حديث الوادي
غضب . . .
في غير هذا المكان من الوادي يستطيع القراء أن يروا خلاصة للمقال الذي كتبته «البورص» عن موقف الوزارة من الصحف، وما تحاول أو ما كانت تحاول لها من تقييد جديد.
ومما لا شك فيه أن صديقنا المسيو «دي لوموا» قد توخى الصراحة والإخلاص في هذه الملاحظات التي أثارها حول هذا التشريع الذي لا ندري أننتظره لأن الوزارة مصممة عليه، أم لا ننتظره لأن الوزارة قد عدلت عنه؟
وقد يخطئ الكاتب وقد يصيب، وقد يوفق الكاتب إلى إرضائك وقد لا يوفق، فليس يعيبه شيء من هذا، وإنما الذي يعيبه هو أن يتعمد الالتواء حين تجب الصراحة، ويغرق في المكر حين يجب الإخلاص، ولن يستطيع مخاصم للمسيو «دي لوموا» أن يشك في أنه كان صريحاً مخلصاً في هذا المقال الذي كتبه أول أمس، فليس يعاب الأجنبي بحرصه على الامتيازات، وإنما يعاب المصري إذا قبل منه هذا الحرص، أو رضي منه ما يريد من بقاء الامتيازات. فالأجنبي إنسان، يبتغي لنفسه المنفعة، ويناضل في سبيلها، والامتيازات نافعة للأجانب من غير شك فلا غرابة في أن يحرصوا عليها ويستبقوها ما وسعهم ذلك. وإنما الغرابة في أن ينزلوا عنها طائعين دون أن يكرهوا على ذلك إكراهاً معنوياً أو مادياً، وعلى المصريين وحدهم أن يقنعوا الأجانب، أو يلزموهم النزول عن الامتيازات، فالذي قاله المسيو «دي لوموا» بشأن الامتيازات في هذا الفصل طبيعي مألوف لا ينتظر غيره من أجنبي مهما يكن محباً لمصر، وهو على كل حال كلام قاله الأجانب دائماً، وسيقولونه دائماً فليس فيه شيء جديد يمكن أن نقف عنده أو نجادله فيه الآن.
ولكن الصحف الوزارية، وخاصة الصحيفة الفرنسية التي تصدر في الصباح والتي تسمى نفسها «الليبرتيه» أي الحرية، والتي تعرب أو تعجم عن مبادئ حزب مشترك في الحكم، هو حزب الاتحاد، ضاقت جداً بهذا الفصل، وأثارت على صاحبه حرباً شعواء. لا لشيء إلا لأن صاحب هذا الفصل يكره لنفسه ولزملائه من الأجانب، ويكره للمصريين أيضاً أن يحرموا حرية النقد، وأن يحال بينهم وبين ما يباح للناس جميعاً في أقطار الأرض المتحضرة، وفي جميع الشعوب المثقفة.
والله يعلم أنا أحرص الناس على ألا يمتاز الأجانب من المصريين في شيء من الأشياء، وأبغض الناس لهذا الامتياز، وأشدهم إمعاناً في الحرب له، والتأليب عليه، وأشدهم رغبة، بل أشدهم إيماناً بأن الأجانب إذا أقاموا في بلد من البلاد، وجب عليهم أن يذعنوا لقوانينه، ويخضعوا لسلطانه، في غير تحفظ، ولا تحرج ولا مقاومة.
