ومفارقات أيضًا!!
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ نوفمبر ١٩٥٧
أما أولاها، فأعجب لها حقًّا، ولكني أعجز عن فهمها، وأودُّ لو تتفضَّل الحكومة فتيسِّر عليَّ وعلى كثير من الناس هذا الفهم، فليس بين المصريين أحد لم يضق لهذه الكارثة الفاجعة التي وقعت منذ أيام، فقتلت نيفًا وعشرين من المواطنين، وشرَّدت عشرات منهم لا أدري؛ وجدوا جميعًا مأوًى يأوون إليه، أم لم يجدوا إلى الآن؟ وليس بين المصريين أحد إلا وهو حريص أشد الحرص على أن يعرف الذين يقع عليهم إثم هذه الكارثة، فليس صاحب الدار وحده هو المسئول؛ لأنه يعيش في وطن متحضر له نظمه وقوانينه، وله قضاؤه وشرطته، وله حكومته التي تعرف حق الشعب عليها وحقها على الشعب.
وكل هذا يقتضي ألَّا يقيم الناس ما يشاءون من الأبنية والدور، إلا طبقًا لنظم وقوانين وفي حدود معروفة وقيود مفروضة. وقد قيل: إن الحكومة وقفت ستة من المهندسين الذين يظن بهم أنهم قصَّروا في الإشراف على بناء الدار التي انهارت منذ أيام، ولكن رأيت بعض المهندسين الذين لم يمسهم هذا القرار من قريب أو من بعيد، يُنكرون أشد الإنكار وأقواه أن تكون على هؤلاء المهندسين تبعة خفيفة أو ثقيلة؛ لأن الإدارة العامة للتنظيم لا تملك السلطة التي تتيح لها الإشراف على إقامة الأبنية، وإنما تملك الإذن بإقامة هذه الأبنية في حدود معينة وشروط خاصة، وتملك رفض هذا الإذن إذا لم ترع هذه القيود والشروط، ثم هي فيما قال المهندسون لا تملك عقاب الذين يخالفون عن أمرها ويقيمون الأبنية بغير إذنها؛ وإنما تحرر لهم المحاضر التي لا تُغني عنها ولا عن سكان هذه الأبنية شيئًا. وأريد أن أعرف ويعرف الناس أحق هذا الذي قاله لي المهندسون أم لا؟ فإن يكن حقًّا، ففيم كان وقف هؤلاء الذين وقفوا؟ أو فلِمَ يُراد عقابهم؟ وفي أي ذنب يُحقَّق معهم؟ وإن لم يكن هذا حقًّا، فقد أصابت الحكومة فيما فعلت إلى الآن، ولكن كيف يستبيح بعض المهندسين لأنفسهم أن ينكروا ما فعلت الحكومة، ويطلبوا إليَّ أُن أعرب عن أفكارهم، وأعلنه ليصل إلى الرؤساء المسئولين، وليعلم الشعب أن أحدًا منهم لم يسئ إليه، ولم يشارك في إثم هذه الكارثة من قريب أو من بعيد؟! وأعتقد أن من حق المصريين أن يوضع لهم الأمر في نصابه، وأن يتبيَّنوا أمر الذين شاركوا في هذه الكارثة، ويعلموا أن هؤلاء المشاركين سيؤخذون بإثمهم أشد الأخذ، ويعاقبون عليه أقسى العقاب.
وإذا لم تكن القوانين القائمة تُتيح لإدارة التنظيم أن تؤدي واجباتها كما ينبغي أن تؤدى، فليس للحكومة والبرلمان إلا أحد الأمرين؛ أولهما: أن تشرع هذه القوانين فورًا وفي أسرع ما يمكن من السَّرَع، والثاني: أن تلغى إدارة التنظيم ويُترك أمر البناء والهدم فوضى، فيفعل الناس ما يشاءون ويحتمل الثاني تبعة ما يفعلون؛ يحتملونها بينهم وبين أنفسهم أمام الله وأمام ضمائرهم، لا أمام الدولة التي لم تضع لهذا الأمر نظامًا يعرفه الناس فيذعنون له أو يخالفون عنه فيعاقبون على هذا الخلاف. ولست أخفي أني كنت أرجو وأنتظر أن يسأل بعض نوابنا في هذا الأمر لنسمع من الوزير المسئول، كائنًا من يكون ما يوضح الغموض، ويجلو الظلمة ويبيِّن للمصريين حقائق هذه التبعة، وأمر الذين يُسألون عنها ويؤخذون بها.
وقد طلب المهندسون إليَّ أن أُعرب عن أفكارهم وأنصفهم من نفسي؛ فقد قدَّروا أني أسأت إليهم فيما كتبت منذ أيام عن هذه الكارثة.
وأرجو أن أكون قد أنصفتهم من نفسي؛ فأما أن تُنصفهم الحكومة والبرلمان والسلطة التي وقفت بعضهم، فأمر لا أملك فيه لهم ضرًّا ولا نفعًا.
وثانية: لست أدري أساءت الناس أم سرتهم، وإن كنت أعلم أن كثيرًا من الصحف تندرت بها وجعلتها موضوعًا للدعاية، وهي قصة مرصدنا الفلكي الذي يرى مراصد الدنيا ساهرة حين ينام الناس، ويرى اهتمام الناس جميعًا بهذه الأشياء التي ترسلها روسيا السوفييتية؛ لتدور حول الأرض لا عشرات المرات بل مئاتها، ولتمر بمصر وبالقاهرة خاصة بين حين وحين، ثم يُعلن في سذاجة ويسر أنه لم ير من هذه الكواكب — إن جاز أن تُسمى كواكب — شيئًا، ثم يُعلن مرة أخرى أنه لو قال إنه رأى هذه الكواكب لأضحك العالم المتحضر منه، ثم يعلن مرة أخرى هذا النبأ الرائع المروع، وهو أنه لم يَرَ هذا الكوكب حين مر بالقاهرة يوم جمعة؛ لأن الموظفين كانوا في إجازة رسمية.
وليس يعنيني أن يرى مرصدنا هذا الكوكب أو لا يراه، وإنما الذي يعنيني هو أن في مصر مرصدًا أنشئ منذ أعوام طوال، وأن مصر تعيش في النصف الثاني من القرن العشرين، وأن مرصدها لم يُهيأ بعدُ لتسجيل مثل هذه الظاهرة التي اضطربت لها الدنيا أشد اضطراب وأعنفه. وقد أرسلت روسيا كوكبًا ثانيًا أضخم من الأول، ولكن مرصدنا لم يره، كما لم ير الكوكب الذي سبقه. ومعنى هذا أن مراصد الدنيا مبصرة حساسة، وأن مرصدنا مكفوف لا يحس.
وللقراء أن يتفكروا في هذا ما شاءوا، ولكن على السلطة العليا التي تُشرف على هذا المرصد أن تعمل شيئًا أكثر من التفكير؛ ليحس مرصدنا ويُبصر.
وثالثة: ليس أقل من هذه سخفًا ولا إثارة للعجب الساخر، وهي قصة هذا الشيء الذي سقط ذات يوم أو ذات ليلة في الإسكندرية ثم عُرض على بعض علمائنا، فما أسرع ما قضي أنها قطعة من الكوكب الروسي والصاروخ الذي دفعه في الجو. وأغرب ما سمعت أن يتعجل العلماء في الحكم إلى هذا الحد، فيضحكوا ويضحك الناس حين يظهر أنها قطعة من شيء آخر قريب أشد القرب من الأرض، ينبت في مصر وفي طريق الإسكندرية خاصة، يراه الغادون والرائحون، ويعرفه الذاهبون والآيبون في ظلمة الليل.
وشر ما في هذه القصة أن يتعجَّل العلماء وتتعجل الصحف نشر ما قال العلماء، وعسى أن تتعجل وكالات الأنباء بإذاعته خارج مصر، فلا يضحك المصريون وحدهم وإنما يضحك معهم من قرأ هذا النبأ في الشرق أو في الغرب.
وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكاء!!
أما الرابعة ففكاهة كلها وليس وراءها بأس وليس أمامها بأس أيضًا، فنحن نقرأ في صحف الشرق والغرب أن الروسيين وحدهم هم الذين يفهمون ما ترسله كواكبهم من الرموز والإشارات، وأن الأمريكيين والأوروبيين يبذلون الجهود ليفهموا هذه الرموز والإشارات، ولكن جهودهم لا تنتهي إلى شيء، وهم ينتظرون معنا أن تفصح روسيا السوفييتية ذات يوم عن معاني هذه الرموز والإشارات.
أما وزارة الإرشاد في مصر، فقد فهمت هذه الرموز فهمًا أقل ما يوصف به أنه رائع حقًّا، يفتح أمامنا آفاقًا واسعة جدًّا من الأمل، فقد سبقنا الأمريكيين وسبقنا أوروبا وسبقنا العالم كله، وأضعنا جهود روسيا السوفييتية، وفهمنا عن كوكبها الصناعي بعض ما يقول.
واقرأ إن شئت بعض الإعلان الذي نشرته وزارة الإرشاد في الصحف؛ لتنبِّه الناس إلى أن مجلتها ظهرت أو تُرِيد أن تظهر.
فستجد فيه هذه الجملة: القمر الصناعي ماذا صنع؟! قال: بيب. بيب. بيب، وترجمتها: أرسلوا لي عدد نوفمبر من المجلة على جناح الأشعة الكونية.
أليس من الحق علينا جميعًا أن نهنئ وزارة الإرشاد والمجلة الغراء بهذا السبق الرائع، الذي كشف الغموض وأزال الشك وبيَّن للعلماء الروسيين أن في مصر قومًا لا يفهمون عنهم فحسب، ولكن يفهمون عن كواكبهم الصناعية قبل سائر الناس، ومن حقنا بعد ذلك على وزارة الإرشاد أن تنبئنا مشكورة عمن يقرأ المجلة في الكوكبين الصناعيين الأول والثاني، فهي من غير شك قد أرسلتها على جناح الأشعة الكونية؟ ومن يدري لعلنا نقرأ في العدد المقبل مقالًا يأتيها بالرموز والإشارات أو باللغة العربية الفصحى، يبين صدر قراءة هذه المجلة في ذلك الكوكب الذي يدور في غير ملل ولا لغوب!
Tag: Administrative negligence
-
ومفارقات أيضًا!!
-
الكارثة
الكارثة
طه حسين
جريدة الجمهورية
٤ نوفمبر ١٩٥٧
أعلم أن الموت رصد لكل إنسان مقيم أو ظاعن، مطمئن أو عامل، متيقظ له أو غافل عنه. وأعلم كذلك أن كل نفس ذائقة الموت، وأعلم أن الله أنبأنا بذلك، وأنبأنا أن نفسًا من نفوس الناس لا تدري بأي أرض تموت.
كل هذا أعلمه ويعلمه الناس جميعًا؛ لأن الموت من أَوَّلِيَّات الحياة، ولكن هؤلاء الذين صُبَّ عليهم الموت ذات ليلة وهم وادعون آمنون، قد ناموا ونامت معهم آلامهم ولذاتهم، ونامت معهم آمالهم وأحلامهم، ونام معهم نشاطهم وجِدُّهم في سبيل الحياة لأنفسهم وأهلهم وللناس عامة.
ناموا ونام معهم كل أولئك وهم يقدرون أنهم سيُفيقون بعد ساعات؛ ليسلك الكبار منهم سُبُلَهم إلى العمل، ويسلك الصغار منهم سُبُلَهم إلى اللعب، وليأملوا ويحققوا ما يستطيعون تحقيقه من آمالهم، وليألموا ويخففوا ما يستطيعون من آلامهم.
ينتظرون الحياة!
أقول كل أولئك الذين صُبَّ عليهم الموت ذات ليلة وهم آمنون وادعون لا ينتظرون الموت وإنما ينتظرون الحياة، لهم علينا الحق كل الحق أن نسأل عن موتهم فيمَ كان؟ ولماذا كان؟! وعلى من تقع تبِعة هذه الكارثة التي دفنت آمالًا كثيرة وآلامًا كثيرة وأعمالًا كان من الممكن أن تكون وأن تنفع الناس قليلًا أو كثيرًا.
وما أقل اعتبار الناس بالموت الذي يرونه في كل لحظة من لحظات الليل والنهار والذي يقطع ما بين الموتى وما بين الدنيا من أسباب كثرت مشاهدتنا له، فألِفناه واطمأنَنَّا إليه وعرفنا أنه مكتوب علينا جميعًا فأعرضنا عنه وأقبلنا على جِدِّنا ولَعِبنا ننتظر أن يلقانا حين لا نستطيع له دفعًا ولا نستطيع منه إفلاتًا!
