Tag: administrative policy

  • عيسويات٢

    حديث الوادي
    عيسويات…
    – ٢ –
    ولابد من اتصال الحديث عن هذه الآية العيسوية الخالدة، فإن الحديث عنها لا ينقطع، ولا ينبغي أن ينقطع، لأن فيها من العبر والعظات، ما ينبغي للمصريين أن يقفوا عنده فيطيلوا الوقوف، وأن ينتفعوا منه فيحسنوا الانتفاع. هذا رجل مصري، من خلاصة المصريين، درس في المدارس المصرية، نشيطًا للدرس، مقبلًا عليه، يملأ نفسه حب العلم، وحب الوطن، والأمل في أن ينفع نفسه، وأن ينفع وطنه، بما يقبل عليه من درس وتحصيل. حتى إذا أتم درسه في مصر موفقًا، نابه الشأن، رحل عن مصر، موفور النشاط، جذع البصيرة قارح الأقدام.. كما يقول الشاعر القديم، مضاعف الثقة بنفسه وأمته، مضاعف الحب لفنه ووطنه، مضاعف الأمل في يومه وغده، فدرس في أوروبا كما يدرس أشد الأوروبيين نشاطًا، وظفر في أوروبا بما يظفر به أعظم الأوروبيين حظًّا من العمل والجد والتوفيق. ثم عاد إلى وطنه مؤمنًا به، مخلصًا له، تضطرب في نفسه خواطر لا تُحصى، كلها يتصل بهذا الوطن العزيز، الذي ينبغي أن يستقل بأمره، وأن يستقل أبناؤه بحاجاته وأن يحتمل أبناؤه كل التبعات التي يحتملها الرجال الناهضون في بلد ناهض. فلم يكد يبلغ وطنه ويستقر فيه، ويتصل بالمشرفين على أمره، والمدبرين لحياته، حتى أخذت آماله الباسمة تعبس، وحتى أخذ نشاطه الشديد يفتر، وحتى أخذت ثقته المطمئنة تضعف، وحتى نظر، فإذا الحكومة المصرية ترمقه في شيء من الاستهانة والإشفاق، وتتحدث إليه بأنه لم يبلغ بعد أن ينهض بثقال الأشياء، وجلائل الأعمال، فليقنع بما ينبغي أن يقنع به الشاب المصري، من أن يكون في وطنه لاحقًا لا سابقًا، وتابعًا لا متبوعًا، وليرضَ بما يجب أن يرضى به الشاب المصري، من أن يكون طالبًا مهما يتم الدرس، ومتأثرًا مهما ينبغِ فيه، ومن أن ينظر إلى الأجنبي نظر التلميذ إلى الأستاذ، ونظر الضعيف إلى القوي، ونظر الرجل العادي إلى الرجل الممتاز، وأن يقنع بما يجب أن يقنع به المصري من المرتب المعتدل، على حين يظفر الأجانب بالأجور الضخمة الفخمة. ومع هذا كله لم يفتر نشاطه، ولم ينثنِ همُّه، ولم تفل عزيمته، وإنما جد في العمل وأخلص في خدمة فنه ووطنه، حتى أرضى الأجانب عنه، وما أقل ما يرضون، وحملهم على أن يشهدوا له، وما أقل ما يشهدون. وخيل إليه أنه بعد طول
    العهد واختلاف الأحداث سيتاح له ما كان يريد، وسينهض بالتبعة التي كان يجب أن ينهض بها منذ زمن بعيد. وما له لا ينتظر هذا، وقد طلب الأجانب أنفسهم له أن يشغل منصب الأستاذ. ولكن ماذا؟ سكرتير الوزارة العام يطلب أن يعرض أمر منصبه عرضًا مستقلًا، ووكيل الوزارة يوافق، والوزير يوافق ويطلب أن يكتب الرد إلى مدرسة الهندسة – حسب التفهيم – ثم يكتب الرد – حسب التفهيم – فإذا التفهيم توافقَ بين ثلاثة من المصريين، منهم وزير، ومنهم وكيل للوزارة، ومنهم سكرتير عام، كلهم مصري، لا شك في أنه ولد في مصر، ونشأ فيها، واضطرب قلبه بآمالها، وكلهم مثقف، لا شك في أنه يفرق بين الخير والشر، وبين العزة والذلة، وبين الاستقلال والاستعباد، وكلهم مع ذلك مؤمن بالتفهيم الذي يأبى على المصري أن ينهض بالتبعة في بلده، والذي يأبى على المصري أن يكون أستاذًا في مدرسة مصرية، وإن كان كفؤًا ليس في كفايته شك. والذي يريد أن يكون هذا المنصب المصري لرجل