الحق المر
طه حسين
جريدة الأهرام
٢٨ أكتوبر ١٩٤٩
يظهر أن الكتابة من قمم الجبال في شئون التعليم تغيظ وزارة المعارف، فسأكتب في شئون التعليم الآن من باريس لا من قمم الجبال، وسأكتب فيها إن شاء الله من ضفاف النيل لا من قمم الجبال، فعسى أن تكون الكتابة في شئون التعليم من السهول أحسن وقعًا في نفوس المسئولين في وزارة المعارف من تلك الكتابة التي تهبط من قمم الجبال؛ لأنهم في أكبر الظن لا يحبون التصعيد، وإنما يحبون السير السهل في الأرض السهلة الرفيقة. وأكبر الظن كذلك أن إيثارهم للسهولة واليسر، وإشفاقهم من التصعيد في الجبال والارتقاء إلى قممها هو الذي اضطرهم واضطر الشعب معهم إلى هذه الورطة المعقدة العقيمة التي لا يجدون لأنفسهم ولا للشعب منها مخرجًا؛ ذلك أن الحياة ليست يسرًا كلها وإنما هي مزاج من العسر واليسر، وليست راحة كلها وإنما هي مزاج من الراحة والتعب، وليست أمرًا ونهيًا كلها وإنما هي مزاج من الأمر والائتمار ومن النهي والانتهاء، وليست غدوًا إلى الديوان حين يرتفع الضحى ورواحًا إلى الدار حين يتقدم النهار، وقبضًا للمرتب في آخر الشهر وتنكيلًا بالموظفين بين ذلك، وتحكيمًا للهوى وتعقيدًا لمنافع الناس، وإنما هي عمل في الليل وعملٌ في النهار، تُختلَس الراحة منه اختلاسًا، ويُضَحَّى في سبيله بالقوة والوقت وبالمنصب والمال، ويقوم على الإخلاص الخالص، والصدق الصادق، والنية السليمة التي تفكر في الانتفاع بما سبق إليه السابقون أكثر مما تفكر في الازدراء لما سبق إليه السابقون.
ولو قد جرت شئون وزارة المعارف على هذا النحو من إيثار مصلحة الشعب على مصلحة الحزب وعلى مصلحة النفس وعلى مصلحة الشيعة والأنصار، ومِنْ تجنُّب السياسة وأهوائها وشهواتها وكلفها بالعوج والالتواء، لكان لها شأن غير شأنها الآن، ولكان لها أثرٌ غير أثرها الآن.
ولما اضطر وكيل من وكلاء هذه الوزارة إلى أن يكتب هذا المقال الذي قرأته الآن في باريس، فكدت أضحك لولا أن الحزن والأسى واليأس والإخفاق، كل ذلك يقطر من كل جملة من جمله، ومن كل كلمة من كلماته، ولولا أن هذا المقال قُصِد به إلى أن يتجرع الشعب بعض الحقائق المُرَّة التي لم يكن يظن أنه سيتجرعها بعد أن منَّاه قومٌ فأسرفوا فيما عرضوا له من الأماني وفيما زيَّنوا له من الآمال.
فهذا المقال يُريد أن يُجرِّعَ الشعب حقيقةً مُرَّة هي أن وزارة المعارف تُقِرُّ بإخفاقها الكامل الشامل فيما نهضت به من شئون التعليم أثناء خمسة أعوام، ويريد أن يُجرِّعه حقيقة مُرَّةً أخرى هي أن وزارة المعارف لن تَبْلُغ ما تريد، ولن تُبَلِّغ الشعب ما يريد من نشر التعليم؛ لأن أسباب ذلك عسيرة غير يسيرة، ومقطوعة غير موصولة.
فالمباني لم تُقَم ولا يُنتظَر أن تُقام في وقت قريب، والمعلمون لم يُعَدُّوا ولا يُنتظَر أن يُعَدُّوا في وقت قريب. فالأعين بصيرة والأيدي قصيرة، والآمال واسعة والقدرة ضيقة، وأمر التعليم في ذلك كأمر غيره من المرافق العامة. فليس على مصر إلَّا أن تنتظر، وألَّا تسأم طول الانتظار؛ لأن وزارة المعارف لا تملك العصا السحرية التي تشير بها إلى العقاب فتُذلَّل وإلى المصاعب فتُهوَّن. وليست وزارة المعارف القائمة مسئولة عن شيءٍ من هذا، وإنما يُسأَل عنه أولئك الذين شرَّعوا سُنَّة التوسُّع في التعليم، وجعلوا التعليم الابتدائي مجانيًّا مفتوحًا لمن أراده من أبناء الشعب على اختلاف طبقاتهم. أولئك الذين جنوا هذه الجناية الضخمة واقترفوا هذا الإثم العظيم هم المسئولون؛ أولًا: لأنهم جنوا الجناية واقترفوا الإثم، وثانيًا: لأنهم لم يُعِدُّوا ما كان ينبغي أن يُعِدُّوا ليجد المصريون من المدارس ما يحتاجون إليه.