من قتلها؟
وألفنا كذلك أن نقول كلما رأينا الموت أو سمعنا به: «إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.» ثم نمضي بعد ذلك لما نحن في شئوننا كأننا لم نَرَ شيئًا ولم نسمع شيئًا، وكأننا لا نرجو أن يُلِمَّ بنا ما أَلَمَّ بغيرنا من الناس. وما أعرف أسخف من الإنسان الذي يرى الموت في كل لحظة من لحظات حياته فلا يكاد يُلقِي إليه بالًا إلا حين يُحِسُّ سَعْيَ الموت إليه، والموت ساعٍ إليه دائمًا صحيحًا كان أم مريضًا، قويًّا كان أو ضعيفًا، غنيًّا كان أو فقيرًا، عزيزًا كان أو ذليلًا.
وقُلْ إن شئت إني أحدِّثك بأشياء كثُر الحديث فيها حتى أصبحت وليس للحديث عنها معنى. قُلْ هذا وأنا أقوله معك ولا أجادلك فيه. ولكن سَلْ نفسك كيف وقعت بها أنباء هذه الكارثة التي يتحدث الناس عنها منذ أمس والتي روَّعت قومًا كانوا آمنين وأثكلت أمهات وآباء وأخوات وإخوانًا وبنات وأبناء، والتي وقعت فجأة، نام عليها الذين أثاروها ونامت عنها الحكومة أيضًا، فلم تحسب لها حسابًا، ولم نُلْقِ إلى أسبابها بالًا ولم تَحْتَطْ لحياة فريق من المواطنين.
ونحن نقرأ في القرآن الكريم أن (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)، فمن الذي قتل هذه النفوس؟ ومن الذي يُسِّر له قتلها؟ وكيف السبيل بعد هذه الكارثة وبعد كوارث كثيرة أمثالها إلى أن يطمئن المواطنون إلى أنهم يعيشون في وطن متحضر، وأن لهم حكومة تقوم على حمايتهم ورعايتهم وتأمينهم أن يختطفهم الموت في غير حرب ولا مرض بطيء أو سريع.
كيف ناموا؟!
أما أنا فقد أُنبِئت بهذا النبأ صباح أمس، ولم أكن قرأتُه في صحيفة، وإنما ألقاه إليَّ بعض الناس، فلم أصدقه ولم أحفل به، حتى ألحَّ عليَّ مُنْبِئٌ بأنه لا يكذب ولا يغلو، فأسرعت إلى حيث وقعت الكارثة لأشهد بنفسي مكانها وآثارها. وعدتُ واللهُ يشهد ما اطمأنَّت نفسي إلى رضى ولا استقر هذا الشعور الثائر في قلبي نهار أمس وليلة اليوم.
ثم قرأت ما نشرت الصحف، فلم يزِد هذا الشعور إلا اضطرابًا واضطرامًا.
ولست أدري كيف نام أولئك الذين وَكَّلت إليهم الدولة حماية المواطنين من أن تَخِرَّ عليهم سقوف بيوتهم وأن يأتيهم الموت من فوقهم ومن تحتهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وهم آمنون مطمئنون لا ينتظرون الموت ولا يخشونه، وإنما ينتظرون الحياة وما يملؤها من آمال وآلام!
ولست أدري ما يضطرب في نفوس هؤلاء السادة ولا ما تحدثهم به ضمائرهم حين يخلون إليها، ولكني أقطع بأن كثيرًا منهم سيمرون بهذا الموت كما يمرون بالموت دائمًا لا حافلين به ولا آبهين له ولا مفكرين فيه، وسيقولون كما يقول الناس: آجال حلَّت ولم يكن منها بُدٌّ، وعسى أن ترتسم الابتسامات على شفاههم حين تعرض لهم أسبابها، وعسى أن تمتلئ حلوق بعضهم وأفواههم بالضحك حين يعرض لبعضهم ما يدعوه إلى الضحك. ولو قدروا تبعاتهم حق قدرها لما وجد النوم والضحك والابتسام والهدوء إليهم سبيلًا.
الشهداء
وقد أنبأنا النبي الكريم أن الذين يموتون محاربين أو يموتون في الحريق أو يدركهم الغرق أو يموتون تحت الردم شهداء. والشهداء مخاصِمون؛ يلقون الله يوم القيامة على الحال التي فارقوا عليها حياتهم الدنيا ويتهمون قاتليهم أمام ربهم، فيجزيهم الله ما يجزي الشهداء من نعيمه ورضوانه، ويجزي قاتليهم ما يجزي القاتلين العامدين إلى القتل من العذاب الذي لا مَرَدَّ له ومُنصرف عنه.