بريطاني. توافق يقوم به مصريون ليردوا مصريًّا عن حقه، وليسلطوا إنجليزيًّا على هذا الحق. وأكبر الظن أنهم يتطوعون بهذا التوافق من عند أنفسهم، لم يأمرهم به الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يأمروا به، ولم يطلبه إليهم الإنجليز، وما ينبغي لهم أن يطلبوه، ولكن القوم مع ذلك لم يتحرجوا منه، ولم يشفقوا من شره، وإنما أقبلوا عليه مطمئنين، لأن ظروف السياسة الحرجة تُريد المصريين على ألا يظلموا المصريين، وتُريد المصريين على أن يهضموا المصريين حقهم، ويقدموا هذا الحق هدية إلى الإنجليز.
    لم يطلب الإنجليز هذا إلى الوزير والوكيل والسكرتير، ولكنهم مع ذلك طلبوه، وليس في هذا الكلام تناقض ولا غرابة. فالإنجليز لم يتقدموا إلى هؤلاء السادة بظلم المصريين، وإصغار شأنهم، والغض من قدرهم، ولكن الإنجليز فرضوا على مصر سياسة تعليمية، وإدارية، نتيجتهما الطبيعية أن يصغر المصري أمام المصري، وأن يصغر المصري أمام نفسه. تلك الرسالة البرقية التي وصلت إلى مصر في أول عهد الاحتلال تأمر بأن يكون الموظف المصري، مهما يعظم أمره، مطيعًا للموظف الإنجليزي، مهما يهن أمره، والتي ظلت قاعدة للحياة السياسية في مصر ما يقرب من نصف قرنٍ، لم تُمحَ آثارها يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء بالتخويف والإغراء.
    ذلك التعليم الذي فرضه الإنجليز على مصر عشرات السنين، والذي لا يُحْيي في نفس المصري عزةً، ولا كرامةً، ولا شعورًا بالعزة والكرامة، لم تُمحَ آثاره يوم ألغيت الحماية، ولا يمكن أن تُمحَى آثارها من نفوس المصريين جميعًا، ما دام السلطان الإنجليزي ماثلًا، يستهوي الضعفاء، بالتخويف والإغراء.
    فلا تعجب إذًا حين ترى مصريين يتفقون فيما بينهم على أن يقصوا مصريًّا عن منصب مصري ليضعوا مكانه أستاذًا بريطانيًّا.
    ولا تظن أن هذه القصة فذةً، أو مقصورة على الأستاذ مصطفى نظيف ومدرسة الهندسة، وإنما هي قصة شائعة مألوفة، تقع للشبان المصريين جميعًا. سل من شئتَ من هؤلاء المصريين، الذين درسوا فأحسنوا الدرس، وحصلوا فأتقنوا التحصيل، ثم أقبلوا وفي قلوبهم جذوة النار المقدسة التي تدفعهم إلى حب الوطن وخدمته. سلهم عن هذه الجذوة المقدسة، ما خطبها؟ وماذا أصابها؟ فسيجيبونك جميعًا بأنها قد أُخمِدت، أو كادت تخمد. صب عليها الوزراء، وكبار الموظفين ماءً باردًا، لا يتكون من الأوكسجين والهيدروجين، وإنما يتكون من الحرص على إرضاء الإنجليز، والشك في قيمة المصريين.
    هذه حالنا بعد هذا العهد الكرومري السعيد الذي يحن إليه الإنجليز، ويتمدحون بمحاسنه. أنكرنا أنفسنا إلى أقصى حدود الإنكار، وعرفنا الإنجليز وخفناهم إلى أقصى حدود المعرفة والخوف. فأي غرابة في أن يحن الإنجليز إلى هذا العهد ليكون لهم من أجيالنا المقبلة كما كَوَّنَ لهم من أجيال الاحتلال رجالًا ينكرون المصريين، ولا يحفلون بهم، ويعرفون الإنجليز ويكبرونهم كل الإكبار.
    إلى أي حد ينبغي أن يُلام وزير التقاليد وأعوانه على هذه الآية العيسوية؟ أليس لهم مما أقدموا عليه بعض العذر، فهم أبناء ذلك الجيل الذي كان الموظف المصري مهما يكبر ملزمًا فيه أن يطيع الموظف الإنجليزي مهما يصغر، والذي كانت المدارس المصرية فيه تكون التلاميذ لا كما تريد مصر، ولكن كما يريد دنلوب…
    طه حسين
    الوادي، ١٦ يونيو ١٩٣٤.

