Tag: والرأي العام

  • برنامج (١) … | A Program (I) …

    برنامج (١) …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٢٥ أكتوبر ١٩٤٦

    ما عسى أن تكون هذه المصاعب التي تتصل بسياستنا الداخلية والتي أشار إليها المستر بيفن حتى حين تحدث إلى مجلس العموم البريطاني يوم الثلاثاء، وذكر أنها تَحُول دون الوصول إلى نتيجة للمفاوضات؟!

    لقد قِيلَ أمس إن المسئولين في وزارة الخارجية لا يريدون أن يفصلوا القول في تفسير هذه الإشارة التي ألقاها وزير الخارجية البريطانية إلى مجلس النواب البريطاني. ومن الطبيعي أن المسئولين في وزارة الخارجية لا يحبون هذا التفصيل، ولا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيه، فهم يقدِّرون قبل كل شيء أن رئيس الوزارة المصرية الذي ألقى نفسه عليهم إلقاءَ رجل ذكي فطن يكتفي بالتلميح عن التصريح، وبالإشارة عن العبارة، وبالإجمال عن التفصيل. وهم يعلمون ثانيًا أن للسياسة الخارجية لغتها الدولية التي تعتمد على الرمز والإيماء أكثر مما تعتمد على وضع النقط تحت الياء، وهم يعلمون ثالثًا أن المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية ليست من شئونهم، أو لا ينبغي أن تكون من شئونهم، فهم لا يريدون أن يقحموا أنفسهم فيها؛ فيُسجَّل عليهم أنهم يريدون الاستقلال المصري، ويدخلون فيما ليس لهم أن يدخلوا فيه، فليس غريبًا إذن أن يكتفي المستر بيفن بإشارته الموجزة.

    وليس غريبًا أن يأتي المسئولون في وزارة الخارجية تفصيل هذه الإشارة أو تفسيرها، وإنما الغريب إن أمكن أن يُستغرَب شيء من رئيس وزرائنا الغريب ألَّا يفهم صدقي باشا هذه الإشارة، وألَّا يندم على إلحاحه في النهوض بالمفاوضات على رغم هذه المصاعب التي تمس سياستنا الداخلية، وألَّا يأخذه شيء من الاستحياء — وقد كدت أملي كلمة أشد وقعًا من هذه الكلمة — من أن نلقي هذه الإشارة إلى مجلس النواب البريطاني، يلقيها وزير الخارجية البريطانية.

    وصدقي باشا مقيم في لندرة قد ذهب إليها رافضًا لكل نصح، مُعْرِضًا عن كل مشورة، مُهْمِلًا لكل صعوبة، غير مقدِّر لما يمكن أن يُقال له في لندرة، أو لما يمكن أن يُقال عنه في لندرة.

    ولكننا لا نستغرب من صدقي باشا شيئًا، فصدقي باشا هو الذي قصد إليه الشاعر العربي القديم فيما يظهر حين قال:

    إذا هَمَّ ألقى بين عينيه عزمهوسكت عن ذكر العواقب جانباولم يستشِرْ في رأيه غيرَ نَفْسِهولم يرضَ إلَّا قائم السيف صاحبا
    وواضح جدًّا أن الشاعر العربي القديم لم يكن يفكر في رجل ينهض بأعباء السياسة الدولية، ويرأس حكومة مسئولة أمام البرلمان أولًا وأمام الشعب ثانيًا؛ لأنها تحكم في ظل النظام الديمقراطي كما يُقال، وإنما كان يفكر في نفسه من حيث هو فرد له حريته الكاملة في أن يغامر بمنافعه، وفي أن يقامر بحياته إن أراد، فهو يستطيع إذن ألَّا يفكر في العواقب وألَّا يستشير إلَّا نفسه، وأن يعتز بقائم السيف ليدافع به عن نفسه وعن رأيه متعرضًا لما تجر عليه صلابته هذه من الأخطار. فأمَّا الذين يرأسون الحكومات ويُؤتمَنون على مصائر الشعوب، ويسألون عن كل ما يقولون وكل ما يعملون، ويُحاسَبون على الخطأ إن أخطئوا، وعلى الإساءة إن أساءوا فهؤلاء يجب عليهم قبل كل شيء أن يفكروا في العواقب قبل أن يقولوا وقبل أن يعملوا، فإن لم يفعلوا فهم آثمون في ذات الوطن، وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يستشيروا أنفسهم وحدها في آرائهم، وإنما ينبغي أن يستشيروا غيرهم من هؤلاء الذين ألقى إليهم النظام الديمقراطي عبء الأمانة على مصالح الشعب من الشيوخ والنواب والوزراء وهيئة المفاوضين، وأن يصدعوا بأمرهم ويذعنوا لرأيهم أو يستقيلوا، فإن استبدوا من دونهم بالأمر واكتفوا باستشارة أنفسهم في آرائهم فهم آثمون في ذات الوطن. وهؤلاء يجب عليهم ألَّا يعتمدوا على قائم السيف وحده، بل ألَّا يعتمدوا على قائم السيف إلَّا في تتبع الذين يفسدون في الأرض، ويعرِّضون أمن الناس للخطر، ويزهقون النفس ويسفكون الدماء بغير الحق.

