Tag: administrative reform

  • السفينة الجانحة

    السفينة الجانحة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٢ يوليو ١٩٤٥

    هل يعلم رئيس الوزراء أن سفينته جانحة، لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، وإنما اضطرت إلى موقف لا تعدوه، كهذا الموقف الذي اضطر إليه شاعر قديم، فقال:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
    ولست أدري أكان الهوى هو الذي وقف بسفينة رئيس الوزراء حيث هي فأصبحت لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، أم كان الذي وقف بها شيءٌ آخر؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن السفينة جانحة لا تستطيع أن تمضي أمامها، ولا تستطيع أن تدور لتعود أدراجها، وتستقر حيث كانت قبل أن يدفعها رئيس الوزراء إلى بحر الحكم العجاج، الملتطم الأمواج، كما يقال في ألف ليلة وليلة.

    وليس رئيس الوزراء في حاجة إلى أن تقيم له الدليل على أن سفينته جانحة لا تستطيع أن تمضي ولا أن تعود، فقد افتتحت الدورة البرلمانية في يناير الماضي. ويخيل إلي أننا في شهر يوليو، وأن البرلمان لم يكد يصنع شيئًا؛ لأن الحكومة لم تقدم إليه شيئًا، وهو الآن يدرس الميزانية متعجلًا مستأنيًا، إن صح أن يجتمع العجل والريث في وقت واحد. فمجلس النواب يكر الميزانية كرًّا، ومجلس الشيوخ يجتمع مرة في الأسبوع، حتى يتاح له أن يكر الميزانية كرًّا. فقد تقدم الصيف واشتد القيظ وظهر هلال شعبان وجعل رمضان يسعى إلى الناس، أو جعل الناس يسعون إلى رمضان، وإذا أقبل شهر الصوم فمن الخير للبرلمان أن يريح أو يستريح.

    ومعنى هذا أن عامًا تشريعيًّا قد ضاع على مصر، فلم تخطُ فيه نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي أو الإداري خطوة واسعة أو ضيقة، وإنما ظلَّت مصر حيث كانت حين تركتها وزارة الوفد تنتظر أن تشرع لها القوانين التي تكفل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإداري دون أن تظفر من هذه القوانين بشيء.

    وقد كان يقال: إن النظام القائم قد أنشئ ليطعم الجائع ويكسو العاري، ويؤمن الخائف ويعلم الجاهل ويداوي المريض ويغيث الملهوف. وما زال يقال: إن المصريين يشكون الجوع، ويشكون العري، ويشكون الخوف، ويشكون الجهل، ويشكون المرض، ويشكون كل هذه الأشياء التي تدفعهم إلى اللهفة والاستغاثة، دون أن يجدوا لأنفسهم من هذا كله منقذًا أو مغيثًا.

    ما زال هذا يقال في مجلس النواب أحيانًا، وفي الصحف أحيانًا، وفي أندية الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم دائمًا. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن النظام القائم إنما أنشئ ليصلح أدوات الحكم بعد أن أخذها الفساد من جميع أقطارها. وما زال يقال في البرلمان وفي الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن في أدوات الحكم كثيرًا من الفساد، فتُهم تهدى إلى بعض الوزراء وإلى بعض كبار الموظفين، وبلاغات يقدمها الوزراء إلى النيابة لتحقق ما يهدى إليهم من التهم، وبيانات تنشرها الوزارات فتثبتها الصحف ثم تشك في بعضها شكًّا ظاهرًا، وتكذب بعضها تكذيبًا صريحًا تقيم عليها الأدلة والبراهين. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن الوزارة الوفدية قد أسرفت في الاستثناء حتى أفسدت قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم، وإن الوزارة الجديدة ستصلح من ذلك ما أفسدت وزارة الوفد. وما زال يقال في الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن الوزارة القائمة تستثني كما كان يستثني غيرها، وإن قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم قد أصابها كثيرٌ جدًّا من الشك، وتعرضت لكثيرٍ جدًّا من الاضطراب، وشاع فيها كثيرٌ جدًّا من اليأس والقنوط. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن الوزارة القائمة سترد إلى الناس حريتهم كاملة شاملة، وستتيح لهم أن يقولوا ويكتبوا ويخطبوا ويجتمعوا ويتنقلوا، وأعلن رئيس الوزراء نفسه ذلك في مجلس الشيوخ في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي، وما زال يقال: إن النيابة قد قامت مقام الرقابة، وإن الناس لا يستطيعون أن يجتمعوا لأن الشرطة تمنعهم من الاجتماع، ولا أن يخطبوا لأن الشرطة تمنعهم من الخطابة، ولا أن ينتقلوا لأن الأوامر العسكرية تصدر بمنعهم من الانتقال، ولا أن يستقبلوا في دورهم وأنديتهم من يشاءون؛ لأن الشرطة تحاصر بعض الأندية وتحاصر بعض الدور وترافق بعض الناس حين يغدون وحين يروحون. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن وزارة الوفد قد ضيَّعت حقوق الوطن وقصرت في ذاته، فلم تتم الاستقلال ولم تحرر السودان، ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة. وما زال يقال: إن الوزارة القائمة لم تتم الاستقلال ولم تُحرر السودان ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة، وإنما هي توشك أن تضيف إلى قيود المعاهدة البريطانية المصرية أغلالًا أخرى قبلتها الوزارة في سان فرانسيسكو، ويريد البرلمان أن يطوقنا بها في القاهرة. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارت وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن وزارة الوفد قد عرضت نزاهة الحكم لخطر عظيم، وإن الوزارة القائمة قد جاءت لترد إلى الحكم نزاهته ونقاءه، ولتجعله ناصعًا كأنه ضوء الشمس حين تبسطه على العالم نقيًّا صافيًا رائعًا في أول النهار. ولكن أيسر قراءة للصحف وأيسر استماع لأحاديث الناس وأيسر علم بما تديره النيابة من تحقيق؛ كل هذا يدل على أننا بعيدون عن هذه السمعة النقية الرائعة أشدَّ البعد.

    وما أعرف أن وزيرًا أحيط بمثل ما يحاط به بعض وزرائنا في هذه الأيام من الريب والشكوك التي أرجو مخلصًا أن يكذبها التحقيق؛ لأني آخر الأمر مصري، لا أحب لمصر أن يقال في وزرائها بعض ما يقال في هؤلاء الوزراء.

    ولست أعرف أن الناس ألحوا كما يلحون الآن على بعض الوزراء جهرة، وفي غير تحفظ طالبين إليهم أن يستقيلوا لا لأن المصلحة السياسية تقتضي أن يستقيلوا فحسب؛ بل لأن خصومهم يضيفون إليهم أشياء لا ينبغي أن يبقوا معها في الحكم، وإنما ينبغي أن يستقيلوا حتى يبرئوا أنفسهم منها، وحتى يتم التحقيق فيما ينبغي له من الأمل والدعة والهدوء.

    أفيريد رئيس الوزراء بعد هذا كله دليلًا على أن سفينته جانحة، قد وقفت بها الأحداث حيث هي، فلا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر كما وقف الهوى بالشاعر العربي القديم الذي قال:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
    وهل يعرف رئيس الوزراء الأسباب التي اضطرت سفينته إلى الجنوح، أم هل هو في حاجة إلى أن ندله على بعض هذه الأسباب إن لم ندله عليها كلها؟ هل يعلم رئيس الوزراء أن أشد هذه الأسباب خطرًا وأبعدها أثرًا هو تكوين الوزارة نفسها؟ فهذا الائتلاف الظاهر بين قلوب لا يمكن أن تأتلف، وهذا الاتفاق الظاهر بين ميول لا يمكن أن تتفق، وهذا التكلف الظاهر للتعاون بين قوم لا يتفقون في فهم الأشياء ولا في تقديرها، ولا في التأثر بها ولا في الحكم عليها. كل هذا ليس من شأنه أن يمكن السفينة من أن تجري جريًا سهلًا يسيرًا حتى حين يواتيها الريح.

    هذه الأحزاب المؤتلفة قد كانت وستكون مختلفة أشد الاختلاف في الطبيعة والمزاج وفي الميول والأهواء، لم يجمعها إلَّا شيء واحد، هو: أن تلي الحكم لتهدم الوفد هدمًا. وولاية الحكم ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى الإصلاح والخدمة العامة، وهدم الوفد ليس من الغايات التي يسعى المصلحون؛ لأن إضعافه إضعاف للروح المصري، وليس إضعاف الروح المصري إصلاحًا، وإنما هو شيء آخر غير الإصلاح.

    هذه الأحزاب المؤتلفة في ظاهر الأمر المختلفة فيما بينها وبين أنفسها، وفيما بينها وبين الله، لا تستطيع أن تسير بالسفينة سيرًا رفيقًا، وإنما يدفعها بعض هذه الأحزاب إلى أمام ويردها بعض هذه الأحزاب إلى وراء، وينحرف بها هذا الحزب إلى يمين، ويندفع بها هذا الحزب إلى شمال؛ فتضطرب وترتبك وتضطر آخر الأمر إلى الغرق أو إلى الجنوح.

    وهل يعلم رئيس الوزراء أن غدو الوزراء على دواوينهم ورواحهم إلى دورهم وإمضاءهم بعض الأوراق وتصريفهم بعض الأعمال اليومية، ليس معناه أن السفينة تسير سيرًا رفيقًا، ولا أن الريح تجري لها رخاءً؟ وإنما معناه أن الكلمة القديمة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، هي الحقيقة المؤقتة التي إن صدقت أمس واليوم فقد لا تصدق غدًا أو بعض غد.

    وليس المهم هو أن تجري السفينة أو لا تجري السفينة من حيث هي ليست بذات خطر، وإنما المهم أن أمور مصر موكولة إلى هذه السفينة، وإلى الذين يجرونها. فإذا ارتبكت السفينة واضطربت واضطرت إلى الجنوح. فأمور مصر متأثرة بهذا الارتباك والاضطراب والجنوح، ورئيس الوزراء أصدق وطنية وأشد لمصر حبًّا من أن يعرضها لهذا الخطر العظيم.

    ومن المحقق أن رئيس الوزراء يعلم من أمر وزارته أكثر مما نعلم، ويعرف حق المعرفة أجانحة سفينته أم جارية؟ ولكن من المحقق أن رئيس الوزراء إن قرأ من الصحف مثل ما نقرأ، فهو لا يسمع من حديث الناس مثل ما نسمع، وهو لا يعلم من خاصة أفراد الشعب ودخائل نفوسهم وضمائرهم مثل ما نعلم؛ لأنه لا يرى الناس كما نراهم، ولا يسمع منهم ولا يتحدث إليهم كما نسمع نحن منهم وكما نتحدث نحن إليهم. والذي نستطيع أن نؤكده لرئيس الوزراء مخلصين أن الناس ليسوا راضين ولا مطمئنين ولا متفائلين، وأنهم إلى السخط والقلق والتشاؤم أقرب منهم إلى أي شيء آخر. فإن لم يصدقها رئيس الوزراء فليتنكر، وليندس بين الناس وليسمع منهم وليتحدث إليهم كما كان يفعل هارون الرشيد فيما ينبئنا به القصاص. إذن، يرى رئيس الوزراء ما لم يكن ينتظر أن يرى، ويسمع ما لم يكن ينتظر أن يسمع، ويروح إلى داره وقد كوَّن لنفسه في وزارته وفي الشعب رأيًا جديدًا.

    إذن، يسمع رئيس الوزراء من الناس أنهم كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يقر بعض الوزراء على بعض ما يأتون من الأمر فيما يقال، لا يلائم بحال من الأحوال طبيعة رئيس الوزراء، ولا مزاجه، ولا مثله العليا في الحكم وفي الأخلاق.

    وإذن، يسمع رئيس الوزراء أن الناس كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يسكت على ما يهدى إلى بعض زملائه من النقد الخطير؛ لأن سكوته لا يمكن أن يفسَّر إلَّا بإحدى اثنتين: إمَّا أنه يقر هذه التصرفات، وقد كان الناس يعتقدون أنه آخر من يقرها أو يصبر عليها، وإمَّا لأنه لا يستطيع أن يخلص من بعض الزملاء على رغم ما يضاف إليهم ويقال فيهم، وقد كان الناس ينتظرون منه أن يكون آخر من يصبر على الضيم ويحتمل في سبيل الحكم ما لا يجب.

    ونؤكد لرئيس الوزراء أننا لا نكتب له هذا الحديث ناقدين ولا مُشهرين، ولا نقصد به إلى المعارضة بمعناها المألوف. وإنما نكتبه ناصحين له أصدق النصح، مخلصين له أشد الإخلاص، وقد كانت بينه وبيننا صلات لم ننسها، ولعلها تفرض علينا أن ننصح له ونخلص هذا النصح، وإن اضطره الإخلاص إلى شيء من الصراحة والقسوة فقد يقسو الصديق على الصديق، وقد يعنف الخليل بالخليل.

    فليقرأ رئيس الوزراء هذا الحديث خاليًا إلى نفسه مخلصًا في قراءته، كما نكتبه نحن مخلصين في كتابته، وليستقبل رئيس الوزراء من أمره ما استدبر، وليستعرض رئيس الوزراء ما جرى من الحوادث والخطوب منذ نهض بأعباء الحكم، ولينظر بعد ذلك أيرضى أن يكون ربَّانًا لسفينة قد اضطرت إلى الجنوح اضطرارًا؟ وهل يستطيع أن يحتمل تبعات ما يصيب مصر من آثار هذا الجنوح؟

  • تفصيلات

    تفصيلات

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٦ يونيو ١٩٤٥

    يُقال إنَّ حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء يحب التفصيلات، ويُعنَى بالدقائق الهيِّنة من الأمور، ويرى بعضُ أصدقائه وبعضُ خصومه أن هذه الخصلة من خصاله تستأهل النقد؛ لأنها تَصْرِفه عن عظائم الأمور. وأرى أنا أنها مزية من المزايا وخصلة من الخصال الحميدة؛ لأنها تدل على دقة في الملاحظة وعناية باليسير والخطير جميعًا. وقد قال العربي القديم:

    إن الأمور صغيرها مما يهيج له العظيم

    وقال القدماء: إن معظم النار من مستصغر الشرر.

    فعناية الإنسان بصغائر الأمور قد تمكنه من دفع عظائمها، واهتمام الإنسان بالأشياء اليسيرة قد تتيح له اتقاء ما يمكن أن ينشأ عنها من الأمور الجسام. وليس يُعاب الرجل حين يُعْنَى لهين من الأمور إذا كانت عنايته هذه لا تصرفه عن الاحتفال بالأمر الخطير.

    وقديمًا قال الشاعر العربي:

    والشيء تحقره وقد ينمي

    فليس على رئيس الوزراء بأس إن عُنِيَ بالتفصيلات، ما دام التفصيل لا يشغله عن الجملة، وما دام الصغير لا يصرفه عن الكبير، وإنما البأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بجلائل الأعمال، فيشغله ذلك عن ملاحظة زملائه ومراقبة كبار الموظفين فيما يأتون من دقائق الأعمال وصغائرها، والبأس كل البأس أن يُعْنَى رئيس الوزراء بالدقائق والصغائر؛ فتصرفه هذه العناية عن الأمور ذات الخطر.

    والرجل الكفء حقًّا للنهوض بأعباء الحكم في هذه الأيام التي نعيش فيها وفي غيرها من الأيام أيضًا هو الذي يلائم بين واجباته كلها، فلا يهمل الصغائر التي قد تؤدي إلى الكبائر، ولا يهمل الأمور الخطيرة التي تقوم عليها شئون الحكم وسياسة الدولة.

    وقد كان ظننا — وما زال ظننا — أن رئيس الوزراء قادر على أن ينهض بأعباء الحكم على هذا النحو الممتاز، فلا تصرفه الأمور الهينة عن الأمور الجليلة، ولا تصرفه الأمور الكبرى عن المسائل اليسيرة. ولكن شئون الحكم معقدة أشد التعقيد، وظروف الحياة المصرية أثناء الحرب وفي أعقاب الحرب تزيد الأمور تعقيدًا، وتجعل تصريفها أمرًا شديد العسر حقًّا. وليس أدل على ذلك فيما يظهر من أن هناك أمورًا خطيرة وأخرى يسيرة لا يكاد رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها، أو قُلْ: لا يظهر أن رئيس الوزراء يلتفت إليها أو يقف عندها.

    وقد بيَّنَّا يوم الخميس الماضي أن رئيس الوزراء لا يكاد يلتفت إلى أن سفينته جانحة، وإلى أن حكومته واقفة حيث كانت يوم أُلِّفَتْ، لم تقدم مصر خطوة إلى الأمام ولم تقدم نفسها خطوة إلى الأمام، وإنما قامت حيث هي تنظر إلى الشمس حين تأتي من المشرق وتذهب إلى المغرب، وتعتمد على حركة الفلك في تصريف الأمور.

    فحياتنا الاجتماعية كما تركتها وزارة الوفد لم تتقدم حتى على الورق، نستغفر الله، بل هناك قوانين شرَّعتها وزارة الوفد وهمَّت الحكومة القائمة أن تنساها، فلما ذُكِّرَتْ بوجود هذه القوانين أرادت تنفيذها ولكن بعد أن أضاعت عامًا. وقانون محو الأمية صورة واضحة لهذا اللون من تكلف النسيان، ثم من التذكر بعد جهد، ثم من محاولة التنفيذ بعد أن مضى العام الدراسي.

    وهناك أمور أخرى أقرتها وزارة الوفد ونفذتها قبل أن تُقال، وهمَّت الوزارة القائمة أن تُغيِّرها فردَّها الرأي العام عن ذلك ردًّا عنيفًا مستعينًا على ذلك برئيس الوزراء نفسه. وقصة المجانية في وزارة المعارف، وقصة التغيير لسياسة التعليم دليل واضح على هذا اللون من الرجعية الذي اضطرت وزارة المعارف إلى العدول عنه اضطرارًا.

    فالوزارة القائمة إذن لم تقدم حياتنا الاجتماعية خطوة، وإنما همت أن تؤخرها خطوات، وحَالَ الرأيُ العام بينها وبين ذلك حتى أصبح من أشد الخصومة بينها وبين الرأي العام هذا الجدل، أو قُلْ هذا الصراع الذي يدور حول احتفاظ الشعب بالحقوق المكتسبة، ومنع الغلاة من كبار الموظفين وصغارهم أن يضيعوا هذه الحقوق أو ينقصوها.

    وقد كان يُظَنُّ أننا سنختلف ونختصم لا حول الدفاع عما كسبنا واستبقاء ما ظفرنا به، ولكن حول ما ستُقدِّم إلينا الوزارة القائمة من ألوان الإصلاح ومشروعات القوانين.

    كل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدل على أن شئون الحكم في هذه الأيام معقدة تشغل رئيس الحكومة عن كثير من الأمور الخطيرة، وتشغله بنوع خاص عن أن حكومته راكدة جامدة لا تقوم ولا تتقدم، ولكن قد تكون الدقائق والتفصيلات هي التي ملأت على رئيس الوزراء وقته، وحالت بينه وبين التفكير في المسائل الكبرى وتوجيه الزملاء إلى النشاط الخصب والابتكار الذي يدفع مصر إلى حياة رائعة لم تستطع وزارة أخرى أن تدفع مصر إليها.

    قد تكون هذه التفصيلات هي التي شغلت رئيس الوزراء، فحملته على أن يُصْلِح أداة الحكم، ويُبرِّئها من كل عيب، ويُقوِّمها من كل اعوجاج؛ ليدفعها بعد ذلك دفعًا قويًّا إلى الابتكار والاختراع والإنتاج الذي لا يُقاوَم.

    فهل هذا صحيح؟! أم هل الواقع أن رئيس الوزراء مشغول حتى عن التفصيلات؟!

    فهناك أمور يسيرة في ظاهرها، خطيرة في حقائقها وفي نتائجها تحدث وتحدث، ويتخذها الناس موضوعًا لما يُجْرون بينهم من حوار، وتخوض فيها الصحف وتحقق في بعضها النيابة. ولو التفت إليها رئيس الوزراء لما وقعت ولا كثر فيها القول، ولا خاضت فيها الصحف ولا احتاجت النيابة إلى التحقيق.

    هذه القصة التي تُضاف إلى هذا الوزير أو ذاك يسيرة في نفسها لو التفت رئيس الوزراء إلى التفصيلات لما وقعت؛ فقد رأيت رئيس الوزراء وهو يعمل في وزارة المعارف فلا يفوته من أمرها شيء، ولا يفوته تأخر الموظف دقائق عن موعد العمل، ولا يفوته خروج الموظف قبل موعد الخروج بدقائق، ولا يفوته أيسر الإهمال في العمل فضلًا عن الإهمال في الخطر.

    فما الذي حدث حتى شُغِلَ رئيس الوزراء عن ملاحظة هذه التفصيلات التي يحدث بعضها في وزارة الداخلية نفسها، ويحدث بعضها الآخر في غيرها من الوزارات، ويكثر فيها القول ويشتد حولها الحوار، ويفسد لها الجو وتسوء لها سمعة الحكم في نفس الوقت الذي يُقال فيه إن هذه الوزارة إنما جاءت لتصلح الحكم وتعصم سمعته من السوء؟!

    وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يُشغَل عن التفصيلات إلى حد أن الصحف تطالب في كل يوم زميلًا من زملائه أو غير زميل من زملائه بالاستقالة إبقاءً على سمعة الحكم، وتمكينًا للتحقيق من أن يجري في أمن ويسر وبراءة من كل نقد؟!

    وكيف استطاع رئيس الوزراء أن يهمل التفصيلات إلى حد أن تجري المناقشة العلنية في الصحف بين زملائه وبين الصحفيين الذين يضيفون إليهم ما يضيفون، ويضطرونهم إلى أن يكتبوا في الصحف مدافعين عن أنفسهم، حتى إذا لم يُغْنِ هذا الدفاع لجئوا إلى النيابة وما تجري من تحقيق؟!

    ورئيس الوزراء يقرأ في الصحف كما نقرأ نحن بالطبع هذه القصة الطريفة التي تُمثَّل بين زميله وزير العدل وبين وكيل من وكلاء النيابة في المحاكم المختلطة، وهي قصة أقل ما تُوصَف به أنها تصلح للتمثيل من جهة، وتدل على أن سمعة الحكم وهيبة السلطان قد أدركهما ضعف شديد.

    فوكيل النيابة يُعيَّن بمرسوم كغيره من زملائه، ثم يصدر القانون — أو المرسوم بقانون — الذي يلغي استثناءات الوزارة الوفدية، ويمضي على صدور هذا القانون وقت طويل لا يُعَدُّ بالأيام ولا بالأسابيع وإنما يُعَدُّ بالشهور، ثم تتنبَّه وزارة العدل فجاءة إلى وكيل النيابة هذا، فيُطلَب إليه أن يستقيل فيأبى، ويُعرَض عليه النقل فيأبى، ويُهمَل أمره وقتًا ما، ثم يُنقَل إلى ديوان الوزارة ويُخَفَّض مرتبه مرتين، ويأبى هو جهرة أن يذعن لقرار الوزير أو لقرارات الوزير، كما يأبى سرًّا أن يُنقَل أو يستقيل، ثم يصبح الأمر كله مُعْلَنًا في الصحف، وإذا وكيل النيابة يرى أن قانون الاستثناءات لا يجري عليه؛ لأنه لم يُعيَّن استثناءً، ولم يكن تعيينه لاحقًا لترقية استثنائية، وإذا وكيل النيابة يرى أنه عُيِّن في منصبه بمرسوم، فلا يجوز إبعاده عن منصبه بقرار من الوزير.

    وإذا هو يُفصِّل ذلك في الصحف تفصيلًا، ويرفض النهوض بعمله الجديد، ويطالب الوزارة بأن تُبيِّن له حكم الله وحكم القانون في كل ما اتخذ من إجراء حين كان وكيلًا للنيابة بين نوفمبر من السنة الماضية ويونيو من هذه السنة، أكانت تصرفاته باطلة في هذه المدة؛ لأن الوزارة ترى أن تعيينه كان باطلًا منذ صدور قانون للاستثناء؛ وإذن فما أكثر ما تحتمل الوزارة من تبعات! أم كانت تصرفاته صحيحة؛ وإذن ففِيمَ إبعاده عن منصبه؟!

    وبينما الناس يتحدثون في هذه القصة الطريفة، ويلتمسون لها التأويل والتعليل، وإذا الفصل الثاني من فصول هذه القصة يظهر للناس، فالوزير يغضب من عصيان وكيل النيابة هذا، ومن إعلان هذا العصيان في الصحف، ومن الألفاظ الشديدة التي وُجِّهَتْ إليه وإلى زميل من زملائه، وهو من أجل ذلك يحيل هذا الموظف على مجلس التأديب. ولكن الموظف لا يذعن للقرار الأخير، ولا يمثل أمام مجلس التأديب؛ لأنه يرى تصرف الوزير باطلًا في هذا أيضًا كما كان باطلًا في غيره من القرارات، وأن المجلس المختص بتأديبه هو الذي يؤدب أعضاء الهيئة القضائية؛ لأن صاحبنا ما زال يرى نفسه وكيلًا للنيابة على رغم ما اتخذ الوزير من القرارات. وصاحبنا يتهم الوزير بمخالفة الدستور، ومخالفة قانون استقلال القضاء، ومخالفة قانون إلغاء الاستثناءات، فضلًا عن تعطيل مراسيم أخرى لا تحضرني الآن.

    وصاحبنا يتهم الوزير بأنه اختصه بهذه المعاملة دون جماعة من زملائه كان يجب أن يُطبَّق عليهم قانون إلغاء الاستثناءات، ولكنه لم يُطبَّق عليهم.

    ورئيس الوزراء قد قرأ هذا كله بالطبع كما قرأناه، وهو يعلم كما نعلم أن هذا كله خطير وإن كان مضحكًا، أو أن هذا كله خطير لأنه مضحك؛ فمن أشد الأشياء خطرًا أن يُضطَر الناس إلى الضحك من تصرف الوزراء، أو مما يُقال حول تصرف الوزراء، فإذا كان هؤلاء الوزراء يقومون على إجراء العدل وحمايته كان الأمر أشد خطرًا وأبعد في الحياة أثرًا.

    فكيف شُغِل رئيس الوزراء عن هذه التفصيلات؟! وما عسى أن تكون المسائل الكبرى التي شغلته عنها وتركت زملاءه وموظفيه يذهبون في الحكم هذه المذاهب التي تفسد رأي الناس فيه؟! أيكون رئيس الوزراء مشغولًا بمفاوضة حلفائنا في تعديل المعاهدة وفي تحديد موعد للجلاء عن أرض الوطن وفي تحرير السودان، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يفرغ لهذه الصغائر؟! وإذن فلا أقل من أن يجمع زملاءه ويتقدم إليهم حازمًا جازمًا صارمًا من أن يصطنعوا الدقة والعدل والقصد والإنصاف فيما يأتون وما يدعون من الأمر.

    ولكن رئيس الوزراء لا يفاوض في هذه المسائل الكبرى ولا فيما يشبهها، وإنما يفاوض في اتفاق الطيران. وإذن؛ فما الذي يشغله عن هذه التفصيلات؟!

    وهل قرأ رئيس الوزراء كما قرأنا ما تكتبه بعض صحف الحزب الذي يرأسه وما يكتبه بعض أعضاء هذا الحزب، مما يصور التبرم بشئون الحكم والسخط على السياسة القائمة؟! وكيف يرضى رئيس الوزراء عن نفسه وعن حكمه، وهو لا يعالج المسائل الكبرى، ولا يراقب المسائل الصغرى، ولا يرضي أصدقاءه فضلًا عن أن يرضي خصومه؟! وهل أصبح رئيس الوزراء كغيره من الرؤساء الذين كنا نعيبهم معًا لأنهم يقنعون من المنصب بالمنصب، ومن تصريف الأمور بالاختلاف إلى الديوان وتوقيع بعض الأوراق؟!

    وإذا لم يكن من حق مصر على رئيس الوزراء أن يستأنف النظر في أمر وزارته وسياسته، فنظن أن من حق رئيس الوزراء على نفسه أن يعيد النظر فيما يقدم من أمره، وأن يحسن التفكير فيما سيستقبل من أمره أيضًا؛ فإن مصر كغيرها من بلاد الأرض تعيش في أيام خطيرة حرجة لا يكفي فيها للنهوض بأعباء الحكم أن يتردد الوزراء والموظفون بين الدُّور والدواوين.

  • العدل

    حديث الوادي
    العدل
    ليقرأ رئيس الوزراء

    كلمة حلوة رددها الناس جميعاً في كل وقت، وسيرددونها في كل وقت أيضاً؛ لأنهم يعربون بها عن مثلهم الأعلى في الحياة، مهما اختلفت فروعها. ولكن بين هذه الكلمة وما يفهمه الناس منها، وبين الحقائق الواقعة بوناً شاسعاً واختلافاً عظيماً. وأنت تشعر بحرص الناس على العدل وتحرقهم ظمأً إليه حين يشتد نقيضه، ويخضع الناس لمثل ما خضع له المصريون في هذه الأعوام الماضية من الظلم البشع والجور القبيح، فإذا قضى المصريون أربعة أعوام كاملة يصب عليهم العذاب من كل مكان، ويأخذهم الشر من كل وجه، تلغى بينهم المساواة إلغاءً، وتهدر فيهم الكرامات إهداراً، وتنتهك فيهم الحرمات انتهاكاً، تجبى منهم الضرائب بالسوط والعصا، فإذا جبِيَت لم تنفق في مصالحهم وإنما أنفقت في ألوان الترف والعبث وإرضاء الأهواء والشهوات وتملق الشركات الأجنبية، ثم لا يباح لهم أن يشكوا، فإن دفعوا إلى الشكوى عذبوا فيها تعذيباً، وربما سفكت دماؤهم سفكاً. ثم لا يباح لهم أن يجتمعوا، فإن هموا بالاجتماع، فرقوا بالحراب والرصاص، ثم لا يباح لهم أن ينطقوا، فإن نطقوا دفعوا إلى القضاء وألقوا في غيابات السجن. ثم لا يباح لهم أن يكتبوا، فإن كتبوا حطمت أقلامهم تحطيماً، وعطلت صحفهم تعطيلاً، ثم لا يباح لهم أن يطمئنوا، فإن وجدوا من الشجاعة وضبط النفس ومن الصبر واحتمال الأذى ما يمكنهم من الاطمئنان رغم هذا الشر المحيط هطلت عليهم الكوارث، وأغريت بهم الحوادث، وحرمت عليهم الدعة والهدوء. إذا احتمل المصريون هذا كله، وشراً من هذا كله أربعة أعوام بل أكثر من أربعة أعوام، يضارون في كل شيء، ويزعم طغاتهم مع ذلك أنهم ملائكة الرحمة ورسل الإنصاف، ثم بدا لهم أن عهد الظلم ينقضي، وأن سلطان الجور يزول، ظهر تحرقهم إلى العدل، وتصوروه في أرقى مثله، وأروع صوره، وخيل إليهم أن أبواب العدل ستفتح لهم على مصاريعها، وأنهم سيجدون من ورائها أمناً يكافئ على أقل تقدير ما وجدوا من الخوف، وهدوءاً يكافئ ما وجدوا من الاضطراب، وإنصافاً يكافئ ما وجدوا من الجور، ومن المؤلم للنفوس أن تخيب هذه الآمال، وأن يقول بعض الناس لبعض: لقد كنا نرجو فكذب الرجاء، وكنا نأمل فإذا الآمال سراب، ولسنا نظن أن القيسي باشا وبأن الإدارة تمثل وتعتذر وتزعم أنها لا تستطيع أن تغير شيئاً حتى تأمرها السلطة المركزية بالتغيير؟ ما رأي رئيس الوزراء في أن ذلك الكبت الرسمي يجب أن يزال، وفي أن ذلك الجور الخفي يجب أن يمحى، وفي أن هذا العهد الجديد لا ينبغي أن يأذن بأن تؤخذ أموال الناس بالباطل، وبأن تؤخذ هذه الأموال بالعنف أيضاً؟ نظن أن رئيس الوزراء لن يقرأ هذا الفصل حتى يصدر أمره بأن يكف الظالمون عن نفوسهم، وبأن يرد الناس في بني مزار وفي غير بني مزار إلى الأمن والعدل والطمأنينة، وبأن يعلم الناس في بني مزار وفي غير بني مزار بأنه إذا كان قد ولي أمورهم منذ حين وزراء يستبيحون لأنفسهم أن يقولوا غير الحق، وأن يأخذوا الأموال بغير الحق، وأن يعاقبوا الناس على آرائهم، وأن يعاقبوا الناس على ما يبذلون من مودة لبعض خصومهم، ظن الذين يتولون أمور الناس في هذا العهد أن يرضوا عن شيء من هذا، ولن يقروا شيئاً من هذا، بل أنا واثق ثقة لا يعرض لها الشك بأن أمر رئيس الوزراء سيصدر اليوم أو غداً يرفع هذا الظلم، وبأن الذين تحدثوا إلينا صباح اليوم بالشكوى من ظلم القيسي باشا سيتحدثون إلينا صباح الغد بالشكر لعدل توفيق نسيم. وأنا أنتظر وهؤلاء الناس ينتظرون.

    طه حسين
    الوادي، ١٩ نوفمبر ١٩٣٤.