لقد كنت أظن أن في مصر وزارة لا تأذن بإقامة الدُّور ولا تأذن خاصة بإقامة الصروح الضخمة المشيدة، إلا أن تستوثق للذين سيسكنونها والذين سيقيمون حولها والذين سيمرون بها ليلًا أو نهارًا. وكنت أظن أن هذه الوزارة لا ينبغي لها أن تستوثق قبل أن تأذن ثم ترضى عن نفسها، وإنما تلاحظ وتفتش وتتحقق بين حين وحين من أن هذه الدور وهذه الصروح ما زالت صالحة ليسكنها الناس ويقيموا حولها ويمروا بها.
كنت أظن هذا كله، وكنت أطمئن إليه كما يطمئن إليه غيري من الناس، ولكن هذه الدور الكثيرة التي تنهار على من فيها فيُقتل تحت ردمها من يُقتل ويُجرح من يُجرح وينجو من ينجو؛ كل ذلك ينبئني وينبئ غيري من المواطنين بأن هذا الظن كان كاذبًا وبأن هذا الاطمئنان كان اطمئنانًا إلى الوهم.
وإذن فليحتطِ المواطنون لأنفسهم ولتنظر الحكومة في وزاراتها هذه؛ عسى أن يهديها الله إلى أن تصلح من أمرها فتصدُق فيها الظنون، ويمكن الاطمئنان إليها، ويأمن الناس أن يخطفهم الموت ذات نهار وهم آمنون أو ذات ليل وهم نائمون. -
خطر٢
حديث الوادي.
خطر…
هو هذا الذي تتعرض له القاهرة منذ أيام، ظهرت بوادره يوم السبت، وعلم به الوزير يوم الثلاثاء، وأخذت الحكومة في دفعه يوم الأربعاء وهي لا تزال تكافحه وتجاهده، تستعين على مكافحته ومجاهدته بنجدات تطلبها من إنجلترا بالبرق ومن أطراف الأقاليم.
وقد نوفق في هذه المكافحة بعد أيام، ولكن الشيء الذي لا شك فيه، هو أن خطراً عظيماً، قد انتشر في جو القاهرة منذ أيام، فأفسده أشد الإفساد، وملأه بهذه الجراثيم المهلكة التي قد يأمن الناس شرها، وقد لا يأمنونه، ولا يفلتون منه.
فإذا بحثت عن مصدر هذا الخطر ذكرت الوزارة إهمال جماعة من الموظفين المسؤولين عن بعض الأدوات سؤالاً مباشراً، ثم أذاعت الوزارة في الصحف أنها قد وقفت بعض هؤلاء المسؤولين عن العمل، ونقلت بعضهم إلى عمل آخر، وانتقصت نصف شهر من مرتب رجل ثالث، ونقلت أمر هذا العمل من وكيل في الوزارة إلى وكيل، ثم مضت تكافح الخطر، مشتركة في ذلك مع مصلحة الصحة.
وأكبر الظن أن الوزارة ستقف في تحديد التبعات عند هذا الطور، وأكبر الظن أنها ترى نفسها حازمة، فيما اتخذت من إجراء، وما فرضت من عقاب، وأكبر الظن أيضاً، أنها تنتظر إعجاب الناس بها، ورضاهم عنها، وثناءهم على حزمها وعزمها وإسراعها في مواجهة الخطوب.
ولكن من الحق على الوزارة أن تبين للناس أموراً تحتاج إلى البيان، فهؤلاء الموظفون الذين عوقبوا لم يهملوا إلا لأنهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال، وهم وجدوا سبيلاً إلى الإهمال لأنهم لم يشعروا بالمراقبة الدقيقة المتصلة، وإنما رأوا تهاوناً عاماً، وتقصيراً شاملاً، وكسلاً مطبقاً، فتهاونوا فيمن تهاون، وقصروا فيمن قصر، وكسلوا فيمن كسل. وما لهم لا يتهاونون ولا يقصرون ولا يكسلون، وأن أحدهم ليذهب إلى الوزارة فلا يرى فيها أو لا يكاد يرى فيها أحداً من الرؤساء، هم مفرقون في المصايف المصرية والأجنبية. بعضهم يستريح في إجازة، وبعضهم يستريح في عمل قد ندب له هناك حيث يستريح الوزراء وكبار الموظفين، على ساحل الإسكندرية الجميل. وهؤلاء الرؤساء أنفسهم معذورون، فهم إنما يسلكون طريق الوزراء، ووكلاء الوزراء، تعبوا أثناء العام، وهم يستريحون إذا أقبل الصيف، وأحب أنواع الراحة إلى الناس ما لا يكلفهم جهداً ولا مالاً، وإنما يتاح لأصحابه، على حساب الدولة، وبحجة القيام ببعض أعمالها.
