حديث الوادي
إرهاق . . .
يظهر أن الدولة معوزة، في هذه الأيام، كما أن كثيراً من الأفراد معوزون، فقد اشتدت الأزمة، حتى انتهت إلى أقصى غايات الحرج وإن لم تؤمن الحكومة بذلك ولم ترد أن تعترف به، ويظهر أيضاً أن إعواز الدولة وضيق ذات يدها، وشدة حاجتها إلى المال، لتنفقه فيما تورطت فيه من ضروب الترف، كل ذلك يبيح لها ما لا يبيح للأفراد، من مصادرة أموال الناس، والتسلط على ما يستخرجون من الأرض في غير رعاية للقانون، ولا احترام للملكية، ولا تقدير للحرية، ويظهر أن مصدر هذا الفرق الذي يبيح للدولة ما لا يبيح للفرد، ويأذن للحكومة في مصادرة الأموال، هو أن الدولة قوية والفرد ضعيف، وأن الدولة ذكية والفرد غبي، أو متواضع الذكاء.
فللدولة وزراء ماهرون لهم حيلة واسعة، وذكاء متفوق، كصاحب السعادة القيسي باشا وكصاحب العزة صبري بك، وهؤلاء الوزراء الأذكياء الماهرون يعرفون فيما يظهر كيف يستخرجون الغنى من الفقر، وكيف يستنبطون اليسر من العسر، وكيف يجدون للدولة من كل حرج فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. وهم بفضل هذا الذكاء وهذه المهارة يظهرون الدولة في مظهر الغنى السخي، وإن كانت في حقيقة الأمر معوزة أو كالمعوزة معدمة أو كالمعدمة، فقد كان الناس يشكون في العام الماضي من أن الإدارة في الأقاليم وفي أقاليم الصعيد خاصة، كانت تشق عليهم في جباية الضرائب، تكلفهم أن يدفعوها مقدماً، ولا تكتفي منهم بما فرض القانون، فإن أظهروا امتناعاً عن ذلك، أو عجزاً حالت بينهم وبين ثمرات الأرض التي أنفقوا في استخراجها جهداً، وقوة ووقتاً ومالاً، فلم تمكنهم من نقلها ولا من التصرف فيها حتى يؤدوا إليها مقدماً ما تطالبهم به من المال.
ونذكر أن بعض كبار الملاك شكوا من ذلك في العام الماضي إلى وزارة المالية، وأن مدير الأموال المقررة أصدر إلى ممثليه في إقليم هؤلاء الملاك أمراً بألا يقتضوا أموال الدولة إلا في حدود القانون، ولكن الإدارة فيما نذكر لم تحفل بأمر مدير الأموال المقررة، ومضت فيما كانت ماضية فيه، من الإعنات والإرهاق، ومنذ أسابيع جددت السياسة هذه الشكوى، وطالبت باحترام القوانين، ورعاية ما تملكه من حرمات، فلما كان من الغد، أنبأتنا السياسة بأن مدير الأمن العام، تحدث بالتليفون إلى صديقنا هيكل بك
يسأله عما يعلم من ذلك وظنت السياسة وظننا معها أن عناية مدير الأمن العام بهذه القصة ستنتهي إلى رفع الظلم، وإلى تمكين الناس من أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون إذا أدوا ما عليهم للدولة من الضرائب، في حدود القانون.
ولكن الأهرام تجدد اليوم شكوى السياسة منذ أسابيع، وشكوى الناس منذ العام الماضي، فرجل من كبار الملاك والوزراء يطلب إلى الأهرام أن تسأل الوزارة كيف تستبيح لنفسها مخالفة القوانين إلى هذا الحد، وأخذ الناس يدفع الضرائب قبل أن تستحق، والتسلط على الحاصلات الزراعية، بغير حجز قانوني بل بالقوة العنيفة المتعسفة وآخرون يكتبون إلى الأهرام، بأنهم زاروا مدير أسيوط، يهنئونه بالعودة من إجازته، وشكوا إليه من هذا الظلم نفسه فأظهر إنكاره وأعلن أنه لن يسمح بالتعرض لأموال الناس، ولكنه يكتفي بأن يظهر أصحاب الحاصلات الزراعية للإدارة مستندات تدل على الأماكن التي يخزنون فيها حاصلاتهم، لتستطيع الإدارة بالطبع، أن تحجز عليها وتضمن بها وفاء الضرائب.