  • صبريات٢

    حديث الوادي
    صبريات. . .
    نعم صبريات، وقد طال الصمت عن وزير المالية، لأنه هو آثر الصمت، وأغرق فيه، وأحب السكون، واطمأن إليه. ويظهر أنه ضاق بالصمت والسكون، فخرج عنهما إلى الحركة أولًا، وسيخرج إلى الكلام غدًا أو بعد غد. وإذا نشط وزير المالية نشط معه الناس. وإذا قال وزير المالية قال معه الناس. فما أعرف بين وزرائنا النابهين رجلًا أحب إلى الكتاب، وآثر عندهم، وأقدر على تنشيطهم إن فتروا، وعلى إنطاقهم إن سكتوا، وعلى إلهام الفصول الطوال من هذين الوزيرين الخطيرين، وزير المالية حين يعالج المال، ورجال المال، ووزير التقاليد حين يعالج التعليم، ورجال التعليم.
    ودع رئيس الوزراء الرجل الطيب، فإنه هادئ وديع، ومتواضع مطمئن، قلما يلهم أو يوحَى. أعماله وأقواله كلها منسقة تنسيقًا يزهد في النظر فيها، والتفسير لها، والتعليق عليها. ودع زملاءه الآخرين، فهم رجال طيبون يشبهونه في الدعة والهدوء، والعجز عن الوحي والإلهام. دع هؤلاء الوزراء الطيبين، وقف عند وزير المالية، ووزير التقاليد، وأطل الوقوف عندهما، فلن تزهد فيهما، ولن يزهدا فيك، ولن تشبع منهما، ولن يشبعا منك، لأنهما لا يقولان، ولا يعملان، ولا يفكران، ولا يحلمان، إلا أتيا بالأعاجيب، ودفعاك إلى التفكير والقول والكتابة دفعًا.
    هذا وزير التقاليد قد طاف به طائف مفاجئ من حب اللغة الإنجليزية، فآثرها بالعطف، واختصها بالمودة، وأزمع أن يأخذ الطلاب لدرسها في الصيف والشتاء، واصطناعها في الخريف والربيع، وأمر أن تذاع فيهم الكتب، يتدبرونها ويستظهرونها، أثناء الصيف، حتى إذا عادوا أثبتوا بالامتحان أن حظهم من العلم باللغة الإنجليزية قد اتسع وامتد، وقد ارتفع وعمق، حتى أصبحوا إنجليزًا أو كالإنجليز. وليس من شك في أن هذه الحركة سترضى المندوب السامي، وستبلغ من رضاه مدى لا يبلغه المستبقون. فليهنأ وزير التقاليد بهذا النشاط الخصب، وليهنأ الإنجليز بهذه العناية المنتجة، ولتترك اللغة العربية أمرها إلى الله، فقد يُعنى بها وزير آخر في الصيف المقبل.
    ولكن ما لنا ولوزير التقاليد، ونحن إنما نريد الحديث عن الصبريات، والثناء على وزير المالية، فهو خليق بالثناء حقًّا. لقد كان الناس يظنون به الظنون، ويحسبون أنه قد عدل عن كل حركة، وانقطع عن كل كلام، وأذعن لقضاء الظروف، وخضع لما لا بد من الخضوع له، فإذا هو بعيد عن هذا كله، أشد البعد، يحسبه الناس هادئًا وهو يضطرب، ويظنونه ساكنًا وهو يتحرك، ويقدرون أنه صامت، وصمته أبلغ من الكلام. وها نحن أولاء نفاجأ بهذا الخلاف العنيف بينه وبين جماعة من النواب، يبلغون ثلث المائة، يريد هو أن تُجبى الضرائب على وجهها، لا يفرق فيها بين الأغنياء والفقراء. ولا بين الشعب والنواب، ويطلب هو إلى المديرين أن يمضوا في ذلك جادين غير مقصرين، ويكره النواب منه ذلك، فيطالبونه بالاعتذار، وينذرونه بنزع الثقة منه إن لم يفعل. وكنا نظن أن قومًا يأتمرون بالوزير ليخرجوه، ويكيدون له ليخلصوا منه، ولكن ماذا نسمع اليوم من الناس، وماذا نقرأ اليوم في الأهرام؟ يقول الناس وتذيع الأهرام، إن الأمر لم يقصر بين الوزير وهؤلاء النواب على هذا المنشور الغريب، ولو وقف الأمر عنده لما ضاق النواب به، ولكنهم استكشفوا منشورًا آخر أو تعليمات أخرى أذاعها الوزير، بين المديرين، وأذاعها المديرون بين المأمورين، وأذاعها المأمورون بين العمد، وأذاعها العمد بين الناس في قرى الريف، وهذه التعليمات خطيرة حقًّا، تنذر بالشر المستطير. فالوزير فيما يقول الناس وتذيع الأهرام، لا يطلب إلا شيئًا يسيرًا هو إحصاء الضرائب التي تأخرت عند النواب. وأقرباء النواب والتبيين عن درجة هذه القرابة. بين الذين تأخرت عندهم الضرائب وبين النواب. ماذا؟ أتحقيق سريٌّ يُراد، ومن الذي أمر به ومن الذي دفع إليه؟ أهو الوزير، فما له لم يأمر به إلا في هذه الأيام؟ أهو رئيس الوزراء، فما له لم يفكر فيه منذ نهض بأعباء الحكم. ماذا؟ أليس يكفي تحقيق الكورنيش وتحقيق الاستبدالات، وتحقيق البلدية حتى يبدأ في تحقيق جديد واسع النطاق، تمتد أسبابه في أطراف الأرض كلها في المدن والقرى، وفي الحضر والريف. ماذا؟ أليس يكفي التحقيق حول الوزراء والموظفين حتى يمتد التحقيق إلى النواب، والشيوخ. من الذي أمر بهذا التحقيق؟ ومن الذي دفع إلى هذا التحقيق؟ وماذا يُراد من هذا التحقيق؟ ماذا؟ أجماعة من النواب يأتمرون بالوزير، ليخرجوه من الوزارة. أم هو الوزير يأتمر بالنواب ليقيم الدليل على أن هذا العهد الحاضر لم يخل من إيثار ومحاباة، واستغلال للنفوذ، وأيُّ الفريقين يفوز؟ أيخلص النواب من هذا الوزير الذي يتخذهم موضوعًا للتحقيق، ويشترك في تبعات الحكم، ثم يمضي في عمل من شأنه أن يفسد على الوزارة أمرها؟ أم يعجز النواب عن هذا الوزير، فيبقى في منصبه يصرف الأمر كما يريد، ويلتمس الضرائب عند من التوى بها، أو تأخر في أدائها، مهما يكن، ومهما يكن أولياؤه، وأصدقاؤه؟ أما الوزير فلم يتعدَّ حدوده، ولم يتجاوز حقه، ولم يخرج عن طوره الذي يجب له، فمنصبه يحمله أمانة العناية بالضرائب وجبايتها بالعدل من المصريين جميعًا. وتخليص هذه الجباية من المجاملة والمحاباة، فليس للنواب عليه سبيل، ولا ينبغي أن يكون للنواب عليه سبيل، وإذا لم يكن بد من أن يفوز أحد الخصمين، فالقانون والدستور، يريدان أن يفوز الوزير على النواب في هذه الخصومة. ولكن النواب، وهم عماد الحكومة وجُنَّتها، قد آزروها حين تنكر لها صدقي باشا رضحوا في سبيلها بصدقي باشا، ومما قُدم إليهم من يد واصطنع فيهم من جميل، وهم يؤازرونها في كل مشكلة. ويؤيدونها في كل ملمة لا يلقونها بالشك، ولا يضنون عليها بالثقة، وإذا التوى بعضهم بالضرائب، فليس منهم من يلتوي بالنصر والتأييد. وإذن فكيف يسمح لوزير المالية أن يثير حولهم الشك، ويسلط عليهم الظنة، ويملأ الجو من حولهم بالشبهات؟ مشكلة أثارها وزير ماليتنا النابغة. ومن للمشكلات يثير غبارها، ويُذكي نارها، إلا وزير ماليتنا النابغة؟ ولكن إثارة المشكلات شيء، وحلها شيء آخر. وزير المالية بارع في إثارة المشكلات، ولكن براعته في حلها شيء مشكوك فيه. وإذن فأيُّ المختصمين يفوز؟ أيفوز النواب فيسقط الوزير؟ أم يفوز الوزير فيخضع النواب لهذا التحقيق الخطير؟ ما أشد إشفاقنا على الرجل الطيب، فإن حل هذه المشكلة العنيفة سيحمله من الجهد، ويكلفه من العناء ما لا قبل للمترفين به، في هذا الصيف الثقيل.
    أما نحن فقد نحب أن نعين الرجل الطيب على التماس حل لهذه المشكلة، ولغيرها من المشكلات، على التماس حل شريف، يريحه ويريح غيره من الناس، وهذا الحل هو ألا يحاول صلحًا بين المختصمين، ولا تأجيلًا للمشكلة على حساب المصلحة العامة، وإنما يؤيد وزير المالية في موقفه تأييدًا حازمًا، واضحًا، صريحًا. فإما أن يذعن خصوم الوزير للحق، والقانون، وإما أن يأبوا فتخذلهم الكثرة، وإما أن تتضامن الكثرة معهم فتستقيل الوزارة، ويفتح الباب، للإصلاح الصحيح. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٠ يونية ١٩٣٤.

  • تنفيذ

    حديث المساء: تنفيذ

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٤ أبريل ١٩٣٤

    أما أن أحكام القضاء تصدر لتنفذ، ولتنفذ في غير هوادة من السُّلطان الذي يجبُ عليه التنفيذ، وفي غير مَطْلٍ من الذين صدرت عليهم الأحكام، فذلك شيءٌ لَا شَكَّ فيه ولا مراء، ولا ينبغي أن يتناوله بالبحث رجل مُثقف أو غير مثقف ما دام يعيش في بلد مُتحضر، تحكمه النظم والقوانين.

    وأما أن هذه الأحكام تصدر أثناء الساعة الثالثة، ثم تنفذ قبل أن تنتهي الساعة السابعة مع أنَّها لا تقضي بالسجن ولا بشيء يُشبه السجن، وإنما تفرض غرامة من الغرامات وتفرضها على جماعة معروفين، لم يتحدث الناس عنهم في يوم من الأَيَّام ولم يَأْخُذهم السُّلطان نفسه في وقت من الأوقات بِأَنَّهُم ماطلوا الحكومة بدَين أو التووا عليها بحق من الحقوق، فهذا هو الذي يحتاج إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل؛ لأنه يحتاج إلى شيء من الشرح والتفسير، لا ندري كيف يكون الوصول إليه.

    فمن المحقق أنَّ الكُتَّاب الذين قَضَتْ عليهم محكمة الجنايات أمس بالغرامة قوم مَعْرُوفون، ونظن أَنَّهُم قوم لا يخشى منهم أن يهربوا من مصر، ولا أن يُهاجروا من الأرض؛ فرارًا بهذه الغرامات التي فرضها عليهم القضاء، وإِشفاقًا من تأديتها إلى السلطان أو التواء بها عليه.

    ومن المُحَقَّق أيضًا أنَّ هؤلاء الكُتَّاب يكتبون في صحيفتين لكل واحدة منهما تأمين في يد الحكومة، يعدل أضعاف ما فرضه القضاء من الغرامة. فهم إن ساءت أخلاقهم فجأة، وفسدت ذِمَمُهم فورًا وهيئوا لأنفسهم الهرب من وجه النِّيابة التواء بهذه الغرامات مُضمونون بهذا التأمين الذي أودعته الصحف خزانة الحكومة. ونظن — ولعَلَّنا نقطع — بأنَّ هذا التأمين إِنَّما اقتضته الحكومة من الصحف لمثل هذه الظروف، فقد يُقَالُ — وعلم هذا عند الحكومة وعند النيابة وعند أساتذة القانون — قد يُقال: إنَّ هُنَاك نَصًّا في قانون المطبوعات يَقضي بأنْ تستوفى مثل هذه الغرامات من التأمين على أنْ تُكمله الصحف التي قضي عليها في خمسة أيام، فإن لم تفعل حيل بينها وبين الصدور.

    وإذن، فقد يظن أيضًا أنَّ الأَحْكَام التي أَصْدَرَها القَضَاءُ أمس على كتَّاب «السياسة» و«الكوكب» لم يكن شك في إمكان تنفيذها دون تقصير من السلطة ودون تلكؤ من الكتاب؛ لأنَّ شخصية هؤلاء الكتاب أولًا تعصمهم من أن يلتووا بأحكام القضاء، ولأن لدى الحكومة من أموال الصحيفتين ما يضمن تنفيذ هذه الأحكام. ومع ذلك فَقَد كَانَ أمس ما لم يكن يقدره أحدٌ من هؤلاء الكتاب، وما لم يكن يقدره أحد من الناس.