ولكننا مع ذلك لا نستطيع أن نطلب من الأجانب أن يقبلوا الظلم وهم صاغرون، ولا أن يذعنوا للذل وهم راضون، ولا أن يقال لهم ألغوا عقولكم، ودعوا إنسانيتكم وكونوا قطعاناً مسخرة، فيجيبوا راغمين. لا نستطيع أن نطلب إلى الأجانب ذلك لأننا نكره ذلك لأنفسنا ونحن لا نريد من الأجانب أن يمتازوا، ولكننا لا نريد منهم أن يكونوا أذلاء، إنما نريد أن نسوي بينهم وبين أنفسنا بالعدل والقسط، وفي ظل النظام المستقيم، والقوانين الملائمة لكرامة الإنسان. وليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نقول للأجانب إن عشرة منا يريدون أن يتحكموا فينا، وأن يخضعونا لما لا يخضع له الناس المثقفون المتحضرون فكونوا مثلنا، واحتملوا من الشر مثل ما نحتمل، وتعرضوا من البؤس لمثل ما نتعرض له. ونحن نعلم أنكم قادرون على أن تتقوا الظلم وتحموا أنفسكم من البؤس، ولكن المجاملة تقتضي منكم أن تكونوا أذلاء، لأن عشرة منا يريدون أن نكون أذلاء. . ليس من الحق ولا من الإنصاف ولا من المروءة أن نطلب ذلك إلى الأجانب، وإنما الحق والإنصاف والمروءة أن تقول لوزرائنا لا تظلمونا، ولا تشتطوا علينا، فإنكم إن فعلتم فرقتم بين مواطنيكم وبين من يقيمون فيهم من الأجانب وأظهرتم مواطنيكم بمظاهر لا تليق بكرامة الناس، والحق والإنصاف والمروءة أن تقول للوزراء لا تفعلوا فإنكم بحكم مصريتكم، وبحق ائتمانكم على مصالح الشعب وحقوقه يجب أن تجدوا في إلغاء الامتيازات، وليس مما يعينكم على إلغاء الامتيازات أن تشرعوا القوانين الظالمة، أو تفرضوا الأحكام الصارمة، أو تأخذوا الناس بما تنكره الحضارة ويأباه الرقي الحديث. ذلك خليق أن يزيد الأجانب حرصاً على الامتيازات واستبقاءً لها، وشكاً في استعداد مصر للحياة الحرة، التي تنعم بها الأمم حين تكرم على نفسها، وعلى وزرائها فتكرم بالطبع على غيرها من الأمم والشعوب، فإذا كان هناك لوم، فلا ينبغي أن يساق اللوم إلى الأجانب لأنهم يأبون أن يكونوا عبيداً أو لأنهم يأبون أن يكونوا أدوات! ولأنهم يأبون أن يعيشوا في بلد يراد أهله على الصمت، والسكوت، وعلى إلغاء العقل، وإخفات صوت الضمير.
قل لمن شئت من الأوروبيين إن قوماً يريدون أن يقيدوا كتاب التاريخ وهم يريدون أن يأخذوك بهذا القيد، فستثور نفسه وسيغضب ضميره، وسيقول لك ليس إلى هذا من سبيل. فإذا أنكرت منه ذلك أو لمته فيه فأنت رجل تنكر الثقافة، والحضارة والرقي، ولا تكتفي بأن ترضى الذل لنفسك، بل تريد أن يشاركك فيه الناس.
على أن الذي أغضب الوزاريين من مقال مسيو «دي لوموا» فيما يظهر ليس هو إباءه هذا الظلم وإنكاره لهذا التشريع، وإنفاذه في الأوروبيين، وإنما هو فيما يظهر تسجيله لحقيقة ليس فيها شك، وهي أن وزارتنا إذا كانت تريد أن تسير في مصر سيرة «هتلر»، فتتخذ لنفسها قوة الدكتاتور وتفرض على الحرية ما تريد فرضه من القيود، فقد يجب عليها قبل كل شيء أن تثق بأن الشعب المصري يؤيدها، أو بأن كثرة الشعب المصري تؤيدها، كما يؤيد الألمانيون زعيمهم «هتلر».
فهتلر يستفتي الألمانيين من حين إلى حين ولا يفرض عليهم شيئاً إلا بعد أن يظهر للناس جميعاً أن الألمانيين يؤيدونه ويرضون عن سيرته، ونظن أن وزارتنا مهما تتكلف من الجهد، ومهما تتحمل من العناء فلن تستطيع أن تقول للناس أن الشعب المصري يؤيدها أو أن كثرة الشعب تؤيدها أو أن نصف الشعب يؤيدها، أو أن مليونا من الشعب يؤيدها، هي بعيدة عن هذا كل البعد، وإذن فما ينبغي لها أن تسير في الشعب سيرة «هتلر» أو «موسوليني».
