في الذوق
طه حسين
مجلة المصور
٢٥ أبريل ١٩٤٧
يقال: إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك: إنه يوجد ويقوى ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس، ويقال: إنه من أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في الأكواخ!
يقال هذا ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق؛ فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من الحضارة وإمعانه فيها … ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب الترف، فكان حظهم من الذوق عظيمًا، وقسطهم منه موفورًا … يقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه: إنه صاحب ذوق، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضًا: إنه «رجل ذوق» بالإضافة، ورجل ذوق بالوصف! ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه: إنه قليل الذوق، وعديم الذوق، ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو همَّ أن يفعل شيئًا لا يليق: «استذوق» يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنَّب ما من شأنه أن يغض من ذوقك، أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورًا!
ويُعرِّف بعض المعاجم الذوق بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق.
ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير … ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حُسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط!
وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك.
فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانًا من الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين الناس، فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسة المتفضل، وهو لا يتحدث إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ عذاب رفاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس.
وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله، أو إلى زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق الأنيق!
فلما تقدم القرن شيئًا تغيَّرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجومًا جعل يزداد عنفًا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى … فأخذ المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه، ويحسنون تنميقه والتأنق فيه، إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ولم يُتح لهم أن يَفْتنُّوا فيه، وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، فكانوا محدثين!
وقد تغيَّر تصورهم للحياة بتغيُّر ما يحيط بهم من الأداة، فاضطربت أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغيَّر ذوقهم شيئًا فشيئًا.
وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجومًا لم يكن أقل عنفًا من هجوم الحضارة الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقولُ، واختلطت لها الأمور، وتأثرت بها الأخلاق، وتغير بها الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد!
ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخُلقية جميعًا، وكان اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله، شيئًا لا بد منه، ولا سبيل إلى اتقائه!
وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غيَّر الحضارة المصرية، فغيَّر الذوق المصري تغييرًا عنيفًا خطيرًا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر الأوروبية، فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها، وتغيَّرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيُّرًا شديدًا، ولكن هذا التغير تم في اعتدال لم يعنف بنا، ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه الحرب الثانية بنوع أخص!
وليس لهذا كله مصدر — فيما أظن — إلا هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية اليسيرة التي لا تحب التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، وإنما تُؤثِر السرعة، والمعرفة الخاطفة، والإلمام السريع، ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخُلقي العنيف الذي ينعم به الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم!
فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مُجافٍ لكل ما ألفنا من سماحة الخُلق، وسَجاحة الطبْع، وصفاء النفوس، ورِقَّة الأذواق، فأجمل هذا كله غير متردد ولا متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غرتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتًا عنيفًا وهم لا يشعرون!
وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق، وفي معناه، وفي تطوره، وفي فساده، فسلْ نفسك عما تقرأ، وعما ترى؛ فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرِك الجوابَ على هذا السؤال!
Tag: والتحديث
-
في الذوق | On Taste
-
سياسة النعام | The Ostrich Policy
سياسة النعام
طه حسين
مجلة المصور
٣٠ سبتمبر ١٩٤٦
يتحدث الغربيون عنَّا — هنا وفي بلادهم — بكثيرٍ جدًّا مما نكره … أفندعهم يقولون عنَّا ما يشاءون؟ أم نمنعهم من زيارة بلادنا ونبث حول المقيمين منهم فيها العيون والأرصاد؟ أم نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول بلادنا؟!
هي هذه التي يُملِيها علينا الغرور؛ فقد استقرت في نفوسنا أشياء، كثير منها حق وكثير منها باطل. وليس المهم أن بعضها واقع يسجِّله التاريخ، وأن بعضها الآخر وَهْمٌ نخترعه نحن لأنفسنا اختراعًا، وإنما المهم هو أن هذه الأشياء المختلطة قد خدعتنا عن أنفسنا وألهتنا عن حقائق أمرنا؛ فتناسينا الباطل حتى محوناه محوًا، وغلونا في الحق حتى جعلناه أو كدنا نجعله باطلًا، وأقررنا في نفوسنا أننا قوم قد بلغنا الغاية وانتهينا من طلب الرقي إلى آخر الشوط، فما ينبغي أن يظن الناس بنا غير ذلك، ولا أن يتحدثوا عنَّا بغير ذلك!