كذلك يقول وكيل من وكلاء وزارة المعارف القائمة، ولا ينسى إلَّا شيئًا واحدًا يسيرًا كل اليسر، وهو أن أولئك الجناة الآثمين قد اقترفوا إثمهم ذاك سنة ١٩٤٤ وتركوا وزارة المعارف سنة ١٩٤٤ حين كانت الدراسة تهم بأن تُفتتَح، فلم يُمَكَّن لهم في وزارة المعارف ليمضوا في جنايتهم الضخمة وإثمهم العظيم، لا أقول إلى آخر الشوط بل أقول إلى أول الشوط، ولو قد مُكِّن لهم في وزارة المعارف حتى يُنفِّذوا سياستهم التي رسموها، ويُتِمُّوا جنايتهم التي اقترفوها؛ لكان للتعليم في مصر شأنٌ غير شأنه الآن، ولشغل الناس بما يعنيهم من كسب حياتهم عما يشقيهم الآن من إذلال نفوسهم ليظفر أبناؤهم وبناتهم بحقهم في التعليم.
ووكيل وزارة المعارف الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة كانوا قد أعدُّوا برنامجهم، ورسموا خططهم، وأرصدوا ما ينبغي من المال في مشروع السنوات الخمس لتنفيذ تلك الخطط. وهو يعلم حق العلم أن الذين جاءوا بعدهم قد هدموا ما بنوا، وأفسدوا ما أصلحوا، وألغوا ما أرصدوا من المال، ورسموا سياسةً جديدة وخططًا جديدة، أضاعوا في رسمها وقتًا غير قليل، وأضاعوا في الاستعداد لتنفيذها وقتًا غير قليل، ثم فُوجِئوا بنتائج السياسة التي تقوم على الهوى، وتهدم ما بنى الخصم، لا لأنه سيئ بل لأن الخصم هو الذي بناه.
ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن السياسة التي رسمها أولئك الجناة قد أقرَّها برلمان شرعي، فكان من الحق عليه وعلى أصحابه أن يحترموا ما أقرَّ البرلمان، ولكنهم تعوَّدُوا ألَّا يحترموا شيئًا وألَّا يرجوا لأحدٍ وقارًا.
ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة أُخْرِجوا من وزارة المعارف إخراجًا عنيفًا، إخراج العدو لا إخراج الصديق. فلم يكن ينبغي لهم أن يقولوا للذين أخرجوهم: «إنا كنَّا ندبِّر الأمر على هذا الوجه أو ذاك.» ولو قد قالوا لهم لما استمعوا إليهم، ولما حفلوا بما كانوا يقولون.
ووكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم حق العلم أن أولئك الجناة بعد أن أُخْرِجوا من وزارة المعارف، وبعد أن رأوا سياستهم تُهدَم في غير رعاية للمصلحة ولا احترام للقوانين ولا توقير لقرارات البرلمان؛ لم يزيدوا على أن حذروا وأرشدوا، ودعوا إلى الحق فنالهم في سبيل ذلك أذًى كثير. لم يأتمروا سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يعبثون بشئون التعليم كما ائتمر غيرهم سرًّا وجهرًا بالذين كانوا يصلحون شئون التعليم.
وكيل الوزارة الذي كتب هذا المقال يعلم هذا كله حق العلم، ويعلم أن أصحابه ركبوا رءوسهم في شئون التعليم كما ركب رءوسهم في شئون أخرى غير شئون التعليم، فكانت عاقبة ذلك كلها وبالًا، وكانت نتيجة ذلك أنه كتب هذا المقال المر ليجرع الشعب هذه الحقائق المُرَّة، وليريح ضميره وضمير أصحابه من تبعات ثقال.
أما وقد اعترف بأنه هو وأصحابه قد أخفقوا هذا الإخفاق المروع، فإني أؤكد له في صراحة بريئة من كل لبس، وفي إخلاص بريء من كل كسل، وفي نسيان كامل لما مضى، وعناية كاملة بالمستقبل من الأيام، وفي تجاوز عن كل ما أصابنا من لاذع القول وسيئ العمل أنَّ أولئك الجناة الذين توسعوا في التعليم وفرضوا مجانية التعليم الابتدائي، مستعدون اليوم كما كانوا مستعدين سنة ١٩٤٤ للمضي في جنايتهم تلك التي تمر في أذواق قوم، ولكنها تحلو في أذواق الشعب كله.
مستعدون للتوسع في التعليم أكثر مما توسع هو وأصحابه مرات كثيرة، ومستعدون لفرض مجانية التعليم الثانوي والفني بعد أن فرضوا مجانية التعليم الابتدائي.