ومعنى هذا كله أن الظلم ما زال قائماً وأن أحكام القانون في جباية الضرائب ما زالت مهدرة وأن الملكية وحرماتها ما زالت معرضة للعبث، وتعسف الموظفين كباراً وصغاراً في الأقاليم، وكل هذا يحدث في ظل الدستور وفي ظل القانون، وبأعين وزير الداخلية الذي هو عضو في مجلس النواب، وبأعين وزير المالية الذي هو عضو في مجلس الشيوخ. ومعنى هذا أيضاً أن الذين يزعمون أن في مصر عدلاً شاملاً، إنما يكذبون على أنفسهم أو يكذبون على الناس، ومعنى هذا أيضاً أن الذين يظنون أن المصريين يحكمون بالحق والعدل، كما تحكم الشعوب المتحضرة في القرن العشرين، يخطئون أشنع الخطأ، ويبعدون عن الصواب غاية البعد.
ومعنى هذا آخر الأمر أن الذين يظنون أن عهد مصادرة الأموال بغير الحق، والتسلط عليها بالسيف والبطش قد انقضى، إنما سيكون في عالم من الوهم والخيال.
وإذن فقد يكون الخير في أن تعلن الوزارة إلى الناس، أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور، وإنما تريد أن تحكمهم بالشهوة والهوى، أو أنها لا تريد أن تحكمهم بالقانون والدستور وإنما تريد أن تحكمهم بما تفرضه الضرورات التي نجهلها نحن وتعلمها الوزارة من ألوان البطش والبأس وضروب الظلم والجور. فليس هناك منفعة في أن يظن الناس أن لهم حصناً من القانون والدستور حتى إذا لجأوا إلى هذا الحصن، لم يجدوا فيه
حماية ولا وقاية، وليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم أحرار يستطيعون أن يصنعوا في أموالهم ما يشاءون على حين أنهم عبيد تستطيع الدولة أن تفعل في أموالهم ما تشاء. ثم ليس هناك منفعة في أن يظن الناس أنهم يعيشون في القرن العشرين على حين أنهم لا يزالون يعيشون في القرون الوسطى، وليست القوة، في أن تخدع الناس تأخذهم على غرة، وإنما القوة في أن تصارحهم وتواجههم بالحقائق الواقعة، وتعلن إليهم أنهم لن يحكموا إلا على هذا النحو، سواء أرضوا أم كانوا ساخطين لودوا لو يفكر وزير الداخلية ووزير المالية في هذا، ونود لو يشركان معهما في التفكير زميلهما الفقيه وزير التقاليد ورئيسهما الرجل الطيب. فقد ينتهي بهم التفكير إلى مصارحة الناس بأن الدولة محتاجة إلى المال، وبأنها معرضة للإفلاس إذا لم تأخذ الشعب بدفع الضرائب مقدماً، وبأن الضرورات تبيح المحظورات، والشيء الذي لا شك فيه هو أن المصريين مستعدون لمقابلة مثل هذه الكارثة بصبر وثبات، وجلد، واستعداد للتضحية، فهم قد تعودوا احتمال الكوارث، والثبات للحوادث والخطوب، فأما إذا كانت خزانة الدولة عامرة، وكانت الأموال فيها موفورة وكانت سمعتنا المالية ملائمة لحقيقة حالنا فنظن أن الوزراء يوافقوننا على أن رفع هذا الظلم أمر يفرضه القانون، ويفرضه الضمير، ونحن نكبر وزراءنا مهما يكن بينهم وبيننا من خلاف، عن أن يظن الناس بهم أنهم يظلمون حباً في الظلم، ويجورون رغبة في الجور، ويقهرون الناس لأنهم يجدون لذة في قهر الناس.
ليفكر الوزراء وليقولوا لنا في هذا الأمر شيئاً فقد نحب أن نسمع منهم ما يقولون.
طه حسين
الوادي، ٩/٢٧/ ١٩٣٤ .
Tag: وسيادة القانون
-
ارهاق | Exhaustion
-
مغالطة | A Fallacy
حديث المساء: مغالطة
طه حسين
كوكب الشرق
٨ أبريل ١٩٣٤
تهزأ المورننج بوست من المصريين؛ لأن جماعة منهم فيما تزعم همُّوا بتحريق دار الشرطة حين أرادوا أن يروا الاستقلال، فحالت الشرطة بينهم وبين ما أرادوا، وسُئِلَ هؤلاء الناس عن الاستقلال ما هو؟ فقالوا إنه شيء يُؤْكَلُ، وهو على كل حال شيء يُرَى. ونعترف بأنَّا لا نفهم استهزاء المورننج بوست من هؤلاء الناس، الذين لم يُوْجَدوا من غير شك ولكنَّا نفرض أنهم موجودون، والذين لم يأتوا من غير شك ما تضيف إليهم الصحيفة الإنجليزية، ولكننا نفرض أنهم قد أتوا؛ فمن المحقَّق أن الاستقلال شيء يُرَى وشيء يُمَسُّ، ولعل من آثاره ما يؤكل أيضًا، ومن حق المصريين وقد تحملوا ألوان المشقة، وصبروا لضروب الجهد، وضحوا بالأنفس والأموال في سبيل هذا الاستقلال؛ أن يروه وأن يستمتعوا لا بالنظر إليه فحسب، بل بتذوُّق ثماره والانتفاع بآثاره كيفما كان هذا الانتفاع، أكلًا وشربًا ومساواةً، إلى غير ذلك من فنون الحس والشعور.
ولسنا نفهم كيف يناقش الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى، وشيء يُمَسُّ، وشيء قد يؤكل وقد يشرب، وهم جميعًا يرون الاستقلال بأعينهم ويمسونه بأيديهم، ويرون كيف يستمتع به أصحابه في البلاد التي يستقر فيها الاستقلال حقًّا، ويبدو فيها للناس حرًّا طلقًا لا تُلْقَى بينهم وبينه الحجب، ولا تُسْدَل بينهم وبينه الأستار. اذهب إلى أي بلد من البلاد الحرة المستقلة، وانظر إلى أهلها حين يسعون في الأرض، وحين يضطربون في التماس الحياة؛ فسترى أن شخص الاستقلال قائم أمامهم يسعى معهم حين يسعون، ويضطرب معهم حين يضطربون، يدفعهم إلى ما يبتغون من الحق، ويصدهم عمَّا يبتغون من غير الحق، ويَذُود عنهم كل العوادي والخطوب التي تحول أو تحاول أن تحول بينهم وبين ما يبتغون في حدود النظام والقانون.
هذا الاستقلال مستقر في دور الشرطة، يمنع الشرطيين من أن يعتدوا على أبناء الشعب، أو يهموا بالاعتداء عليهم أو يسوقوهم إلى حيث يخضعونهم لمثل ما أُخْضِعَ له بعض أهل البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، ولمثل ما يخضع له المصريون في كل مدينة وفي كل قرية، حين يهمون أن يقولوا أو يعملوا ما لا يحب الحاكمون، وهذا الاستقلال مستقر في دور القضاء يمنع أن يُنْقَل القاضي أو يُعْزَل، أو يَمَسَّهُ غضب السلطان لأنه قضى بما لم يرضَ السلطان. وهو مستقر في الوزارات، وفي مكاتب الوزراء خاصة، يمنعهم من أن يتجاوزوا القانون في قول أو فعل، ويَقِفهم أمام لجان المحاكمة حين يتجاوزون القانون في قول أو فعل، وقد يُلْقِيهم في غيابات السجون أحيانًا، ويمنع رؤساء شركات النور ورؤساء المحاكم أن يكتبوا إليهم كتبًا فيها ما يهين الدولة ويغض من كرامة الاستقلال. وهو مستقر في مكاتب الموظفين