  • في وزارة المعارف سرعة وبطء

    في وزارة المعارف: سرعة وبطء

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٣١ ديسمبر ١٩٢٣

    الناس مجمعون على أن في وزارة المعارف حياة بعد موت، أو حركة بعد سكون على أقل تقدير، ولكنهم يختلفون في هذه الحركة، فيراها بعضهم سريعة سرعةً تحول بينها وبين الإجادة والإتقان، ويراها بعضهم بطيئة بطأً قد لا يُمكِّنها من الوصول إلى بعض ما تريد.

    وليس عجيبًا أن يُجمع الناس على أن وزارة المعارف حية متحركة في هذه الأيام، فما نعلم أن الناس سمعوا بوزارة المعارف، أو تحدثوا عنها، أو اتخذوها موضوع المناقشة والجدال كما يسمعون ويتحدثون، وكما يناقشون ويجادلون في هذه الأيام. ففي كل يوم تظهر حركة جديدة في الوزارة، وفي كل يوم يتحدث الناس بمشروع جديد للوزير؛ حتى تناولت هذه الحركات والمشروعات جميع فروع الوزارة العلمية، وحتى كان لها صدًى قوي في الجمهور من جهة، وبين الموظفين والمعلمين والطلبة من جهة أخرى.

    فالناس جميعًا يتحدثون بوزارة المعارف، وما تعمل وزارة المعارف، وما تريد أن تعمل وزارة المعارف. ليس عجيبًا أن يجمع الناس على أن في هذه الوزارة حياة وحركة، وليس عجيبًا أن يختلف الناس في أن هذه الحركة سريعة أو بطيئة. فالحق أن هذه الحركة سريعة جدًّا، وبطيئة جدًّا في وقت واحد؛ ولهذا نكتب اليوم.

    نريد أن نلفت الوزارة إلى أن من الخير أن تقتصد في هذه السرعة، وإلى أن من الخير أن تتعجل من هذا البطء؛ فكما أن المُنْبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، فالواقف لا يتقدم، والمقيم لا يسعى. ومن الحق أن تسعى الوزارة، ولكن في أناةٍ ومهل، وعن بصيرة ورشد. وليس يرضينا ولا يرضي وزير المعارف أن تجري وزارة المعارف أو تعدو عدوًا، فتمر الأشياء مرًّا دون أن تملأ منها عينيها، وتستعرضها استعراضًا دون أن تتقنها بحثًا وفهمًا، ثم ليس يرضينا ولا يرضي وزير المعارف أن يكثر الحديث عن هذه الوزارة والجدال في أمرها دون أن يعتمد هذا الحديث والجدال على شيءٍ مفيدٍ حقًّا، نافعٍ حقًّا، باقٍ لا يتغير ولا يزول بمجرد أن يتغير الوزير أو تستقيل الوزارة. كل هذا لا يرضينا ولا يرضي الوزير.

