Tag: والحكم الاستبدادي

  • برنامج (١) … | A Program (I) …

    برنامج (١) …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٦

    ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!

    لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.

    وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.

    وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.

    ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:

    إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
    وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.

    في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!

    فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.

    أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!

    وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.

    ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.

    وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.

    فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.

    ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.

    والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.

    فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …

    يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.

    يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

  • مرحى | Hail …

    مرحى

    طه حسين

    جريدة صوت الأمة

    ١٢ أكتوبر ١٩٤٦

    يُقال إن بطلًا من أبطال الأساطير تورط في بعض الخطايا، فكتب القضاء عليه أن ينفق في دار الموتى دهره السرمدي الذي لا آخر له، معالجًا شيئًا واحدًا لا يكاد يُتِمُّه حتى يضطر إلى ابتدائه؛ لأنه لا ينتهي إلى غايته مهما يبذل هذا البطل من جهد، ومهما يحتمل من عناء.

    وهذه المهمة التي كُلِّف البطل أداءها، ولن يستطيع أن يؤديها، هي أن يدفع صخرة من أسفل الجبل؛ ليرفعها إلى قمته، والبطل يدفع هذه الصخرة ويشقى بدفعها ورفعها، ويلقى في جهده هذا أعظم البلاء، وأشق الامتحان، حتى إذا كاد يبلغ القمة ويقر الصخرة في المكان الذي أعد لها، أفلتت منه هذه الصخرة وانحدرت مسرعة لا تلوي على شيء حتى تبلغ القاع، واضطر البطل البائس إلى أن ينحدر معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا؛ ليجدد الدفع والرفع، ويستأنف الجهد والكد، وما يزال كذلك حتى ينقضي الخلود إن كان من الممكن أن ينقضي الخلود.

    هذا البطل الشجاع الجريء الصبور يذكرني ببطلنا العظيم صدقي باشا فيما يحاول منذ عنيت مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى بفض ما بينها وبين الإنجليز من الخصومة، وحل ما بينها وبين العالم الخارجي من المشكلات.

    فصدقي باشا صابر مصابر، ومجاهد مجالد ما في ذلك شك، ولكن لا أعرف ما هذه الخطيئة التي تورط فيها، والتي قضت عليه ألا يبلغ من جهاده وجلاده، ولا من مصابرته ومثابرته شيئًا؛ فقد جد صدقي باشا واجتهد وصابر وثابر حتى أصبح عضوًا من أعضاء الوفد، وبطلًا من أبطال الجهاد، وعلمًا من أعلام الفوز، وحتى وصل إلى باريس مع سعد وأصحابه، وخيل إليه أنه قد بلغ الغاية، وظفر من المجد بما كان يريد، ولكنه ينظر فإذا صخرته تنحدر مسرعة حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها فينحدر خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى يبلغ القاع، وإذا هو قد عاد إلى مصر وترك أصحابه في باريس، وابتدأ جده وكده ومصابرته ومثابرته من جديد، وأخذ في الدفع والرفع يحتمل في ذلك ما يطاق وما لا يطاق من الأعباء حتى يشارف القمة مرة أخرى، وإذا هو يشارك في وزارة عدلي باشا — رحمه الله — وفيما نهضت به من عبء المفاوضات، ولكنه ينظر ذات يوم فإذا صخرة المفاوضات قد انحدرت مسرعة حتى بلغت القاع، وانحدر هو معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى بلغ القاع، وأخذ يستأنف الجد والكد، ويصل حياته السياسية بحياة ثروت باشا، ويخيل إليه بعد كثير من العناء أنه قد شارف القمة، وكاد يقر الصخرة في مكانها المهيأ لها، ولكنه ينظر فإذا الصخرة تنحدر حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها إلى القاع مرة أخرى.

    وما يزال في دفع ورفع ومشارفة للقمة وسقوط إلى القاع يصل حياته السياسية بحياة من شاء الله أن يقيض له من رؤساء الوزارات لا يعرف كلالًا ولا ملالًا ولا يألف يأسًا ولا قنوطًا، حتى تتاح له فرصة لم يشك — ولم يشك كثير من الناس معه — في أنها الفرصة الأخيرة التي ستبلغه فوزًا ليس بعده فوز، فوزًا ليس عليه خوف من فشل أو إخفاق، فقد أزال العقبات كلها أو خيل إليه وإلى كثير من الناس أنه أزال العقبات كلها.

    لقد أقصى الوفد عن الحكم، وحل مجلس النواب، وأُتيح لصدقي باشا أن يلغي الدستور، وأن يضع مكانه دستورًا جديدًا يتَّخذُه سلمًا أمينًا يصعد فيه مع صخرته إلى القمة، وأُتيح له الجيش المصري كله، والشرطة المصرية كلها، ومعونة الإنجليز غير مضنون بها، ولا مقتر فيها. فما الذي يمنعه أن يرقى، وأن تتبعه صخرته أو تسبقه حتى يبلغ القمة فيقرها ويستقر عليها سالمًا موفورًا؟ ولكن الصخرة تنحدر كأبشع ما يكون الانحدار، ويتبعها صدقي باشا حتى يبلغ القاع، فيقيم فيه ويطيل المقام.

