تجنٍّ
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣١ يناير ١٩٥٦
لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.
أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …
قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.
كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!
وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!
ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!
متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!
إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.
لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.
وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!
ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.
فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.
والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.
تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.
لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.
ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب.
Tag: والإصلاح الاجتماعي
-
تجنٍّ | An Injustice
-
سياسة النعام | The Ostrich Policy
سياسة النعام
طه حسين
مجلة المصور
٣٠ سبتمبر ١٩٤٦
يتحدث الغربيون عنَّا — هنا وفي بلادهم — بكثيرٍ جدًّا مما نكره … أفندعهم يقولون عنَّا ما يشاءون؟ أم نمنعهم من زيارة بلادنا ونبث حول المقيمين منهم فيها العيون والأرصاد؟ أم نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول بلادنا؟!
هي هذه التي يُملِيها علينا الغرور؛ فقد استقرت في نفوسنا أشياء، كثير منها حق وكثير منها باطل. وليس المهم أن بعضها واقع يسجِّله التاريخ، وأن بعضها الآخر وَهْمٌ نخترعه نحن لأنفسنا اختراعًا، وإنما المهم هو أن هذه الأشياء المختلطة قد خدعتنا عن أنفسنا وألهتنا عن حقائق أمرنا؛ فتناسينا الباطل حتى محوناه محوًا، وغلونا في الحق حتى جعلناه أو كدنا نجعله باطلًا، وأقررنا في نفوسنا أننا قوم قد بلغنا الغاية وانتهينا من طلب الرقي إلى آخر الشوط، فما ينبغي أن يظن الناس بنا غير ذلك، ولا أن يتحدثوا عنَّا بغير ذلك!
وقد يكون من حقنا، أو من الحق علينا، أن نلاحظ في حياتنا هذا العيب أو ذاك، وأن ننقده نقدًا رقيقًا أو رفيقًا، ولكن لا ينبغي لأحدٍ غيرنا أن يدخل في أمرنا بما لا نحب، سواءٌ أكان هذا الذي لا نحبه حقًّا أم باطلًا، وسواء أكان مستقًى بالفعل من حياتنا الواقعة أو مضافًا إلينا عن اختراع وتكلُّف ورغبة في الغض منا والإساءة إلينا.
فليس من شك مثلًا في أن المجد المصري القديم في كثير من عصور التاريخ عظيم، ولا يرقى إليه الشك، ولا يتعرَّض لإنكار أو مِرَاء. ولكن ليس من شك في أن مجد القدماء شيء وخمول المحدثين شيءٌ آخر، وفي أن ما يرقى به القدماء من المصريين في عصورهم المختلفة إلى مراتب الأمم الممتازة شيءٌ وما يهبط به المحدثون من المصريين شيءٌ آخر، وفي أن تفوق القدماء وما أُتيح لهم من نباهة الشأن لا يغير من ضعف المحدثين وما كتب عليهم من خمول المنزلة … هذا هو الحق البيِّن الذي لا ينبغي أن نختلف فيه. ولكنا قد صغنا لأنفسنا من مجدنا القديم حلية رائعة، وضعناها على صدورنا، وخيِّل إلينا أول الأمر — ثم استقر في نفوسنا آخر الأمر — أن جمال هذه الحلية سيُخفي — بل يجب أن يُخفي — على الناس ما في حياتنا الحاضرة الواقعة من أعراض الضعف والقصور.
ثم قررنا فيما بيننا وبين أنفسنا أن الذين يتحدثون عن مصر الخالدة الماجدة التي أقامت هذه الآثار الباقية على الزمن، والتي مدَّت سلطانها في الجنوب إلى أعماق السودان وفي الشرق إلى نهر الفرات وفي الغرب إلى أعماق أفريقيا الشمالية، والتي عبرت بسلطانها البحر الأحمر حتى نشرته على أقطار كثيرة من جزيرة العرب، وعبرت بسلطانها البحر الأبيض حتى أقرَّته في كثير من الجزر، وكادت تقره في بلاد اليونان نفسها؛ قررنا أن هؤلاء هم المنصفون؛ لأنهم يقررون الحق الذي نراه بأعيننا ماثلًا على الأراضي المصرية، والذي نستطيع أن نقرأه في كتب التاريخ حين تصور أيام الفراعنة والبطالمة والفاطميين والأيوبيين والمماليك! قررنا أنهم منصفون؛ لأنهم يقولون لنا ما نحب أن نسمع. فإذا تحدثوا عما أصابنا من المحن في تلك العصور، وعما انتهى إليه أمرنا في العصر الحديث من خمول وذهول ومن خمود وركود، فهم الظالمون؛ لأنهم يذكرون ما يؤذينا ويعيبنا، ويتركون ما يرضينا ويرفع من قدرنا، وما ينبغي أن يُعاب المصريون وهم ورثة الفراعنة والبطالمة وخلفاء الفاطميين والأيوبيين والمماليك!