وقد يكون من حقنا، أو من الحق علينا، أن نلاحظ في حياتنا هذا العيب أو ذاك، وأن ننقده نقدًا رقيقًا أو رفيقًا، ولكن لا ينبغي لأحدٍ غيرنا أن يدخل في أمرنا بما لا نحب، سواءٌ أكان هذا الذي لا نحبه حقًّا أم باطلًا، وسواء أكان مستقًى بالفعل من حياتنا الواقعة أو مضافًا إلينا عن اختراع وتكلُّف ورغبة في الغض منا والإساءة إلينا.
فليس من شك مثلًا في أن المجد المصري القديم في كثير من عصور التاريخ عظيم، ولا يرقى إليه الشك، ولا يتعرَّض لإنكار أو مِرَاء. ولكن ليس من شك في أن مجد القدماء شيء وخمول المحدثين شيءٌ آخر، وفي أن ما يرقى به القدماء من المصريين في عصورهم المختلفة إلى مراتب الأمم الممتازة شيءٌ وما يهبط به المحدثون من المصريين شيءٌ آخر، وفي أن تفوق القدماء وما أُتيح لهم من نباهة الشأن لا يغير من ضعف المحدثين وما كتب عليهم من خمول المنزلة … هذا هو الحق البيِّن الذي لا ينبغي أن نختلف فيه. ولكنا قد صغنا لأنفسنا من مجدنا القديم حلية رائعة، وضعناها على صدورنا، وخيِّل إلينا أول الأمر — ثم استقر في نفوسنا آخر الأمر — أن جمال هذه الحلية سيُخفي — بل يجب أن يُخفي — على الناس ما في حياتنا الحاضرة الواقعة من أعراض الضعف والقصور.
ثم قررنا فيما بيننا وبين أنفسنا أن الذين يتحدثون عن مصر الخالدة الماجدة التي أقامت هذه الآثار الباقية على الزمن، والتي مدَّت سلطانها في الجنوب إلى أعماق السودان وفي الشرق إلى نهر الفرات وفي الغرب إلى أعماق أفريقيا الشمالية، والتي عبرت بسلطانها البحر الأحمر حتى نشرته على أقطار كثيرة من جزيرة العرب، وعبرت بسلطانها البحر الأبيض حتى أقرَّته في كثير من الجزر، وكادت تقره في بلاد اليونان نفسها؛ قررنا أن هؤلاء هم المنصفون؛ لأنهم يقررون الحق الذي نراه بأعيننا ماثلًا على الأراضي المصرية، والذي نستطيع أن نقرأه في كتب التاريخ حين تصور أيام الفراعنة والبطالمة والفاطميين والأيوبيين والمماليك! قررنا أنهم منصفون؛ لأنهم يقولون لنا ما نحب أن نسمع. فإذا تحدثوا عما أصابنا من المحن في تلك العصور، وعما انتهى إليه أمرنا في العصر الحديث من خمول وذهول ومن خمود وركود، فهم الظالمون؛ لأنهم يذكرون ما يؤذينا ويعيبنا، ويتركون ما يرضينا ويرفع من قدرنا، وما ينبغي أن يُعاب المصريون وهم ورثة الفراعنة والبطالمة وخلفاء الفاطميين والأيوبيين والمماليك!
وقد استقرَّ في أنفسنا أيضًا أن بلادنا غنية كلَّ الغنى ثرية كلَّ الثراء. فالذين يتحدثون عنَّا بمظاهر الغنى والثروة، ويصفون ما ننفق من مال في هذه السبيل أو تلك من سبل الإنفاق منصفون؛ لأنهم يقولون الحق الذي لا شك فيه؛ فأرضنا من أخصب الأرض، وثروتنا من أضخم الثروة، ودولتنا أغنى دول الشرق، وتوشك أن تكون أغنى من دول كثيرة في الغرب، وأفرادنا وجماعاتنا وحكومتنا ينفقون عن سعة فيما شاء الله من وجوه الإنفاق. وهذا كله يدل على أننا قوم أسخياء، لا نحب البخل ولا نطمئنُّ إليه، ولا نرضى بهذه الحياة الضيقة التي يخضع لها الفقراء طوعًا أو كرهًا. ونحن من أجل ذلك نرفع رءوسنا، ونشمخ بأنوفنا، ونثني أعطافنا، حين نقرأ ما يُكتب في الصحف الأوروبية أيضًا عن الترف المصري والبذخ المصري والكرم المصري؛ لأن هذا كله يلائم ما نحب ويجانب ما نكره …
ولكن إذا تحدث الناس عن بؤس البائس وجوع الجائع وجهل الجاهل ومرض المريض، وإذا صور الناس ما تشقى به الكثرة الضخمة في مصر من الحرمان ومن التعرض للآفات المهلكة التي يستتبعها الحرمان، إذا ذكر الذاكرون هذه المدن والقرى التي لا تثبت للنيل إذا تجاوز حدوده، والتي قد لا تثبت للمطر إن كان غزيرًا، إذا قال القائلون إن القارئين الكاتبين في مصر لم يبلغوا العشرين في المائة، وإن الطاعمين الكاسين في مصر لا يبلغون الخمسين في المائة، وإن المستمتعين بثمرات مصر من الأغنياء وأوساط الناس والنزلاء الأجانب لا يبلغون العشرين أو الثلاثين في المائة؛ إذا قيل هذا أو بعض هذا، كان الذين يقولونه ظالمين متجنِّين، يدخلون فيما لا يعنيهم، ويَعرضون لما لا ينبغي أن يعرضوا له من شئون مصر الداخلية التي لا ينبغي أن يخوض فيها إلَّا المصريون!
وكذلك نرضى كل الرضا إذا قال الناس عنَّا ما نحب أن يُقال، ونسخط كلَّ السخط إذا قال الناس عنَّا ما نكره أن يُقال. وهذه هي المنزلة التي ينبغي أن نرتفع عنها ونرى الإقامة فيها خزيًا وعارًا … فما ينبغي أن نسوس أمورنا سياسةَ النعامة التي تكره أن ترى الصائد، يخيل إليها أنها إن غضَّت عينها عنه فسيغض عينه عنها! ذلك أن الأجانب من الأوروبيين وغير الأوروبيين يظهرون من أمرنا على ما نحبُّ كما يظهرون من أمرنا على ما نكره. لم نستطع أن نخفي عليهم آثارنا الماثلة وثراءنا العريض، ولم نستطع — ولن نستطيع — أن نُخفي عنهم ما نشقى به من هذه الآفات الكثيرة التي لا ينبغي أن يشقى بها بلد كريم في هذا العصر الحديث … وإذا أُتيح للأوروبيين أن يروا من أمرنا ما يسرُّ وما يسوء، فلن نستطيع أن نمنعهم من أن يتحدَّثُوا بما رأوا، ومن أن يُذِيعوا من أمرنا ما يعلمون، سواء رضينا عن ذلك وابتهجنا له أو ضقنا به وكنَّا له كارهين!
والشيء الذي ليس فيه شك والذي أشرت إليه في غير هذا الحديث أن الأوروبيين يتحدثون عنَّا في هذه الأيام في بلادهم بكثيرٍ جدًّا مما نكره وقليل جدًّا مما نحب … ويجب أن نكون منصفين، فهم يتحدثون عنَّا بمثل ما نتحدث نحن عن أنفسنا؛ لأنهم يرون ما نرى ويلاحظون ما نلاحظ. والفرق بينهم وبيننا أننا نشقى بما نرى ونلاحظ، وأنهم يقفون من ذلك موقف المتفرجين، وقد يقفون منه أحيانًا موقف المشفقين!