هذا فيما يظن هو الذي أغضب الوزاريين من مقال «البورص». ولكن ما ذنب «البورص» إذا كان الحق هو هذا؟ وإذا كان كل شيء في مصر يدل على أن الشعب لا يؤيد الوزارة ولا ينصرها، ولا يرضى عن سياستها. أفيريد الوزاريون أن ينفذوا في «البورص» هذا النظام الجديد قبل أن يشرع، وأن يكرهوها على أن تكذب على نفسها وعلى الناس، وعلى أن تقول لنفسها وللناس، إن الشعب يؤيد الوزارة وينصرها، وهي تعلم غير ذلك حق العلم. أليس يحسن بالوزاريين أن ينتظروا صدور هذا القانون الذي يهيأ وإنفاذه في الأجانب حتى إذا تم ذلك طلبوا إلى «البورص»، وإلى غيرها من الصحف، أن تقول ما يريدون هم لا ما تريد هي.
إن في هذا كله لعبر وعظات للوزارة لو أنها تريد أن تعتبر أو أن تتعظ، إذن لأراحت نفسها من هذا العناء الثقيل، ولجنبت مصر هذه الفضائح المتصلة، ولصانت كرامة المصريين من أن يقول لهم الأجانب إنا نرثي لكم ونعطف عليكم مما يفرض عليكم من القوانين، ولكنا لن نذعن لقوانينكم هذه ولن نرضى لأنفسنا الذل، سواء أرضيتموه أم أكرهتم عليه.
طه حسين
الوادي، ٩/٩/ ١٩٣٤ .
Tag: والكرامة الوطنية
-
وإذن | And So
حديث الوادي
وإذن…
وإذن فلم يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أن يستريح، ولا أن يريح. فما زال مضطرًا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًا إلى أن ينفق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة، ومقادير هائلة ليحتل المحطات، ويراقب القطارات ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيس الوفد، وما زال مضطرًا إلى أن يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام، للجيش المحارب بياض النهار في معسكره، يتلقى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم.
وإذن فلم يأذن الله لرئيس الوفد أن يغدو ويروح ولا أن يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون، وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو، ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.
وإذن فلم يأذن الله للشعب المصري أن يكون حرًا في حب من يحب، وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد، وخذلان من يخذل. وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تضرب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار، ولم يأذن الله لهذا الشعب المصري أن يجتمع أو يتفرق دون أن تشرع في وجوهه العصي وتصوب إلى صدوره الحراب، وتهوى على رؤوسه وأبدانه السياط.
وإذن فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام، وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟ وفيم كانت كل هذه الجهود؟ وفيما كان كل هذا الظلم؟ وفيم كان كل هذا الفساد؟ أن الشعب المصري لم يذل بعد، وأن الوفد المصري لم ينحل بعد، وأن الخوف من الشعب والوفد، لا يزال يؤرق ليالي الوزراء، وينغص أيامهم وأن الخوف من الشعب المصري، والوفد المصري لا يزال يسخر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتض للبطش، والقسوة في غير داع إلى القسوة، وإذن فماذا يريد الإنجليز؟ وماذا يريد أصدقاء الإنجليز، وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أن يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أن تفنى، ما حب الظلم للظلم، وما حب القسوة للقسوة، وما حب الفساد للفساد؟ ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون، ولا يعتبرون ولا يكفون عن الشر، ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟ أصَحَّ الظلم الذي لا يعني والعسف الذي لا ينفع والقسوة التي لا تفيد صناعة من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟ ما هذا الذي حدث أمس حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟ ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين، وما بال الزعماء ينتقلون فلا يودعهم الناس طائعين؟ من الذي زعم أن الوزراء أحق بالحرية وأحق بالأمن، من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن أذناب الوزراء وعبيدهم أحق بالحرية من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن نفوس هؤلاء الأذناب، وأجسامهم أكرم على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟ من الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا وهو فرد من أفراد الشعب أن يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة وجمال البحر واعتدال الجو، ولطف النسيم وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأسره، وتهين أمة كاملة وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش، والأذى، والموت أيضًا؟
من الذي حكم القيسي باشا وأعوان القيسي باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستور ولا القانون؟! أين نعيش؟ وفي أي عصر نعيش؟ وعلى أي نظام نعيش؟ ألم يأن لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نوابه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟
متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأن دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأن الذي يقتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟
متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أن ترخص عند المصريين وبأن المستعمرين إن وجدوا لذة آثمة في إذلال الشعب، فإن المصريين يجب أن يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟
متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم، فقد يظهر أن هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أن ينسوا وتحملهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.