مستعدون لهذا كله ولاحتمال تبعاته والإجابة عن هذه التبعات لا أمام البرلمان وحده بل أمام الشعب كله، وأمام القضاء إن احتاج الأمر إلى أن يقفوا أمام القضاء.
مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله؛ لأن في يدهم عصا سحرية ليست في يده هو ولا في يد أصحابه، وهذه العصا السحرية هي أنهم يحبون الشعب ويحبهم الشعب، وهي أنهم يقولون فيسمع الشعب لما يقولون، ويدعون فيستجيب الشعب حين يدعون، وهي أنهم يحبون رجال التعليم ويحبهم رجال التعليم، لا يبغون ولا يطغون ولا يستعلون ولا يستكبرون، وإنما يرون أنفسهم خدَّامًا للشعب لا سادةً له، وينصفون من أنفسهم قبل أن ينصفوا بعض الناس من بعض، ويبذلون وقتهم وجهدهم وصحتهم ومالهم، إن كان عندهم مال، في سبيل المصلحة العامة، يؤثرون الشعب بالخير كله، ولا يؤثرون أنفسهم إلَّا بما يقيم الأود ويحفظ الكرامة ويُمكِّن من العمل والإنتاج.
هم مستعدون لهذا كله ولأكثر من هذا كله، لا يَحُول بينهم وبين الوفاء بما وعدوا إلَّا أن وزارة المعارف ليست في أيديهم، فليتركها إذن هو وأصحابه بعد أن كتبوا على أنفسهم هذا الإخفاق المر، وليسلموا أزِمتها إلى أولئك الجناة الذين يحبون التوسع في التعليم، ويعطون العلم لأبناء الشعب لا يبيعونه عليهم بثمن بخس دراهم معدودة كما يُباع البصل والكُرَّاث.
أمَّا بعد، فقد أُنسِيت أن كاتب هذا المقال وكيل لوزارة المعارف لا يملك من سياسة هذه الوزارة شيئًا، ولكنه كتب مقاله كتابة السياسي المسئول، فجريت معه في ميدانه غير طويل، ثم تبين لي أني أتحدث إلى غير مختص، فذكرت قول علي — رضي الله عنه — لابن عباس فيما يُروى: «إنها شقشقة هذرت ثم قرَّت.»
Tag: Academic Reform
-
تكوين الصفوة المثقفة
تكوين الصفوة المثقفة
طه حسين
جريدة الأهرام
٢ مارس ١٩٣٩
شهدت قاعة «مدرسة العائلة المقدسة» مساء الاثنين الماضي حفلًا أدبيًّا ممتازًا، اجتمع فيه جمهور كبير من الصفوة المثقَّفَة؛ ليستمعوا إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك وهو يلقي إليهم حديثه الرائع عن «تكوين الصفوة المثقفة».
جلس الأستاذ العميد كما تعوَّد أن يجلس إلى طلابه، يتحدث إليهم فيملك أسماعهم وقلوبهم، واتجه إليهم قائلًا:
الناس يتحدثون إليكم بالكثير عن تبعاتكم، يتحدث بعضهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، ويتحدث آخرون عن الدفاع وكيف يجب أن يكون، وتُلهِيهم هذه الأحاديث العذبة وتلك الأماني الحلوة عن أهم مقومات حياتنا ونهضتنا. ولست أعرف أن حياةً لأمة متحضرة تستطيع أن تستقيم في شأن من شئونها بغير التعليم؛ فالذين يتحدثون عن الزراعة والصناعة والدفاع يخدعون نفوسهم ويخدعون معهم الناس حين يُغْفِلون أساسَ هذا كله؛ وهو التعليم. وما أريد أن أتحدَّث إليكم عن التعليم عامة، ما أريد أن أتحدث عن التعليم الأولي والثانوي، بل ما أريد أن أتحدث عن التعليم العالي، وإنما أريد أن أتحدث عن تكوين فئة مثقَّفة تستطيع أن تفهم الحياة، وتقدِّر مصاعبها، وتمكِّن هذا البلد من الوصول إلى حيث يجب أن يصل بين الأمم الناهضة. كيف السبيل إلى تكوين هذه الصفوة المثقفة على شكل جدِّي ملائم لكرامتنا؟ يختلف جواب الناس عن هذا السؤال، وأكثر ما يقوم هذا الجواب على الخداع. فمن أيسر الأجوبة التي تُقال أنه يجب الإكثار من المدارس وكليات الجامعة، ولكنكم تستطيعون أن تنظروا فتروا طائفة ممن تخرجوا في المدارس والكليات وتتحدثوا إليهم، فلن تلبثوا أن تشعروا أن هؤلاء قد تعلَّموا وظفروا بالدرجات الجامعية وما تهيئه لهم من وظائف، ولكنهم لم ينالوا حظًّا من الثقافة. وما أكثر الأطباء والمهندسين المهرة الذين برعوا في فنِّهم، ولكنهم من الناحية الثقافية كعامة الناس! ليس من المهم للمثقف أن يكون قد أتمَّ مراحل التعليم أو أن يبرع في فنِّه، وإنما الرجل المثقف الذي يستحق هذا الوصف هو الذي يستطيع أن يفهم ما يعرض له ولمواطنيه من مشكلات، وأن يتحدث عنها حديث الفاهم لها المقدِّر لخطورتها، وأن يعرف ظروفها ووسائل علاجها. فإذا رأيتم المهندس الذي لا يستطيع أن يتحدث في غير الهندسة، أو المحامي الذي لا يقدر غير أعمال القضاء، إذا رأيتم أحد هؤلاء فقولوا إنه رجل تعلم التعليم العالي، ولكنه ليس مثقفًا. وإذن فيجب ألَّا نخدع نفوسنا بكثرة المتخرجين في الجامعة، وألَّا نظن أن كثرتهم تكثِّر المثقفين إلَّا أن يكون التعليم عندنا قادرًا على أن يجعل المتعلم مثقفًا. فهل وصلنا حقًّا إلى تكوين هذه الفئة؟! أمَّا أنا فأقول إن في مصر عددًا لا بأس به من الشبَّان الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثًا حسنًا في الأدب والسياسة والاجتماع، ولكن هل هم حقيقة يحققون ما نرجو من المثقفين؟ هل يصورون ما ننشده جميعًا من إنهاض مصر إلى مستوى الدول الذي نطمع في مسايرتها؟ أمَّا أنا، فآسفٌ أشد الأسف إذ أجيب بلا، فالمثقفون عندنا قليلون، ومع ذلك فكيف أوجدنا هذه الفئة؟ أأوجدتهم مدارسنا؟ أأوجدتهم مناهجنا؟ أمن شأن مدارسنا ومناهجنا أن توجِّه طلابها إلى هذه الغاية؟ أنا آسف إذ أجيب بلا … فنحن لم نُعْنَ بالثقافة، ولم نرد أن نتصورها على وجهها، ولم نرتفع عن الحياة العملية إلى الحياة العقلية الممتازة التي تبعد عن قيود الخبز. والذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس لا يفكِّرون في غير الشهادات والعمل الذي يمكِّنهم من أن يعيشوا، فالعلم عندنا وسيلة لا غاية، ولست أكره أن يكون كذلك، ولكن لا بدَّ من أن توجد — في نفس الوقت — طائفةٌ تقدِّر أن العلم يصح أن يُطلب لذاته، وأن العقل يصحُّ أن يرقى لذاته، وأن القلب يصحُّ أن يهذَّب لذاته. وسيكون كذلك يوم يوجد هذا الشعور في مصر، يوم نفهم أن التعليم قد يكون لمجرد الرقي العلمي والترف العقلي. هذا غرضٌ يجب أن توجَّه إليه نفوس المصريين، وأن توجه إليه بنوع خاص نفوس القائمين بأمر التعليم في مصر؛ فقد نعذر الأسر المصرية حين تفهم العلم ذلك الفهم المادي. ولكن رجال التعليم يجب أن يكونوا صورة لهذا الفريق الذي يشعر بالرقي العلمي لغير إرضاء حاجات الجسم. وليس واجب المشرفين على التعليم أن يكثروا من المدارس، أو يدخلوا هذا العلم أو ذاك. ليس واجبهم هذا فحسب، بل يجب عليهم أن يضعوا نظمهم وينشئوا مدارسهم بحيث تبثُّ في النشء هذا التصور الجديد للعلم. يجب أن تكون المدرسة مربية للتلميذ، ومرشدة لأسرته. أفتظنون أننا وصلنا في أمور التعليم إلى شيءٍ من هذا؟ هل ينظر رجال التعليم إلى المسألة على هذا النحو؟ الذي أشعر به هو أن المعلم ليس بينه وبين غيره من حملة الشهادات فرق ما، فهناك معلم عامي يؤدي واجبه الآلي ثم ينصرف لشئونه. ولو أن وزارة المعارف قامت بإحصاء دقيق لتتبيَّن عدد المعلمين الذين يحبون العلم من حيث هو، ويحرصون على الاستزادة منه، ويفرغون للقراءة في هذا الكتاب أو ذاك، ويختلفون إلى مجالس الأدب ومتاحف الفن؛ لو قامت الوزارة بهذا الإحصاء لكانت نتيجته مؤلمة حقًّا. ولكنا نعرف أن رجال التعليم عندنا يختلفون إلى أندية الحديث والقهوات أكثر مما يختلفون إلى دور الكتب والمتاحف؛ لأنهم لم يُهيَّئُوا لحب العلم، وإنما أرسلوا إلى المدارس على أنها وسيلة من وسائل الحياة كما يُهيَّأُ الطبيب والمهندس، ولا كذلك يجب أن يهيأ الشباب في بلد متحضر كمصر، إنه آمال ومطامح. وإذا كان من المحتمل أن نتصور الطبيب العامي، فليس من المحتمل أن نتصور المعلم على أنه صاحب مهنة فحسب؛ لأننا نعتمد عليه في تكوين عقول أبناء الجيل. وويل لأمة لا تستطيع أن يكون شبابها خيرًا من شيوخها! ويلٌ لنا إذا كنَّا نكتفي بأن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل منَّا. إن الأب ليهيئ ابنه لحياة أفضل من حياته، فكيف لا تشعر الأمة بهذا الشعور؟ وكيف لا تشعر به الحكومة ورجال التعليم؟ لو أن أمور التعليم تخرج ما يشبهنا، أفنكون قد أدَّينا واجبنا نحو الأجيال القادمة؟ كلا … واسألوا أنفسكم، أفأنتم راضون عن معلِّميكم؟ إن صدقتم فستكون ملاحظاتكم قاسية. إن من بينكم من يختلفون إلى دروسي، وأصارحكم بأن أخرج من عندهم غير راضٍ عنهم لأنهم راضون عني! إني أبغض الإنسان الذي يرضى عن نفسه، ويطالب الغير بأن يرضى عنه! مثل هذا قد وقف ولا أمل في رقيه. ولنسأل كم يكون عدد المصريين الذين لا يرضون عن أنفسهم؟ أنا آسف إذ أقول إنهم قليلون، وإلَّا لكان عدد رواد المقاهي أقل مما نراه. ولا تظنوا أني أعتمد على الدولة والحكومة والمدارس في تكوين هذه الصفوة، ولا أعتقد أن هذا شيءٌ تُشرع له النظم والقوانين؛ لأنه ليس من الأشياء التي تصنع بأمر أو قرار. الذي أطلبه إلى المدارس ألَّا تكون عقبة في سبيل ظهور المثقف الممتاز. يجب أن تُزال العقبات من أمام الشباب المصري، فهو مهما يكن ممتاز الطبع والذكاء، يفسد طبعه إذا لم تُهيأ له السبل. وأبسط ما يطلب إلى الحكومة في مصر هو تنظيم التعليم بحيث لا يفسد عقول الصبية، ويخنق ملكاتهم، ويلغي شخصياتهم. ومن شر ما يمكن أن يصل إليه الناس أن يطلبوا إلى حكوماتهم ألَّا تفعل بدل أن يسألوها أن تفعل! على أن هناك أشياء إيجابية أتمنى أن نفكر فيها لتكوين الصفوة المثقفة، منها أن نُبيح التعليم العام للمصريين جميعًا، وأن نبرئ أنفسنا من هذا الرأي الخطير الذي يحدد عدد المتعلمين لكيلا توجد عندنا أزمة للمتعطلين. تلك أزمة لا تنشأ من التعليم، بل من عدم تدبير النظام الاجتماعي على وجه صالح. وليس التعليم هو مصدر الأزمة، ولكنه مصدر الشعور بها، وذلك خيرٌ. وإني لأتمنى أن تنشأ عندنا أزمات من التعليم بدل أن نطمئن إلى الجهل. إن النظام الاجتماعي لا يُحمى بالجهل، وأي الأمرين أفضل؛ أن يكون الجهل وجرائمه وآثاره هو قوام الحياة المصرية، أو يكون العلم وأزماته وآثاره هو قوامها؟ أيهما خير؛ أن نصدر في اضطرابنا عن علم أو جهل؟ إن المتعلمين يغضبون فيكتبون ويحتجُّون، أمَّا الجاهلون فيُجْرِمون. يجب أن يُباح التعليم، ولكن يجب أيضًا أن يُصفَّى، وأن تكون اختباراتنا معتمدة على الجدِّ والحزمِ والصرامةِ، والحياة كفيلة بعد ذلك بإتمام التصفية! إن الصفوة المثقفة موجودة عندنا بالقوة، فلأجل أن توجد بالفعل يجب أن يوضع الذكاء بحيث يتَّصِل بالثقافات المتحضرة اتصالًا مباشرًا، ومعنى هذا أني أكره أن يحكم على العقل المصري أن يظل وقفًا على العربية وحدها، أو يتجاوزها إلى الإنجليزية أو الفرنسية فحسب، فكلكم يعلم أن هناك أممًا مثقفةً نتصل بها، وألَّا نجعل عقولنا محتكرة لهذه الأمة أو تلك. لا بدَّ أن تُفتح أبواب الثقافة عندنا على مصراعيها، وأن تدخلها الثقافات كالهواء الطلق. وبهذا نستطيع أن نكوِّن العقل الحر النقَّاد القادر. فإما أن نقصر على ثقافة بعينها، أو يقتر علينا في الثقافة فلا تدخلها العناصر الأجنبية إلَّا بمقدار، فهذا هو الشر الذي لا يتفق مع كرامتنا. ثم إني أطلب شيئًا أهم من ذلك، أطلب أن تكون لغتنا العربية وأدبنا العربي أساسًا لكل ثقافة صحيحة ممتازة. وأؤكد لكم أننا لم نبذل للغتنا بعض حقها. اسألوا أنفسكم: أحقًّا أنكم تعرفونها؟ أحقًّا أنكم قادرون على تأدية معانيكم بها؟ أمَّا أنا فأشهد أنكم لا تستطيعون، وكل ثقافة لا تعتمد على اللغة الوطنية ليست إلَّا ثقافة مستعارة، والذي لا يعرف لغة وطنه غير مثقف، وأخشى أن أقول إني أشك في رجولته شكًّا كبيرًا! ولكن كيف السبيل إلى تعليم لغتنا؟ هذه قصة طويلة كثر فيها القول، وما أظن أننا نستطيع أن نؤديه في محاضرات. ولكني أؤكد لكم أن وزارة المعارف تعرف السبيل الصالحة لهذا، وأن معالي وزيرها يعرفه حق المعرفة، ولكنه لا يسلك سبيلها. لماذا؟ أَلِأَنَّه لا يريد؟ أَلِأَنَّ ظروفنا السياسية المعقدة تعطل الكفايات وتضطر الناس إلى أن يروا الخير ثم لا يفعلوه؟ أنا أشهد أن بعض وزرائنا كانوا من الكفاية والإخلاص كأحسن ما نتمنى أن يكون عليه الوزراء، ولكن ظروفنا تضطر أكفأ الناس إلى الصمت، فيرى الخير ولا يفعله، وأنا إن رحمت أحدًا من المصريين فأنا أرحم جماعة من وزرائنا يريدون ولا يفعلون. وأعود فأؤكد لكم أن هناك أشياء لا بدَّ منها لتكوين المثقف الممتاز، أهمها أمران: فتح الأبواب للثقافات الأجنبية لتمتزج بثقافتنا، والعناية بجعل اللغة العربية لغة مصرية ومادة لحديث الشباب وأذواقهم. إذا وفقنا لهذا فإننا نكون قد وصلنا إلى بدء الطريق الذي ينتهي بنا إلى تكوين الصفوة المثقفة.
وبهذا انتهى الدكتور العميد من حديثه العذب الفيَّاض؛ فأقبل عليه الجميع مهنِّئين، وخرج الشباب يديرون في خواطرهم تلك الآراء التي بثَّها فيهم، وخرج طلابه يُدِلُّون على الناس وعلى الأستاذ المحاضر نفسه بأنهم تلاميذ الدكتور طه حسين! -
القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
حديث اليوم: القوانين الجديدة (إصلاح التعليم الديني)
طه حسين
جريدة السياسة
٣٠ أغسطس ١٩٢٣
لولا أني أشفقت من أن أُروِّعك بعنوان بشع لكتبت هذا الفصل تحت عنوان «نكبة مدرسة القضاء»، أو «العبث بالتعليم الديني»؛ فإن هذين القانونين اللذين أقرهما مجلس الوزراء يوم الأحد الماضي لا يخرجان عن أن يكونا نكبة لمدرسة القضاء، وعبثًا بالتعليم الديني في الأزهر الشريف.
بل لولا أني أريد أن أكتب إليهم من الجهة العلمية الخالصة لقلت: إن لهذين القانونين خطرًا سياسيًّا عظيمًا ستظهر آثاره قريبًا أو بعيدًا، ولكني أريد أن أتجنَّب السياسة كل التجنُّب في هذا الفصل، وأن أبحث عن الحكمة التي حمَلت الحكومة على أن تتعجَّل في إصدار هذين القانونين، وعن الفائدة التي سيظفر بها القضاء الشرعي والتعليم الديني من هذين القانونين.
يجب أن أُقرِّر أني بحثت عن هذه الحكمة فلم أجدها، وأنا أتحدى أنصار الحكومة وأنصار هذين القانونين أن يُبيِّنوا لنا حكمة معقولة يمكن الاعتراف بها للتعجل في هذا التغيير الخطير. لم أجد هذه الحكمة، ولم أجد الفائدة العلمية التي يظفر بها القضاء الشرعي من هذا التغيير، والتي يظفر بها الأزهر الشريف من إنشاء قسم الاختصاص هذا.