    ولكنه يكد ويجد ويحتمل ألوان العناء، ويحاول أن يصعد مع الوفد مرة، ومع خصوم الوفد مرة أخرى، والطريق تؤخذ عليه، والأسباب تتقطع به قبل أن يبلغ القمة، وإذا هو يعود راضيًا أو كارهًا إلى القاع.

    وليست هذه المحاولة التي حاولها صدقي باشا في هذا العام إلا حلقة من حلقات هذه السلسلة التي لن تنتهي إلى غاية، ولن تقف عند حد، وقد أُتيح في هذه المرة لصدقي باشا أقل ممَّا أُتيح له في المرة الأولى، فهو قد رأس الوزارة، ورأس هيئة المفاوضات، ولكنه لم يُلغِ الدستور، ولن يستطيع أن يلغيه، ولم يحل مجلس النواب، ولن يستطيع هو أن يُحلَّه، فهو مضطر إذن إلى أن يصانع الدستور، وإلى أن يصانع الأحزاب التي يأتلف منها مجلس النواب. وهذا أول الضعف، ثم لم ينشئ هيئة المفاوضات كما أراد، وإنما فرضت هذه الهيئة عليه فرضًا أتاح له أن يخلص من الوفد في هذه الهيئة، ولكن لم يُتح له أن يخلص من فلان وفلان، كما لم يُتح له أن يسيطر على فلان وفلان، فاضطر إلى أن يُصانع فريقًا من هيئة المفاوضات. وهذا ضعف آخر يضاف إلى ضعفه الأول.

    وقد أُتيح له الجيش، وأُتيحت له الشرطة، وأُتيحت له وسائل القوة كلها، ولكنه رأى نفسه أمام شعب شديد حديد لا يعبث به رعب أو رهب، ورأى نفسه أمام رأي عام لا يخيفه البأس والبطش، ولا يروعه السجن ولا غير السجن من ألوان الروع، وإذا هو مضطر إلى أن يصانع الشعب والرأي العام. وهذا ضعف ثالث يضاف إلى غيره من ألوان الضعف، بل هو مضطر إلى أكثر من مصانعة الشعب والرأي العام، مضطر إلى أن يترضاهما بألوان من القول لا تخدع أحدًا، وفنون من العمل لا تغرُّ أحدًا، وينظر الناس فإذا صدقي باشا مضطر إلى أن يحدث حدثًا في التاريخ المصري المعاصر، فيؤجل افتتاح الدراسة في الجامعة والأزهر ومعاهد التعليم كلها شهرًا أو أكثر من شهر، فإذا سأله الصحفيون في ذلك قال: إنه لا يريد أن تحدث في البلاد ثورة أثناء المفاوضات.

    فهو إذن لم يدر حول العقبة كما فعل وزير المعارف، ولم يتكلف العلل والمعاذير، وإنما واجه الأمر في صراحة ليس بعدها صراحة، وسجل على نفسه، وعلى حكومته، وعلى مفاوضاته أن الشعب ساخط غير راضٍ، وأن استقرار الأمور رهين بأن يحال بين المصريين وبين الاجتماع حتى في معاهد العلم. وإذن فصدقي باشا يعلم حق العلم أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا مطمئنًّا إليه، ليس راضيًا عن حكمه في شئونه الداخلية، وليس راضيًا عن سياسته في مفاوضة الإنجليز، وهو يريد أن يمنع الشعب من إعلان سخطه، وسبيله إلى ذلك أن يحول بين الشعب وبين الاجتماع من جهة، وأن ينشر القوة والبأس والخوف من جهة أخرى.

    وصدقي باشا يعلم حق العلم أن الأجانب المقيمين في مصر، والبعيدين عن مصر يرون من أمورنا مثل ما نرى، ويشهدون منها مثل ما نشهد، ويعرفون من أسرارها ودقائقها مثل ما نعرف. وصدقي باشا يعلم أن في مصر صحفًا أجنبية تترجم ما ينشر وما يقال، وشركات للبرق تذيع في أقطار الأرض ما يصدر عنه من قول أو عمل، وصدقي باشا يعلم أن الإنجليز لا يجهلون من حقائق الأمور في مصر شيئًا، فهم يعلمون حق العلم سخط الشعب عليه، وبغضه لحكمه، وإنكاره لسياسته، وشكه في مساعيه.

