Tag: وديناميات السلطة

  • هزيمة (١) | Defeat (1)

    حديث المساء: هزيمة (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ ديسمبر ١٩٣٣

    ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

    عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

    وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

    وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

    وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

    لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

    كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

    فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

    وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

    وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

    ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

    كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

    كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

    فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

    وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

    ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

    لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

    هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.

  • عامة | The Common People

    حديث المساء: عامة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ أكتوبر ١٩٣٣

    كل مصري يأبى أن تحكم مصر بغير العدل والدستور والقانون، ويلح في أن تكون إرادة الأمة قوام
    الحكم وعماد الوزارة، ومصدر الهيئات النيابية، التي تشرع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية. كل
    مصري من هذا الطراز رجل من العامة الذين لا ينبغي أن يقدر لهم قدر أو يقام لهم وزن، أو يحفل
    بآرائهم وإرادتهم في تصريف الأمور! وقد كان هؤلاء العامة في وقت من الأوقات يسيطرون على أمور
    مصر، يُدْعَوْنَ إلى الانتخاب أحرارًا فينتخبون وكلاءهم في البرلمان. وكان هؤلاء الوكلاء
    يمثِّلون موكليهم من العامة أحسن تمثيل، ويؤدون واجبهم لهؤلاء العامة أحسن تأدية. كانوا يرضون
    عن العامة، وكانت العامة ترضى عنهم. وكان الوزراء يصرِّفون أمور الحكم معتمدين على رضا الوكلاء
    والموكلين. فكانت العامة هادئة مطمئنة، وكانت العامة سعيدة مغتبطة، وكانت العامة تحس أن مصر
    لها، وأنها لمصر؛ فتستشعر عزة وأنفة، وتقدِّر أنها أمة كريمة تعيش في بلد كريم، وتنظر إلى
    ماضيها فتعتز بما فيه من مجد، وتتعظ بما فيه من محن، وتنظر إلى مستقبلها فترى ثقة واسعة،
    وآمالًا عريضة، وحياة مبتسمة قوامها العزة والكرامة والرقي والاستقلال.

    ولكن أمور مصر لم تصلح، وشئونها لم تعتدل على رضا العامة ووكلاء العامة من النواب والشيوخ
    والوزراء؛ لأن مصر لم تخلق للعامة، وما ينبغي أن تخلق لهم! وإنما خلقت لفريق قليل ضئيل ممتاز،
    خلقه الله من طينة أخرى، وصاغه من معدن آخر. فبينما خلق العامة من هذا الطين المبتذل الذي يُتخذ
    في البناء وفي صناعة الآنية. خُلِقَ هذا الفريق الضئيل من طين آخر فاخر نادر لا تطؤه الأقدام،
    ولا يسقيه ماء النيل، وإنما يصنع في عالم آخر بعيد راقٍ، ثم يتنزل به النسيم من السماء؛ ليحكم
    الناس ويسيطر على الأشياء.

    وبينما صاغ الله هذه العامة أو الممتازين من أبنائها من النحاس والصفيح والقصدير، صاغ هذا
    الفريق القليل الضئيل من الفضة والذهب والبلاتين، وحلاه بطائفة من الأحجار الكريمة، والجوهر
    النفيس: فيها اللؤلؤ، وفيها الزمرد، وفيها الياقوت، وفيها الزبرجد. فكان من الطبيعي، وكان من
    العدل، ألا تستقيم أمور مصر حين يسيطر عليها العامة الذين خلقوا من طين الأرض المبتذل، ومن
    معدنها الخسيس. ولم يكن بدٌّ من أن تنقل أمور مصر إلى هذا الفريق القليل الضئيل، الذي خلق من
    طين السماء، وصيغ من معادنها العزيزة، وحُلِّيَ بأحجارها الكريمة؛ ولهذا أقصيت العامة عن الحكم
    وردت إلى ما ينبغي أن ترد إليه من الطاعة، والرضا والإذعان!