    في تتبع هؤلاء وحدهم وفي دفع العدو المغير يمكن أن يعتمد رئيس الحكومة على قائم السيف في حدود القانون، ويأذن من القضاء والسلطات المختصة. فأمَّا في تدبير السياسة الداخلية والخارجية فقائم السيف لا قيمة له ولا عناء فيه، والذين يعتمدون على قائم السيف في هذه الأشياء يطغون ويأثمون في ذات الوطن، ومع ذلك فقد رأينا صدقي باشا يصل من المفاوضات ما كان يريد أن ينقطع ويجدد منها ما كان يريد أن يبلى، ويسافر إلى لندرة ليستبقي هذه المفاوضات غير حافل برأي الشعب ولا برأي البرلمان، ولا برأي زملائه المفاوضين، لا يذكر العواقب ولا يفكر فيها ولا يحفل بأثر هذه العواقب في حقوق مصر وفي سمعتها، قد استشار نفسه فأشارت عليه بالسفر فسافر، ولم يصطحب إلَّا قائم السيف فعطل الدراسة في معاهد التعليم كلها شهرًا، وحظر على المصريين أن يجتمعوا وأن يخطبوا، وسلَّ على الصحف سيفًا من الخوف؛ حتى لا نقول ما يفرض عليها النصح للوطن أن تقول!

    فلسنا مخطئين إذن حين نظن أن هذا الشعر العربي القديم كأنه قبل في رئيس وزرائنا هذا الذي يستبد بالرأي فيما لا يملك أن يستبد بالرأي فيه، هذا الذي يضع الشعب بأسره على الرف، ثم يصرِّف مصالحه وحقوقه وسمعته وكرامته كما يحب هو لا كما يحب هذا الشعب المغلول فلا يستطيع أن يتحرك، المكموم فلا يستطيع أن يتكلم، الذي سُلِّطت عليه ألوان الخوف، فلم يكد يستطيع أن يفكر.

    أي غرابة إذن في ألَّا يحفل صدقي باشا بما يمكن أن يقول له الإنجليز في لندرة، وبما يمكن أن يقول الإنجليز عنه في لندرة، وبهذه الإشارة التي ألقاها المستر بيفن إلى مجلس النواب البريطاني يوم الثلاثاء؟!

    وليس الذي يعنينا الآن أن يحفل صدقي باشا بهذه الإشارة أو لا يحفل بها، فقد استيأست مصر من صدقي باشا منذ وقت بعيد، وليس الذي يعنينا أن يفهم الإنجليز الذين تحدث إليهم المستر بيفن دقائق هذه الإشارة أو لا يفهمها؛ فمطالبنا واضحة، وموقفنا صريح، وكلمتنا حاسمة. والذين يحتاجون إلينا يجب عليهم أن يسلكوا الطريق التي تتيح لهم أن يسمعوا منا ويتحدثوا إلينا.

    ليس يعنينا إذن موقع هذه الإشارة من صدقي باشا أو من الإنجليز، وإنما الذي يعنينا موقعها من المصريين أنفسهم؛ فهم الذين يعنيهم أمر الحقوق المصرية، وهم الذين ينبغي أن تكون لهم الكلمة الأخيرة في كل ما يتصل بهذه الحقوق.

    وهذه الإشارة إن دلت على شيء فإنما تدل على أن هذا الشعب المصري الذي منعه صدقي باشا من أن يجتمع ومن أن يتكلم، ومن أن يستمتع بحريته السياسية كما تستمع بها الشعوب المتحضرة الديمقراطية. هذا الشعب المغلول المكموم المُضيَّق عليه في كل شيء قد استطاع أن ينتصر على صدقي باشا وعلى المستر بيفن، وعلى جميع الذين يريدون أن تُعْقَد بين بريطانيا العظمى ومصر معاهدة لا يرضاها المصريون ولا يشاركون في درس تفصيلاتها ودقائقها.

    فلو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري ويستمتع بثقته وتأييده لما ثارت هذه المصاعب الداخلية التي تَحُول دون انتهاء المفاوضات إلى غايتها، ولما احتاج المستر بيفن إلى أن يشير إليها في مجلس العموم.