    صدقي باشا يعرف هذا كله كما يعرف نفسه، وهو لا يكتفي بهذه المعرفة، وإنما يريد أن يقيم الأدلة جميعًا على أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا واثقًا به، ولا مطمئنًا إليه، فهو يحاول أن يخطب يوم الخميس في مدينة من مدن مصر، فيحشد فيها الجيش والشرطة الظاهرة والخفية، ويقيم حولها الأرصاد ليرد عنها ما يرى أن وصوله إليها غير مرغوب فيه، ثم يلقي خطبته على قوم اختارهم اختيارًا، أو اختارتهم له الإدارة اختيارًا ليتحدثوا إليه ويسمعوا منه. والغريب أنه وهو الرجل الذكي الفطن الذي لا يخفى عليه من دقائق هذا كله وأسراره شيء، الغريب أنه يقدم على هذا كله بأعين الشعب، وبأعين الإنجليز، ويزعم أو يخيل إلى نفسه أنه يزعم أن الشعب واثق به، وأن الإنجليز مطمئنون إليه.

    ولست أدري كيف يكون لقاء المستر بيفن لصدقي باشا إن أُتيح له أن يلقاه في آخر الأسبوع المقبل، أو في أول الأسبوع الذي يليه، وكيف يدار الحديث بين هذين الرجلين؛ فمستر بيفن لا يجهل من الحقائق المصرية شيئًا، وصدقي باشا يعلم أن مستر بيفن خبير بما هنالك، وإذن فماذا عسى أن يقول أحد الرجلين لصاحبه. لقد كان صدقي باشا يتهم صديقه الكبير النقراشي باشا، حين كان هذا الصديق الكبير رئيسًا للوزارة بأنه يدبر مع المستر بيفن مؤامرة الصمت حول المطالب المصرية العليا. فبماذا تسمي التقاء بيفن وصدقي باشا على رغم ما هو معلوم لا أقول للرجلين وحدهما، بل أقول للناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر، من أن صدقي باشا لا يمثل أحدًا من المصريين، فالشعب ساخط عليه، وزملاؤه الوزراء منكرون لمكان وزارته من الدستور، وزملاؤه المفاوضون مرتابون بكل ما يعمل، وبكل ما يقول.

    بماذا نستطيع أن نسمي التقاء هذين الرجلين وما يمكن أن يدور بينهما من حديث؟! أمؤامرة صمت هي أم مؤامرة كلام؟ ولمصلحة مَن تُدبَّر هذه المؤامرة؛ لمصلحة مصر التي لا تريد ذلة، ولا تريد هوانًا، ولا تقبل مخالفة ولا احتلالًا، ولا ترضى مساومة في شأن السودان، والتي تعلن هذا كله بما أُتيح لها من وسائل الإعلان؛ حتى يضطر صدقي باشا إلى أن يمنع شبابها من الاجتماع في معاهد العلم، ويؤجل الدراسة فيها شهرًا كاملًا أو أكثر من شهر؟

    أم لمصلحة الإنجليز الذين يريدون — فيما يقولون — معاهدة تقوم على الرضى لا على السخط، وعلى القبول الحر لا على الإكراه الذي تفرضه النار والحديد؟ وكيف يستطيع صدقي باشا أن يلقى وزير الخارجية البريطانية، محتفظًا بما ينبغي لرؤساء الوزارات من المهابة والوقار، ومستر بيفن يعلم وصدقي باشا يعلم أن الحكومة المصرية القائمة قد أجَّلت الدراسة لأنها مشفقة من الثورة؟

    فما قيمة الحكومة التي تخاف من اجتماع الطلاب، لا في الجامعة والأزهر وحدهما، بل في المدارس الثانوية والابتدائية؟ أو باسم من تستطيع هذه الحكومة أن تتكلم إلى الدول الأجنبية؟ وبأي سلطان تستطيع هذه الحكومة أن تلزم شعبًا بأسره وهي عاجزة عن أن تأخذ الشباب بالمحافظة على النظام في معاهد العلم؟

    لقد خطب صدقي باشا يوم الخميس فأطال الخطبة، وشق على نفسه بإعدادها وإلقائها، ومن قبل ذلك ألقى صدقي باشا خطبًا طوالًا، وخطبًا قصارًا لا يكاد يبلغها الإحصاء. فهل يأذن لي صدقي باشا بأن أختم هذا الحديث كما بدأته بقصة من قصص الأساطير.

    يُقال إن في دار الموتى فتيات تورطن في خطيئة من الخطايا، فكتب عليهن القضاء أن يملأن جرة ليس لها قاع، فهن يصببن الماء فيها منذ أول الدهر إلى أن ينتهي الخلود، إن أمكن أن ينتهي الخلود.

    فليخطب صدقي باشا مطولًا أو مقصرًا؛ فلن يستقر شيء من خطبه في قلوب المصريين كما أن الماء لن يستقر في تلك الجرة التي ليس لها قاع.

  • غضب | Anger

    حديث الوادي
    غضب . . .
    في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
    ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
    وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
    ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
    والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
    ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.

    قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
    على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
    فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
    هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
    إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
    طه حسين
    الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .