حديث الوادي
حرج…
وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه ضيقة به لا يثير في النفوس رحمة لها، ولا إشفاقًا عليها، وإنما يثير في النفوس رحمة لمصر، وإشفاقًا على مصر، وحزنًا على هذا البلد المجيد، أن تسوء سمعته بين البلاد، وأن يتخذه الناس موضوعًا لأحاديث اللهو والسخرية والاستهزاء.
وزارة الداخلية محرجة، ولكن الحرج الذي هي مضطرة إليه مضحك، وهو من أجل هذا محزن حقًا، هو يضحكنا حين ننظر إليه، ونشهد مظاهره وآثاره، وهو يحزننا حين نفكر فيه ونقدر وقعه في نفوس الأجانب وحكم الأجانب على حياة المصريين. رجل من المصريين أراد أن يتنقل بين المدن المصرية، وهذا الرجل يختلف فيه رأي الناس في ظاهر الأمر ويتفق فيه رأي الناس في حقيقة الأمر. فأما الشعب المصري فيراه زعيمًا لمصر، ويعلن أنه زعيم لمصر، يحبه كما تحب الشعوب زعماءها، ويلقاه كما تلقى الشعوب زعمائها، ويفتديه بالحياة كما تفتدي الشعوب زعمائها، أما الوزارة المصرية، ووزارة الداخلية خاصة فتؤمن إذا خلت إلى نفسها، وإلى أصدقائها وأنصارها وأوليائها، ومستشاريها، من الإنجليز بأن هذا الرجل زعيم لمصر تلعن إذا تحدثت إلى الناس أن هذا الرجل ليس شيئًا، وإنما هو فرد كغيره من الأفراد، والتناقض بين الرأي والقول، وبين العقيدة والعمل مصدر من مصادر الضحك الذي لا ينقضي، ومن هنا كانت وزارة الداخلية محرجة، وكان حرج وزارة الداخلية مضحكًا حقًا، وكيف لا تضحك حين تسمع من وزارة الداخلية ومن الوزارة كلها أن مصطفى النحاس رجل لا يحبه أحد، ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، ثم ترى وزارة الداخلية تحشد لهذا الرجل الذي لا يحبه أحد ولا يؤيده أحد، ولا يحفل به أحد، جند الدولة وشرطة الدولة، وأسلحة الدولة، وتعد له كل ما تملك الدولة من مهارة وبراعة، ومن مكر وحيلة، ومن دهاء وخداع. إن كان هذا الرجل مخيفًا، لأن الشعب يحبه ويألفه، ويؤيده وينصره، فلتعلن ذلك وزارة الداخلية ولتعلن أن في مصر ثورة متصلة عجزت الحكومة عن إضعافها منذ أربعة أعوام. ولتتخذ ما تقضيه الثورة من إعلان الأحكام العرفية، وتعطيل القوانين المألوفة، وأخذ الناس بالقوة الظاهرة والعنف الصريح، أخذًا متصلًا لا تردد فيه ولا اضطراب، أيرى الناس أتنتصر الحكومة على الشعب فتستريح من مصطفى النحاس، أم ينتصر الشعب على الوزارة، فيستريح منها الشعب ويستريح منها. مصطفى النحاس وإن كان هذا الرجل عاديًا لا خطر له ولا وزن لسلطانه على النفوس، ولا خوف من حركاته وسكونه، ولا من انتقاله واستقراره، فلتهدأ الوزارة ولتطمئن، ولتدع جند الدولة في ثكناته، وشرطة الدولة في مركزها، وأسلحة الدولة في مستودعها، ولترح نفسها من مصطفى النحاس، ولترح مصطفى النحاس من نفسها.
ولكن الوزارة تخاف هذا الرجل وتعلن أنها تأمنه، وتهلع من هذا الرجل وتعلن أنها لا تحفل به، وتعبئ قوة الدولة لحرب هذا الرجل، وتعلن أنها لا تهتم له فمن حق الناس أن يضحكوا ومن حق الناس أن يمعنوا في الضحك ثم من حق الناس أن يحزنوا وأن يمعنوا في الحزن لأن الوزارات لم تقم للهزل، ولم تنشأ للعب، وإنما أقيمت للجد الخالص في تصريف الأمور.
دع كل هذه الأحداث التي حدثت في بورسعيد، والإسماعيلية والزقازيق ودع هذا العبث الذي يحدث يوم الجمعة من كل أسبوع حين يذهب مصطفى النحاس ليؤدي الصلاة في مسجد من المساجد، دع هذا كله فالناس يرونه ويضحكون منه، ويحزنون له، وقف بنا عند حادث يسير جدًا، حدث في بورسعيد فسترى أنه أبلغ من كل شيء في تصوير الحرج المنكر الذي يضطر إليه وزير داخليتنا البارع القيسي باشا. أراد هذا الرجل الضعيف الذي لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تعني الحكومة به أقل عناية الذي نسيت اسمه وأظنه يسمى مصطفى النحاس أراد أن يزور ثلاثة من الجرحى كانوا يعالجون وما زالوا يعالجون في مستشفى بورسعيد وهؤلاء الجرحى لم يصرعوا في معركة بين الشرطة والشعب، فلم تكن قط معركة بين الشرطة والشعب، وإنما صرعوا قضاء وقدرًا، انهار عليهم جدار أو سقط عليهم بعض الأحجار، التي تسقط من السماء أحيانًا؟ فنقلوا إلى المستشفى، وأراد هذا الرجل أن يزورهم مواساة لهم وعطفًا عليهم، ولست أدري لما كرهت الوزارة هذه الزيارة فأبتها على هذا الرجل وألحّ هذا الرجل فيما أراد وأزمع أن يتم زيارته مهما تكن الظروف، وهذا غريب من رجل لا يحفل به أحد، ولا تقيم الوزارة له وزنًا، وأغرب منه أن الوزارة القوية العزيزة لم تستطع أن تمنعه من الزيارة، مع أنها تكرهها كل الكره وتأبها كل الإباء، ومع أنها أقامت الأسلاك الشائكة حول المستشفى، وأقامت نطاقات ضخمة من الجند والشرطة المسلحين حول المستشفى أيضًا، وكان بعض هذا كافيًا لمنع هذا الرجل الذي لا خطر له من الوصول إلى المستشفى ولكن الوزارة مع هذا أذعنت لما أراد، وخلّت بينه وبين المستشفى، حتى انتهى إليه، وهناك بلغت الوزارة بالمكر والحيلة، ما لم تبلغه بالعنف والقوة، هناك قال موظفو المستشفى لمصطفى النحاس أن المصابين قد نقلوا من المستشفى إلى مكان مجهول، وأقر وكيل المحافظة بمشهد من ضباط الدولة ما قاله هؤلاء الموظفون، وانصرف مصطفى النحاس عن المستشفى ما دام المصابون قد نقلوا منه، ولكن هناك شيئًا أغرب من إصرار هذا الرجل الضعيف على زيارة المستشفى رغم ضعفه، ومن إذعان الوزارة القوية لإرادة هذا الرجل رغم قوتها وهو أن الموظفين لم يكونوا صادقين فيما يظهر حين زعموا لهذا الرجل الضعيف أن المصابين قد نقلوا، وأن وكيل المحافظة يقر الحق فيما يظهر حين أقر لهذا الرجل الضعيف ما قاله الموظفون. وقد يقال أن المصابين لم ينقلوا، ولم يتركوا المستشفى، وإنما قيل ذلك لرئيس الوفد ليحال بينه وبين دخول المستشفى.
فقد نحب أن نعلم حكم الأخلاق في هذا الموقف الذي وقفته الوزارة حين زعمت أن المرضى قد نقلوا من المستشفى مع أنهم لم ينقلوا منه، وإنما كانوا وما يزالون فيه.
وقد نحب أن تعرف حكم الدين ورأي صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ جامع الأزهر في وزارة تعلن أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه، وقد نحب أن نعلم المعنى السياسي لهذا الموقف الطريف: أهو يدل على الأمن والثقة أم هو يدل على الخوف والشك ثم نحب أن نعلم بعد هذا كله مغزى هذا الموقف من جهة السياسة العامة: أهو يدل على أن الوزارة محرجة، حتى أن الحرج ليضطرها إلى إعلان غير الحق، أم هو يدل على أن الوزارة مطمئنة حتى أنها لا تحتاج إلى أن تغير من الحق شيئًا، ولا أن تزعم أن المصابين قد نقلوا من المستشفى مع أنهم كانوا وما يزالون فيه.
ونحب آخر الأمر أن نعرف أي قدوة هذه التي تقيمها الوزارة للناس فالأصل أن الحكومات يجب أن تعرض على الناس القدوة الصالحة والأسوة الحسنة وأن تضرب لهم أنفع الأمثال في الصدق والنصح والإخلاص وإيثار الخير. فما رأي الوزارة في موقفها هذا؟ وما رأي الوزارة في الناس إذا قلدوها فأخفوا المرضى، والجرحى، وتستروا على ما لا ينبغي أن يتستروا عليه والتووا بالضرائب، وأخفوا عليه حقيقة ما يملكون، وجحدوا وجود أبناءهم حين يطلبون لأداء الخدمة العسكرية؟ أنلزمهم على ذلك أم نثيبهم عليه؟ فإن لامتهم فقالوا لها إن الناس على دين وزارتهم، فكيف نجيب؟، وإن أثابتهم فغضبت الأخلاق، وغضب الدين وغضب القانون وغضبت منافع الدولة فكيف تكون الحال؟
أرأيت أبلغ في تصوير الحرج من هذا الموقف اليسير الذي وقفته الوزارة منذ أيام، وكل هذا لأن مصطفى النحاس رجل ضعيف لا يحفل به أحد، ولا يهابه أحد، ولا تهم له الوزارة؟
ألم يشبع الوزراء من هذا الهزل؟ ألم يزهد الإنجليز في هذا العبث؟ ألم يأن للمصريين أن يشهدوا الجد بعد أن قضوا في الضحك والمزاح أربعة أعوام…؟
طه حسين
الوادي، ٤ أغسطس ١٩٣٤.
Tag: والقمع الحكومي
-
حرج٢ | Embarrassment 2
-
عقوق | Ingratitude

حديث الوادي
عقوق . . .
ما أكثر الآثام التي تقترف ويحسبها الأجانب على مصر، ويضيفها الأجانب إلى المصريين، لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئاً، فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يضاف خيره إن كان فيه خير، وشره وما أكثر ما فيه من الشر، إلى هذا الشعب المصري المسكين، وماذا يمنع الأجانب في أوربا، وغير أوربا، أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو، لأن الوزارات عندهم تعمل وفقاً لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلاً، ولا كثيراً، ونحن نُخيّل إلى الأجانب في أوربا، وفي غير أوربا، أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا، نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم. وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخى إرادة الشعب، وتجد في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مُقدم، وإذا أحجمت، فالشعب مُحجم، وإذا أرادت فالشعب مريد.
كذلك نُخيّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يصدقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات. وهم لذلك إذا أنكروا شيئاً من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة، أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلاً، غافلاً، قليل الحظ من الحضارة، بعيداً عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه. وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.
وهناك أمر مؤلم حقاً، لا أعرف شيئاً أشد منه إيذاءً للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلاماً للقلب النقي، وأسوأ منه أثراً في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية، التي تمثل فصولها منذ أعوام، بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حياً، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت. أو قل إن هذه القصة لا تمثل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تمثل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات. أو قل إن هذه القصة تمثل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف. تستطيع أن تقول هذا كله، فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن الممض.
أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعاً، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاءً، وأهدرت كرامة الشعب إهداراً، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية، وكانت أنباؤها تذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم. ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث، أيجوز له أن يحيا، ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت وأن يموت معه الفن؟.
وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء، في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى، فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.
نعم كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعداً في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم، في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعاً للخصام؟ ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث، قبل أن يموت يائساً ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى، تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات، مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط ألا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار. بشرط ألا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث، لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعاً، منتشرة في بيوت الناس جميعاً، يزيدها الاضطهاد بقاءً وانتشاراً كلا. هي لا تخاف صورة سعد ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد. هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يبدد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصرياً، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبياً فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال وعليه تتهالك الوزارة.
وزارتنا إذن لا تحارب الفن لأنه الفن وإنما تحاربه إذا كان مصرياً! يالهول ياللوعة، ياللسى! . . كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حرباً على القومية المصرية؟ لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حياً وميتاً؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم. ومن مجّد سعداً، أو سعى في تمجيده فقد حقت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد، حياً وميتاً.
أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى إنه يضاف إلى المصريين جميعاً في الخارج أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد، واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون إن الشعب المصري ما زال جاهلاً غافلاً متوحشاً، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه، وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه، لأنه عاجز عن أن يقدر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان. فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟
طه حسين
الوادي، ٨ يوليو ١٩٣٤. -
هيبة … | Majesty…
حديث المساء: هيبة …
طه حسين
كوكب الشرق
٢٢ يناير ١٩٣٤
أما أن وزارتنا مهيبة رهيبة، فهذا شيء لا يحتمل الشك، ولا يأتيه الريب من أي ناحية من نواحيه.
وكيف تشك في هيبة الوزارة أو ترتاب في أن الرهبة تصدر عنها كما يصدر الضوء عن الشمس واللهب عن
النار؟ وهي قادرة على أن ترفع الجسور المنصوبة، ويقيم من حولها الجنود. فإذا استعصى عليها رفع
الجسور حَصَّنَتْهَا تحصينًا، وأقامت عليها السيارات تأخذ عرضها وطولها ولا تدع سبيلًا
للسالكين. حَدِّثْنِي كيف تستطيع أن تشك في الهيبة والرهبة إذا استطاعت الوزارة رفع الجسور التي
ترفع، ومنع الجسور التي ليس إلى رفعها سبيل؟ ومتى رأيت وزارة ضعيفة ضئيلة الشأن تقوَى على رفع
الجسور وأخذ الطرق؟ ومَنْ الذي يستطيع أن يزعُم أن الضعفاء يقدرون على رفع الأثقال؟ فالجسور
ثقيلة من غير شك، ولا بد من جهد عنيف وبأس مخيف لتُرْفَعَ من أماكنها، وقوة وزارتنا ليست مقصورة
على عضلاتها وأذرعها، وإنما هي قوة بالغة عريضة تتناول العقل، وتتناول الذكاء، وتتناول الحيلة؛
فتتمكن من حل المعضلات وإزالة المشكلات. وقد تَحَدَّثَ الناس أن في طريقٍ من الطُّرُق التي تؤدي
إلى القليوبية جسرًا ثابتًا لا يتحول، ولا يتحرك، ولا يمكن أن يرفع، وكان من الممكن أن يتخذ
رئيس الوفد وأصحابه هذه الطريق، وأن يعبروا على هذا الجسر الذي لا يمكن تحويله ولا رفعه.
والغريب أن الوزارة قد قدرت هذا، وفطنت له وحسبت حسابه، وأقامت لرئيس الوفد وأصحابه الأَدِلَّة
على أن الحديد بالحديد يفلح، وعلى أنهم إن كانوا ريحًا فقد لقوا إعصارًا. وعلى أنهم إن فكروا في
أخذ هذه الطريق فإن الوزارة قد سبقتهم إلى التفكير وقطعت عليهم الطريق، وعلى أن الذكاء ليس
مقصورًا على الشعب، وإنما هو نعمة من نعم الله يشيعها بين الشعب والوزراء، ولعله يختص بها
الوزراء ثم يتفضل الوزراء فينزلون منها عن جزء يسير يهَبُونه للشعب؛ ليستطيع أن يعيش ويتصرف في
شئون الحياة.
وكذلك أقامت الوزارة للمصريين وللأجانب الذين يرقبون المصريين دليلًا ساطعًا قاطعًا على أنها
قوية ذكية، رفعت الجسر في طريق شبرا لأنه كان يرتفع، وأقامت على الجسر الآخر صفوفًا من السيارات
أمامها ووراءها صفوف من الجند، ولم يبقَ شك في أن الدول الأوروبية قد عَرَفت أن مصر الآن أبعد
منالًا من النجم، وأمنع من عقاب الجو، ولن تفكر منذ الآن دولة في الإغارة على مصر، أو الاعتداء
عليها؛ لأن في مصر وزارة تعرف كيف تقطع الطرق على المُغِيرِينَ؛ فترفع الجسور إن كانت قابلة
للرفع، وتسد الجسور إن كان رفعها عسيرًا أو مستحيلًا.
وكذلك ذاعت شهرة مصر في الآفاق، واستقرَّت هيبة مصر في القلوب، وتلقَّى الوزراء المفوَّضون
درسًا قاسيًا، ولكنه ظريف، يعلمهم أن مصر ليست من هذه البلاد التي يطمع فيها الأجانب فينكروا
على قاضي القضاة خُطبته، ويسعوا إلى رئيس الوزراء بالاحتجاج، وأصبح من المُحَقَّقِ أن المحاكم
المختلطة سَتُلْغَى غدًا أو بعد غدٍ، وأن الامتيازات ستصبح حديثًا من الأحاديث، ولن يفكر وزير
فرنسا في أن يسعى باحتجاج أو إنكار إلى رئيس الوزراء؛ لأن الوزارة ستأخذ عليه الطريق إلى دار
الرياسة. ستقيم في كل الطرق التي توصل إلى مكتب الرجل الطيب صفوفًا من السيارات وراءها وأمامها
صفوف من الجند. وسيُضطر وزير فرنسا إلى أن يعود محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطِع أن يبلغ
الاحتجاج ويلقى رئيس الوزراء. كما عاد رئيس الوفد محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطع أن يخرج من
القاهرة ولا أن يصل القليوبية. وكيف يخرج من القاهرة وقد رفعت الوزارة له جسرًا، وسدت عليه
جسرًا آخر؟! وأكبر الظن أن الوزراء المفوضين سيلزمون القاهرة كلما هموا باحتجاج، وسيمتنعون عن
الرياضة في الجزيرة أو أي مكان آخر يضطرهم إلى عبور النيل أو إلى عبور قناة من الأقنية. فمن
يدري لعل الوزارة ترفع من دونهم الجسور، أو تسدها فلا يستطيعون إلى دورهم قفولًا؟
وعلى هذا النحو أراد الله أن تكون حياتنا لهوًا ولعبًا، وضحكًا وإغراقًا في الضحك، ولِمَ لا؟
أليس الناس على دين وزرائهم، فإذا لعب الحاكمون وَجَبَ أن يلعب المحكومون. وما دامت وزارتنا
ترفع الجسور وتُحسِن رفعها؛ فلنضحك نحن للجسور المرفوعة، ولنُحسِن الضحك، وما دامت وزارتنا ترى
أن أقصى ما تستطيع أن تصل إليه من القوة هو أن تأخذ الطريق على الناس حين يغدون ويروحون، ليعلم
الناس أنها قوية وأنها ذكية؛ فلنؤمِّن نحن لها بالقوة والذكاء ولنُبَاهِ نحن بها الأمم
والشعوب.
لا تكره الوزارة منا ذلك، ولا تكره منا أن نجربها فيه من حين إلى حين، فنحن حِراصٌ على أن تظل
قوية ذكية وعلى ألا تنسى قوتها وذكاءها؛ وإذن فلا بد من أن تُقام الولائم، ويُدْعَىْ إليها
الوفد والوفديون لتمنعها الوزارة، ولترفع في سبيلها جسورًا وتسد جسورًا أخرى.
وإذا كان من الحق أن نُشْعِرَ الأجانب بهيبة مصر؛ فإن من الحق أن نُضحك الأجانب ونسليهم بعض
الشيء. وقد نضحكهم ونسليهم في الأوبرا إذا كان الليل، فلنضحكهم ولنسلِّهم في طريق شبرا وطريق
المطرية إذا كان النهار. ذلك شيء تفرضه علينا الضيافة، وما امتزنا به من الكرم والجود. وإذا
أَبَتِ الوزارة على المصريين أن يكرم بعضهم بعضًا، أو يضيف بعضهم بعضًا؛ فليس ينبغي لها أن تأبى
على المصريين أن يُكرموا الأجانب ويضيفوهم، ويؤدوا إليهم واجب التسلية والتلهية؛ حتى تَحسُن
سمعتنا، ويعلم الناس أننا أصحاب بأس، وأننا أصحاب رفق ولين، وأننا نخيف العدو، وأننا مع ذلك
نضحكه ونلهيه.
وبعد، فهل نستطيع أن نفهم من تصرُّفات الوزارة منذ كان هذا العيد أنها قوية كما قال الرجل
الطيب، وهل نستطيع أن نفهم من هذه التصرفات أنها ضعيفة كما نقول نحن. أما أنا فواثق بأن الوزارة
قوية كما قال الرجل الطيب، وبأنها ضعيفة كما نقول.
قوية ما دامت تستطيع رفع الجسور وحشد الجند، وضعيفة ما دامت تحتاج إلى هذا لتمنع رجلًا أو
رجالًا من أن يزوروا قرية من القرى، أو مدينة من المدن، أو إقليمًا من الأقاليم.
قوية لأنها تستطيع أن تخالف الدستور وتخرج على القانون، دون أن تُقَالَ وتوقَف أمام القضاء،
وضعيفة لأنها لا تستطيع البقاء في مناصبها إلا بمخالفة القانون، والاعتداء على الحقوق والخروج
على الدستور، والأمن من العقاب.
قوية لأنها تقول إنها قوية، وضعيفة لأنها لا تستطيع أن تثبت قوتها إلا إذا عاملت العاصمة
معاملة المدن المحصورة، وأرغمت المصريين على أن يعيشوا عِيشة الأسرى لا ينتقلون إلا بمقدار، ولا
يتحركون إلا في أماكن تُعَيَّنُ لهم تعيينًا.
وزارتنا قوية جدًّا، وآية ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية. وزارتنا ضعيفة جدًّا، وآية
ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية؛ لأنها لم تستطع ولن تستطيع أن ترد قلوب أهل القليوبية عن
رئيس الوفد.
وزارتنا قوية جدًّا لأنها ما زالت تختلف إلى مكاتبها وإلى البرلمان. ووزارتنا ضعيفة جدًّا
لأنها مُضطرة إلى الظلم والجور لتستطيع الاختلاف إلى مكاتبها وإلى البرلمان.
نعم وزارتنا قوية، ووزارتنا ضعيفة، والنظام الحاضر ثابت، والنظام الحاضر قَلِقٌ، والإنجليز
يَرَوْنَ هذا كله ويعجبون بهذا كله، ويضحكون لهذا كله.
وما الذي يمنع الإنجليز من أن يضحكوا إذا أرادوا الضحك، وفي مصر قوم يأبون إلا أن يكونوا
عندما يريد الإنجليز؟! -
شكر | Thanks
شكر
طه حسين
كوكب الشرق
٣٠ نوفمبر ١٩٣٣
ولكنه يختلف باختلاف الناس؛ فقوم يشكرون بالقلم، وقوم يشكرون بالعصا، ومهما تفعل فلن تغيِّر من طِبَاع الناس شيئًا، ولن تبدِّلَ من جواهر نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا، إنما تستطيع أن تسجِّل منها ما ترى وتلفت الناس إليها ليعلموا أين الخير وأين الشر، وليتبيَّنوا أين الرشدُ وأين الغيُّ. إني لَأقرأ صحف اليوم فأرى هذا التناقض الغريب بين وزيرين يعملان في وزارة واحدة لغاية واحدة على برنامج واحد وبرياسة رجل واحد، هذا يشكر الناس ويثني عليهم، وهذا يضرب الناس ويمعن في الإساءة إليهم، وكلاهما مصري، وكلاهما وُضِع في منصبه ليخدم المصريين لا لِيسودَهم، ولينفع المصريين لا ليضرهم، وليطيع المصريين لا ليأمرهم، ولينزل عند إرادة المصريين لا ليأخذهم بما يريد.
هذا وزير الحربية يشكر الأمة أجمل الشكر ويثني عليها أحسن الثناء؛ لأنها أظهرت حبًّا للجيش وعطفًا عليه ومواساةً له، حين شيَّعَتْ بقلوبها وأجسامها وألسنتها الشهيدين العظيمين، ويعجز أو يعلن أنه يعجز عن تصوير ما يمتلئ به قلبه من عواطف الشكر والرضى، وبواعث التقدير والإكبار. وهذا وزير الداخلية يحشد للأمة جنود الشرطة وجنود الجيش حشدًا لم تعرفه الأمة من قبلُ إلا مرة واحدة منذ الثورة فيما تقول الأهرام، ثم يسلِّط هذا الجند المحشود على هذه الأمة، فإذا العِصِيُّ والسِّيَاط تنال من أبنائها في غير حساب، في غير رحمة، في غير شفقة، في غير رعايةٍ لحرمة، في غير تقدير لحق، في غير استحياء من جلال الموت. فإذا استطعت أن تلائم لي بين هذين الوزيرين اللذين يعملان معًا ويتضامنان في العمل، فأنت موفَّق بارع في الفهم والاستقصاء، أما أنا فلولا أن المقام مقام حزن وأسى، ولولا أن المقام مقام لوعة وحسرة، ولولا أن المقام مقام عظة واعتبار، لَدعوتك إلى أن تضحك من هذا التناقض، فإن الضحك خير ما ينبغي أن نلقى به مثل هذا التناقض الغريب، أي الوزيرين ينبغي أن تصدِّق