    ونقلت أمور السلطان إلى صدقي باشا وأصحابه، الذين صيغوا من طين السماء ممزوجًا بماء الورد،
    ومن معادن السماء محلاة مزدانة بياقوتها وزمردها، ولؤلؤها وزبرجدها، وغير ذلك من هذا الجوهر
    الممتاز الذي يخلب العقول ويستهوي القلوب، ويسحر العيون ويفتن الألباب. ولم يكد غرة الزمان،
    وحلية الدهر، وفريدة الأيام، صدقي باشا يتسلم أعنة الحكم حتى فعل ما كان يجب عليه أن يفعل؛
    فألغى دستورًا واستصدر دستورًا آخر لتنقطع الأسباب بين فوضى العامة وبين الحكم، ولتفرغ العامة
    لما خلقت له من الطاعة والرضا والإذعان، ومن العمل في الزرع والحرث، وفي التجارة والصناعة، وفي
    كل ما يثمر المال ويمكِّن السادة الممتازين من حياة كلها القوة والبأس، وكلها الترف
    والنعيم.

    ومضى هذا الرجل الممتاز، وأصحابه الممتازون يدبرون الأمر في حكمة وحزم وعزم، حتى استيأستِ
    العامة، ورضيت بما لم يكن بدٌّ من أن ترضى به وانصرفت عن الحكم والسياسة، إلى ما لم يكن بدٌّ من
    أن تنصرف إليه.

    ولكنَّ السادة الممتازين مهما تصفُ طباعهم وتعتدلْ أمزجتهم وتَمْتَزْ جواهرهم وترقَ عناصرهم،
    معرضون لعيب واحد امتحنهم الله به حتى لا يختلطوا بالملائكة أو يصبحوا منهم، وحتى توجد الصلة
    بينهم وبين أبناء الإنسان الذين قدر عليهم الخضوع للخطوب والأحداث. وهذا العيب الذي يفرق بين
    سادتنا الممتازين وبين الملائكة، هو أنهم يتنافسون فيما بينهم: أيهم يستأثر بالسلطان والجاه،
    وأيهم يعظم حظه من السيطرة على الأمور وتصريفها كما يحب ويهوى؟ فلما استقر الحكم لسادتنا
    الممتازين تنافسوا واستبقوا، واشتد بينهم التنافس والاستباق. وكان الفوز فيما يقول الناس، وفيما
    تنشر الصحف عامة، والصحف الإنجليزية خاصة، وصحيفة التيمس بوجه أخص لصاحب السعادة زكي الإبراشي
    باشا على صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا.

    وقد لا نستطيع الآن أن نجد من الوقت ما يمكننا من إقامة الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على
    أن الإبراشي باشا إنما تفوق على صدقي باشا؛ لأنه أكرم منه جوهرًا وأرقى منه عنصرًا. خلق من طينة
    السماء الثالثة، ولم يخلق صدقي باشا إلا من طينة السماء الدنيا.

    ولعل الظروف أن تسمح لنا بوضع كتاب أو رسالة في الموازنة بين العناصر المختلفة التي يتكون
    منها سادتنا الممتازون، والتي تتيح لبعضهم الفوز والانتصار، وتضطر بعضهم الآخر إلى الهزيمة
    والاندحار!

    تفوق إذن زكي الإبراشي باشا على صدقي باشا، وأحس الدكتاتور العظيم هذا التفوق فانزعج له، ورأى
    آثاره فضاق بها. وشبت الحرب بين السماء الثالثة والسماء الدنيا، فرأى صاحب السعادة القيسي باشا
    أن يتوسط بين السماءين؛ لأنه هو خلق من طين السماء الثانية؛ فتوسطه بين جارتيه معقول ملائم
    لطبيعة الأشياء. ومع أنه بذل في ذلك جهدًا محمودًا، واتخذ إليه وسائل مختلفة، فقد أخطأه
    التوفيق، ولم يكن بدٌّ من أن تصرف أمور الحكم عن أبناء السماء الدنيا إلى أبناء السماء الثانية.
    وكذلك أقصى الدكتاتور العظيم عن رياسة الوزراء، وأقصى معه عن الحكم كلَّ أولئك الذين يشبهونه في
    العنصر ويقاربونه في الطبقة. وقامت وزارة أرقى وأعلى، وأقرب إلى صاحب السعادة الإبراشي باشا.
    والغريب أن الدكتاتور العظيم لم يقنع بما قدر له من الحكم، ولم يطمئن إلى ما قضي عليه من
    الهزيمة، فحاول المقاومة والمخاصمة، وتهيأ للقتال والنضال، ولكن متى أتيح للسماء الدنيا أن تقهر
    السماء الثانية، ولا سيما حين تعينها السماء الثالثة؟! فأذعن الدكتاتور شيئًا فشيئًا؛ قبل رئيس
    الوزراء في الحظيرة، وأعلن تأييد الحظيرة كلها للوزارة الجديدة. ثم رد الوزيرين المفصولين إلى
    الحظيرة، وطلب إليها أن ترتاح لذلك، كما ارتاح هو. ثم علم أن المفصولين سيزورون الحظيرة وكره أن
    يلقاهم فيها؛ فأقام في داره يستريح. حتى إذا تمت الزيارة ظهر أن استراحته في داره تدل على أن
    رضاه ليس كاملًا شاملًا، وإذعانه ليس تامًّا عامًّا؛ فاضطر — ولم يكن بدٌّ من أن يضطر — إلى أن
    يذهب أمس إلى مكتب رئيس الوزراء، لا ليترك البطاقة كما تركت له؛ بل ليرقى إلى حيث يقدم الطاعة،
    ويقيم الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا ريبًا على أنه مذعنٌ لقضاء الله، مؤمنٌ لحكم الأقدار
    فيه.

