلص بذلك الفوز الأعرج الذي لم يبلغ أن يكون ديكتاتورية ولا شيئًا يشبه الدكتاتورية. فأمَّا الآن فقد خضعت أوروبا كلها لألمانيا، وأقبلت الدول الثلاث عليها محررة منقذة، وتناست الدول الثلاث ما احتملت أوروبا وغير أوروبا من هول، فأملت شروطها على الأمم المحررة كما أملت شروطها على الأمم المغلوبة، وتحققت بذلك هذه الديكتاتورية التي جعلت أمور الأرض كلها إلى الثلاثة حين اجتمعوا في القرم، وإلى الثلاثة حين دبروا مؤتمر سان فرنسسكو، وإلى الثلاثة حين يجتمعون في برلين؛ ليقبلوا ما قُرِّر في سان فرنسسكو، وليضعوا القواعد التي ستفرض على مؤتمر الصلح حين ينعقد غدًا أو بعد غدٍ.
من أجل هذا كله لم نكن مخطئين حين تمنينا أن يكون مؤتمر سان فرنسسكو لاحقًا لمؤتمر الصلح لا سابقًا له؛ لتقبل الأمم على هذا المؤتمر وقد عرفت ما لها وما عليها، فتقدم عن بصيرة وتحجم عن بصيرة. فأمَّا الآن فقد قيدت الأمم الصغيرة والمتوسطة بقرارات سان فرنسسكو، فلن تستطيع أن تكون حرة حين تملى شروط الصلح عليها وعلى المغلوبين. ومن أجل هذا كله لم نتردد في أن ننصح المصريين ونلح عليهم في النصح ألَّا يورطوا أنفسهم حتى يظفروا بحقهم كاملًا، ويخلصوا من هذه القيود التي فرضتها عليهم المعاهدة قبل الحرب، وزادتها الحرب قوةً وشدةً وثقلًا. ولكن الناهضين بالأمر لم يسمعوا ولم يحفلوا ومضوا أمامهم لا يلوون على شيء حتى أمضوا الميثاق فيمن أمضاه، ونظرنا فإذا مصر أمام مشكلات معقدة أشد التعقيد، وكان المغفور له أحمد ماهر باشا قد أنبأ البرلمان بأنه سيحاول حل المشكلات بين مصر وبريطانيا العظمى قبل انعقاد المؤتمر فأعجله الموت عن ذلك. ولسنا ندري ما صنع خلفاؤه، ولكنَّا نعلم أن الأمر بيننا وبين البريطانيين قائم كما كان، وأننا قد أمضينا الميثاق في سان فرنسسكو، فأضفنا مشكلات إلى مشكلات، وتعقيدًا إلى تعقيد.
وإذا لم يكن بدٌّ من أن نمضيَ في النصح للمصريين سواء منهم من نهض بأعباء الحكم، ومن أعفي من أعباء الحكم، فإنَّا نلح عليهم أشد الإلحاح في ألَّا يبرموا هذا الميثاق ولا يغلوا وطنهم بما فيه من تبعات والتزامات قبل أن يخلِّصوا وطنهم من التبعات والالتزامات التي تفرضها عليه المعاهدة بيننا وبين الإنجليز.
يجب أن يعلم المصريون — ومن الحق علينا أن نعلِمهم — أن الارتباط بما في ذلك الميثاق من القواعد والشروط سيسد الطريق علينا إذا أردنا أن نعيد تنظيم العلاقات بيننا وبين حلفائنا، وأبى حلفاؤنا أن يعيدوا النظر في هذا التنظيم. فلننظم هذه العلاقات أولًا، ولنمحُ كلَّ خلاف بيننا وبين الإنجليز، ولنمضِ بعد ذلك إلى ما يجب علينا من التعاون الدولي بمقتضى هذا الميثاق أحرارًا كرامًا، لا مكرهين ولا مقيدين.