يمنعهم من طاعة الوزراء والرؤساء فيما يخالف القانون، ويقفهم أمام مجالس التأديب إن فعلوا، وقد يقفهم أمام النيابة وأمام القضاة، وقد يلقيهم في غيابات السجون أحيانًا. وهو مستقر في البرلمان يُشعِر الذين يمثِّلون الشعب بأنهم أصحاب السلطان حقًّا، لا تُرَدُّ لهم كلمة في التشريع، ولا يحول حائل بينهم وبين مراقبة الوزارات وإسقاطها إن لم تعجبهم. ثم هو مستقر في الأرض التي تُزْرَع، والتي تملكها الدولة يحميها من أن تُسْتَبْدَل بغير حق أو في غير حق، ويَقِف الذين يُحاوِلون ذلك أو يفكِّرون فيه أمام القضاء، ويُلقِي بهم في غيابة السجن أحيانًا، ثم هو مستقر في الأرض التي يملكها الأفراد، يردُّ الحكومة عن أن تعتدي عليها بغير الحق، أو أن تحول بين أصحابها وبين ما تُنْتِجُ لهم من الثمرات. ثم هو مستقر في كل دار، ثم هو مستقر في كل متجر، ثم هو مع ذلك منتشر على الأرض كلها، منتشر في الهواء كله، منتشر في الماء كله، يراه الناس ويسمعونه ويلمسونه ويستعدونه على الظالمين، ويستعينون به على كل مَن يجاوز في معاملتهم حدود العدل والحق والمساواة؛ فلستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى؟! بل لستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يستمتع به الفرد بأوسع معاني الاستمتاع وأعظمها شمولًا؟! لم يخطئ هؤلاء المصريون الذين لم يُوجَدوا حين ظنُّوا أن الاستقلال شيء يُرَى، وحين طلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظْهِروا لهم هذا الاستقلال، الذي جاهدوا في سبيله واحتملوا ألوان المشقة والعناء، لا ليتحدث الناس إليهم عنه، بل ليروه ويلمسوه ويستيقنوا أنه قائم بينهم يحميهم من الظلم، ويخلي بينهم وبين الحق.
ويجب أن تعلم الصحيفة الإنجليزية، وأن يعلم الإنجليز جميعًا، وأن يعلم الأجانب جميعًا أن المصريين يؤمنون إيمانًا قويًّا بأن الاستقلال شيء يُرَى؛ لأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فرأوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فسمعوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فاستمتعوا به في هذه البلاد الأجنبية وذاقوا من لذاته فيها ما لم يذوقوه، ولا يذوقونه في مصر إلى الآن. ومن حقهم وقد تحدَّثَ إليهم الإنجليز، وقد تحدَّثَ إليهم الفرنسيون، وقد تحدَّثَ إليهم الأجانب بأنهم كسبوا الاستقلال وظفروا به، وأقروه في بلادهم؛ أن يلتمسوا هذا الاستقلال، وأن يعرفوا أين يستقر؛ لأن لهم مظالم يريدون أن يرفعوها إلى الاستقلال، ولأن لهم شكاة يريدون أن يبثُّوها الاستقلال، ولأن لهم مطالب يريدون أن يحقِّقها لهم الاستقلال، ومن حقهم أن يغضبوا من السلطان وأعوان السلطان إن لم يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم لم يكونوا لاعبين، ولا هازلين، ولا طالبين للأوهام والأحلام حين ثاروا يبتغون الاستقلال، وحين سفكوا دماءهم في سبيل الاستقلال.