    وكذلك شرب الديكتاتور العظيم كأس المحنة إلى آخرها، وشرب رئيس الوزراء كأس النصر إلى آخرها،
    ونظر صاحب السعادة الإبراشي باشا إليهما مبتسمًا مستريحًا. وظهرت في اليوم نفسه مقالة مكاتب
    التيمس تصور الأمر على هذا النحو البديع من التصوير.

    وكان ظريفًا جدًّا من مكاتب التيمس أنه لم ينسَ هؤلاء البائسين اليائسين المعدمين المحرومين
    الذين يسميهم العامة. فقد تفضل فذكرهم؛ ذكرهم مرتين: أما الأولى فقد بين فيها كيف رد هؤلاء
    الناس إلى منزلتهم التي أعدها الله لهم من البعد عن الحكم والإذعان لطاعة السادة الممتازين.
    وأما الثانية فقد سجل فيها أن هؤلاء العامة قد راضوا أنفسهم على الطاعة وعلموها كيف تذعن وتؤمن،
    وكيف تعرض عن السياسة وتكتفي بما يقدر لها من إشباع البطون حين تجوع، وري الأكباد حين يحرقها
    الظمأ، وترك السياسة والحكم لهؤلاء المعصومين الذين خلقت لهم وحدهم السياسة وقصر عليهم وحدهم
    الحكم.

    ولكنَّ في الأمر شيئًا يحتاج إلى الفهم، فقد علمنا أن العامة من أهل مصر قد ردت إلى مكانها
    اللائق بها وفرغت للعناية بالأرض؛ لأنها صيغت من طين هذه الأرض، ونقلت أمور الحكم إلى أبناء
    السماء يستبدون به، ثم يختلفون فيه، فيغلب بعضهم بعضًا، وينهزم بعضهم لبعض. ولكن الذي نريد أن
    نعلمه هو رأي الإنجليز، لا في أمر العامة، فرأيهم في أمر العامة معروف؛ فالعامة لم تخلق إلا
    للذل، والعامة لم تخلق إلا للطاعة، والعامة لم تخلق إلا لتتعهد البقرة الحلوب، وتمنحها من
    العناية ما يجعل ضرعها حافلًا باللبن دائمًا. هذا معروف، ولولا أنه معروف واضح لما ردت العامة
    إلى حيث هي تسمن البقرة وتغذوها وتملأ ضرعها لبنًا.

    إنما الذي نريد أن نعلمه هو موقف الإنجليز من المختلفين بين الطبقة الممتازة. أيميل الإنجليز
    إلى الذين انهزموا أمس، أم يميل الإنجليز إلى الذين انتصروا اليوم؟ أم يريد الإنجليز أن يقفوا
    موقفًا وسطًا بين المنتصرين والمنهزمين؟ والظاهر أننا لن ننتظر زمنًا طويلًا لنظفر بالجواب على
    هذه الأسئلة، فقد يظهر أن في مغيب الشمس منذ أمس وفي طلوع الشمس منذ اليوم علامات، إن لم تكن
    قاطعة فإنها لا تخلو من إشارة إلى الناحية التي سيهب منها النسيم.

    فأما العامة؛ فراضية يكفيها ألا تظمأ وألا تجوع، وليس يعنيها بعد ذلك من أمر الحكم شيء. ولكن
    مَن للعامة بما يحميها من الظمأ والجوع؟!