ولست أريد أن أطيل؛ فالأمر لا يحتاج إلى إطالة، وإنما أريد أن ألفتك إلى المقارنة اليسيرة بين مدرسة القضاء الجديدة والقسم العالي من مدرسة القضاء القديمة، نثبت غير ما ذهب إليه صاحب المعالي وزير المعارف في حديثه الذي نشرته له «السياسة» صباح الأحد، فقد ذهب صاحب المعالي إلى أن هذا التغيير يُرقِّي مدرسة القضاء، ويرفع من شأنها من الوجهة العلمية.
وأنا أزعم أنه يحطُّ مدرسة القضاء، وينقص من قيمة القضاة؛ ذلك أن القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كان يتعمق في درس الفقه الإسلامي وأصول الفقه وبقية العلوم الدينية تعمُّقًا لن يتجاوزه قسم الاختصاص، وكان يضيف إلى التعمق في هذه العلوم درس اللغة وآدابها وفنونها المختلفة، وكان يضيف إلى ذلك إلمامًا لا بأس به بالتاريخ والجغرافيا، وكان يضيف إلى هذا كله إلمامًا بطائفة من العلوم النظرية والتجريبية، فكان يلم بالعلوم الرياضية، وكان يلم بالطبيعة والكيمياء، وكان يدرس أصول القوانين، ونظام القضاء والإدارة، والتوثيقات الشرعية، وكان يتناول طائفة غير قليلة من التمرين القضائي.
كان يدرس هذا كله ويلم به، فأزيل منه هذا كله، ولم يبق فيه إلَّا الفقه مع حكمة التشريع — كما يقولون — وأصول الفقه، ومقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية والتوثيقات الشرعية، ودراسة بعض القضايا ذات المبادئ الشرعية. وأحب أن ألاحظ أن في هذه التسمية شيئًا من البهرج الذي لا يفيد ولا يدلُّ على شيء؛ فالفقه مع حكمة التشريع مثلًا اسم وُضِع ليخدع الناس ويخلبهم، وهو في حقيقة الأمر لا يدلُّ على شيءٍ جديد؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء مقرون دائمًا بحكمة التشريع، وحكمة التشريع جزء من الفقه؛ فالنص عليها بدع لا فائدة فيه.
وهناك المقارنة بين المذاهب الأربعة في الأحوال الشخصية زخرف من القول لا معنى له، فإن كان له معنى فهو شرٌّ؛ ذلك لأن درس الفقه في الأزهر وفي مدرسة القضاء الشرعي هو بطبعه مقارنة بين المذاهب، لا في الأحوال الشخصية وحدها، بل فيها وفي المعاملات والعبادات. ينص الكتاب الفقهي العالي بنوع خاص على المسألة الفقهية، ويذكر فيها مذهبه، ثم يذكر مذهب غيره من الفقهاء، ثم يقارن ويناظر ويحاجُّ.
وهذه المقارنة والمناظرة والمحاجَّة مستوفاة في الكتب التي تُدرَّس في الأزهر وفي مدرسة القضاء، ولسنا ندري ماذا يريد الذين وضعوا هذا القانون من هذا النص إلَّا أن يكونوا قد أرادوا أن يُدرَّس الفقه على وجهه في الأحوال الشخصية، وأن يختزل درس الفقه في غير الأحوال الشخصية من الأبواب. وهذا لا يلائم قسم الاختصاص.
أمَّا بقية الأسماء التي مرت بك، فكلها تدرَّس في مدرسة القضاء القديمة، وإذن فليس في قسم الاختصاص شيءٌ جديدٌ في العلوم الدينية، وإنما فيه حذف التفسير والحديث والتوحيد، ولكن هناك علومًا أخرى غير العلوم الدينية، فلننظر ما هي؟
هي: تاريخ القضاء والقضاة في الإسلام — وهذه مادة جديدة لا بأس بها — والسياسة الشرعية — ولسنا نعرف معنى هذه الكلمة، ولسنا ندري أين وجدها واضعو القانون، وإن كنَّا نعترف بأن في القانون رواية أخرى تخلو من هذه المادة — ونظام ولوائح المحاكم الشرعية والأوقاف والمجالس الحسبية — وكان هذا يُدرَّس في مدرسة القضاء مقارنةً بين هذه اللوائح وقانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية. ونحب أن نفهم كيف تكون هذه المقارنة إذا لم يُدرَّس قانون المرافعات أمام المحاكم الأهلية — وأصول القوانين — وكانت تُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — ونظام القضاء والإدارة — وكان يُدرَّس في مدرسة القضاء الشرعي — والإجراءات وتمرينات قضائية — وكانت موجودة في مدرسة القضاء الشرعي.
