Tag: ومساءلة الحكومة

  • خصام | A Quarrel

    حديث المساء: خصام
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٣١ مارس ١٩٣٤
    خصام ثقيل سقيم حقًّا هذا الذي تمتلئ به بعض الصحف المتصلة بالوزارة، والذي يكثر الأخذ والرد فيه بين فريقين من رجال هذا العهد السعيد، قد عرف الشعب المصري كيف يقدِّرهما، وكيف يطمئن إلى ما يصدر عنهما من قول أو عمل.
    فأما أحد هذين الفريقين، فقوم ملثَّمون لا يُظهِرون وجوههم، ولا يُعلِنون أسماءهم، ولا يجرءون على احتمال التبعات، ولكنهم مع ذلك يوحون، ويوحون ويسرفون في إرسال الوحي، ويسمون أنفسهم بالمصادر العليمة حينًا، والدوائر المطلعة حينًا، وهم من غير شك من رجال الدولة، سواء أكانوا من الوزراء أم من كبار الموظَّفين.
    وأما الفريق الآخَر فصدقي باشا، وهذان الموظفان اللذان أُحِيْلا على المعاش في آخِر جلسة لمجلس الوزراء قبل العيد. أولئك يذيعون التهم ويثيرون الريب، ويملئون الجو شكًّا واضطرابًا وسوء ظن، وهؤلاء يذودون عن أنفسهم، ويردون عنها ما يثار حولها من المخزيات، ثم يشيرون ويلمحون، وينذرون فيزيدون الجو فسادًا إلى فساد، واضطرابًا إلى اضطراب، والمصريون يقرءون وَحْي أولئك وردَّ هؤلاء، ويسألون أين يكون الحق؛ لأنهم يثقون أن الحق كله لا يمكن أن يكون فيما يُوحي به أولئك، أو فيما يردُّ به هؤلاء؛ ولأنهم يثقون أيضًا بأن النزاهة ونقاء اليد واللسان والضمير والإخلاص في خدمة الدولة، كل أولئك مضطرب متردد حائر بين ما يوحي به الموحون، وما يرد به المدافعون، هم يسألون أين يكون الحق من هذا الكلام الطويل الكثير المختلط المهلهل الذي يهبط به الوحي من المصادر العليمة، أو تحمله أسلاك التليفون عن صدقي باشا من الإسكندرية حينًا، ومن داره في القاهرة حينًا آخَر، أو تحمله أسلاك التليفون عن وكيل المالية، ذاك الذي يتحدَّث بأنه لم يزد على أن صدع بالأمر، وأنفذ ما أراد منه صدقي باشا أن ينفذه، أو تحملها بيانات موجزة حينًا ومطولة حينًا آخَر، يرسلها هذان الموظفان السابقان إلى صحف الصباح وإلى صحف المساء.
    والناس يقرءون كل هذا الكلام؛ فلا يفهمون ظاهره ولا يدركون باطنه، ولا يكشفون أسراره، ولا يحققون ما يرمي إليه، وإنما يستيقنون أن هناك حقائق مؤلمة يتفطَّر لها قلب المصري، وتستحي لها نفس المصري، ويحمرُّ لها وجه المصري خجلًا، وهي أن الحكم في هذا العهد السعيد لم يظفر بما كان يجب أن يظفر به من النزاهة والأمانة والصفاء والنقاء، وإنما كان مشوهًا يسعى فيه الفساد حتى يجعل شرَّه أكثر من خيره، وحتى يبعد به كل البُعْد عن أن يكون ملائمًا للأخلاق والاستقامة، ولما يطلب هذا الشعب البائس من تحقيق الآمال، والاحتفاظ بالكرامة، وإقناع الأجانب بأنه شعب حر كريم خليق أن يستمتع بالعزة والاستقلال.
    هذه هي الحقائق المرة المؤلمة المخزية التي يستخلصها المصريون من هذا الكلام الكثير الطويل، الذي يوحي به بعض الموظفين، والذي يرد به خصوم هؤلاء الموظفين، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتكون مصدر تنغيص لحياة الشعب، وأنت توافقني على أن الله لم يخلق الحكومات لتُشعِر الشعب — بما تعمل وما تقول — أن أموره سيئة إلى أقصى حدود السوء، مضطربة فاسدة إلى أقصى حدود الاضطراب والفساد. إن هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، يذكروننا بموقف ميترنيك مع ابن نابوليون حين قدَّم له المرآة ليبين له أنه بعيد كل البُعْد عن أن يشبه أباه العظيم، وأنه قريب كل القرب من أن يُشبِه أمه وأسرة أمه؛ وإذن فلا ينبغي له أن يطمع في مُلْك، ولا أن يطمع في فكاك من الأسر، ولا أن يطمع في أي عمل عظيم. هؤلاء السادة الذين يختصمون، سواء منهم مَن ظهر ومَن استتر، قد اتخذوا من أعمالهم وأقوالهم مرآة سيئة رديئة فاسدة الجوهر مختلطة؛ فهم يعرضونها كل يوم على الشعب، ويريدون أن يُظهِروا للشعب أنه بعيد كل البعد عن أن يشبه الشعوب الحرة المستقلة؛ فلا ينبغي له أن يطمع في حرية ولا في استقلال، بل هم يظهرون هذه المرآة المنكرة في كل يوم للأجانب ليروا فيها صورة رديئة مشوَّهة، لا تصلح لحرية ولا لاستقلال، ثم ليحكم الأجانب بعد ذلك على هذا الشعب البائس بهؤلاء السادة الذين يظهرون ويستترون؛ لأنه لا يصلح لحرية ولا لاستقلال.
    إن هذه القصة التي يمثِّلها ميترنيك مع ابن نابليون في رواية أدمون روستان، مؤلمة تمزِّق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، وإن هذه القصة التي يُمثِّلها سادتنا هؤلاء مع الشعب المصري ومع الأجانب في هذه الأيام، مؤلمة تمزق القلوب وتملؤها لوعةً وحسرةً، ولكن ميترنيك كان يخدم وطنه النمسا، فأما هؤلاء السادة فقد نحبُّ أن نعلم أي وطن يخدمون، هم يخدمون أشخاصهم، هم يُدافِعون عن أنفسهم، هم يُسِيئون إلى أمتهم ليستمتعوا بالمنصب، أو ليستمتعوا بحُسْن السمعة، وما أيسر أشخاصهم! وما أهونها بالقياس إلى هذه الضحايا التي تفرضها على الشعب فرضًا!
    ما الذي تريده هذه المصادر العليمة من كل هذه السيئات التي تذيعها، أتريد أن تظهر أنها قد أقبلت لتطهِّر جو الحكم مما كان فيه من الفساد؟! ولترده نقيًّا صافيًا كما كان قبل أن تفسد الأمور، وقبل أن يثب صدقي باشا إلى الحكم، فإن تطهير الجو لا يكون بإذاعة الإشاعات وإثارة الشكوك، وإنما يكون بإظهار الحق كله واضحًا جليًّا مهما يكن بَشِعًا منكرًا، وإنما يكون بإحالة المفسدين على المحاكم التي تعرف كيف تفرض عليهم العقاب، فأما هذا الوحي المتردد الخزيان، هذا الوحي الذي يفسد ظنَّ الناس بكل شيء وبكل إنسان، فإنه أشبه بالكيد الذي لا يصلح شيئًا، وإنما يفسد كل شيء.
    ماذا تريد هذه المصادر العليمة بهذا الحوار الذي تملأ به الصحف في كل يوم؟ أتريد أن تثبت أن حكم صدقي باشا كان فسادًا في فساد؟ فالناس يعلمون ذلك حق العلم، والناس لا يشكُّون في ذلك ولا يمارون، والناس يلحون في أن يُسأل صدقي باشا عن كل ما عمل، والناس يتمنون على هذه الوزارة القائمة وعلى البرلمان أن يقدِّمَا صدقي باشا للمحاكمة أو للسؤال أمام السلطة التي تملك محاكمته أو سؤاله.
    إن الحكومات لم تُنشَأ لتكون هيئة اتهام تتخذ الصحف وحدها أداةً للطعن والتجريح، وإنما أُنشِئت لتقر العدل في نصابه، ولتقف المسيئين أمام السلطات التي تملك أخذهم بما جَنَوا من سيئات، ما هذا المكتب الغريب الخفي المستتر الذي أُنشِئ أو الذي نبت ليذيع في الصحف من حين إلى حين آثامًا وسيئات تفسد الظن، ثم لا يلقى أصحابها عليها عقابًا، وهؤلاء السادة الآخَرون الذين يدافعون عن أنفسهم بكلام طويل ملتوٍ لا وضوح فيه ولا جلاء، ولكنه مملوء بالتلميح والنذير؟ ما لهم لا يقولون ولا يفصحون، ما لهم يلتزمون هذا الموقف الذي لا يخلو من ريبة، إن كانوا أقوياء حقًّا فَلْيُظهِروا قوتهم، وإنما تظهر قوتهم بإظهار الحق كما هو، وإن كانوا ضعفاء فَلْيسكتوا وَلْيستقروا وَلْينسَوا هذه القصة لعلهم يظفرون بأن ينساهم الناس.
    أما بعدُ، فإن الذين تعنيهم أمور الحكم والسياسة في هذا البلد خليقون أن يقرءوا، أو خليقون أن يفكِّروا، وخليقون أن يقدروا أن إذاعة الفساد في الجو بين حين وحين على هذا النحو لا يمكن أن تنتهي إلا إلى إفساد رأي الناس في الحياة العامة، وإلى تشكيك الناس في العدل والنظام، وأثار هذا خطرة منكرة تستحق أن يُفكَّر فيها وأن يُعْنَى باتقائها، وإنما يكون اتقاؤها بتطهير الجو حقًّا، والجو لا يطهر بالإشاعات، وإنما يطهر بالحق الذي لا شك فيه، والجو لا يطهر بالريب وإنما يطهر بالصراحة والوضوح، وقد أظهر الذين يُشرِفون على الحكم في هذا العهد أنهم لا يحتملون الصراحة والوضوح، ولا يجرءون على مواجهة الحق كما ينبغي أن يُواجَه؛ فما أجدرهم أن يستريحوا! وما أجدرهم أن يَدَعوا هذه الأعباء الثقال لقوم آخَرين هم أقدر على حملها، وهم أجرأ على النهوض بها، وهم يستطيعون أن يعملوا، ويستطيعون أن يقولوا، وأن يحتملوا تبعات ما يقولون وما يعملون، وهم يكرمون أنفسهم ويكرمون أمتهم عن مثل هذا الخصام السخيف الذي نشهده الآن بين قوم يظهرون ويستترون.

  • قذف | Slander

    حديث المساء: قذف

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ أكتوبر ١٩٣٣

    ليس من الأشياء التي تُحَبُّ أو يشتد إليها الميل، أن تلقي دروسًا في الأخلاق على قوم يجب أن يكونوا قدوة في حسن الأخلاق، بل ليس من الأشياء التي تُحتَمل أو تبتغى أن تلفت الوزراء السابقين واللاحقين إلى هذه الواجبات اليسيرة التي تفرضها الأخلاق.

    وحسب الكُتَّاب أن يلفتوا الوزراء والمشتغلين بالحياة العامة إلى الواجبات السياسية التي تفرِضها المصلحة العامة، ويحتمها الإخلاص في خدمة الشعوب.

    والأمر يزداد مشقَّةً وعُسرًا حين يتصل بالسابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد؛ فهم معصومون من الخطأ، مبرَّءُون من العيب، مُنزَّهون عن هذه الخصال التي يمكن أن تَشين مثلك ومثلي من عامة الناس. ولولا أنهم معصومون من الخطأ ولولا أنهم مبرَّءُون من العيب، ولولا أنهم مُنزَّهون عن كل ما يَشين لما ارتقوا إلى مناصب الوزارة، ولما قبضوا بأيديهم على أَعِنَّةِ الأمور يصرفونها كما تقضي المصالح العامة وحدها لا يتأثرون في ذلك بميول الأحزاب وأهوائها، ولا بنزعات الأفراد وشهواتهم، ولا يجورون في ذلك عن قصد السبيل.

    وإذا كانت هذه حالُهم فنحن جماعة الكُتَّاب نتجنَّى عليهم ونتجاوز الحدود في أمرهم، حين تزعم أنهم قصروا في السياسة أو أخطَئوا سبيل المنفعة العامة، أو أهملوا حقًّا من حقوق الناس. وهُم كرام إلى أقصى حدود الكرم، حلماء إلى أبعد آماد الحلم، يقبلون منا التجنِّي ويعفون لنا عن النقد، ولا يخاصموننا في ذلك إلا قليلًا، وقد يُغرِينا كرمهم فنغلو في النقد، ويطمعنا حلمهم فنُغرِق في التَّجنِّي، وهم مع ذلك لا يغضبون ولا يعبسون، وإنما يمضون في العفو ويُلِحُّونَ في العطف، ويريحون النيابة من التحقيق، ويُريحون المحاكم من القضاء، ويريحون الشرطة من أخذ الناس، ويريحون الناس من عنف الشرطة، ويعصمون أجسامهم من وقع السياط. فكيف بنا إذا تجاوزنا السياسة وشئونها ونقدنا الوزراء السابقين واللاحقين فيما يتصل بأعمالهم وأقوالهم مما يتصل بالأخلاق؟ ولكن صناعة الكتابة، والكتابة في الصحف بنوع خاص، تدعو إلى شيء من التطفل، وتدفع أصحابها إلى أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، ويقولوا فيما لا ينبغي أن يقولوا فيه. وأكبر الظن أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد سيعفون للكُتَّاب عن هذا التطفُّل كما يعفون لهم عن ذلك التجني. وسيصفحون عن نقدهم فيما يمَس الأخلاق، كما يصفحون عن نقدهم فيما يمس السياسة. فإن العفو فضيلة من هذه الفضائل الواسعة التي لا تحصر ولا تقصر ولا تتناول شيئًا دون شيء، ولا تتجاوز إثمًا دون إثم، وإنما هي ميالة بطبعها إلى التجاوُز عن السيئات جميعًا.

    فإذا كان نقد الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد في أمر يمس الأخلاق متصلًا بالسياسة العامة من بعض الوجوه، كان طمعُهم في عفو الوزراء أعظم، وأملُهم في صفح الوزراء أشد، وثقتهم بحُلم الوزراء أدنى إلى أن تملأ قلوبهم أمنًا، وتشعر نفوسهم طمأنينة وهدوءًا.

    ونحن نريد أن نعرض لأمر من أمور الأخلاق متصل بالسياسة أشد الاتصال، أثارته تلك القصة المضحكة التي مثَّل فصولَها حزبُ الشعب في هذه الأيام الأخيرة الماضية. فقد زعموا أن الصلح لم يَكَدْ يَتم بين الحظيرة وبين الوزيرين اللذين أُقْصِيَا عنها. حتى نهض وزير الزراعة السابق فأعلن في حدة وغضب، وغيظ وحنق: أن وزير المواصلات السابق تحدث إلى بعض الناس بأن وزير الزراعة اللاحق يقذفه، ويتهمه بأمور تمس الانتفاع المادي على حساب المصلحة العامة، واختلف الناس بعد ذلك في تحقيق هذه الأمور، فبعضهم زعم أنها تمس حزب الشعب، وإدارة الوزير السابق له، وهذا هو الذي قرأناه في الصحف صباح أمس، وبعضهم زعم أنها تمَس الحكومة وأموالها. وهذا هو الذي قرأناه في صحيفة من صحف المساء نشرته أمس للناس في صراحة مؤلمة حقًّا. ولسنا نحب أن نروي ما صرحت به صحيفة المساء تلك فقد يثقل ذلك علينا، وقد يثقل ذلك على الناس، ولكن الذي نحب أن نلاحظه هو أن الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد — مع أنهم معصومون من الخطأ ونحن جميعًا نخطئ — مبرَّءون من العيب، ونحن جميعًا قد نتورط في العيب، لا تمنعهم العصمة ولا تعفيهم البراءة من أن يكونوا كغيرهم من الناس يخطئون كما يخطئ الناس، ويعيبون كما يعيب الناس، ويدفعون كما يدفع الناس إلى أشياء لا تليق. فهذا وزير مقيم في الحكم يتهم وزيرًا معتزلًا للحكم في نزاهته، وهذا وزير سابق ينقل عن الوزير اللاحق ما قاله، فإذا هو يُذاع ويُشاع، حتى يقرع سمع الوزير المقذوف، وإذا هو الوزير المقذوف يحاول أن يبرئ نفسه، ويدفع عنها، فلا يزيد الأمر إلا ذيوعًا وانتشارًا، وقد كُنَّا نقدر أن عصمة الوزراء السابقين واللاحقين من رجال هذا العهد السعيد، ترفعهم عن أن يتورطوا في مثل ما يتورط فيه غيرُ المعصومين من الناس، وتجعلهم أعلى وأكرم على أنفسهم من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسوق بعضهم إلى بعض هذه التُّهَم التي إن صحت كانت مزرية مخزية. ثم يسعى بعضُهم إلى الناس بما قال بعضهم في بعض، حتى يشيع الشر، وينتشر النُّكر، وتسوء سمعة السابقين واللاحقين من وزراء هذا العهد السعيد. والقاذف والمقذوف من وزراء حزب الشعب، والساعي بهذا القذف من وزراء حزب الشعب، ومبلغ القذف إلى المقذوف من أعضاء حزب الشعب. فهل هي المصادفة التي جمعت بين حزب الشعب وبين هذا النحو من أنحاء الاتهام؟