هل يعلم المصريون أن لحلفائنا أن يستبقوا جيشهم في مصر بمقتضى المعاهدة عشر سنين، حتى إذا انتهى الأمد جاز أن نفاوضهم في الجلاء؟
وهل يعلم المصريون أن الميثاق يفرض علينا إن قبلناه أن نضع مرافقنا كلها تحت تصرف الأمم المتحدة — أي الدول الكبرى — إذا احتاجت ظروف السلم إلى ذلك؟
وهل يعلم المصريون أن معنى هذا أن مصر قد تخضع لاحتلالين أحدهما بريطاني تقتضيه المعاهدة، والآخر دولي يقتضيه الميثاق؟
وهل يعلم المصريون أننا إذا لم نفرغ من مشكلة السودان قبل إبرام الميثاق؛ فلن نستطيع أن نحل هذه المشكلة إلَّا برضا حلفائنا الإنجليز؟
وهل يعلم المصريون أن جامعة الأمم العربية التي فرحوا بإنشائها وحرصوا على تأييدها لن تستطيع أن تدفع العدوان عن نفسها أو عن أحد أعضائها بالقوة إلا أن يأتي هذا العدوان من ألمانيا أو إيطاليا أو اليابان، فأمَّا إن جاء هذا العدوان من إحدى الدول المنتصرة، فلن يكون إلى دفعه سبيل إلَّا إن رضي المعتدي؟
هذه أشياء يجب أن يعلمها المصريون، ويجب على قادة الرأي أن يبصِّروهم بها تبصيرًا؛ ليعلموا إلى أين يُساقون، وليعلموا لأي خطر يتعرضون. وهذه أشياء تعرفها الحكومة حق المعرفة، وسيعرفها البرلمان يوم تعرض عليه حق المعرفة. والقائمون بأعباء الحكم والمدبرون لأمور الدولة في الوزارة وفي البرلمان مصريون قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء. فلسنا نطلب إليهم شيئًا كثيرًا ولا غريبًا، ولسنا نكلفهم شططًا ولا نرهقهم عسرًا إن طلبنا إليهم ألَّا يبرموا هذا الميثاق حتى يحلُّوا ما بيننا وبين الإنجليز من المسائل المعلقة حلًّا يلائم كرامة الشعب ويحقق رضاه ويكفل له مستقبلًا حرًّا كريمًا.
والشيء الذي نستطيع أن نؤكده مطمئنين كلَّ الاطمئنان إلى أننا غير مخطئين، هو أن الشعب لن يقر هذا الميثاق ولن يرضى عن الذين يقرونه إلَّا إذا حُلَّت المسائل المعلقة بيننا وبين الإنجليز قبل إبرامه حلًّا كريمًا يكفل له حقه في الحرية الكاملة والاستقلال التام في جميع أقطار وادي النيل. -
الغد | Tomorrow
الغد
طه حسين
جريدة البلاغ
١ مارس ١٩٤٥
ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.
كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟
وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.
وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.
وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.
وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.
وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.
فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.
فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.
وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.
وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.
أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.
فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.
وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا. -
بين الشرق والغرب (١) | Between East and West (I)
بين الشرق والغرب (١)
طه حسين
جريدة البلاغ
١ فبراير ١٩٤٥
من المحقق أن الرأي العالمي العام يعني في هذه الأيام أشد العناية وأقصاها باجتماع الرؤساء الثلاثة الذي بدأ انعقاده، أو أوشك أن يبدأ؛ لأن هذا الاجتماع سيحاول تدبير الحلول للمشكلات الخطيرة الكبرى التي تشغل العالم، والتي يتوقف عليها إجراء أمور الحرب والسلم جميعًا على أكمل وجه ممكن؛ لتنتهي إلى أحسن غاية ممكنة.
ولكن من المحقق أيضًا أن هذه المشكلة الكبرى إذا كان لها مكانها الخطير فإن هذا المكان نسبي، يعظم ويصغر بالقياس إلى الذين يمسُّهم من قريب أو من بعيد. فالمشكلة البولندية مثلًا عظيمة الخطر جدًّا بالقياس إلى البولنديين، وبالقياس إلى روسيا وألمانيا؛ لأنها تمسُّ مصالح هذه الدول من قريب. وهي عظيمة الخطر بالقياس إلى إنجلترا وأمريكا وفرنسا؛ لأنها تمسُّ نظام السلم الأوروبي أولًا، والعالمي بعد ذلك. وتستطيع أن تقول مثل هذا في غير المشكلة البولندية من الأمور التي سيفرغ لدرسها الثلاثة المجتمعون.