إن هذا الرجل الشهيد الذي فاضت نفسه أمس، لأنه أراد أن يودع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميره، ورأيه في خدمة وطنه، أن هذا الرجل المصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.
فلينظر الوزراء في ذلك كله، وليسأل الوزراء ضمائرهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف. أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها، أن يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يطل فهو منتهٍ إلى الزوال؟
في ذمة الله هذا الرجل الشهيد الذي مات أمس فأثبت أن مصر لم تمت، والذي صرع أمس فأثبت أن مصر لم تصرع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أعز من أن يمسها الذل وأخلد من أن يسعى إليها الفناء.
طه حسين
الوادي، ٩ يوليو ١٩٣٤. -
عقوق | Ingratitude

حديث الوادي
عقوق . . .
ما أكثر الآثام التي تقترف ويحسبها الأجانب على مصر، ويضيفها الأجانب إلى المصريين، لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئاً، فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يضاف خيره إن كان فيه خير، وشره وما أكثر ما فيه من الشر، إلى هذا الشعب المصري المسكين، وماذا يمنع الأجانب في أوربا، وغير أوربا، أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو، لأن الوزارات عندهم تعمل وفقاً لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلاً، ولا كثيراً، ونحن نُخيّل إلى الأجانب في أوربا، وفي غير أوربا، أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا، نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم. وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخى إرادة الشعب، وتجد في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مُقدم، وإذا أحجمت، فالشعب مُحجم، وإذا أرادت فالشعب مريد.
كذلك نُخيّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يصدقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات. وهم لذلك إذا أنكروا شيئاً من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة، أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلاً، غافلاً، قليل الحظ من الحضارة، بعيداً عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه. وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.
وهناك أمر مؤلم حقاً، لا أعرف شيئاً أشد منه إيذاءً للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلاماً للقلب النقي، وأسوأ منه أثراً في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية، التي تمثل فصولها منذ أعوام، بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حياً، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت. أو قل إن هذه القصة لا تمثل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تمثل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات. أو قل إن هذه القصة تمثل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف. تستطيع أن تقول هذا كله، فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن الممض.
أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعاً، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاءً، وأهدرت كرامة الشعب إهداراً، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية، وكانت أنباؤها تذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم. ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث، أيجوز له أن يحيا، ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت وأن يموت معه الفن؟.
وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء، في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى، فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.
نعم كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعداً في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم، في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعاً للخصام؟ ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث، قبل أن يموت يائساً ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى، تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات، مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط ألا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار. بشرط ألا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث، لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعاً، منتشرة في بيوت الناس جميعاً، يزيدها الاضطهاد بقاءً وانتشاراً كلا. هي لا تخاف صورة سعد ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد. هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يبدد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصرياً، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبياً فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال وعليه تتهالك الوزارة.
وزارتنا إذن لا تحارب الفن لأنه الفن وإنما تحاربه إذا كان مصرياً! يالهول ياللوعة، ياللسى! . . كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حرباً على القومية المصرية؟ لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حياً وميتاً؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم. ومن مجّد سعداً، أو سعى في تمجيده فقد حقت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد، حياً وميتاً.
أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى إنه يضاف إلى المصريين جميعاً في الخارج أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد، واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون إن الشعب المصري ما زال جاهلاً غافلاً متوحشاً، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه، وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه، لأنه عاجز عن أن يقدر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان. فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟
طه حسين
الوادي، ٨ يوليو ١٩٣٤. -
شكر | Thanks
شكر
طه حسين
كوكب الشرق
٣٠ نوفمبر ١٩٣٣
ولكنه يختلف باختلاف الناس؛ فقوم يشكرون بالقلم، وقوم يشكرون بالعصا، ومهما تفعل فلن تغيِّر من طِبَاع الناس شيئًا، ولن تبدِّلَ من جواهر نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا، إنما تستطيع أن تسجِّل منها ما ترى وتلفت الناس إليها ليعلموا أين الخير وأين الشر، وليتبيَّنوا أين الرشدُ وأين الغيُّ. إني لَأقرأ صحف اليوم فأرى هذا التناقض الغريب بين وزيرين يعملان في وزارة واحدة لغاية واحدة على برنامج واحد وبرياسة رجل واحد، هذا يشكر الناس ويثني عليهم، وهذا يضرب الناس ويمعن في الإساءة إليهم، وكلاهما مصري، وكلاهما وُضِع في منصبه ليخدم المصريين لا لِيسودَهم، ولينفع المصريين لا ليضرهم، وليطيع المصريين لا ليأمرهم، ولينزل عند إرادة المصريين لا ليأخذهم بما يريد.
هذا وزير الحربية يشكر الأمة أجمل الشكر ويثني عليها أحسن الثناء؛ لأنها أظهرت حبًّا للجيش وعطفًا عليه ومواساةً له، حين شيَّعَتْ بقلوبها وأجسامها وألسنتها الشهيدين العظيمين، ويعجز أو يعلن أنه يعجز عن تصوير ما يمتلئ به قلبه من عواطف الشكر والرضى، وبواعث التقدير والإكبار. وهذا وزير الداخلية يحشد للأمة جنود الشرطة وجنود الجيش حشدًا لم تعرفه الأمة من قبلُ إلا مرة واحدة منذ الثورة فيما تقول الأهرام، ثم يسلِّط هذا الجند المحشود على هذه الأمة، فإذا العِصِيُّ والسِّيَاط تنال من أبنائها في غير حساب، في غير رحمة، في غير شفقة، في غير رعايةٍ لحرمة، في غير تقدير لحق، في غير استحياء من جلال الموت. فإذا استطعت أن تلائم لي بين هذين الوزيرين اللذين يعملان معًا ويتضامنان في العمل، فأنت موفَّق بارع في الفهم والاستقصاء، أما أنا فلولا أن المقام مقام حزن وأسى، ولولا أن المقام مقام لوعة وحسرة، ولولا أن المقام مقام عظة واعتبار، لَدعوتك إلى أن تضحك من هذا التناقض، فإن الضحك خير ما ينبغي أن نلقى به مثل هذا التناقض الغريب، أي الوزيرين ينبغي أن تصدِّق الأمة، أتصدِّق هذا الذي يشكرها من طرف القلم أو من طرف اللسان، أم تصدِّق هذا الذي يضربها رجالُه كما كان يضرب الأرقاء، ويسلطون عليها العصي والسياط كما تُسلَّط على الحيوان، أم لا تصدق هذا ولا ذاك، فهذا يشكر لأن الرسميات تضطره إلى أن يشكر، وهذا لا يحمي الناس من الضرب؛ لأن تكلُّف القوة ومحاولة البقاء في الحكم، والرغبة في إظهار الهيبة تضطره إلى ألَّا يفعل، ولو خُلِّيَ بين الأول وبين نفسه لما شكر ولا أثنى، فقد كانت هذه الأمة المحتشدة أمس ناقمة منه ومن وزارته، راغبة عنه وعن وزارته، تظهر في صراحة ترضيها وتؤذي خصومها، إن هواها وقلبها وإن إخلاصها وودها ليست معه ولا مع وزارته، وإنما هي مع قوم آخَرين كانوا يسعون معه جنبًا إلى جنب، وكانوا يتنفسون معه من هواء واحد، وكانوا يرون معه مشاهِد الحب والإخلاص ومظاهر النفور والإعراض، وكانوا يسمعون معه صياح التأييد والاحتجاج، وكانوا يحسنون أنهم يمثلون هذه الأمة حقًّا، وكان هو يحس أنه لا يمثل أحدًا إلا نفسه وهؤلاء النفر الذين يحصونهم والذين يظهرون التضامن، ويذهب كل منهم مذهبه لا يلوي على أحد ولا يلوي على شيء.
ولو خُلِّيَ بين الثاني وبين نفسه لَآثر العافية واختار السِّلْم، فهو يعلم حق العلم، وهو يؤمن أشد الإيمان بأن هؤلاء الناس أشد منه قوةً، وأعظم منه بأسًا، وأقدر منه على أن يصونوا أجسامهم من وَقْع العِصِيِّ، ووجوههم من مسِّ السِّيَاط، لولا أنهم لا يريدون الشر، ولولا أنهم أشد وطنيةً وحكمةً من أن يحتملوا ما يحتمل هو من تبعة الاعتداء والخروج على النظام.
نعم، وإنه ليعلم حق العلم أنه لم يُوضَع في منصبه إلا ليكون خادمًا أمينًا مخلصًا مطيعًا لهذه الجماهير التي سلَّط عليها العذاب أمس، وأنه ليعلم حق العلم أنه لو خُلِّيَ بينه وبين نفسه لَسار في هذه الجماهير سيرة الخادم المخلص الأمين؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يسير فيهم هذه السيرة. ولكن ذاك الوزير كان مضطرًّا إلى الشكر، وهذا الوزير كان مضطرًّا إلى الرضاء بالضرب؛ لأن هؤلاء الناس لا يصدرون فيما يأتون من الأعمال عن أنفسهم وحدها، وإنما يصدرون عن أشياء أخرى يعرفونها حق المعرفة، وهي التي تدفعهم إلى ما لا يحبون. إني لا أستطيع أن أظن أن وزير الداخلية إذا خَلَا إلى نفسه ورُفِعت الكلفة بينه وبين ضميره، يرى أن ضرب الناس وتعذيبهم ومصادرتهم في أبسط مظاهر الحرية شيء يرضاه الرجل الكريم أو يُتمدَح به الوزير الأمين، ولكنها ضرورات السياسة تكلِّف الناس أحيانًا ما لا يطيقون. إني لا أستطيع أن أظن بأن الأمر قد انتهى بوزير الداخلية إلى حيث أصبح يرى لنفسه الحقَّ في أن يطلق يد الشرطة على الناس إلى هذا الحد، فينظروا إلى أبناء مصر كما ينظر صاحب الحيوان إلى الحيوان في البلاد التي لا توجد فيها جماعات الرفق بالحيوان. وإني لَأزعم لنفسي أن وزير الداخلية حين يخلو إلى نفسه يلقى منها لومًا عنيفًا، وحين يتحدَّث إلى ضميره يحس منه لذعًا أليمًا، ووزير الداخلية مصري مهما يكن أمره، والمصريون أكرم على وزير الداخلية من أن تُسلَّط العصي على أجسامهم في غير حق ولا موافقة للقانون، ولكن وزير الداخلية يريد أن يظل وزيرًا، ويظهر أن إذلال المصريين أو السكوت عن إذلالهم هو الثمن الذي يجب أن يُؤدَّى للاحتفاظ بالوزارة في هذه الأيام. إني لَأرغِم نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد تشييع الشهيدين، فتحدثوا عن هذه الأمة الكريمة البائسة كيف أرادت أن تشيِّع فقيديها، وتُظهِر تقديرها لهما وعطفها عليهما وإكبارها للتضحية والمضحين في سبيل الواجب والوطن، وكيف لقيت من الشرطة والجند ما لقيت من الهول، فصُرِع من أبنائها مَن صُرِع، وفُجِع من أبنائها مَن فُجِع، وحُمِل منهم أكثر من سبعين إلى حيث يداوون جراحاتهم ويهدئون آلامهم. فيتمدح وزير الداخلية؛ لأنه قد حفظ النظام وأقرَّ الأمن وكسب المعركة، ولم يمكِّن هذا الشعب من أن يَبْلُغ ما يريد من أداء الواجب، أو يعلن ما يريد من إكبار الواجب وإجلال الذين يحسنون أداءه. ثم يتحدَّث وزير الحربية بأنه على ذلك وبرغم ذلك، سيصدر بيانًا لا يضن فيه على هذه الأمة بكلمة شكر لا يشبهه شكر، وثناء لا يدانيه ثناء.