    كان أن ذهبت الشرطة في شكل رائعٍ رَهِيبٍ إلى دار الأستاذ حفني بك محمود تطالب بالتنفيذ وبالتنفيذ السَّريع، تُطَالِبُ بِأَدَاءِ الغَرَامَةِ فَورًا في غير تَرَيُّث ولا انْتِظَارٍ، قبل أن تتم الساعة السابعة. وكان أنْ خُوطِبَ كَاتِبُ هذا الفصل بالتليفون يطالب بتأدية هذه الغرامة فورًا قبل أن تتم الساعة السابعة، فإن لم يفعل اتخذت الإجراءات.

    وقد أُدِّيتِ الغراماتُ قبل الساعة السابعة كما أرادت النيابة، ولم يقضِ واحد من هؤلاء الكُتَّاب ليلة في السجن، ولم تقتحم على واحد من هؤلاء الكتاب داره، ولم يرَ الناس واحدًا من هؤلاء الكتاب تقوده الشرطة إلى السجن؛ لأنَّه أَبْطَأَ في تنفيذ أحكام القضاء أو تلكأ في هذا التنفيذ، أو التوى من هذه الغرامات بقليل أو كثير.

    أعترف بأني حملت نفسي كثيرًا من الجهد في فَهْم هذا النوع من أنواع الاستِعْجَال، وهذا اللون من ألوان التنفيذ، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا، ويظهر أَنِّي لم أكن وحدي أحتمل هذا الجهد، وأتكلف هذا البحث، وإنما كان يُشاركني فيهما كثيرون. وهب واحدًا من هؤلاء الكتاب لم تكن قد تهيأت له الظروف في هذه الساعات القليلة ليستحضر مقدار الغرامة والأزمة قائمة والحمد لله، لم يفرجها وزير المالية، ولم يحلها الرجل الطيب ببركته وكفايته النادرة، والمصارف مُغْلَقَةٌ بَعْدَ الظهر إلا ساعة واحدة هي التي تلت صدور الحكم.

    هَبْ هؤلاء الكتاب جميعًا أو واحدًا منهم لم يتهيأ له مقدار الغرامة مساء أمس، ماذا كانت تصنع به النيابة؟ أكانَتْ تَقْذِف به في غيابات السجن ليلة؛ ليذوق هذه اللذة التي لم يفرض عليه القضاء في هذه المرة أن يَذُوقها؟ أم كانت تأمر باقتحام داره، وعرض متاعه للبيع في جنح الظلام، وفي غير إنذار ولا شيء يُشبه الإنذار؟ أم كانت تأمر باقتحام داره وأن تظل الشرطة فيها طول الليل تأخذ أبوابها ونوافذها حتى لا يفلت الكاتب أثناء الليل، فإذا تنفس الصبح لَزِمَه رجال السلطان حتى يؤدي الغرامة؟ أم كانت النيابة تصنع ماذا؟ أسئلة ألقيها على نفسي ويلقيها بعض الناس على بعض، فلا أظفر ولا يظفرون لها بجواب.

    وإذا كانت النيابة تَسْلُك هذه الطريق مع محمد حسين هيكل بك وحفني محمود بك والأستاذ عبده حسن الزيات وطه حسين، فأي طريق تسلك مع قوم آخرين لا يعرفهم أحد، ولا يضمنهم أحد، ولا يكفلهم شيء، وليست لهم مكانة ما بين مواطنيهم من المصريين؟! أَظُنُّ أَنَّ النِّيَابَة لا تغضب ولا يضيق صَدْرُها حرجًا حين نلفتها إلى أنَّ سيرتها أمس كانت غريبة حقًّا، وأَظُنُّ أنَّ النيابة لا تغضب ولا يضيق صدرها حرجًا إن سَمِعَتْ ما كان يتحدث به الناس أمس، وما يتحدثون به اليوم وما سيتحدثون به غدًا، من أمر هذا الاستعجال الغريب! وصاحب العزة النائب العام، والأُستاذ رئيس نيابة القاهرة، يعرفان حق المعرفة هؤلاء الكتاب، ويعرفان حق المعرفة مع من يحسن أنْ تكون الشدة البالغة المُسرفة ومع من يحسن أن تكون المعاملة الحازمة، التي إن لم تخلُ من الحزم فلا ينبغي أن تخلو من المُجاملة ومراعاة الأوضاع.

    والناسُ يتحدثون بأنَّ الأَحْكَامَ قد تصدر بالغرامات على قومٍ لَا تَتَهَيَّأُ لهم الأَمْوال فورًا فتمهلهم النيابة الأهلية، وتمهلهم النيابة المُخْتَلطة، وقد تُنَجِّمُ غراماتهم تنجيمًا، وقد تأخذها منهم أقساطًا، وليسوا هم بمكانة هؤلاء الكتاب، فقد أراد الله أن تكون لهؤلاء الكتاب مكانة سواء أرضي خُصُومُهم بذلك أم أنكروه. والناس يتساءلون: ما بال النِّيَابَةِ لم تنتظر بهؤلاء الكتاب صباح الغد، فإن أبطئوا أو التووا اشتدت عليهم، إذا كانت مُصِرَّةً على أَلَّا تنفذ قانون المطبوعات وتقتضي الغرامة أولًا من تأمِينِ «السِّيَاسَةِ» و«الكوكب»؟ والناس يتساءلون: ما بال النِّيابة تعجلت إلى هذا الحد مع أنَّ الخزانة كانت مُغْلَقة بعد الظهر، ومع أن الموظف الذي دفعت إليه الغرامات لم يستطع أن يعطي دافعيها أوراقًا رسمية تثبت أنهم دفعوا، وإنما أعطاهم أوراقًا عرفية، وطلب إليهم أن يعودوا من الغد في ساعات العمل؛ ليَأْخُذوا هذه الأوراق الرَّسمية؟ والناس يتساءلون عن أشياء أخرى غير هذا، أَمَّا أنا فقد سألتُ وتساءلتُ، فَلَمَّا لم أظفر بالجواب، أعرضت عن السؤال، وتركتُ الأمرَ لصَاحِبِ العِزَّة النائب العام وللأستاذ رئيس النيابة يقدرانه، كما يقضي بتقديره العرف المألوف، والقانون الذي يجب أن ترعى حرماته في غير هوادة ولا لين، ولكن في غير إسراف.

    على أني أعترف بأنَّ لسيرة النيابة هذه معنا مغزًى قيمًا ظريفًا لا يتجه إلينا وحدنا، وإنما يتجه إلى قوم آخرين؛ هم الوزراء. فقد يظهر أنَّ في إسراع النيابة بتنفيذ الأحكام وأخذها بهذا الحزم العَنِيفِ الذي لا إهمال فيه ولا إمهال، درسًا يَحْسُن أنْ تستفيد منه الوزارة، فتقضي في مصالح مصر الكبرى بهذه السُّرعة الحَازِمَة التي لا إبطاء فيها ولا ريث. فما زال الناس ينتظرونَ أَنْ تحل طائفة من الأزمات كان ينبغي أن تحل منذ أمد بعيد؛ أزمة الدَّين العام التي أجلها صدقي باشا وأجلها، وانصرف عن الحكم وهي قَائِمَة لم تحل، أزمة الدين العام التي أجلها الرجل الطيب وأجلها، والتي قد ينصرف عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي لا تزال قائمة لم تحل، أزمة الدَّين العقاري التي ما زال وزير المالية يلتمس لها حلًّا حاسمًا، دون أن يظفر به حتى على سواحل البحر الأحمر في رحلته تلك الميمونة المُباركة، والتي قد ينصرف وزير المالية عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي قَائِمَةٌ لَم تُحَل، أزمة الكورنيش، أزمة الاستبدالات، وما شئت من هذه الأزمات التي تقدم الحكومة عليها، ثم تحجم عنها، وقد نسيت أزمة المَحَاكم المُختلطة التي كان وزير الحقانية يرى أنها محلولة بحكم القانون، ثم أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، كما تقول الأسَاطِيرُ، فإذا رَئيسُ الوزراء يرى أَنَّها عسيرةٌ تَحْتَاجُ إلى التأجيل والوقت الطويل لتحل من طريق المفاوضات.

    أرجو أن تستفيد الوزارة من هذا الدرس القيم الخصب الذي ألقته النيابة أمس حين أنفذت أحكام القضاء في سرعة صارمة، ولما تمضِ على صدورها ساعات، فقد يكونُ من الشرِّ العظيم أنْ يَمْضِي هذا الدرس القيم، ولا تنتفع به الوزارة في تصريف الأمور العامة التي يحتاج الناس إلى الإسراع في تصريفها، أكثر مما كانت تحتاج النيابة إلى الإسراع في تنفيذ هذه الأحكام والتي يخافُ الناس من الإبطاء في تصريفها أكثر مما كانت تخاف النيابة من الإبطاء في تنفيذ هذه الأحكام.

  • بواعث

    حديث المساء: بواعث

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣٠ مارس ١٩٣٤

    قصة يسيرة جدًّا في ظاهر الأَمْرِ هذه التي تشغل الصُّحف الآن والتي يكثر فيها الأخذ والرد حول المَعَاشَات، واستبدال المعاشات، وحول الذين انتفعوا من هذه القصة أو نفعوا غيرهم أو تقارضوا الانتفاع.

    قِصَّةٌ يَسِيرَةٌ في ظاهرِ الأَمْرِ تنحل إنْ أَرَدْتَ تَفْسِيرَهَا إلى أن قومًا من الموظفين أثيرت حولهم شكوك وشبهات تمس استبدال المعاشات، فجدَّتِ الوَزارة في تحقيق هذه الشكوك، وتمحيص هذه الشبهات، وظهر لها أنَّ اثنين من المُوَظَّفين قد تَوَرَّطَا في مُخَالَفَاتٍ لا يُمْكِنُ الجمع بين التورط فيها، والنهوض بأعمال الدولة، فقررت فصلهما من الخدمة وإحالتهما على المَعَاش كما يقولون.

    وما أَكْثَرُ القِصص اليَسِيرَة في هذه الحياة، وما أكثر ما يقبلها النَّاسُ ويطمئنون إلى يُسرها وسُهولتها ويفسرونها كما تُفَسِّرُها ظواهر الأمور! ولكنَّ الناسَ جَمِيعًا ليسوا من السَّذَاجَةِ وَسَلَامَة الذوق واستقامة المنطق بحيث يفهمون الأمور دائمًا على وجهها، ويُفسرونها كما تفسرها طبائع الأشياء. وإنما يوجد بينهم المكابرون وأصحاب العناد، والذين يغلون في التحليل والتَّعليل ويلتمسون الظهر في الساعة الرَّابعة عشرة، ويقسمون الشعرة أرباعًا وأخماسًا وأسداسًا. وهؤلاء الناس يسمون أنفسهم فلاسفة حينًا ومُحَقِّقين حينًا آخر، وهم يُعَقِّدُون الأمور ويُعَسِّرُون الميسور، ويُفسدون منطق الأشياء على كل حال.

    هؤلاء المعقدون رَاعَتْهُم قصة المعاشات واستبدالها، فأنكروا أن يُستهان بحقوق الدولة إلى هذا الحد، وأنْ يَعْبَثَ خُدَّام الدولة بأموالها ومنافعها، وأن يكتنزوا لأنفسهم من هذه الأَمْوَالِ والمَنَافِع ما وسعهم الاكتناز. ثم أَنْكَرُوا أنْ يَكُون الفصل من المنصب هو كل الجزاء الذي يَلْقَاه من يعبث بأموال الدولة، ويسرف في حقوقها ومنافعها، وسألوا أنفسهم، وسألوا الوزارة، وسألوا الناس: لماذا يشرع التأديب؟ ولماذا أنشئت مجالس التأديب؟ ولماذا شرع القضاء، وأُنْشِئَت المَحَاكِمُ والنِّيَابَةُ؟ وبينما هم في ذلك يُنْكِرُون ويفكرون، ويلتمسون الحلول لهذه المُشْكِلَات والتَّفسير لهذه المُعْضِلَاتِ، إذا الأمور تُعَقِّدُ نفسها تعقيدًا شديدًا، فيكثر الكلام في الصحف، وتنشر فصول طوال وقصار، لا شك في أنها لم تكتب عفوًا، ولم تنشر سدًى، وإنما هبط بها وحي من بعض المصادر التي يهبط منها الوحي إلى بعض الصحف. وفي هذه الفصول الطوال والقصار التي يلح الوحي بها على الصحف والتي تلح الصحف في نشرها وإذاعتها غمز ولمز، وإظهار للخفي وتجاوز لهذين الموظفين إلى غيرهما من الناس إلى صدقي باشا مثلًا؟ وإخبار بأنَّ تِلْكَ القِصَّة كادت تهمل، وتَلْقَى ما ينبغي لها من الإهمال والإعراض؛ لَولَا أَنَّ صدقي باشا تحدث بالتليفون إلى وكيل المالية؛ فأمره بأنْ يتم الصفقة ويُهيئ العقد.

    وإن هذه القِصَّةَ الأُخْرَى كادت تُرْفَضُ لولا حديث تليفوني آخر من صدقي باشا أمر بقبولها فقبلت، ولا يكاد ينشر هذا الكلام حتى يعنى به صدقي باشا ويهتم له، ويتصل بصحيفة من الصحف فيتحدث إليها بالتليفون مكذبًا بعض الأمر مُصَدِّقًا بعضه الآخر مُقدمًا محجمًا ساكنًا مُتَحَرِّكًا، نَافيًا مُثبتًا، دائرًا على كل حال كما تعود أن يدور.

    ثم ينهض الموظفان للرَّدِّ والدفاع عن أَنْفُسهما فيُحَاوِلان وضع الأمور في نصابها، ولا يعفيان رُدودهما من الإشارة والتلميح، ومن الرَّمز والتَّعْرِيض. وما هي إِلَّا أَنْ تَأْخُذَ هَذِه القِصَّة شكل فضيحة كبرى تهلع لها نفوس وتضطرب لها قلوب، ويكثر فيها الحديث، وينشط لها الصحفيون، وتشغل الناس — أو تكاد تشغلهم — عن أمور أخرى كان لها خطرها، وكانت شغلًا للذين تعنيهم أمور الدولة من قريب أو بعيد.

    ولعلك تُوافقني على أنَّ حياتنا تجري على هذا النحو منذ نهضت الوزارة القائمة بأعباء الحُكم، لا يكاد يمضي أسبوعٌ حَتَّى تظهر فضيحة أو فضيحتان أو فضائح، يضطرب لها الناس، ويشغل بها الرأي العام. ثم تظهر فضيحة أو فضائح أخرى، حتى أصبح تفكيرنا السياسي أو كاد يُصبح موقوفًا على تعرف هذه الفضائح وفهمها، والتنبؤ بما تنتجه من جهة وبما سيظهر بعدها من جهة أخرى.

    وقُلْ مَا شِئْتَ، فقد فَرَغْنَا وَفَرَغَ النَّاس، وفرغ زُعَمَاء هذا العهد السعيد أنفسهم من الثقة بأنَّ هذه الفضائح المُتَّصلة أدلة صارخة على أن هذا العهدَ لَمْ يكن عهد خير، ولا ينتظر منه أن يكون عهد خير، ولا ينبغي لبلد له حظ من الحضارة ونصيبٌ من الكرامة يطمئن له أو يعتمد عليه في تحقيق ما يسمو إليه من الآمال، أو في تدبير ما يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِن المنافع والمرافق. ولكن الشيء الذي لم نفرغ منه ويظهر أننا لن نفرغ منه حتى نفرغ من هذا العهد السعيد نفسه، هو أنَّ الحق ليس هو الذي يُرَادُ فيما يظهر من كشف هذه الفضائح وإثارتها، وَإِنَّما هي هذه البواعث السياسية الخفية تضطرب من وراء ستار، وتتفاعل في الظلام؛ لأنَّ قومًا يُحاربون قومًا، ولأنَّ فريقًا يكيد لفريق، ولأنَّ نفرًا يغرى بنفر، ولأن جماعة تريد أن تنتقم من جماعة.

    وهذا هو الذي يُردد اسم صدقي باشا كلَّما ظهرت فضيحة، وهذا هو الذي يشعر الناس بأنَّ هذه الفضيحة إنما ظهرت لتمس صدقي باشا وأصحابه من قرب أو بُعد. وهذا هو الذي يجعل صدقي باشا حساسًا قوي الحس، نشيطًا شديد النشاط، شاعرًا دقيق الشعور، لا يُهاجم إلا رد الهجوم، ولا يشار إليه إلا رد على الإشارة بالتصريح، ولا يعرض به إلا لقي تعريضًا بتعريض.

    وصدقي باشا وخصومه من رجال السياسة الحاضرة عندنا سواء، فكلهم عندنا قوم ما كان ينبغي أن ينهضوا بأمور مصر، ولا أن يشرفوا على تصريفها، وكلهم عندنا قد جربتهم مصر فلمْ تجنِ من تجربتهم خيرًا، وإِنَّما جنت منها شرًّا ونكرًا. ولكن الذي نريد أن نلفت إليه الناس هو أنَّ صدقي باشا وخصومه لا يُريدون إلا أن يمضوا فيما بينهم من الخلاف، وألوان الكيد. فهم كما ترى يأتمر بعضهم ببعض ويحرض بعضهم على بعض، وتظهر سيئاتهم من ثنايا هذا التحريض وذلك الائتمار؛ فكيف لو وجدت وزارة لا تفكر في صدقي باشا، ولا في خصومه، وإنما تُفَكِّر في مصر وفي مصر وحدها، وتفكر في الحق وفي الحق وحده، وتفكر في الإصلاح وفي الإصلاح وحده؛ إذن، لرأيت العجب، وإذن، لشهدت من الفضائح والسيئات ما لا تذكر إلى جانبه هذه الفضائح والسيئات التي تملأ الجو المصري فسادًا ونكرًا في هذه الأيام.

    وهذا هو الذي يفسر هذا الموقف الغريب أو هذه المواقف الغريبة التي نَشْهَدُها الآن، فقصة استبدال المعاشات ليست مقصورة على هذين الموظفين اللذين أخرجا من الحكومة، فما بال الوزارة قد عُنيت بهما أول الأمر دون غيرهما؟ وما بال الوزارة لم تعنَ بغيرهما قبل أن تعنى بهما؟ وما بالُ الوزارة لم تُحِلْهُمَا على مجالس التأديب لعل التحقيق والمُحَاكَمة أن يظهرا من الأمر ما لا ينبغي أن يخفى؟ ثم ما بال مصادر الوحي تتبعهما بهذه الفصول القصار والطوال، وما فيها من تشهير وتشنيع، وما فيها من غمز ولمز، وتضطرهما إلى أن يلقيا فصولًا بفصول، وهجومًا بهجوم، وقد تضطرهما إلى أن يُذِيعَا ما نتمنى نحنُ أَنْ يُذيعاه، وما قد يكره قومٌ أَنْ يُذَاع.

    ألم يكن خيرًا من هذا كله أن تقف الوزارة منهما ومن غيرهما في هذه القصة المُخزية موقف الصراحة والحق والحزم وإيثار المصلحة؛ فتُحَاكِم كل من أُثِيرَتْ حوله الريب والشكوك؟!

    ثم ليستْ قِصَّة المعاشات واستبدالها كل شيء، فهناك قصة المقاولات التي تتصل بجبل الأولياء، ما بال الوزارة لم تحققها، ولم تظهر جلية الأمر فيها للناس؟ وقصة الكورنيش وقصة تطهير الأفنية وقصة الذين يلتوون بالضرائب، وقصة الذين أريدت مُحَابَاتُهم بأرض الدولة وليسوا من الموظفين، وقصة القطن، وقصة الوزير السابق الذي قذفه الوزير القائم، وكل هذه القصص التي لم يبقَ إلى إحصائها من سبيل، ما بال الوزارة لم تواجهها في صراحة وحزم، ولم تكشف لمصر عن وجه الحق فيها جليًّا واضحًا؟!

    على أنَّ لهذه السيئات والفضائح مَظْهَرًا آخر مُؤْلِمًا حَقًّا لا يمس أموال الدولة، ولا مَنَافِع الشَّعْب ومَرَافِقِهِ، وَإِنَّمَا يمس أخلاق هؤلاء الأبطال الذين اشتركوا أو يشتركون فيها.

    فأقل مما تدل عليه هذه القصص هي أنَّ جماعة من المصريين يُحِبُّون الكيد ويحرصون عليه؛ ويألفون السعاية ويكلفون بها، ويتفوقون في طائفة من الأخلاق يَجِبُ أَنْ يبرأ منها كرام الناس وأحرارهم؛ يطيعون هذا الوزير ما واتته الظروف واجتمعت له القوة، حتى إذا ضعف؛ مكروا به وكادوا له، حتى إذا هوى كانوا له أعداء وخصومًا، وكانوا به مؤتمرين وعليه مؤلبين، وكان خيرًا لَهُم وَلِأُمَّتِهم لو أنهم كانوا رجالًا حقًّا فأبوا طاعة الوزير السابق في مُخَالَفَة القانون، وأبوا طاعة الوزير القائم في مخالفة القانون، وقدروا أنهم خُدَّام لمصر لا للوزراء، وأَنَّهُم يؤجرون من مصر لا من الوزراء وأنهم مدينون بالوفاء والإخلاص والصدق في القول والعمل لمصر لا للوزراء، وأنَّ الذين يعملون في مناصب الدولة لا يؤجرون لا ليذعنوا اليوم، ويتمردوا غدًا، وليطيعوا اليوم، ويكيدوا غدًا؛ وإنما هم يؤجرون ليخدموا مصر مخلصين سواء أرضي الوزراء أم لم يرضوا.

    هذا الحوار الغريبُ الذي أُثِير في هذه الأيام بين صدقي باشا وأحد وكيليه في وزارة المالية يدل على حال خُلقية سيئة حقًّا، فهل من الحقِّ أنَّ هذا الوكيل قد شهد على صدقي باشا بأنه أمر بإتمام الصفقة؟ وإذن، فكيف وافق صدقي باشا على إتمام صفقة كان يرى فيها عبثًا بحقوق الدولة؟ وما باله لم يَعْصِ صدْقِي باشا، وما باله لم ينصح لأمته، ولم يحتمل ما ينبغي أن يحتمله الناصح لأمته من التضحية؟ أم هل لم يشهد هذا الوكيل ولم يقل ما نسب إليه؟! وإذن، فما باله لا يُكَذِّب الذين يقحمونه في هذا الأمر إِقْحَامًا ويَقُولون عليه غير الحق، ويُظهرونه للناس في هذا المظهر الغريب المُريب؟! وإذا كان قد شهد فهل من الحق أنَّ صدقي باشا لم يأمره؟ وإذن، فويل للأخلاق! أم هل من الحق أن صدقي باشا أمره؟ وإذن، فما له لا يَرُدُّ على صدقي باشا قوله، ولا يُبَيِّن للناس أنه لم يقل في شهادته إلا ما كان ضميره يأمره أن يقول؟! وتستطيع أن تذهب إلى جميع الوزارات والدواوين فسترى موظفين كثيرين منهم الكبار ومنهم الصغار؛ يُنَفِّذُون أَمْرَ رُؤسائهم فيما يخالف القانون، لا ينكرون ذلك ولا يحتجون عليه حتى إذا دارت الأيام وتغيرت الأحوال انقلبوا حربًا على هؤلاء الرؤساء.

    أرأيت إلى هذين الأمرين الخطيرين اللذين تدعو هذه القصص إلى التفكير فيهما، وهُمَا أَنَّ البواعث التي تثير هذه القصص وما فيها من الفضائح ليست هي مصالح مصر، وإنما هي الخصومات بين الأشخاص، وأنَّ الأخلاق قد فسدت في هذا العهد فسادًا قبيحًا حقًّا، حتى أَصْبَحَ من العَسِيرِ على الرَّجُل المُستقيم أنْ يَعْرِفَ كيف يطمئن أو يستريح ضميره إلى أكثر مما يعمل وما يقال في الدواوين؟!

    لقد فسد كل شيء واختلط كل شيء، وأصبح من المحنة لأي وزارة تأتي بعد هذا العهد أن تُحاول الإصلاح أو شيئًا يُشبه الإصلاح. ما أثقل الأوزار التي يحتملها ضمير صدقي باشا؛ فهو مصدر هذا كله! ولكن الغريب أن ضمير صدقي باشا يحتمل هذا كله في غير مشقة ولا عناء!

  • هدية …

    حديث المساء: هدية …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٥ مارس ١٩٣٤

    أهداها مجلس الوزراء إلى موظفين كبيرين، كان لهما على مرافق الدولة سلطان عظيم، والعيد من غير
    شك أشد الأيام ملاءمة لتقديم الهدايا إلى الناس، فويل للناس إذا لم يتبادلوا المعروف ويقدم
    بعضهم إلى بعض الخير في أيام الخير والبر والمعروف.

    ولعلك قد فهمت أن هذه الهدية إنما هي هدية العزل، وتحفة الإحالة على المعاش، التي طابت عنها
    نفس مجلس الوزراء أمس لمدير الأموال المقررة، ومدير مصلحة الأملاك السابق. وقد كان فريق من
    الناس يسيء الظن بالوزارة، ويقدر أنها بطيئة لا تحب الإسراع إلى الخير ولا التعجل في تقديمه إلى
    الناس، فزعموا أن مجلس الوزراء بدأ يدرس قصة استبدال المعاشات، وأنفق في درسها وقتًا طويلًا، ثم
    آثر أن يرجئ هذا الدرس إلى ما بعد العيد.

    وكان هؤلاء الناس يظنون أن مجلس الوزراء رأى في هذه القصة أهوالًا عظامًا، وأحداثًا جسامًا،
    ورأى أن الظروف التي تسبق العيد لا تلائم درس الأهوال والأحداث، ولا تلائم استخلاص النتائج التي
    تنتجها الأهوال والأحداث؛ فآثر الأناة والإرجاء، وفضل الانتظار والإبطاء، ولكن وزارتنا حريصة كل
    الحرص فيما يظهر على العمل بالحكمة القائلة: إن خير البِرِّ عاجله.

    والواقع أن هذه الحكم السائرة تتناقض فيما بينها تناقضًا شديدًا، وهي بهذا التناقض تدفع الناس
    إلى ضروب من الاختلاف والتناقض أيضًا، فإذا كان خير البر عاجله، فإن هناك حكمة أخرى تقول: إن في
    التأني سلامة، وحكمة ثالثة تقول: إن العجلة من الشيطان. واختلاف هذه الحكم يُمَكِّنُ المسئولين
    من أن يأتوا ما يشاءون من الأمر واجدين لكل عمل علة وتأويلًا، ولكنه يمكن العذال واللائمين من
    أن ينقدوا كل شيء، وينكروا كل شيء، ويتحككوا بكل شيء، فإذا أسرع مجلس الوزراء بتقديم هذه الهدية
    القيمة إلى هذين الموظفين الكبيرين عملًا بأن خير البر عاجله، لامه اللائمون وعتب عليه العاتبون
    عملًا بأن العجلة من الشيطان، وبأن في التأني سلامة يَحسُن أن تُبتغَى، وفي العجلة ندامة يَحسُن
    أن تُتَّقى.

    ومهما يكن من شيء، فقد آثر مجلس الوزراء تعجيل الخير، وأهدى إلى هذين الموظفين في أيام العيد
    هذه التحفة النفيسة، والناس يقولون: إن مجلس الوزراء لم يسرع ولم يتعجل، وإنما تأنَّى فأسرف في
    الأناة، وأجَّل فأطال في التأجيل، فقصة استبدال المعاشات لم تنشأ أمس، ولا أول من أمس، ولم
    تُثَرْ منذ أسبوع أو منذ أسبوعين، وإنما نشأت منذ عهد بعيد، وأُثِيْرَتْ منذ زمن طويل، والتمست
    الوزارة لإصلاحها فنونًا من الحل، واتخذت لعلاجها ضروبًا من الحيل؛ فمنحت مدير الأملاك السابق
    أجازة لم يطلبها، ومنحت مدير الأموال المقررة أجازة طلبها، ثم أقصت مدير الأملاك السابق عن
    مصلحة الأملاك. ولعلها كانت تريد أن تُقْصِي مدير الأموال المقررة عن الأموال المقررة بعد أن
    تنتهي إجازته الطويلة أو القصيرة.

    ولكن لكل شيء أمدًا، ولكل أجل كتابًا، وقد أذن الله لمجلس الوزراء أن يدرس هذه القصة إلى
    منتصف الليل يوم الخميس، ثم إلى منتصف الليل يوم السبت، وأن يتخذ فيها ما اتخذ من القرارات،
    وكان هناك استجواب يُهيَّأ لمجلس النواب، هيأه ثلاثون أو دون الثلاثين، فلما كان الصباح ذات يوم
    نقص المستجوبون ستة، ولما كان المساء نقص المستجوبون ستين. ومن يدري؟ لعل مجلس الوزراء بعد أن
    اتخذ ما اتخذ من القرار، وأهدى ما أهدى من التحف أن يُلهِم بعمله هذا بقية المستجوبين فيلغوا
    الاستجواب، ويريحوا النواب من هذا العذاب.

    ولكن أحاديث الناس على كل حال لا تنقضي، ومطامع الناس لا تقف عند حد، وحاجات الناس لا سبيل
    إلى إرضائها. وهل تظن أن قرار مجلس الوزراء على ما فيه من كرم وجود، وعلى ما فيه من ملائمة
    للذوق والرفق ووضع الأمور في مواضعها؟ هل تظن أن هذا القرار قد أرضى الناس، أو كفهم عن الحديث،
    أو صرفهم عن الخوض فيما لا شأن لهم به، ولا حق لهم فيه؟ أنت إذن لا تعرف المصريين، ولا تقدر
    إسرافهم وإلحاحهم في التجني، وحبهم في اللوم والنقد؛ لا لشيء إلا لأنهم يحبون اللوم
    والنقد.

    فهم يتساءلون لماذا أحالت الوزارة هذين الموظفين على المعاش، وعزلتهما من منصبيهما في أيام لا
    يحسن فيها العزل والإقصاء، ألأنَّهما أحسنا؟ فما هكذا يكافأ الإحسان، أم لأنهما أساءا، فإن
    الإحالة على المعاش ليست بالجزاء الذي يلقاه من أساء، وإنما الذين يسيئون إلى الدولة ويصرفون
    أمورها في غير الحق، وعلى غير الصواب؛ يلقون أنواعًا أخرى من الجزاء، لهم شُرع التأديب ومجالسه،
    ولهم شرع القضاء ومحاكمه، وما الفرق بين من يسيء إلى الدولة فيُعْزَل ليس غير، ومَنْ يغضب عليه
    وزير أو وزراء من غير إساءة، أو شيء يشبه الإساءة؛ فيعزل ليس غير.

    وإذا كان الموظفون يستطيعون أن يخطئوا أو أن يسيئوا عن عمد، وأن يضروا الناس أو أن ينفعوا
    أنفسهم بغير حق، ثم لا يلقون جزاء على ذلك إلا الفصل أو النقل، فما الذي يمنعهم من أن يغلوا في
    الإساءة، ويحتاطوا لمثل هذا اليوم الذي يقرر مجلس الوزراء إحالتهم على المعاش؟ وهب موظفًا
    صغيرًا لا يزيد مرتبه على عشرة جنيهات أساء إلى الدولة، أو أسرف في أموالها، أو انتفع من منصبه
    بغير حق ولا مراعاة للقانون؛ أفيكتفي وزيره بإحالته على المعاش، أم يبدأ بإحالته على مجلس
    التأديب، فإن كان الحكم صارمًا رضي، وإن لم يكن صارمًا رفعه إلى المجلس المخصوص؟ ولعله أن يأمر
    فتُتَّخَذ معه إجراءات أخرى قضائية لا يستطيع أن يتخذها مجلس التأديب أو المجلس المخصوص.

    أهناك فرق بين كبار الموظفين وصغارهم: هؤلاء يخطئون أو يسيئون فيصيبهم الفصل، ويحل بهم العقاب
    الصارم، وأولئك يخطئون أو يسيئون فيُكتفى بإحالتهم على المعاش؟ والمصريون لا يتحدثون بهذا
    الحديث إلا لأنهم يريدون أن يفهموا، فهم يأبون أن يُصدِّقوا أن هذين الموظفين الكبيرين قد
    فُصِلَا أمس عفوًا أو تحكُّمًا أو لغير ذنب. هم يأبون أن يصدقوا هذا لكثرة ما قيل وما أُثير،
    وللقرارات الأخرى التي اتخذها مجلس الوزراء؛ فهو يكلف لجنة التحقيق أن تمضي في تحقيق مسائل
    أخرى، وهو يقف استبدال المعاشات حتى يُقَدِّمَ قانونًا بإلغاء هذا الاستبدال، وهو لا يأتي هذا
    كله إلا لأن هناك مخالفات خطيرة، كما قالت الصحف، دعته إلى أن يقف هذا الموقف الصارم بعد أن
    طالت أناته، وإلى أن يقف هذا الموقف في أيام يحسن فيها الرفق واللين.

    وإذن فقد يريد المصريون أن يعلموا أكان موقف مجلس الوزراء هذا أشد ما ينبغي أن تقفه الوزارة
    الحازمة الصارمة، التي لا تقصر في رعاية مصالح الدولة وحمايتها من العبث والفساد، أم هو موقف
    روعيت فيه الرحمة والرفق وحرمة العيد، وإذن فما بال الرحمة والرفق وحرمة العيد لا تُرَاعَى مع
    خزانة الدولة، وأموال الشعب التي يقال: إنها لقيت من الشطط في استبدال المعاشات شيئًا غير قليل،
    أحفَظَ مجلس الوزراء فدفعه إلى ما اتخذ من قرار؟

    والمصريون طوال الألسنة، مسرفون في اللوم، فهم يقولون: ولِمَ خَصَّ مجلس الوزراء بهديته هذه
    هذين الموظفين، وأكبر الظن أن في دواوين الحكومة موظفين آخرين ليسوا أقل منهما استحقاقًا لهذا
    النوع من هدايا العيد؟ ولكنا نتعب كثيرًا إذا أردنا أن نرضي المصريين، ونحقق ما يطمعون فيه
    ويطمحون إليه من إقامة الحكم على العدل والمساواة والإنصاف.

    فلندع المصريين إذن وما يلهجون به، ولندعهم وما يخوضون فيه، ولنقبل من الوزارة كل ما تأتي،
    ولنقبل منها كل ما تقول؛ فإن من المحقق أن وزارتنا معصومة بطبعها، نزيهة بطبعها، عادلة بطبعها،
    مصيبة بطبعها أيضًا، لا تأتي إلا الخير، ولا تقول إلا الحق، ولا تفكر في غير الصواب. وإذن
    فحسبنا ما تتفضل به علينا مما تراه عدلًا وإنصافًا، فأما ما نراه نحن عدلًا وإنصافًا فلننتظره؛
    فقد تسمح لنا الأيام بتحقيقه في وقت قريب أو بعيد.

  • سوس …

    حديث المساء: سوس …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٢ مارس ١٩٣٤

    ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.

    ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.

    وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.

    لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!

    وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!

    وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!

    ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء — ولم يكن حينئذ رئيس وزراء — بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!

    لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.

    صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.

    أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء.

  • لقاء

    حديث المساء: لقاء

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ مارس ١٩٣٤

    لقاء تعارف من غير شك هذا الذي بدأ منذ أيام بين المندوب السامي والوزراء، وأخص ما يمتاز به أنه يسيرٌ ساذَج، لم يُحْدِثْ أزمة، ولا شيئًا يشبه الأزمة، رُوعِيَتْ فيه التقاليد من الألف إلى الياء. بدأ الوزراء فتركوا بطاقتهم في قصر الدوبارة، وكلَّف المندوب السامي بعد ذلك من رجال داره مَن ترك بطاقته للوزراء. ثم كانت المصادفة، فلقي المندوب السامي وزراءنا في حفلة من الحفلات فقُدِّمَ إليهم — نستغفر الله — بل قُدِّمُوا إليه، ثم ظهر أنَّ هذا القدر يكفي لتحقيق الصلة بين المندوب السامي وأعضاء الوزارة، وأنَّ من الممكن أن تكون الخطوة الثانية، فيُدعى الوزراء واحدًا إثر واحد إلى لقاء المندوب السامي. حتى إذا لَقِيَهُ أحدُهم كان الحديث بطبيعة الحال في الجو والمطر أول الأمر، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من هذا الموضوع العام إلى موضوعات خاصة من بعض الوجوه، ثم إلى موضوعات خاصة من كل الوجوه، ثم ينظر المتحدثان، فإذا هما يخوضان في صميم الموضوع الذي يَحسُن فيه الحديث.

    وكان وزير المالية بالنسبة للتنظيم — فيما يظهر وفيما يُقال — أول من دُعِيَ إلى دار المندوب السامي من الوزراء، وقد تحدَّثت الصحف بأنه لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، وحديث الجو والمطر مهما يطُل فهو قصير. فأكبر الظن أنَّ المتحادِثَيْن دُفِعَا إلى المسائل الجِسام فتحدثَا فيها أحاديث جسامًا، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان يريد قبل أن يَلِيَ الحُكم أن يقلب أمور الاقتصاد رأسًا على عقب. وأن يُحدِث في وزارة المالية ثورة لم يسبقه إليها أحد من وزراء المال، ولكنه لم يكَد يستقر في الوزارة حتى تَبَيَّنَ أنَّ الاعتدال خيرٌ من الجموح، وأنَّ التطوُّر خير من الثورة، وأن ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان مصمِّمًا حين تولَّى الحكم على أن يقِف من الدول الدائنة لمصر موقف الحزم والعزم؛ فلا يفاوضها لأن المفاوضة ضعف، ولا يقاضيها لأن الأمر ليس من اختصاص القضاء، وإنما يدفع إليها دَيْنَها وفوائده ورقًا، فإن رضيت فذاك، وإن غضبت فأمرها يسير. وإنه أعلن ذلك في الصحف وتحدث به إلى الناس، ثم ظهر له ولزملائه الوزراء أنَّ الصلح خير، وأنَّ المفاوضة لا بأس بها، وأنَّ المقاضاة قد تُفيد. فسار سيرة صدقي باشا، وفاوض أو انتظر المفاوضة من ناحية، وقاضى أو انتظر حكم القضاء من ناحية أخرى، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أمورًا كثيرة، منها ما يمَس الدَّيْن العقاري، ومنها ما يمَس مصلحة الأملاك، ومنها ما يمَس هؤلاء الموظفين الذين لم يكونوا يعلمون أنَّ على رأسهم وزيرًا، حتى أُنبِئوا بذلك فعلموه. ولعل المندوب السامي أن يكون قد عرَف من وزير المالية أن له في مجلس النواب مواقف أقل ما تُوصَف به أنها مواقف الأبطال وعظماء الرجال، وأنها تكشف عن نظريات جديدة في الفقه الدُّستوري، يعجز عن فهمها وزير الحربية، فيسميها تورُّطًا في الكلام. ومن المرجح — إن لم يكن من المُحقَّق — أنَّ وزير المالية قد انصرف من عند المندوب السامي مغتبطًا بما سمع، مبتهجًا لما قال، متسائلًا في أعماق نفسه: ماذا عسى أن يكون رأي المندوب السامي بالضبط فيما جرى بينهما من حديث؟!

    وإذا أقبل مساء اليوم كان بين المندوب السامي وبعض الوزراء المصريين لقاءٌ آخر ليس أقل خطرًا، ولا أيسر أمرًا، ولا أهون شأنًا من ذلك اللقاء الذي كان منذ يوم أو يومين. فالضيف الذي سيشرف قصر الدوبارة بزيارته، وسيتشرف بزيارة قصر الدوبارة مساء اليوم — فيما تقول الصحف — هو وزير التقاليد. وحسبك بهذا العنوان دليلًا على أنَّ هذا اللقاء خليق أن يكون من أعظم حوادث التاريخ؛ فقد كان المصريون يختلفون منذ أسابيع في الوزيرين الخطيرين، وزير المالية ووزير التقاليد: أيهما أعظم شأنًا وأَجَلُّ خطرًا، وأعظم من القوة حظًّا، وأبعد في حياة الناس أثرًا، ثم اتَّفق المصريون على أنَّ التفوق لوزير التقاليد لا لوزير المال والاقتصاد.

    فوزير التقاليد ينتمي إلى حزب، أو يشرف على حزب، ووزير المال لا حزب له، ووزير التقاليد يبلغ من وزارة المالية ما يريد باللين مرة، وبالعنف مرة أخرى، يؤجر للمجمع اللغوي داره في الجيزة وإنْ كره وزير المالية، ويحتفظ بدرجة الوكيل المساعد في ميزانية وزارته وإنْ مانع وزير المالية، ولوزير التقاليد أثر عميق في حياة الناس من جميع أنحائها، حتى من نواحيها الاقتصادية، فهو يهز الأسر المصريَّة كلها هزًّا، مرات في العام بنفقات التعليم التي يطلبها إليهم ويتقاضاها منهم عنيفًا حينًا، ورفيقًا حينًا آخر، وهو يفرض العمة ويحرم الطربوش على جيل من الناس، فيؤثر بذلك في حياتهم العقليَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة أيضًا، ثم هو قائد الشباب يتصرف فيهم كما يحب ويرضى، وهو لا يحب إلَّا الخير، ولا يرضى إلَّا المعروف، وهو من هذه الناحية خليق أنْ يكون أثر الوزراء عند المندوب السامي وأقاربهم إليه، ذلك أنه يسيطر على أمور الشباب، ومن يسيطر على أمور الشباب، فهو رجل عظيم المكانة في حياة مصر السياسيَّة والعلميَّة والأدبيَّة من كل وجه، وهذا النحو من الحياة يعني الإنجليز عناية خاصَّة، فقد كان الشباب — فيما مضى — غلاة مسرفين، يعنون بالأمور السياسيَّة، ويسرفون في عنايتهم بها، وينغصون على الحكومة المصريَّة وعلى الإنجليز حياتهم تنغيصًا، فإذا استطاع وزير أنْ يردهم عن هذا الغلو، ويكلفهم عن هذا الإسراف، ويأخذهم بالاعتدال والتواضع والاقتصاد في المثل الوطنية العليا، فهو حرى أنْ يرضي الإنجليز، وأنْ يظفر من المندوب السامي بحديث ممتع كله تأييد وتشجيع.

    ولست أخفي أني أرجو أن يقرأ وزير التقاليد هذا الفصل قبل أن يبلغ دار المندوب السامي مساء اليوم؛ فقد يكون في قراءته قبل اللقاء شيء من النفع، ولعلَّ من الأشياء التي يحسن لوزير التقاليد أن يجتهد في توجيه الحديث إليها أمر الحياة الجامعية؛ فإن للوزير فيها بلاءً حسنًا، لا ينبغي أن يخفى على أحد، ولا ينبغي أن يخفى على المندوب السامي الجديد بوجه خاص؛ فقد كانت الجامعة في أيام الفوضى حين كان المعارضون يتولَّوْن الحكم بيئة خطرة حقًّا، كان اللاتينيون فيها كثيرين، وكان فيها ممثلون للألمان أيضًا، وكانت الثقافة اللاتينية ظاهرة في كلية الآداب، وكان الإنجليز يَضِيقون بذلك ويشكون منه، وكانت الحرية تُفهم في هذه الجامعة فهمًا واسعًا خاطئًا خطرًا، فتحسن الصلات بين الأساتذة والطلاب، بل يشترك أولئك وهؤلاء في أعمال الجِد والراحة، كأنهم متساوون. وكانت الجامعة تسرع في هذه الحرية إسراعًا مخيفًا، كاد يشرف بها على الفوضى، فلما جاء وزير التقاليد عرَف كيف يرد الأمر إلى نصابه، فيقصي عن الجامعة عناصر الفوضى، ويؤيد فيها عناصر النظام، ويرد الجامعة إلى شيء من التواضع الذي يلائم مكانة المصريين، وما ينبغي أن يكون لهم من المطامع المعتدلة، ويضع للجامعة قوانين صارمة حازمة، تُعَلِّم الجامعيين كيف يُكبِرون السلطة، ويذعنون لأمرها، وينفذون ما تريد، وأخذ العنصر الإنجليزي يقوى، وأخذ العنصر الأوروبي يضعُف، حتى أصبح من المنتظر أن تكون الجامعة — إن شاء الله — صورة حسنة لبعض هذه الجامعات الراقية الممتازة في أجزاء الإمبراطورية البريطانية غير بريطانيا العظمى بالطبع، ثم لعل أحسن ما ينبغي أن يكون فيه الحديث بين المندوب السامي ووزير التقاليد، هذا النظام الجديد الذي وُضِعَ لاتحاد الجامعة فقيَّد أرجل الطلاب، وغَلَّ أيديهم وأعناقهم، وخرم أنوفهم وآذانهم، وعلمهم كيف تكون الحرية الناعمة والرجولة المنتجة، التي لا تقوم إلَّا على الطاعة والإذعان والخضوع لأمر الرؤساء والمشرفين، فإذا استطاع الوزير أن يحدث المندوب السامي بأن الذي دعاه إلى إحداث هذا النظام الجديد هو أنَّ طلاب الجامعة رأَوْا فريقًا منه يشتغلون بالسياسة في شيء يقال له مشروع القرش فقاوموهم، وأنكرت الوزارة عليهم هذه المقاومة، فعاقبتهم بهذا النظام. إذا استطاع وزير التقاليد أن ينبئ المندوب السامي بهذا الحديث، كان قد انتهى إلى أقصى ما يطمع فيه الوزراء من التوفيق. وإذا كان وزير المالية قد لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيلبث عنده وقتًا أطول، وإذا كان وزير المالية قد خرج راضيًا عمَّا سمع وما قال، متسائلًا عن رأي المندوب السامي فيما كان بينهما من حديث، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيخرج وهو أشد اغتباطًا وأعظم ابتهاجًا بما قال أولًا، وبما سمع ثانيًا، وسيعود إلى أصحابه راضيًا كل الرضى، واثقًا كل الثقة بأن الحديث بينه وبين المندوب السامي الجديد كان دليلًا قاطعًا ساطعًا على أنه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعلى أنَّ الذين ينتظرون تغييرًا في السياسة المصريَّة الإنجليزيَّة قوم يحلُمون، إلَّا أن يحدث تغيير يسير يجعل رياسة الوزراء إلى وزير التقاليد.