وقد استقرَّ في أنفسنا أيضًا أن بلادنا غنية كلَّ الغنى ثرية كلَّ الثراء. فالذين يتحدثون عنَّا بمظاهر الغنى والثروة، ويصفون ما ننفق من مال في هذه السبيل أو تلك من سبل الإنفاق منصفون؛ لأنهم يقولون الحق الذي لا شك فيه؛ فأرضنا من أخصب الأرض، وثروتنا من أضخم الثروة، ودولتنا أغنى دول الشرق، وتوشك أن تكون أغنى من دول كثيرة في الغرب، وأفرادنا وجماعاتنا وحكومتنا ينفقون عن سعة فيما شاء الله من وجوه الإنفاق. وهذا كله يدل على أننا قوم أسخياء، لا نحب البخل ولا نطمئنُّ إليه، ولا نرضى بهذه الحياة الضيقة التي يخضع لها الفقراء طوعًا أو كرهًا. ونحن من أجل ذلك نرفع رءوسنا، ونشمخ بأنوفنا، ونثني أعطافنا، حين نقرأ ما يُكتب في الصحف الأوروبية أيضًا عن الترف المصري والبذخ المصري والكرم المصري؛ لأن هذا كله يلائم ما نحب ويجانب ما نكره …
ولكن إذا تحدث الناس عن بؤس البائس وجوع الجائع وجهل الجاهل ومرض المريض، وإذا صور الناس ما تشقى به الكثرة الضخمة في مصر من الحرمان ومن التعرض للآفات المهلكة التي يستتبعها الحرمان، إذا ذكر الذاكرون هذه المدن والقرى التي لا تثبت للنيل إذا تجاوز حدوده، والتي قد لا تثبت للمطر إن كان غزيرًا، إذا قال القائلون إن القارئين الكاتبين في مصر لم يبلغوا العشرين في المائة، وإن الطاعمين الكاسين في مصر لا يبلغون الخمسين في المائة، وإن المستمتعين بثمرات مصر من الأغنياء وأوساط الناس والنزلاء الأجانب لا يبلغون العشرين أو الثلاثين في المائة؛ إذا قيل هذا أو بعض هذا، كان الذين يقولونه ظالمين متجنِّين، يدخلون فيما لا يعنيهم، ويَعرضون لما لا ينبغي أن يعرضوا له من شئون مصر الداخلية التي لا ينبغي أن يخوض فيها إلَّا المصريون!
وكذلك نرضى كل الرضا إذا قال الناس عنَّا ما نحب أن يُقال، ونسخط كلَّ السخط إذا قال الناس عنَّا ما نكره أن يُقال. وهذه هي المنزلة التي ينبغي أن نرتفع عنها ونرى الإقامة فيها خزيًا وعارًا … فما ينبغي أن نسوس أمورنا سياسةَ النعامة التي تكره أن ترى الصائد، يخيل إليها أنها إن غضَّت عينها عنه فسيغض عينه عنها! ذلك أن الأجانب من الأوروبيين وغير الأوروبيين يظهرون من أمرنا على ما نحبُّ كما يظهرون من أمرنا على ما نكره. لم نستطع أن نخفي عليهم آثارنا الماثلة وثراءنا العريض، ولم نستطع — ولن نستطيع — أن نُخفي عنهم ما نشقى به من هذه الآفات الكثيرة التي لا ينبغي أن يشقى بها بلد كريم في هذا العصر الحديث … وإذا أُتيح للأوروبيين أن يروا من أمرنا ما يسرُّ وما يسوء، فلن نستطيع أن نمنعهم من أن يتحدَّثُوا بما رأوا، ومن أن يُذِيعوا من أمرنا ما يعلمون، سواء رضينا عن ذلك وابتهجنا له أو ضقنا به وكنَّا له كارهين!