نعم، إني لَأكره نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه، حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد المأساة وأديرت بينهم هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث وما تصوره من النفوس والعواطف، ومن الميول والأهواء، تدل حقًّا على أن أمورنا لا تذهب مذهب الجد، وعلى أن وزراءنا لا ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر الوزراء إلى الشعوب، وإنما ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر السادة إلى العبيد، ومع ذلك فلولا نحن ما سادوا، ولولا نحن ما كانوا شيئًا.
لقد أصدر حكمدار القاهرة بيانه أول أمس يطلب فيه إلى الشعب أن يحرص على النظام ليحتفظ المشهد بما ينبغي له من الروعة والجلال، فطلبنا نحن إلى حكمدار القاهرة أن يلفت رجاله إلى مثل ما يلفت الشعب إليه، وأن يطلب إلى رجاله مثل ما يطلب إلى الشعب، وأن يحافظ هو على النظام ويمنع الشرطة من الخروج على النظام؛ لأن الأمة ليست أقل من الحكومة حرصًا على ما ينبغي للمشهد من الروعة والجلال. وهذه الصحف التي لا تنتمي إلى الأحزاب، ولا تصور آراءها ولا تضنُّ على الحكومة بالعطف والتأييد، تعلن أن الشرطة هي التي اعتدت، وأن اعتداءها هو الذي أفسد النظام وأضاع كثيرًا مما كان ينبغي للمشهد من الروعة والجلال، فإحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن تكون الشرطة قد اعتدَتْ لأنها عاجزة عن حفظ النظام إلا بالاعتداء، وإما أن تكون الشرطة قد اعتدت لأنها أُمِرت بالاعتداء ودُفِعت إليه، والتَّبِعة في الحالين ثقيلة أثقل مما يظنُّ الحكمدار، وأثقل مما يظنُّ وزير الداخلية، ولكنها مع ذلك ستذهب هدرًا؛ لأن حقوق المصريين وحرماتهم أهون على هؤلاء السادة الذين يحكمون من أن يحترموا فيها حكم الدستور والقانون، ولأن عقول المصريين عند هؤلاء السادة الذين يحكمون أيسر من أن يلقاها الوزراء إلا بهذا التناقض الغريب. وزير يشكر بالقلم، ووزير يشكر بالعصا، ويجب على المصريين أن يقبلوا شكر القلم، وأن يخضعوا لشكر العصا، ورئيس الوزراء الرجل الطيب النزيه الذي يحب وطنه أشد الحب، والذي لم يؤلِّف وزارته إلا ليوزِّع العدل بين الناس بالقسط، لا متأثِّرًا بالهوى، ولا متحيزًا للغرض؛ راضٍ مغتبطٌ مسرورٌ. وأي توزيع للعدل أدنى إلى الإنصاف من أن يقسِّم الوزراء الأمر بينهم على هذا النحو؛ وزير يجرح بالعصا والسلاح، ووزير يأسو بالشكر والثناء.