Tag: نقل المعلمين

  • نوم | Slumber

    حديث الوادي
    عيسويات…
    نوم

    نعم نوم، ولعله أن يكون لذيذًا، وإن كانت الأحلام كثيرًا ما تروع الوزارة في هذه الأيام. ولكن نوم وزارة المعارف، فيما يظهر، عميق صفيق لا تبلغه الأحلام، ولا تصل إليه الحوادث، فإذا كان الصيف، ازداد هذا النوم صفاقة وعمقًا؛ لأن الراحة تضرب أطنابها حول الوزارة، وتبسط ظلها على الكبار والصغار من الموظفين.

    النوم العميق الصفيق وحده هو العلة المعقولة لإبطاء وزارة المعارف في إصدار حركة التنقلات لرجال التعليم الثانوي إلى الآن، فلعل وزارة المعارف تعلم أن الدراسة الثانوية ستبدأ يوم السبت المقبل، أي بعد ثلاثة أيام، ولعلها تعلم أنها لم تمضِ حركة التنقلات بين رجال التعليم الثانوي إلى الساعة التي نملي فيها هذا الكلام. ولعلها تعلم أن ثلاثة أيام ليست شيئًا يذكر إذا صدرت هذه الحركة اليوم، ليبلغ أمر النقل إلى المعلمين، ثم ليتخذ المعلمون لأنفسهم ما ينبغي من الأهب لتنفيذ هذا النقل. ومع ذلك فلسنا نلعب ولا نشتط على الوزارة، ولا نداعب المدرسين، ولا نفكه الجمهور حين نقول إن حركة التنقلات لم تصدر إلى الآن.

    وقد نتعب كثيرًا إذا التمسنا علة معقولة لهذا الإبطاء؛ فأشهر الصيف طوال يستطيع أن يأخذ منها كبار الموظفين لراحتهم، وأن يعطوا منها للعمل، وراحة المئات من المدرسين والألوف من أسر هؤلاء المدرسين ليست أهون على الدولة ولا أيسر على مصر من راحة نفر لا يبلغون العشرة من كبار الموظفين. فمن المعقول أن يستريح هؤلاء الموظفون الكبار شهرين، فإذا كان أغسطس أعدوا حركة التنقلات، فإذا كان سبتمبر أصدروها في أوله، ليجد رجال التعليم الثانوي أمامهم شهرًا، والشهر قليل، يتهيأون فيه للانتقال من مدينة إلى مدينة، ومن وجه إلى وجه، ومن عمل إلى عمل، ويهيئون فيه لأبنائهم وبناتهم ما يستتبعه هذا الانتقال من تبديل مدرسة بأخرى، ومن كل هذا العناء الذي أخذ رجال التعليم أنفسهم باحتماله في كل عام؛ لأن وزارة التعليم لا تزال مقتنعة بأن رجال التعليم يجب أن ينقلوا في كل عام، وأن يكونوا كقطع الشطرنج لا يستقرون في مكان إلا ريثما ينقلون عنه إلى مكان آخر.

    ولسنا نريد الآن أن نبين ما في هذا التنقيل الكثير لرجال التعليم من سخف ومن فساد التعليم نفسه، فقد نعود في غير هذا الفصل، وإنما نريد أن ننبه وزارة المعارف إلى أن هذا الشر التقليدي، الذي تحرص عليه أشد الحرص، دون أن تفطن لآثاره السيئة في التعليم نفسه، وفي حياة المعلمين وأسرهم، وفي أموال الدولة التي تنفق في كل عام على هذه التنقلات، نريد أن ننبه الوزارة إلى أن هذا الشر إذا لم يكن منه بد، فلا أقل من أن يخفف احتماله على الناس، وليس هناك ما يدعو إلى أن تضاعف الأمة أثقاله. فحسب رجال التعليم، أنهم يعيشون عيشة البدو وإن كانوا متحضرين، وأنهم ينقلون كما ينقل البدو في الصحراء، وإن كانوا يعيشون في بلد من طبيعته الاستقرار، وأن أحدهم يجب أن يرتب حياته على أنها مضطربة لا هدوء فيها ولا استقرار، وعلى أن الله قد كتب عليه أن يقضي عامًا في أقصى الصعيد، وعامًا في أسفل الأرض، وأعوامًا أخرى متنقلًا بين ذلك. حسب رجال التعليم هذا، وليس من الضروري ولا مما يصلح شؤون التعليم أن يترك المعلمون في حيرة عميقة منكرة يشاركهم فيها نساؤهم وأبناؤهم وبناتهم وذوو قرباهم، شهرًا كاملًا لا يعرفون أين يقضون العام، ولا كيف يستقبلون أيامهم، حتى إذا انقضى شهر سبتمبر أو كاد، صدرت إليهم هذه الأوامر الحازمة الحاسمة، كلفوا تنفيذها في سرعة ودقة معًا، فازدادت أمورهم اضطرابًا، وازدادت حياتهم فسادًا، وامتلأت نفوسهم سخطًا على العلم والتعليم، وعلى هذا الحظ الذي جعلهم معلمين.

    ليس شيء من هذا ضروريًّا، وإنما الضروري هو عكس هذا بالضبط؛ هو أن تتعب الوزارة ليستريح المعلمون، وليؤدوا واجبهم الوطني العظيم، في صدق وإخلاص، وفي رغبة وارتياح للعمل. وليس أخطر على أخلاق المعلمين والمتعلمين من أن يشعر رجال التعليم بأنهم أهون على كبار الموظفين من أن يضحوا في سبيلهم بشيء من الراحة، أو يتحملوا في سبيلهم عناء العمل والحر الشديد.

    فالمعلمون يعلمون، لا يشكون من الحر ولا من البرد، ولا يأبون تنفيذ ما يصدر إليهم من أمر قد يخالف مصالحهم ويضيع كثيرًا من منافعهم، وهم لا يأخذون على ذلك أجرًا ضخمًا، ولا مرتبًا فخمًا، كهذه الأجور والمرتبات التي يأخذها الوزراء وكبار الموظفين ليعملوا قليلًا، وليستريحوا كثيرًا، وليعملوا كما يحبون لا كما تحب المصلحة، وحاجة العمل في أكثر الأحيان.

    ليس من الضروري أن يسرف المراقبون في الراحة، ولا أن يسرف وزير التعليم في الاشتغال بغير أمور التعليم، ولا أن يذهب وكيل الوزارة إلى أوروبا ليقضي فيها أشهر الصيف، ولا أن يتردد سكرتير الوزارة بين القاهرة والإسكندرية كأنه يعمل وآثار عمله لا تكاد تظهر.

    ليس هذا كله ضروريًّا، وإنما الضروري الذي تفرضه المصلحة وتفرضه الأمانة ألا يأتي شهر سبتمبر إلا وقد علم رجال التعليم جميعًا أين يراد منهم أن يقضوا عامهم المقبل.

    فليتنبه لذلك رجال وزارة المعارف، وما نظنهم يفعلون. فالناس ينبهون لذلك في كل عام، ولكنهم عن هذا كله معرضون، ولو أني أعلم أن وزير التقاليد قادر على أن ينتصح بما أقدم له من نصح لأشرت عليه بألا يصدر حركة التنقلات في هذا العام؛ لأن وقتها قد انقضى، وبأن يدع رجال التعليم حيث هم، حتى لا يضطرهم إلى ما لا بد لهم منه، إن صدرت الحركة، من هذا العناء السخيف الثقيل.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٩/٢٥.

  • يوم | A Day

    حديث الوادي
    يوم…
    فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تريد، وأن تنفذ ما تريد، بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تستكشف نفسها، وتعرف أن لها حقوقاً يجب أن تُنال، وكرامةً يجب أن تُصان، وحُرمةً يجب أن تُرعى. بل فيه عرف التاريخ أن الشعوب تستطيع أن تنظر إلى نفسها في مرآة نفسها، فترى أنها أصل السيادة، وقد كانت موضوع الاستعباد، وترى أنها أصل العزة، وقد كانت مهبط الذلة، وترى أنها مصدر السلطان، وقد كانت خليقة بالطاعة والخضوع. وكان التاريخ قد رأى قبل ذلك اليوم أياماً كثيرة مختلفة ظهرت فيها حرية الجماعات، واحترمت فيها حقوق الشعوب، ورُوعيت فيها حُرمات النفس الإنسانية، ولكنه لم يكن قد رأى يوماً أبلغ من ذلك اليوم أثراً في حياة الناس، وأبعد منه مدىً في إشعارهم بكرامة أنفسهم، وتحقيق المساواة بينهم على اختلاف المنازل، وتفاوت الطبقات. فيه تمت المساواة بين الناس، كأقوى ما يمكن أن تتم، وزالت الفروق بين الناس كأقصى ما يمكن أن تزول، وكان أرفع الناس مكانةً، وأعلاهم قدراً، وأنبههم ذكراً، يسعى مع أحط الناس منزلةً، وأعظمهم من الضعة حظاً، وأبعدهم عن أن يُعبأ به أحد أو يُؤبه له إنسان، وكان هذان الرجلان المتباعدان في كل شيء، يسعيان أخوين متحابين لا يفرق بينهما شيء، ولا يبغيان إلا أن يهدما صرح الظلم، وينبِئا الأيام بأن الإنسان قد عرف آخر الأمر أنه خُلق ليعيش حراً، عزيزاً، كريماً.

    كان الشعب الباريسي في ذلك اليوم، وفي الأيام القليلة التي سبقته من سنة ١٧٨٩، أعزل لا قوة له، ولا سلاح في يده، فقيراً مُعدماً لا يجد ما يُطعم، ولا يكاد يتقي عوادي الجو وأحداث الأيام. ولكنه مع ذلك استطاع أن يجد القوة، وأن يأخذ السلاح عنوةً، وأن يحاصر حصن الباستيل، وأن ينزل الجند فيه على حُكمه، وأن يُقنع الظالمين بأن عصر الظلم الذي لا عقاب عليه، والبغي الذي لا يُحاسب أصحابه، قد انقضى، وبأن عصر التفرقة بين الناس وتسلط بعضهم على بعض، وتحكّم بعضهم في بعض، قد انتهى، وبأن نظام الحق الإلهي قد زال، وبأن الملك لا يستمد سلطانه من الله، ولا يمثل الله في الأرض، وإنما يستمد سلطانه من الشعب، ويمثل الشعب أمام الدول والملوك.

    ومن الإطالة التي لا تُجدي أن يفصل الكاتب في مقال كهذا حوادث ذلك اليوم، ومن الإسراف الذي لا يُغني أن يزعم الكاتب أن هذا اليوم قد كان خيراً كله، وأنه قد برئ من الشر المُنكر، والفساد العظيم. فقد كان يوماً مشهوداً، وكان شرّه عظيماً، وكانت آثامه لا تُحصى، ولكنه مع ذلك يوم مُخلّد في التاريخ، لأنه امتاز بما لم تتميز به الأيام التي سبقته، من إظهار الإنسان لكرامته، ولأنه أثبت ما عبرت الأيام السابقة عن إثباته، من أن الشعب مهما يظهر ضعفه، فهو قوي، ومهما تبدو ذلته، فهو عزيز، ومهما يعلن عجزه، فهو قادر، ومهما يظن به الظالمون من اليأس والقنوط، فهو عظيم الحظ من الأمل والرجاء.

    والناس جميعاً يعلمون أن هذا اليوم قد فتح للتاريخ الإنساني باباً جديداً، دخلت منه الحرية والمساواة، وتغيرت له نظم الحكم في أوروبا أول الأمر، ثم أخذت تتغير في غير أوروبا من أقطار الأرض. والناس جميعاً يعلمون أن ما أصاب الفرنسيين من الأحداث، وما اختلف عليهم من الخطوب لم يغير من ثورتهم شيئاً، فهي ما زالت قائمة تعمل عملها، وتسلك طريقها إلى تحرير الجماعات والأفراد، وتؤدي رسالتها إلى الناس، فكل حدث يحدث، وله بنظام الحكم صلة قريبة أو بعيدة، وله في حرية الأفراد والجماعات أثر قوي أو ضعيف، إنما هو نتيجة من نتائج الثورة الفرنسية، وأثر من آثار ذلك اليوم العظيم الذي تغلب الباريسيون فيه على حصن الباستيل. وليس المهم أن يتحدث الكتاب بمجد هذا اليوم وآثاره التي تُحمد أو التي تُذم، وإنما المهم أن يتساءل الناس إلى أي حد استطاع هذا اليوم أن ينتهي بالإنسانية من الحرية الصحيحة، ومن المساواة التي تستحق هذا الاسم. إلى أين انتهى هذا اليوم بالإنسانية؟ إلى ما يُراد لها، من حفظ كرامتها كاملةً، ورعاية حرمتها موفورةً، والوصول بها إلى المثل الأعلى من العدل في أجمل صورةٍ وأنقاها، وأرقاها، وأبعدها عن الظلم والفساد.

    أسئلة سيلقيها الناس في كل يوم، وسيجيبون عليها أجوبةً تختلف باختلاف البيئات والظروف، ولكن هناك شيئاً لا يمكن أن يختلف الناس فيه، ولا أن يكون بينهم حوله جدال. وهو أن الثورة الفرنسية إن كانت قد حررت الأفراد في أوروبا وأمريكا إلى حد بعيد، وحررت الجماعات في أوروبا وأمريكا إلى حد ما، فإنها ما زالت بعيدة كل البعد عن غايتها الطبيعية، قاصرة كل القصور عن بلوغ أمدها الذي ينبغي أن تنتهي إليه. فالأفراد أحرار في بعض أقطار الأرض دون بعض، والجماعات حرة في بعض البلاد دون بعض، ولكن الكثرة المطلقة من الناس ما زالت بعيدة كل البعد عن أن تستمتع بما يستمتع به هؤلاء الأوروبيون الممتازون من حريتهم الواسعة أو الضيقة. وما دام الاستعمار قائماً، وما دام الاستعمار نظاماً من نظم الحياة الإنسانية العامة، وما دام الاستعمار أصلاً من أصول العلاقة بين الأمم والشعوب، وما دامت في الأرض أمم قوية تستطيع كل شيء، وأمم ضعيفة لا تستطيع شيئاً، فالثورة الفرنسية لم تبلغ أمدها، ولم تحقق غايتها، ولم تؤدِّ رسالتها إلى الناس. ذلك أن حقوق الإنسان التي أعلنتها الثورة الفرنسية قد ذكرت الإنسان ولم تذكر الفرنسي، وذكرت الإنسان ولم تذكر الأوروبي، وذكرت الإنسان فلم تفرق بين جنس وجنس، ولا بين جيل وجيل، فما دامت مقصورةً إلى الآن على أجيال من الناس دون أجيال، فليست هي حقوق الإنسان، وإنما هي حقوق هذه الأجيال التي تنعم بها، وتستمتع بثمراتها، أو قُل إنها حقوق الإنسان كله، ولكن قوماً قد ظفروا بها، فهم سعداء، وقوماً آخرين لم يظفروا بها، فهم أشقياء، وهم مضطرون إلى أن يسعوا إليها، ويجدوا في السعي، حتى يبلغوها، وحتى يتمتعوا بثمراتها التي تسمى الحرية والإخاء والمساواة.

    ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد حررت الإنسان، فما زال الإنسان يستعبد الإنسان، وما زال الفرنسيون الذين كانوا يرون أنفسهم رسل الحرية يستعبدون أجيالاً من الناس في أقطار الأرض على تباعدها، ويستعبدونهم باسم الثورة، ويستعبدونهم باسم الحرية والإخاء والمساواة. ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد محت الرّق، فالأفراد لا يُباعون ولا يُشترون في البلاد المتحضرة، ولكن الأمم الكبيرة، والشعوب الضخمة ذات الحضارة القديمة، والمجد المؤثّل تحيا حياة الرقيق، وتُسام ألوان الذل والخسف، بأيدي هؤلاء الأوروبيين الذين يرون أنفسهم رسل الحرية والإخاء والمساواة.

    ليس صحيحاً أن الثورة الفرنسية قد أخرجت الناس من الظلمة إلى النور، فما زالت ظلمات البأس والبطش والقسوة والعنف، والجور والظلم حالكةً مدلهمةً على أممٍ من حقها أن تستمتع بالنور كما تستمتع به أوروبا، وكما يستمتع به الفرنسيون.

    كلا، كلا. إن من الخير كل الخير أن يعرف الناس أنهم ارتقوا، وأن أمورهم قد صلحت، وأن حياتهم قد تغيرت، ولكن من الشر كل الشر أن يغتر الناس بهذا الرقي، وأن ينخدعوا بهذا الصلاح، وأن يُلهيهم هذا التغير. إن من الحماقة أن تسحرنا ألفاظ الحرية والإخاء والمساواة، ما دمنا لا نستمتع بها، ولا نستظل بظلها، ولا نشعر بأن ليس بيننا وبين الأوروبيين فرق عظيم أو يسير.

    إن من الجنون أن نظن أننا أحراراً؛ لأن لفظ الحرية شائع بيننا، ولأن الفرنسيين يحتفلون اليوم بعيد حريتهم. إن من الغفلة أن ننتظر الحرية مؤمنين بها، واثقين بأنها ستتفضل ذات يوم فتُلِمّ بنا وتختار بلادنا لها داراً.

    إن الحرية لا تُلِمّ ببلد إلا إذا دُعيت إليه، ولا تُقيم في بلد إلا إذا هُيئ لها المقام فيه. فإذا كنا نحب الحرية حقاً فلندعها، وإذا كنا نحب أن تُقيم بيننا فلنُقم لها داراً في مصر، فإن دارها فيما يظهر لم تُشيَّد بعد.

    إن الثورة الفرنسية لم تصل بالناس إلى الحرية، ولكنها فتحت للناس أبواب الحرية. فمن الناس من يلج هذه الأبواب، ومنهم من يقف أمامها حائراً ذاهلاً مبهوتاً.

    طه حسين
    الوادي، 14 يوليو 1934.