والشيء الذي ليس فيه شك والذي أشرت إليه في غير هذا الحديث أن الأوروبيين يتحدثون عنَّا في هذه الأيام في بلادهم بكثيرٍ جدًّا مما نكره وقليل جدًّا مما نحب … ويجب أن نكون منصفين، فهم يتحدثون عنَّا بمثل ما نتحدث نحن عن أنفسنا؛ لأنهم يرون ما نرى ويلاحظون ما نلاحظ. والفرق بينهم وبيننا أننا نشقى بما نرى ونلاحظ، وأنهم يقفون من ذلك موقف المتفرجين، وقد يقفون منه أحيانًا موقف المشفقين!
وليس من سبيل إلى أن نمنع الأوروبيين من رؤية ما نرى وملاحظة ما نلاحظ إلَّا أن نمنعهم من زيارة مصر والإقامة فيها، والتنقل بين مدنها وقراها، والاتصال بالأغنياء والفقراء من أهلها؛ أي أن نقطع الصلة قطعًا تامًّا بيننا وبين العالم الخارجي، وأن نبث حول النزلاء الأجانب — إذا لم يكن بُدٌّ من وجود النزلاء الأجانب — أرصادًا كثيرين يُظْهِرونهم على ما نحب أن يظهروا عليه، ويخفون عليهم ما لا نحب أن يعرفوا من أمرنا! ولست أدري أممكن هذا أم غير ممكن، ولست أدري أتستطيع حكومة مصرية أن تُقْدِم عليه أو لا تستطيع! ولست أدري كم تتحمل ميزانيتنا من الجهد لتنفق على هؤلاء الأرصاد! ولكننا إن فعلنا ذلك وبلغنا فيه من النجاح ما نريد؛ عرَّضنا سمعتنا لخطر أعظم ألفَ مرة ومرة من هذا الخطر الذي نَضِيق به الآن … ويكفي أن نتصور ما يُشاع ويُذاع بالحق أو بالباطل عمَّا يجري وراء الستار الحديدي الذي يُقال إن روسيا قد ألقته بينها وبين العالم الخارجي، حتى لا يعرف العالم من أمرها إلَّا ما تريد هي أن يعرف، لا ما ينبغي له أن يعرف …!
يكفي أن نتصور هذا لنستيقن أن من غير الممكن ومن غير المستحسن أن نلقي بيننا وبين العالم الخارجي ستارًا صفيقًا أو رقيقًا.
فهذه الأستار لا تُغنِي في حقيقة الأمر شيئًا. ونحن بالطبع لا نستطيع أن نرهق الأوروبيين من أمرهم عسرًا، ولا أن نلزمهم في بلادهم — بل في بلادنا — ألَّا يتحدثوا عنَّا إلَّا بما نحب. وإذن فأمامنا سبيلان يخيَّل إلينا أن ليس لهما ثالثة … السبيل الأولى أن ندعهم يقولون ما يشاءون، وأن نَقبل منهم ما يسرنا ونُعرِض عما يسوءنا، السبيل الثانية أن نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول الأرض المصرية كما تعودت حكوماتنا المختلفة أن تفعل بين حين وحين. وقد يكون من الخير أن نلاحظ أن منع هذه الصحف والكتب سلاح ذو حدين، قد يؤذي الأوروبيين ولكنه يؤذي المصريين؛ لأنه يمنعهم من القراءة، ومن قراءة ما يكرهون بنوع خاص، ولست أعرف شيئًا أنجعَ في تربية الأمم وتقويم سيرتها من أن تسمع ما تكره بين حين وحين … وهذا هو الذي يخيِّل إليَّ أن هناك سبيلًا ثالثة قد يكون من الخير أن نسلكها، وهي أن نصلح من أمرنا، ونظهر الجد في هذا الإصلاح، ونأخذ أمرنا فيه بالحزم والعزم لا بالدعاية والمزاح.
هنالك يتحدث الأجانب عنَّا أحسن الحديث؛ فنجد في حديثهم هذا تشجيعًا على المضي في الإصلاح. وقد يتحدثون عنَّا أحيانًا بما نكره؛ فينفعنا هذا الحديث؛ لأننا نستعين به على تقويم المُعْوَجِّ من أمرنا. هذه فيما أعلم سياسة الرجال؛ فمتى يعتمد المصريون على الله ويستقبلون سياسة الرجال هذه معرضين عن سياسة النَّعَام؟!