ولو أن هؤلاء الرؤساء رأوا الوزراء ووكلاء الوزارات يقيمون في القاهرة حيث أعمالهم، لا في الإسكندرية حيث راحتهم، لأقاموا هم في القاهرة أيضاً ولما كان هذا الفراغ الغريب الذي يجده كل من ذهب إلى ديوان، من دواوين الحكومة، في القاهرة في هذا الموسم، الذي ينعم فيه كبار الموظفين على حساب الدولة، بالراحة والترف والنعيم، على حين تتعرض حياة الناس، ومرافقهم لأقبح الأخطار.
وأخرى لابد أن تبينها الوزارة للناس، فقد زعموا أنها أبرقت إلى بلاد الإنجليز تطلب بعض القطع، لإصلاح الأداة التي تحطمت، وهذه القطع لا توجد في مصر، فكيف تعيش الحكومة في هذا البلد، هذه العيشة الغريبة الخطرة التي ليس فيها احتياط، ولا حذر، ولا استعداد للطوارئ، وللطوارئ التي يمكن أن تلم في كل يوم.
أداة تفسد ثم لا يمكن إصلاحها إلا إذا جلبت القطع اللازمة لهذا الإصلاح من وراء البحر كأنما الوزارة قد أخذت عهداً على الأيام، بأن أدواتها لا يمكن أن تفسد، ولا أن تقف ولا أن يصيبها العطب. فإذا كان هذا كل ما تملكه الحكومة، وما تقدر عليه، من الاستعداد للحوادث التي تحدث والنوائب التي تنوب، فيجب أن يستيقن المصريون بأن ليس من حقهم أن يأمنوا على شيء، أو يطمئنوا إلى شيء. إنما هم على حافة الهوة، يمكن أن يدفعوا إليها من لحظة إلى لحظة، دون أن يجدوا من يردهم عنها أو ينقذهم منها.
كلا ليست هذه سيرة الحكومات التي تعرف معنى الحكم وتقدر واجباته وتنهض بتبعاته، وتعلم أن أول واجب عليها إنما هو أن تفكر في غد أكثر مما تفكر في أمس وفي اليوم، أو أن تفكر في حماية الشعب، أكثر مما تفكر في حماية نفسها، وأن تفكر في محاربة الأخطار، التي يمكن أن تلم بالأنفس، والدماء، والأموال أكثر مما تفكر في محاربة الوفد، وفي إهدار حرية الصحف.
إن حياة أهل القاهرة معرضة في هذه الأيام لخطر شديد، حتى إذا تم إصلاح الفاسد، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، فقد وقع الشر، وفسد الجو، وانتشرت الجراثيم، ومن الجائز جداً أن يتجاوز الخطر مدينة القاهرة، إلى ما يجاورها من الضواحي والمدن، وتبعة هذا الشر العظيم، لا تقع على هؤلاء الموظفين الذين عوقبوا أو سيعاقبون وحدهم، وإنما تقع على قوم آخرين كان الحق عليهم أن يقيموا في القاهرة، ولا يبرحوها، وأن يراقبوا الموظفين، ولا يقصروا في المراقبة، وأن يؤدوا العمل الذي يؤجرون عليه ويحموا الحياة والمرافق التي يؤتمنون عليها.
هؤلاء هم المسؤولون، وهؤلاء هم المقصرون، ولكني زعيم بأنهم لن يسألوا ولن يحاسبوا، ولن يغيروا من سيرتهم شيئاً، فستظل الدواوين خالية أو كالخالية، حتى يعود الوزراء إلى العاصمة، وسيتردد كبار الموظفين وصغارهم، بين القاهرة والإسكندرية، بحجة العمل في ظاهر الأمر، والتماساً للراحة والنزهة في حقيقته. فأما حياة الناس، فأما مرافقهم، فأما النظام، فأما سمعة مصر، فكل هذه أمور يمكن التفكير فيها بعد أن يعود الوزراء…
طه حسين
الوادي، ١٤/ ٩/ ١٩٣٤.