أرأيت إلى ما سيُدرَّس في قسم الاختصاص هذا من العلوم؟ أرأيت أن الفرق بينه وبين مدرسة القضاء الشرعي ليس في منفعة التعليم، وليس في منفعة الاختصاص، وليس في منفعة القضاء، وليس في منفعة شيء من الأشياء؟ فقد كانت مدرسة القضاء تُخرِّج قومًا لم يشكُ أحدٌ من جهلهم بالفقه، ولا من ضعفهم فيه، وكانوا إلى تعمُّقهم في الفقه يُلِمُّون بعلوم أخرى أدبية ونظرية تقرب المسافة بينهم وبين إخوانهم الذين يُخرَّجون من المدارس المدنية، وتفتح عقولهم للحياة العصرية الجديدة، فحُرموا هذه العلوم، وردُّوا إلى حظيرة الأزهر، وحِيل بينهم وبين هذا الشعاع الضئيل من نور العلم الحديث.
ولا تقل إن هذه العلوم الحديثة تُدرَّس في الأزهر؛ فالله يعلم كيف تُدرَّس هذه العلوم في الأزهر، وكيف يُكلَّف درسها قومٌ ليس لهم بها صلة ولا علم.
أمَّا بعد، فقد كانت مدرسة القضاء تتناول الشاب ولما يتجاوز الصبا إلَّا قليلًا، فتصوغه وتؤدبه تأديبًا يلائم نظامها، ويؤهله لفهم ما يُدرَّس فيها من العلم. أمَّا الآن، فستتناول شيوخًا تم تعليمهم وتثقيفهم، وصيغت نفوسهم صيغة خاصة لا يعمل فيها التعليم ولا التثقيف.
ثم نصَّ هذا القانون على رسالة تُقدَّم في الامتحان النهائي. ولم يلاحظ واضعوه أن طلاب القسم العالي في مدرسة القضاء القديمة كانوا يقدِّمون هذه الرسالة آخر كل سنة، فكانوا يقدِّمون أربع رسائل لا رسالة واحدة.
هذا مبلغ ما أحدث القانون الجديد من تغيير. ولست أذكر إلغاء القسم الأولي، ولست أذكر إلغاء القسم العالي، وإنما أكتفي بما ذكرت من المقارنة اليسيرة بين قسم الاختصاص الذي يعدُّ لشهادة تشبه الدكتوراه، وبين هذا القسم العالي المُلغَى الذي كان يُعدُّ لشهادة العالمية. وهذه المقارنة تنتج — كما ترى — أن مدرسة القضاء انحطَّتْ ولم تَرْقَ، أو قُل إنها أُلغيت إلغاءً، فما حكمة هذا الإلغاء، وما نفعه؟
أمَّا قسم الاختصاص الذي أُنشئ في الأزهر الشريف، فعجبٌ من العجب، ولغوٌ من اللغو، وضربٌ من العبث الذي لا خير فيه؛ تَدرُس النحو اثنتي عشرة سنة في الأزهر، حتى إذا نلت شهادة العالمية أُكرهت — إذا أردت أن تتخصص — أن تدرس النحو أربع سنين أخرى. فما عسى أن تدرس في هذه السنين الأربع؟ وما هذا النحو الذي تُمضِي ست عشرة سنة من عمرك لتكون نحويًّا؟ وقل مثل هذا في الفقه، وقل مثل هذا في غيرهما من العلوم. أصبح الأزهر «كساقية جحا»، أو أصبح الأزهر كالرحى التي تدور وتجعجع دون أن يكون فيها شيءٌ، أو دون أن يكون لها طحن، أو كما قال أبو العلاء: أصبح الأزهر «رحى تطحن قرونًا …»
وليس معنى هذا كله أن الأزهر ومدرسة القضاء لم يكونا في حاجة إلى الإصلاح. كلا، كانا في حاجة شديدة جدًّا إلى الإصلاح، ولكن إلى إصلاح آخر غير الذي ذهب إليه التشريع الجديد، إلى إصلاح ينفع مصر حقًّا، ينفع الأمم الإسلامية حقًّا، يجعل العالم الأزهري ملائمًا للعصر الذي يعيش فيه، إلى إصلاح يحيي العقول ولا يُميتها، ويفتح البصائر ولا يغلقها، إلى إصلاح يجعل الأزهر خليقًا أن يمشي أمامه، لا أن يتقهقر وراءه.
كان الأزهر ومدرسة القضاء في حاجة إلى الإصلاح فأُفْسِدا ولم يُصلَحا. ومصدر هذا شيئان؛ الأول: أن الذين كُلِّفوا هذا الإصلاح ليسوا من الفنيين ولا من أهل البصر بالتعليم، والثاني: أن هذا الإصلاح لم يُردْ به وجه الله، وإنما أريد به وجه السياسة. وإذا دخلت المنافع السياسية في العلم؛ فويلٌ للعلم! وويلٌ للمعلمين! وويلٌ للمتعلمين!