ولكننا نحن الشرقيين ننظر إلى هذه المشكلات نظرتين مختلفتين؛ أولاهما: نظرة الإنسان الذي يعنيه ما يعني الإنسانية المتحضرة من أمر السلم والحرب، والثانية: نظرة الإنسان الذي يريد أن يحقق لنفسه الخير والعدل دون أن يؤذي أحدًا، ودون أن يؤذيه أحدٌ، ودون أن تتعرض مصالحه لخطر عظيم أو ضئيل حين يحدث في العالم ما يحدث من اختلاف الدول واتفاقها. ولست أدري أيفرغ الثلاثة المجتمعون الآن لمشكلات الشرق العربي، أم يشغلون عنها بمشكلات الغرب الأوروبي؟ ولكن الشيء الذي لا شكَّ فيه هو أن للشرق العربي مشكلات يجب أن تُحل، ويجب أن تُحل في نفس الوقت الذي تُحل فيه مشكلات الغرب الأوروبي؛ لأن الشرق العربي جزءٌ أساسيٌّ مقوم للعالم المتحضر من جهة، ولأن هذا الشرق العربي قد عرف نفسه وعرف مكانه من العالم المتحضر، وقدَّر أدق التقدير وأصدقه حاجته إلى التضامن من هذا العالم المتحضر، وحاجة هذا العالم المتحضر إليه.
وهو من أجل ذلك حريصٌ كل الحرص على أن تحل مشكلاته، مصممٌ كل التصميم على أن يكون هذا الحل ملائمًا للحق والعدل وللمثل العليا التي يقال إن العالم قد خاض الحرب من أجلها، والتي قد ينظر بعض الأوروبيين والأمريكيين إليها نظرات لا تخلو من دعابة وفكاهة، ولكن الشرقيين ينظرون إليها الآن نظرة الجد المر الذي لا يعرف الدعابة ولا الفكاهة ولا المزاح؛ فالشرقي العربي إذا ذكر الاستقلال لم يذكره مستخفًّا به، ولا مستعدًّا للتفريط فيه، ولم يذكره بهذه اللهجة الحلوة التي تشيع فيها الدعابة، وإنما يذكره بهذه اللهجة الحازمة الصارخة التي إن صورت شيئًا فإنما تصور الإيمان الذي يوشك أن يبلغ التصوف.
وليس الشرق العربي وحده هو الذي يُعنى بحل هذه المشكلات الشرقية العربية، وإنما تعنى بها الدول الكبرى نفسها عناية تزداد قوة على مر الأيام؛ فبريطانيا العظمى لا تزال تردد هذا الحديث المألوف، حديث المصالح البريطانية المحققة، وحديث الإمبراطورية البريطانية التي يجب أن تؤمن طرقها في البر والبحر والجو، وحديث التعاون الذي يجب أن يكون أساسًا لهذا التأمين. وفرنسا لا تزال تتحدث حديثها المألوف عن تقاليدها الموروثة في حماية المسيحية في بعض بلاد الشرق، ونشر الثقافة في الشرق العربي، بل في الشرق كله، والمحافظة على مكانتها الممتازة في البحر الأبيض المتوسط الشرقي.
وأمريكا تُعنى بالتجارة والاقتصاد عناية يظهر أنها تريد أن تبلغ مدًى لم تبلغه قط قبل هذه الحرب، وتفكر في المستقبل الاقتصادي لهذا الشرق العربي بما فيه من مصادر الثروة، وفيما يمكن أن يكون لهذا المستقبل من أثر في تجارتها واقتصادها. وروسيا تنظر إلى هذا كله ولا تقول شيئًا، ولكن الصمت لا يدل على النسيان، ولا على الإهمال، ولعله إن دل يدل على التذكر القوي، والعناية الشديدة، وانتظار الفرصة السانحة للقول حين يكون القول مجديًا ومفيدًا.
وإذا كان هذا حظ الأمم الغربية من العناية بمصالحها في الشرق العربي؛ فيجب أن يكون حظ الشرق العربي نفسه من العناية بمصالحه في بلاده أشد وأعظم. ويجب أن يكون حرص الشرق العربي على أن تُحلَّ مشكلاته حلًّا يلائم الحق والعدل والمنفعة أشد وأعظم من حرص الغرب على حل هذه المشكلات.