    على أن للأمر وجهًا آخر أعظم خطرًا من هذا. فليس من شَكٍّ في أن الناس جميعًا يتمنَّوْنَ أن يكون وزراء هذا العهد السعيد أرفع من أن يقذف بعضهم بعضًا، ويسعى بعضهم ببعض. ولكن الناس يتمنَّوْنَ بنوع خاص ألَّا يكون هذا القذف صحيحًا، ولا مصوِّرًا لحقيقة من هذه الحقائق المزرية المؤذية، والناس يتمنَّوْن أن يكون الغضب وحده هو الذي أنطق وزير الزراعة القائم بما نقله وزير المواصلات السابق حتى انتهى إلى وزير الزراعة المستقيل. ولكن كيف يستطيع الناس أن يتبيَّنوا جَلِيَّةَ هذا الأمر، وأن يعلموا ويستيقنوا ويطمئِنُّوا، وتُمحى من نفوسهم الريب والشكوك، ولا يتطرق الوهم إلى أحد منهم بأن وزير الزراعة السابق موسوم بما رماهُ به وزير الزراعة القائم إن صح ما نقل عنه؟

    أمَّا حزب الشعب فسيصلح الأمر بين أعضائه إصلاحًا ظاهرًا تصفو معه القلوب أو لا تصفو، وتخلص معه النِّيَّاتُ أو لا تخلص. وسيزول الخلاف بين وزير الزراعة القديم ووزير الزراعة الجديد، وسيعود أولهما إلى الحظيرة بعد أن خرج منها، كما عاد ثانيهما إلى الحظيرة بعد أن أُخْرِجَ منها إخراجًا. وسيرتاح صدقي باشا لرجوع وزير الزراعة السابق إلى الحظيرة كما ارتاح لرجوع وزير الزراعة القائم إليها. ولكن الأمر لم يبقَ مقصورًا على حزب الشعب ولا على الوزيرين المختَصِمَيْن، وإنما هو يتجاوز الحزب وأعضاءه جميعًا إلى الأمة وإلى الدولة؛ فلم يَبْقَ بُدٌّ من أن يعرف الناس جلية هذا الأمر، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تتبين الدولة حقيقة هذه التهم، ولم يَبْقَ بُدٌّ من أن تعود إلى قلوب الناس الثقة بأن وزراءهم لا يستفيدون لأنفسهم على حساب المصلحة العامة. ونحن نعلم حق العلم أن هذه الجملة المشئومة التي قالها علي المنزلاوي بك، إن صح ما رواه عنه توفيق دوس باشا، وقد وقفت جماعة من الوزراء بين أمرين كلاهما شَرٌّ وأحلاهما مُرٌّ، فهي إن صحت أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء، واستتبعت آثارًا لا تَسُرُّ ولا تُرْضِي، وهي إن لم تَصِحَّ أثبتت ما لا ينبغي أن يتصف به الوزراء من اتهام الناس بغير الحق وبما لا يليق. وواضح جدًّا أن تحقيق هذا الأمر وإظهار جليته للناس لا يمكن ولا ينبغي أن يكون في حزب الشعب ولا بين يدي صدقي باشا، وإنما يجب أن يكون في مكان غير حزب الشعب، وأمام رجل غير صدقي باشا، أفترى هذا التحقيق ممكنًا، أفترى هذا التحقيق واقعًا غدًا أو بعد غدٍ؟ أم تظن أن أمر هذا القذف سيُترك لتمضي به الريح وليُسدِل عليه النسيان ستارًا صفيقًا. أما نحن فنعتقد أن ليس على أخلاق الناس ومصالحهم ونزاهتهم فيما يأتون وما يَدَعُونَ خطر أشد من إهمال مثل هذا القذف وتركه غنيمة للنسيان. فذلك يُغرِي الناس بالإقدام على الشر طامعين في عفو النسيان، وذلك يُغري الناس بالإقدام على القذف طامعين في عفو النسيان أيضًا. ونحن نعتقد أن في مصر قوة حريصة أشد الحرص على الأخلاق وعلى صيانة المصالح العامة، وعلى صيانة سمعة الوزراء السابقين واللاحقين، ونعتقد أن هذه القوة لن تقصر فيما يجب عليها من التحقيق.