    وإنما الذي نريده ونعتقد أن الوزير يريده أيضًا هو شيء آخر غير هذه الحركة التي يتحدث عنها الناس، والتي نخشى ألَّا تُنتِج نتيجة قيمة. نريد أن توضع في هذه الوزارة أسس الإصلاح على أن تكون هذه الأسس متينة تستطيع أن تحمل ما سيُقام عليها غدًا. فإذا بحثنا عما تحتاج إليه وزارة المعارف من الإصلاح رأيناه كثيرًا، وكثيرًا جدًّا، أكثر من أن يقوم به وزير واحد في عام أو أعوام، فضلًا عن شهر أو أشهر. فليس لدينا فرع من فروع التعليم إلَّا وهو إلى الفساد أقرب منه إلى الصلاح، وقل مثل هذا في فروع الإدارة المتصلة بهذه الفروع التعليمية. وقد بيَّنا غير مرة أن ليس في هذا شيء من العجب، فما كان ينبغي أن ننتظر من الإنجليز غير هذا.

    وجوه الإصلاح في وزارة المعارف إذن كثيرة مختلفة، ومن المعقول أن ينظر إليها الوزير النشط المخلص، فيحاول أن يعمد إليها جميعًا بالإصلاح، ولكن من المعقول أيضًا أنه إن فعل وأراد أن يصلح كل شيء في وقت واحد، فقد ينتهي إلى ألَّا يصلح شيئًا؛ ولهذا اقترحنا غير مرة على وزير المعارف أن يُعنى بطائفة معينة من المسائل يتقنها درسًا وتمحيصًا، ثم إصلاحًا وترتيبًا، فإذا وفِّق إلى الخير في هذه المسائل المعينة كان قد أدَّى لبلده أعظم خدمة أدَّاها وزير معارف إلى الآن، وكان قد مهَّد لوزارته سبيل الرقي، ورسم لخلفائه خطة الإصلاح.

    اقترحنا على وزير المعارف طائفة من المسائل عنيَ ببعضها، ويظهر أنه لم يجد من الوقت ما يمكِّنه من العناية ببعضها الآخر، ويظهر أنه يريد هذه العناية، ولكنه يريد أن يفرغ مما يشغله الآن، ومع ذلك فهذه المسائل التي لم يعلن بها الوزير بعدُ قد تكون أجلَّ خطرًا، وأبعدَ أثرًا في التعليم وإصلاحه من كل المسائل الأخرى التي تشغل الوزارة في هذه الأيام.

    يقول المثل: إنك لا تجني من الشوك العنب، ولست أريد أن وزارة المعارف كلها شوك، ولكني أريد أن وزارة المعارف إن أرادت أن تصل بالتعليم إلى الخير، فمن الواجب عليها قبل كل شيء أن تضع من النظم وتؤلف من الإدارات ما من شأنه أن يصلح التعليم، وينتهي به إلى الخير حقًّا؛ لهذا لا نستطيع أن نفهم كيف لا تفكر الوزارة بالفعل في الملاءمة بين إدارتها وما تقصد إليه من الإصلاح؟ كيف لا تفكر مثلًا في إنشاء ما اقترحنا عليها إنشاءه من إدارات التعليم المختلفة المستقلة التي يشرف عليها الفنيون حقًّا؟ كيف لا تفكر مثلًا في إنشاء إدارة صالحة بالفعل للتعليم الثانوي، يعمل فيها رجال فنيون قد درسوا هذا النوع من أنواع التعليم، فأحسنوا درسه، وبلوا خيره وشره، واستطاعوا بعد الدرس والتجربة أن يشيروا عن علم، ويعملوا على بصيرة؟ وقل مثل هذا في بقية إدارات التعليم القائمة، أو التي يجب أن تقوم في وزارة المعارف.

    ولكن التعليم الثانوي يعنينا بنوع خاص اليوم، فإن تعليمنا الثانوي لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه خزي لمصر، لا يليق بحاجاتها، ولا يليق بكرامتها، ولا يليق بذكاء أبنائها واستعدادهم للعلم، ثم لا يليق ببلد يريد أن ينظم التعليم العالي، ويشرع بالفعل في إنشاء جامعة على نحو الجامعات الأوروبية الكبرى.

    نعم، تعليمنا الثانوي خزي لمصر، وأعتذر إلى وزير المعارف وأعوانه من استعمال هذا اللفظ الجاف، فأنا مضطر إلى استعماله، وليسوا هم الذين ابتدعوا هذا التعليم، وإنما ابتدعه الإنجليز. فإذا كان التعليم الثانوي خزيًا، فإثمه على مبتدعيه، ولكن إذا لم نسارع نحن إلى إصلاحه، فقد نشارك الإنجليز في إثم هذا الخزي.

    تعليمنا الثانوي خزي، ولست أريد أن أدخل في تفصيل هذا التعليم، وإنما يكفي أن أشير إلى أن لدينا مئات، بل ألوفًا من الذين يملكون شهادتنا الثانوية، ويجهلون الجهل كله كيف يتنفسون، أو كيف يهضمون ما يأكلون ويشربون، ثم يجهلون الجهل كله كيف يفكرون وكيف يحفظون، بل يعجزون العجز كله عن أن يتحدثوا إلى تلميذ خارج من المدارس الأولية في أوروبا. ولا تظن أن في هذا شيئًا من المبالغة، بل ثِقْ أنه دون الحقيقة، ودون الحقيقة بكثير، فيكفي أن تتحدث إلى صبيان الفرنسيين والإنجليز حين يفرغون من التعليم الأولي، ويستقبلون التعليم الثانوي؛ لترى من استعدادهم وفطنتهم وقدرتهم على الفهم، وإلمامهم بكثير من الأشياء ما يُزري بشبابنا المصريين الذين أتموا التعليم الثانوي واستقبلوا التعليم العالي؛ ليتخصصوا في التربية، أو في القانون، أو في الطب، أو في الهندسة.

    ولست أدري أيجدون في التعليم العالي ما لم يجدوا في التعليم الثانوي، لست أدري أيدرسون في المدارس العليا شيئًا من منافع الأعضاء مثلًا ليعلموا كيف يتنفسون وكيف يهضمون، ولكنني أعلم أن من الشرِّ أن يُحال إلى المدارس العليا ما من شأنه أن يدرَّس في المدارس الأولية والثانوية. ولقد نعمل الآن لتنظيم التعليم المتوسط للجامعة، فمن المؤلم جدًّا ما نلاحظه في كل حين من ألوان الضعف والفساد في التعليم الثانوي الذي يحتاج إلى إصلاح، وإلى إصلاح في التعليم المتوسط يوشك أن يجعل هذا التعليم المتوسط بعيدًا كل البعد عما يليق بالجامعات. أخشى أن يكون تعليمنا المتوسط عبارة عن فصل من تعليمنا الثانوي، وإذن فلن يكون خطوة بالتعليم إلى الإمام كما يقولون.

    نعم «تعليمنا الثانوي خزي»، وكيف لا يكون خزيًا وقد سألت مرة أحد الذين كانوا يتقدمون للشهادة الثانوية عن موقع أثينا، فزعم لي أنها في صقلية؟ ولا تذكر التاريخ وتاريخ مصر بنوع خاص، ولا تذكر اللغة العربية وآدابها، ولا تذكر اللغات الأجنبية وآدابها، ولا تذكر العلوم على اختلافها، فحظُّ مدارسنا الثانوية من هذا كله طائفة من الألفاظ التي تحفظها الذاكرة دون أن تصل إلى العقل فتنميه أو إلى القلب فتُحْييه.

    مدارسنا الثانوية معامل يمرن فيها الطلاب على أن يستظهروا طائفة من الدروس إلى أجل، فإذا انقضى هذا الأجل نسوا ما كانوا قد استظهروا، ولم يبق لهم منها إلَّا الغرور؛ لأنهم يعتقدون أنهم تعلموا فارتقوا وتفوقوا على غيرهم، ويسيرون سير المتعلم الراقي المتفوق. فهم مغرورون بأنفسهم، وهم مخدوعون عن أنفسهم لا أكثر ولا أقل. فإذا أردت أن تمتحنهم حقًّا؛ أن تمتحن عقولهم وقلوبهم وملكاتهم العملية، فلن تجد شيئًا ما … وسل نظَّار المدارس العالية وأساتذتها، وسل رؤساء الدواوين في الحكومة، وسل الآباء، وسل الأصدقاء؛ تجد أنَّا لم نخدعك ولم نسرف في وصف سوء التعليم الثانوي، وإنما قصرنا فيه تقصيرًا شديدًا.

    وإذن، فكيف نستطيع أن نصبر على هذه الحال؟ وكيف نستطيع أن نُعنى بإنشاء المدارس الثانوية، وتوسيع نطاقها، والإكثار من عدد تلاميذها، وتنويع امتحاناتها، دون أن نُعنى قبل كل شيء بإصلاح هذه المدارس؟ وأيهما خير: أن يكون عدد المدارس الثانوية قليلًا، ونتائجها قيمة تنفع وتلائم الكرامة، أم أن يكون عدد المدارس كثيرًا، ونتائجها رديئة مخزية؟ أيهما خير: أن يكون لدينا ألف تلميذ أتمُّوا دراستهم الثانوية ففتحت عقولهم للحياة، يفهمونها ويحسنون تصورها، وصلحت أخلاقهم، ورقَّت قلوبهم، واستعدوا لاستقبال ما في الحياة من خير وشر، ومعالجة ما فيها من سهل وعسير، أم أن تكون لدينا آلاف مؤلفة من حملة الشهادة الثانوية، كل ما أحسنوه أنهم مغرورون بأنفسهم، مخدوعون عنها، لا يعلمون من أمرها شيئًا، ولا يعلمون من أمر الحياة حولهم شيئًا؟

    أترى أن وزارة المعارف مسرعة جدًّا وأنها مبطئة؟ مسرعة حين تبذل ما تملك من جهد وقوة لتكثر عدد المدارس الثانوية، وتوسع نطاقها، وتحشر فيها المئات والآلاف من التلاميذ، مبطئة حين لا تُعنى منذ الآن بدعوة الفنيين من أهل أوروبا ليعينوها ويشيروا عليها في إصلاح هذا التعليم الثانوي؛ حتى تصبح مدارسنا الثانوية معاهد لتربية الملكات والعقول لا لمسخها وإفسادها.

    وزارة المعارف معذورة في إسراعها، فالناس يريدون أن يتعلموا وهم كثيرون، وهي لا تستطيع أن تغلق في وجوههم أبواب المدارس، ولا تستطيع أن تقف مغلولة أمام هذه الأسر الكثيرة التي تريد أن تعصم أبناءها من الجهل، فهي إذن مضطرة إلى أن تنشئ المدارس، وتوسع نطاقها، وتقبل فيها المئات، وهي مضطرة أيضًا إلى أن تعطي الناس ما عندها. فليست في يد وزير المعارف تلك العصا السحرية التي تستطيع أن تمس المدارس، فتصلحها بعد فساد، وترقيها بعد الانحطاط، ولكن وزارة المعارف ليست معذورة في إبطائها، فقد نستطيع أن نفهم أشياء كثيرة قبل أن نفهم الأسباب التي تحول بين وزارة المعارف وبين الشروع بالفعل اليوم، أو غدًا، أو بعد غدٍ، على أكثر تقدير، في إصلاح التعليم الثانوي ودعوة الفنيين القادرين على هذا الإصلاح.

    لا نستطيع أن نفهم هذه الأسباب، فوزارة المعارف مقتنعة بفساد التعليم الثانوي، ووزير المعارف مقتنع بوجوب الشروع في إصلاح التعليم الثانوي، وليس من شأن هذا الإصلاح أن يكلف الحكومة من النفقات فوق ما تطيق الآن، فستمضي سنة على أقل تقدير في البحث والتفكير قبل الشروع في التنفيذ الذي يحتاج إلى النفقات، وسيكون للحكومة من المهلة ما تستطيع معه أن تدبر الأموال؛ إذن فليشرع وزير المعارف في إصلاح التعليم الثانوي، ولينحو وزير المعارف هذا النحو نفسه في إصلاح فروع التعليم المختلفة. ومعنى هذا واضح جلي، وهو أن وزير المعارف إن أراد أن يصلح وزارته حقًّا، فعليه أن ينشئ فيها إدارات مستقلة يشرف عليها المصريون، ولكن يشير عليهم فيها الفنيون من أهل أوروبا.