وليس من سبيل إلى أن نمنع الأوروبيين من رؤية ما نرى وملاحظة ما نلاحظ إلَّا أن نمنعهم من زيارة مصر والإقامة فيها، والتنقل بين مدنها وقراها، والاتصال بالأغنياء والفقراء من أهلها؛ أي أن نقطع الصلة قطعًا تامًّا بيننا وبين العالم الخارجي، وأن نبث حول النزلاء الأجانب — إذا لم يكن بُدٌّ من وجود النزلاء الأجانب — أرصادًا كثيرين يُظْهِرونهم على ما نحب أن يظهروا عليه، ويخفون عليهم ما لا نحب أن يعرفوا من أمرنا! ولست أدري أممكن هذا أم غير ممكن، ولست أدري أتستطيع حكومة مصرية أن تُقْدِم عليه أو لا تستطيع! ولست أدري كم تتحمل ميزانيتنا من الجهد لتنفق على هؤلاء الأرصاد! ولكننا إن فعلنا ذلك وبلغنا فيه من النجاح ما نريد؛ عرَّضنا سمعتنا لخطر أعظم ألفَ مرة ومرة من هذا الخطر الذي نَضِيق به الآن … ويكفي أن نتصور ما يُشاع ويُذاع بالحق أو بالباطل عمَّا يجري وراء الستار الحديدي الذي يُقال إن روسيا قد ألقته بينها وبين العالم الخارجي، حتى لا يعرف العالم من أمرها إلَّا ما تريد هي أن يعرف، لا ما ينبغي له أن يعرف …!
يكفي أن نتصور هذا لنستيقن أن من غير الممكن ومن غير المستحسن أن نلقي بيننا وبين العالم الخارجي ستارًا صفيقًا أو رقيقًا.
فهذه الأستار لا تُغنِي في حقيقة الأمر شيئًا. ونحن بالطبع لا نستطيع أن نرهق الأوروبيين من أمرهم عسرًا، ولا أن نلزمهم في بلادهم — بل في بلادنا — ألَّا يتحدثوا عنَّا إلَّا بما نحب. وإذن فأمامنا سبيلان يخيَّل إلينا أن ليس لهما ثالثة … السبيل الأولى أن ندعهم يقولون ما يشاءون، وأن نَقبل منهم ما يسرنا ونُعرِض عما يسوءنا، السبيل الثانية أن نعاقب صحفهم وكتبهم إذا تحدثت عنَّا بغير ما نحب، فنمنعها من دخول الأرض المصرية كما تعودت حكوماتنا المختلفة أن تفعل بين حين وحين. وقد يكون من الخير أن نلاحظ أن منع هذه الصحف والكتب سلاح ذو حدين، قد يؤذي الأوروبيين ولكنه يؤذي المصريين؛ لأنه يمنعهم من القراءة، ومن قراءة ما يكرهون بنوع خاص، ولست أعرف شيئًا أنجعَ في تربية الأمم وتقويم سيرتها من أن تسمع ما تكره بين حين وحين … وهذا هو الذي يخيِّل إليَّ أن هناك سبيلًا ثالثة قد يكون من الخير أن نسلكها، وهي أن نصلح من أمرنا، ونظهر الجد في هذا الإصلاح، ونأخذ أمرنا فيه بالحزم والعزم لا بالدعاية والمزاح.
هنالك يتحدث الأجانب عنَّا أحسن الحديث؛ فنجد في حديثهم هذا تشجيعًا على المضي في الإصلاح. وقد يتحدثون عنَّا أحيانًا بما نكره؛ فينفعنا هذا الحديث؛ لأننا نستعين به على تقويم المُعْوَجِّ من أمرنا. هذه فيما أعلم سياسة الرجال؛ فمتى يعتمد المصريون على الله ويستقبلون سياسة الرجال هذه معرضين عن سياسة النَّعَام؟!