نعم، من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يتحدَّثوا إليه، بأن بقاء الإنجليز في مصر وإعانتهم للظلم على المصريين، وتدخُّلهم في الصغير والكبير من أمورهم ؛ كل ذلك لا يستطيع أن يستقر في بلد يوجد فيه الاستقلال. من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يقصُّوا عليه قصصًا كثيرة، منها ما يمس إزهاق النفوس وسفك الدماء، ومنها ما يمس إهدار الكرامات وانتهاك الحرمات، ومنها ما يمس تضييع المنافع والحقوق، ومنها ما يمس العبث بأموال الدولة، والإسراف في أملاكها، والاستهانة بسلطانها؛ وكل هذه أمور لا تستطيع أن تعيش في بلد يعيش فيه الاستقلال، كما أن جراثيم العلة والفساد لا تستطيع أن تعيش في الجسم الصالح القوي الصحيح، والسلطان وأعوانه يحدِّثون المصريين بأنهم مستقلون، فمن حق المصريين أن يسألوهم عن الاستقلال؛ ليتبيَّنوا منه كيف يستطيع أن يستقر في بلد تستقر فيه هذه الآثام، وأن يعيش في بلد فَسَدَ جوه إلى هذا الحد، الذي لا يلائم حياة الأصحاء، والمصريون منصفون ومصيبون حين يبحثون عن هذا الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يعرفوا جلية الأمر فيه، فلعلهم خُدِعوا حين خُيِّلَ إليهم أنه قد استقر في بلادهم، وإذن فمن الحق عليهم أن يستأنفوا سعيهم ليستقر هذا الاستقلال في بلادهم، ولعله قد وصل إلى مصر واستقرَّ فيها، ولكنه مريض دَسَّ له بعض الناس ما يُدَسُّ على الأصحاء ليفسد عليهم صحتهم؛ فمن الحق على المصريين أن يصلوا إلى هذا الاستقلال ليعرفوا علته، ويلتمسوا لها الدواء عند بعض الأطباء، ولعله مريض مُهْمَل في زاوية من زوايا الدواوين، أو في ناحية من نواحي الوزارات، فمن الحق عليهم أن ينقلوه إلى مستشفى تتهيَّأ فيه أسباب العلاج على النحو الحديث المفيد.
كلا، لم يخطئ المصريون الذين لم يُوجَدوا، والذين تتحدَّث عنهم المورننج بوست حين قالوا إن الاستقلال شيء يرى، وإنما أخطأ المصريون الموجودون لأنهم صدَّقوا ما يقال لهم من أن الاستقلال شيء معنوي لا يُرَى ولا يُحَسُّ، أخطأ هؤلاء المصريون، والواجب على كل مثقف حر يشعر بكرامته وكرامة وطنه، أن ينبِّه المصريين إلى أن الاستقلال شيء يُرَى ويُحَسُّ، وإلى أن استقلالهم محجوب عنهم، وإلى أن من الحق عليهم لأنفسهم وبلادهم ولسعادة أبنائهم وذكرى آبائهم أن يسألوا عن هذا الاستقلال، وأن يلحوا في السؤال حتى تُرفَع بينهم وبينه الحجب، وحتى يروه ويحسوه ويسمعوه ويستعينوا به على الحياة، من الحق عليهم أن يسألوا السلطان وأعوان السلطان، ومن الحق عليهم أن يسألوا الإنجليز وأنصار الإنجليز، ومن الحق عليهم أن يسألوا الأجانب جميعًا، فكل هؤلاء يلقون الحجب الكثيفة بينهم وبين الاستقلال الذين جاهدوا في سبيله، واحتملوا ألوان المشقة والعناء ليظفروا بالحياة الحرة في ظلِّه الوارف، وجوِّه الصفو، وهوائه الطلق، وثوره المحيي للنفوس.
فإذا كانت المورننج بوست تسخر من المصريين لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، فإنَّا نحن نلحُّ على المصريين في أن يؤمنوا بأن الاستقلال شيء يُرَى، ونؤكِّد لهم أنهم حين يؤمنون بذلك سيرون الاستقلال وسيحسونه، وسيأكلون من ثماره، وسيستمتعون بآثاره، وسيفرضون احترامهم على الإنجليز فرضًا، ويومئذٍ لا تسخر منهم المورننج بوست لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، وإنما تعجب بهم المورننج بوست وتحسب لهم كل حساب؛ لأنهم يرون الاستقلال ويشيرون إليه، ويعتزون به كلما طمع فيهم طامع أجنبي، وكلما ظلمهم ظالم مصري، ويومئذٍ لا تتحدث المورننج بوست عن نظام اللورد كرومر، ولا عن ضم مصر إلى الإمبراطورية البريطانية؛ لأن الاستقلال الذي يُرَى يقطع عليها كلَّ سبب بينها وبين هذا الحديث.