    ولو كان صدقي باشا يُمثِّل الشعب المصري تمثيلًا مقاربًا وينطق بلسان فريق محترم من هذا الشعب؛ لأُتِيحَ له وللمستر بيفن أن يطويا كشحًا عن هذه المصاعب إن ثارت، وأن يعتمدا على هذه القلة ذات الخطر؛ ليخفيا هذه المصاعب على الرأي العالمي العام، وليخدعا الشعب المصري عن نفسه وعن حقه، ويكرهاه على ما لا يريد. ولكن صدقي باشا لا يمثل الشعب ولا يمثل فريقًا من الشعب قل أو كثر، ولا يمثل حتى زملاءه الوزراء، ولا يمثل حتى زملاءه المفاوضين، وإنما يمثل نفسه ونفسه وحدها. ومن أجل هذا صارت المصاعب الداخلية، ومن أجل هذا أشفق وزير الخارجية البريطانية من المضي في المفاوضات إلى غايتها، ومن أجل هذا صرَّح وزير الخارجية البريطانية بإشفاقه هذا لمجلس النواب البريطاني.

    والمصريون يطلبون حقوقهم ولا يرضون حتى يظفروا بها كاملة. هذا حق، ولكن المصريين يأبون أن يتحكم فيهم فرد أو أفراد من المصريين أو من الإنجليز. وهم قد استطاعوا بإبائهم وثباتهم وإصرارهم على ألَّا يمنحوا ثقتهم إلَّا للذين يأمنونهم ويطمئنون إليهم. استطاعوا بهذا كله أن يمنعوا صدقي باشا من إمضاء المعاهدة التي لا تلائم حقَّهم ولا كرامتهم واستطاعوا بهذا كله أن يشعروا بريطانيا العظمى بأن المعاهدات لا قيمة لها إذا لم تقبلها الشعوب وإن قبلتها الحكومات، وليس هذا الفوز بالشيء القليل، هو فوز سلبي ما في ذلك شك، ولكنه فوز سلبي اليوم ليكون فوزًا إيجابيًّا غدًا.

    فليس على المصريين إلَّا أن يصمموا ويعزموا ويستمسكوا بهذه الكلمة التي لا يستمسك بها في مثل هذا الموقف إلَّا الشعب الكريم، وهي كلمة لا …

    يجب أن يسمع صدقي باشا هذه الكلمة غائبًا أو حاضرًا، نائمًا ومستيقظًا، راضيًا وساخطًا، ويجب أن يسمعها المستر بيفن مقيمًا في لندرة أو مسافرًا إلى نيويورك، ويجب أن يسمعها العالم كله على اختلاف مذاهبه في السياسة ونُظُم الحكم لا تريد مصر أن تفكر في معاهدة مع الإنجليز قبل أن يصبح الجلاء ووحدة وادي النيل حقيقة واقعة، ولا تريد مصر أن يُنطَق بلسانها أو يُتحدَّث باسمها في شئون سياستها الخارجية مع دولة من الدول مهما تكن إلَّا الذين يستمتعون بثقتها، وينهضون بأعباء الحكم فيها نتيجة لانتخاب حر لا يخضع للبطش والبأس، ولا يتعرض للتزييف والتزوير، ولا تريد مصر أن تصبح حقوقها موضوعًا للمساومة مهما يكن المساومون، ومهما تكن الظروف التي تدعو إلى هذه المساومة، ولا تريد مصر أن تغامر بمصالحها ومستقبلها، وتقامر بدماء أبنائها لخدمة دولة من الدول، سواء أكانت هذه الدولة في الشرق أم في الغرب. ولا تريد مصر أن تعقد مخالفات هنا أو هناك قبل أن تستكمل حقوقها، وتستمتع باستقلالها، وتستطيع أن تقول نعم أو لا عن إرادة ورضا لا يفرضهما الأجنبي بجيش الاحتلال ولا يفرضهما المصري بقائم السيف.

    يجب أن يكون البرنامج المصري في هذه الأيام حازمًا وحاسمًا وساطعًا قاطعًا وموجزًا كل الإيجاز، لا يجد أحد مشقة في فهمه، ولا يتكلف أحد جهدًا في النطق به، وإنما هو كلمة واحدة قصيرة كأقصر ما تكون الكلمات حازمة كأحزم ما تكون الألفاظ هي كلمة «لا» التي يجب أن تتردد بها جوانب الوادي من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله ومن أقصى شرقه إلى أقصى غربه، يجب أن تكون «لا» هي شعار المصريين حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

  • نصيحة | Advice

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.