فليس غريبًا إذن أن يشغل الشرق العربي — في الصيف الماضي — بما كان من دعوة إلى اجتماع الدول العربية؛ لتنظيم شئونها، ووضع أساس متين للتعاون بينها على ما يحقق مصالحها، ويكفل لها الحياة الكريمة الحرة في العالم الجديد الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس غريبًا أن تستأثر شئون الجامعة العربية التي أنشأها اجتماع الإسكندرية، وصوَّرها بروتوكول الإسكندرية تصويرًا دقيقًا بنفوس العرب جميعًا، حتى توشك أن تشغلهم عن غيرها من شئون العالم. وليس غريبًا أن تتجه نفوس العرب اتجاهًا شديدًا إلى الخطوات التي يجب أن تُخطَى بعد أن أمضي بروتوكول الإسكندرية، فتأخذ اللجان المختصة في الأعمال التي خصصت لها، وتظهر النتائج التي تثبت للشعوب العربية أن حكوماتها راغبة في العمل لا قانعة بالكلام، ثم ليس غريبًا أن تهتم الشعوب العربية أشد الاهتمام وأعظمه بهذا السعي الكريم الذي سعاه حضرة صاحب الجلالة، ملك مصر المعظم، إلى حضرة صاحب الجلالة، ملك الدولة العربية السعودية المعظم، في هذه الأيام؛ لأن هذه الشعوب العربية تعرف حق المعرفة أن هذا السعي الملكي الكريم، وهذا الاجتماع التاريخي العظيم يجب أن يتصلا أشد الاتصال وأوثقه بما تحرص عليه الشعوب العربية من تحقيق آمالها في التعاون على بلوغ ما تسمو إليه من حياة حرَّة كريمة في العالم الجديد، الذي يريد أن يكون حرًّا كريمًا.
وليس من الغريب أن يكون اشتغال الشرق العربي باجتماع الملكين العظيمين أشد من اشتغاله باجتماع الرؤساء الثلاثة؛ لأن اجتماع «رضوى» يمسُّ مصالحه القريبة العاجلة، ويمسُّ آماله التي يصبو إليها، وأهدافه التي يحرص عليها أكثر ممَّا يمسُّها اجتماع الرؤساء الثلاثة في مكان نجهله اليوم لنعلمه غدًا.
وليس أدل على ذلك من أن الدول العربية التي أمضت بروتوكول الإسكندرية كانت تتشوق إلى استئناف الاجتماع، وقد جاء بعض وزراء الخارجية فيها إلى مصر لهذا الاجتماع، ولكنهم عادوا إلى بلادهم دون أن يتم هذا الاجتماع. فما كان السعي الملكي الكريم، وتم اجتماع «رضوى»، عرفنا صباح اليوم أن وزير خارجيتنا سيدعو إلى عقد هذا الاجتماع الذي كان منتظرًا، والذي طال انتظاره بعض الشيء.
فمن حق الشعوب العربي أن تستبشر بنتائج هذا السعي الملكي الكريم، وأن تنتظر خطوات حازمة حاسمة في سبيل آمالها الكبرى، ولكن ما عسى أن تكون هذه الآمال! أظن أن قد آن الوقت الذي تظهر فيه آمال الشعوب العربية واضحة جلية، والذي تقوم فيه الصراحة التامة بين شعوب الشرق والغرب مقام المداورات الملتوية والمناورات الغامضة. وأظن أن قد آن الوقت الذي يجب أن يعرف الشرقي فيه معرفة واضحة جلية ما يريد، وما ينبغي له أن يريد؛ حتى لا يسعى على غير هدى، ولا يتعرض لخيبة الأمل.
وأعتقد أن قد آن الوقت أيضًا الذي تستطيع أوروبا أن تواجه فيه الحقائق الواقعة، فهي قد ذاقت ما ذاقت من أهوال الحرب، وهي قد عرفت ما عرفت من مرارة الاحتلال الأجنبي. فليس في أوروبا بلد مهما كان عظيمًا لم يذُق مرارة الاحتلال الأجنبي، أو الخوف من هذا الاحتلال الذي كان ممكنًا قريبًا.
لم تذق بريطانيا العظمى مرارة الاحتلال، ولكنها تعرضت لأخطاره، وذاقته الدول الأوروبية الكبرى كلها، وألمانيا تتجرع كأسه المُرَّة الآن. وما من شك في أن أوروبا قد كرهت هذا الاحتلال، ورأت التخلص منه فوزًا كريمًا، فيجب أن تستفيد أوروبا من هذا الدرس، وأن تكره الاحتلال لغيرها كما كرهته لنفسها. ويجب أن تعلم أوروبا على كل حال أن الشرق العربي قد سَئِم مرارة الاحتلال، وهو طامح إلى أن يخلص منه، وواثق بأنه سيخلص منه. وإذا عرفت أوروبا هذه الحقيقة الواقعة، فقد تريح نفسها وتريح الشرق من أخطار وأهوال تضر كثيرًا ولا تنفع شيئًا، وربما كان تقرير هذه الحقيقة واتخاذها أساسًا للعلاقة بين الشرق والغرب هو الأساس الصحيح العاجل لما ينبغي أن يُقام من علاقات بين أوروبا وبلاد الشرق العربي.
وهناك حقيقة واقعة أخرى يجب أن تستيقنها أوروبا؛ لأن الشرق العربي أصبح مقتنعًا بها أشد الاقتناع، وهي أن الحياة الإنسانية قد تغيَّرت، سواء أراد الساسة أو لم يريدوا، فلم يبق من الممكن أن تخضع أمم متحضرة لأمم متحضرة خضوع العبد للسيد، ولا خضوع المعتق لسيده القديم. ومعنى ذلك أن الشرق العربي يرفض كل الرفض أن تقوم العلاقات بينه وبين الغرب على الرق أو على الولاء. وإنما هو يحرص كل الحرص على أن تقوم هذه العلاقات على الحرية الصحيحة الأصيلة، وينظر إلى التسلط الأوروبي على أنه عرض من الأعراض الطارئة التي يجب أن تزول دون أن تترك أثرًا. وهو من أجل ذلك لا يفهم ولا يريد أن يفهم أن يُقسَّم إلى مناطق نفوذ، فتمتاز دولة من الدول في هذا الجزء من أجزائه، وتمتاز دولة أخرى في هذا الجزء الآخر.
كل هذا كلام قديم قد كان ينشأ عن تفكير قديم، وقد تغير هذا النوع من التفكير، فيجب أن تتغير آثاره، وإذا عرفت أوروبا هاتين الحقيقتين الواقعتين، وآمنت بهما مخلصةً فعدلت عن سياسة الاحتلال، وعدلت عن سياسة التسلط ومناطق النفوذ؛ فقد تصبح الأمور بينها وبين الشرق مُيَسَّرة سهلة قريبة المنال؛ لأنها ستقوم على المنافع المحققة، وعلى المودة التي لا يشوبها خوف، ولا يفسدها كيد، ولا يكدرها ما يكدر العلاقة بين المعتدي والمُعتدى عليه.
ومن المحقق أن الشرق سيحتاج إلى الغرب في تجارته وصناعته واقتصاده وتعليمه، وفي كثير من المرافق الأخرى، ولكن كما يحتاج الحرُّ إلى معونة الحرِّ، وسيستعين الشرق بالغرب، ولكن على أساس تبادل المنافع لا على أساس الاحتكار والتسلط.
هذه فيما أعتقد هي الآمال القريبة التي تضطرب بها قلوب العرب جميعها، وتؤمن بها نفوسهم جميعًا، والتي يجب أن تعرفها أوروبا وتواجهها مواجهةً صريحةً خالصةً من كل شائبة. إذن يستقر السلم والأمن في الشرق العربي، وإذن يستفيد العالم الجديد من تعاون الشرق والغرب، وإذن تفرغ الدول الأوروبية لما ينبغي أن تفرغ له من تضميد الجراح، وتعمير الخراب، وإصلاح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمرها، وإنه لكثير.
فأمَّا إن سارت أوروبا بعد هذه الحرب سيرتها بعد الحرب الماضية؛ فستلقى من الشرق شططًا، وسيصبح بأسها بينها شديدًا، وستذوق من مرارة الانقسام والاختلاف والعداء ما نظن أنها ليست في حاجة إليه.
وواضح جدًّا أني حين أصور هذه الآمال التي تمتلئ بها قلوب العرب؛ لا أفصلها ولا أدلُّ على دقائقها، ولا أذكر بلدًا بعينه، ولا أملًا بعينه؛ لأني أعلم أن الحكومات الشرقية معنية بهذه المسائل، وأن من الشر كل الشر أن نعرض للتفصيلات قبل أن تعرض لها الحكومات، وأن نقول فيها قبلما تقول.