الأمة، أتصدِّق هذا الذي يشكرها من طرف القلم أو من طرف اللسان، أم تصدِّق هذا الذي يضربها رجالُه كما كان يضرب الأرقاء، ويسلطون عليها العصي والسياط كما تُسلَّط على الحيوان، أم لا تصدق هذا ولا ذاك، فهذا يشكر لأن الرسميات تضطره إلى أن يشكر، وهذا لا يحمي الناس من الضرب؛ لأن تكلُّف القوة ومحاولة البقاء في الحكم، والرغبة في إظهار الهيبة تضطره إلى ألَّا يفعل، ولو خُلِّيَ بين الأول وبين نفسه لما شكر ولا أثنى، فقد كانت هذه الأمة المحتشدة أمس ناقمة منه ومن وزارته، راغبة عنه وعن وزارته، تظهر في صراحة ترضيها وتؤذي خصومها، إن هواها وقلبها وإن إخلاصها وودها ليست معه ولا مع وزارته، وإنما هي مع قوم آخَرين كانوا يسعون معه جنبًا إلى جنب، وكانوا يتنفسون معه من هواء واحد، وكانوا يرون معه مشاهِد الحب والإخلاص ومظاهر النفور والإعراض، وكانوا يسمعون معه صياح التأييد والاحتجاج، وكانوا يحسنون أنهم يمثلون هذه الأمة حقًّا، وكان هو يحس أنه لا يمثل أحدًا إلا نفسه وهؤلاء النفر الذين يحصونهم والذين يظهرون التضامن، ويذهب كل منهم مذهبه لا يلوي على أحد ولا يلوي على شيء.
ولو خُلِّيَ بين الثاني وبين نفسه لَآثر العافية واختار السِّلْم، فهو يعلم حق العلم، وهو يؤمن أشد الإيمان بأن هؤلاء الناس أشد منه قوةً، وأعظم منه بأسًا، وأقدر منه على أن يصونوا أجسامهم من وَقْع العِصِيِّ، ووجوههم من مسِّ السِّيَاط، لولا أنهم لا يريدون الشر، ولولا أنهم أشد وطنيةً وحكمةً من أن يحتملوا ما يحتمل هو من تبعة الاعتداء والخروج على النظام.
نعم، وإنه ليعلم حق العلم أنه لم يُوضَع في منصبه إلا ليكون خادمًا أمينًا مخلصًا مطيعًا لهذه الجماهير التي سلَّط عليها العذاب أمس، وأنه ليعلم حق العلم أنه لو خُلِّيَ بينه وبين نفسه لَسار في هذه الجماهير سيرة الخادم المخلص الأمين؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يسير فيهم هذه السيرة. ولكن ذاك الوزير كان مضطرًّا إلى الشكر، وهذا الوزير كان مضطرًّا إلى الرضاء بالضرب؛ لأن هؤلاء الناس لا يصدرون فيما يأتون من الأعمال عن أنفسهم وحدها، وإنما يصدرون عن أشياء أخرى يعرفونها حق المعرفة، وهي التي تدفعهم إلى ما لا يحبون. إني لا أستطيع أن أظن أن وزير الداخلية إذا خَلَا إلى نفسه ورُفِعت الكلفة بينه وبين ضميره، يرى أن ضرب الناس وتعذيبهم ومصادرتهم في أبسط مظاهر الحرية شيء يرضاه الرجل الكريم أو يُتمدَح به الوزير الأمين، ولكنها ضرورات السياسة تكلِّف الناس أحيانًا ما لا يطيقون. إني لا أستطيع أن أظن بأن الأمر قد انتهى بوزير الداخلية إلى حيث أصبح يرى لنفسه الحقَّ في أن يطلق يد الشرطة على الناس إلى هذا الحد، فينظروا إلى أبناء مصر كما ينظر صاحب الحيوان إلى الحيوان في البلاد التي لا توجد فيها جماعات الرفق بالحيوان. وإني لَأزعم لنفسي أن وزير الداخلية حين يخلو إلى نفسه يلقى منها لومًا عنيفًا، وحين يتحدَّث إلى ضميره يحس منه لذعًا أليمًا، ووزير الداخلية مصري مهما يكن أمره، والمصريون أكرم على وزير الداخلية من أن تُسلَّط العصي على أجسامهم في غير حق ولا موافقة للقانون، ولكن وزير الداخلية يريد أن يظل وزيرًا، ويظهر أن إذلال المصريين أو السكوت عن إذلالهم هو الثمن الذي يجب أن يُؤدَّى للاحتفاظ بالوزارة في هذه الأيام. إني لَأرغِم نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد تشييع الشهيدين، فتحدثوا عن هذه الأمة الكريمة البائسة كيف أرادت أن تشيِّع فقيديها، وتُظهِر تقديرها لهما وعطفها عليهما وإكبارها للتضحية والمضحين في سبيل الواجب والوطن، وكيف لقيت من الشرطة والجند ما لقيت من الهول، فصُرِع من أبنائها مَن صُرِع، وفُجِع من أبنائها مَن فُجِع، وحُمِل منهم أكثر من سبعين إلى حيث يداوون جراحاتهم ويهدئون آلامهم. فيتمدح وزير الداخلية؛ لأنه قد حفظ النظام وأقرَّ الأمن وكسب المعركة، ولم يمكِّن هذا الشعب من أن يَبْلُغ ما يريد من أداء الواجب، أو يعلن ما يريد من إكبار الواجب وإجلال الذين يحسنون أداءه. ثم يتحدَّث وزير الحربية بأنه على ذلك وبرغم ذلك، سيصدر بيانًا لا يضن فيه على هذه الأمة بكلمة شكر لا يشبهه شكر، وثناء لا يدانيه ثناء.
نعم، إني لَأكره نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه، حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد المأساة وأديرت بينهم هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث وما تصوره من النفوس والعواطف، ومن الميول والأهواء، تدل حقًّا على أن أمورنا لا تذهب مذهب الجد، وعلى أن وزراءنا لا ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر الوزراء إلى الشعوب، وإنما ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر السادة إلى العبيد، ومع ذلك فلولا نحن ما سادوا، ولولا نحن ما كانوا شيئًا.
لقد أصدر حكمدار القاهرة بيانه أول أمس يطلب فيه إلى الشعب أن يحرص على النظام ليحتفظ المشهد بما ينبغي له من الروعة والجلال، فطلبنا نحن إلى حكمدار القاهرة أن يلفت رجاله إلى مثل ما يلفت الشعب إليه، وأن يطلب إلى رجاله مثل ما يطلب إلى الشعب، وأن يحافظ هو على النظام ويمنع الشرطة من الخروج على النظام؛ لأن الأمة ليست أقل من الحكومة حرصًا على ما ينبغي للمشهد من الروعة والجلال. وهذه الصحف التي لا تنتمي إلى الأحزاب، ولا تصور آراءها ولا تضنُّ على الحكومة بالعطف والتأييد، تعلن أن الشرطة هي التي اعتدت، وأن اعتداءها هو الذي أفسد النظام وأضاع كثيرًا مما كان ينبغي للمشهد من الروعة والجلال، فإحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن تكون الشرطة قد اعتدَتْ لأنها عاجزة عن حفظ النظام إلا بالاعتداء، وإما أن تكون الشرطة قد اعتدت لأنها أُمِرت بالاعتداء ودُفِعت إليه، والتَّبِعة في الحالين ثقيلة أثقل مما يظنُّ الحكمدار، وأثقل مما يظنُّ وزير الداخلية، ولكنها مع ذلك ستذهب هدرًا؛ لأن حقوق المصريين وحرماتهم أهون على هؤلاء السادة الذين يحكمون من أن يحترموا فيها حكم الدستور والقانون، ولأن عقول المصريين عند هؤلاء السادة الذين يحكمون أيسر من أن يلقاها الوزراء إلا بهذا التناقض الغريب. وزير يشكر بالقلم، ووزير يشكر بالعصا، ويجب على المصريين أن يقبلوا شكر القلم، وأن يخضعوا لشكر العصا، ورئيس الوزراء الرجل الطيب النزيه الذي يحب وطنه أشد الحب، والذي لم يؤلِّف وزارته إلا ليوزِّع العدل بين الناس بالقسط، لا متأثِّرًا بالهوى، ولا متحيزًا للغرض؛ راضٍ مغتبطٌ مسرورٌ. وأي توزيع للعدل أدنى إلى الإنصاف من أن يقسِّم الوزراء الأمر بينهم على هذا النحو؛ وزير يجرح بالعصا والسلاح، ووزير يأسو بالشكر والثناء.