بين بين …
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٦ يناير ١٩٤٦
كان العالم خائفًا أشدَّ الخوف حين أخفق اجتماع لندرة في الخريف، ثم أمن العالم بعض الأمن حين نجح اجتماع موسكو في أول الشتاء، ثم عاد العالم إلى قلقه أو عاد القلق إلى العالم، ولمَّا يمضِ على اجتماع موسكو إلا أيام.
ومعنى هذا كله أن العالم مضطرب بين الخوف والأمن، وبين اليأس والرجاء، وأن هذا الاضطراب طبيعة مقومة للحياة الدولية، بل للحياة الإنسانية كلها؛ حتى تستقر الأمور في يوم من الأيام، إن قُدِّر للأمور أن تستقر بعد هذه الحرب الهائلة.
وليس كثيرًا أن يظل العالم قلقًا مضطربًا عامًا أو عامين بعد حرب منكرة اتصلت ستة أعوام. وأظن أن العالم يستطيع أن يحمد الله على السلامة إن ظفر باستقرار الأمور فيه بعد عام أو عامين من انقضاء هذه الحرب الثانية التي زلزلت حياة الناس كلهم زلزالًا شديدًا في السياسة والاقتصاد والنظم الاجتماعية، بل في تقديرهم للأشياء وحكمهم عليها.
وليس المهم هو أن نعرف أن الوقت الذي سينفقه العالم في هذا الاضطراب سيكون طويلًا أو قصيرًا، وإنما المهم هو أن نتبيَّن الأسباب والعلل التي تدعو إلى هذا الاضطراب، وأن نتثبت بعد ذلك — إن أمكن التثبت من شيء في هذه الحياة — من أن العالم لن يُدفع إلى حرب ثالثة قبل أن يُتاح له من الراحة حظٌّ معقول.
وقد كان معروفًا أن أهم الأسباب الظاهرة لإخفاق وزراء الخارجية حين اجتمعوا في لندرة حرص الروسيين على الاستمساك بقرارات القرم وبوتسدام، وهي التي تقضي بأن يستأثر المنتصرون بكل شيء، وأن تكون فرنسا والصين في المنزلة الثانية بعد هؤلاء المنتصرين، تشاركان في بعض الأمر، وتردَّان عن بعضه الآخر، وأن ترتب الدول بعد ذلك درجات ومنازل بعضها فوق بعض.
وقد حاول البريطانيون والأمريكيون أن يشركوا فرنسا والصين في ظواهر الأمر كله؛ ليستعينوا بهما على التخفيف من حدة النفوذ الروسي العظيم، ولكنهم لم يظفروا من ذلك بشيء؛ فتفرق المؤتمرون دون أن يصنعوا شيئًا، وجعل بعضهم يكيد لبعض جهرة حينًا وخفية أحيانًا أخرى. ثم تبيَّن لهم أن الأمور لا تستطيع أن تمضي، ولا أن تستقيم على هذا النحو من الخلاف والكيد، فاضطروا إلى أن يستأنفوا الاجتماع في موسكو دون أن تشهد فرنسا والصين هذا الاجتماع. لعلهم أن يصلوا — حين يخلو بعضهم إلى بعض — إلى اتفاق كامل أو منقوص. وقد اجتمعوا، وتناقشوا، واتفقوا كما قال رئيس وزرائنا، ولكن على بعض الأمر دون بعضه الآخر.
وقد كان بسمارك فيما يُقال يشبِّه الدولة العثمانية بالخرشوف الذي لا يُؤكَل مرة واحدة، وإنما يُؤكَل ورقة ورقة. فقد يظهر أن المنتصرين قد عادوا إلى مذهب بسمارك، فشبَّهوا موضوع الخلاف بينهم بالخرشوف، وجعلوا يأكلونه ورقة ورقة، أو يحلونه شيئًا فشيئًا.
وليس من شك في أنهم — أثناء اجتماعهم في موسكو — قد أكلوا من هذا الخرشوف بعض أوراقه، وحلوا من أمورهم المعقدة بعض مشكلاتها؛ فتفاءلوا وابتهجوا، وشاركهم العالم في التفاؤل والابتهاج.
ومن المفيد أن تعرف أوراق الخرشوف التي أكلوها، وتتبين المشكلات التي حلُّوها أو أوشكوا أن يحلوها.
فالمشكلة الأولى بين هذه المشكلات هي المحافظة على قرارات القرم وبوتسدام، وقد حُلَّت هذه المشكلة أو كادت تُحَلُّ على نحو رائع حقًّا، انتصر فيه الروسيون انتصارًا شاملًا؛ فأُبْعِدَتِ الصين عن المشاركة في أمور أوروبا كلها، وأُبْعِدَتْ فرنسا عن المشاركة في شئون البلقان. وقد رضيت الصين بما قُسِمَ لها، وتردَّدَتْ فرنسا بين الرضا والسخط، ولكنها ستضطر آخر الأمر إلى أن ترضى، فقد ينبغي أن تملك من القوة والبأس ما يمكنها من تأييد سخطها بقوة السلاح، وما زال بينها وبين ذلك أمدٌ بعيدٌ.
وكذلك خلصت أوروبا للأوروبيين، وخلصت فنلندا للروسيين والبريطانيين من دون الأمريكيين، وخلصت بلاد البلقان للدول الثلاث الكبرى من دون فرنسا، وخلصت إيطاليا وألمانيا والنمسا للدول الثلاث الكبرى ومعها فرنسا.
وليس هذا بالشيء القليل، فقد ينبغي أن يدبر المنتصرون أمورهم في عقر دارهم كما يُقال، قبل أن يدبروها من وراء البحار. وليس قليلًا أن يتفق المنتصرون اتفاقًا ما على شئون أوروبا بعد أن كانوا لا يتفقون على شيء، فاجتماع موسكو قد أتاح لهم أن يخطوا خطوة قصيرة، ولكنها خطوة في سبيل الوفاق.
وهناك مشكلة ثانية أُتِيحَ لهم أن يحلوها أو يوفقوا إلى محاولة لها، وهي مشكلة اعتراف البريطانيين والأمريكيين بحكومات البلقان. فقد كانت هذه الحكومات خاضعة للنفوذ الروسي المطلق، وكان الحلفاء الغربيون يأبون الاعتراف بها؛ لأنها تخضع للنظام الشيوعي أكثر مما ينبغي. فقد أُتيح لهم الآن أن يجدوا مخرجًا من هذا الحرج، فقبل الروسيون أن تُمثَّل الأحزاب الديمقراطية المعتدلة في هذه الحكومات تمثيلًا ما وإن كان ضئيلًا كل الضآلة، وقبل الحلفاء الغربيون أن يعترفوا بهذه الحكومات بعد أن يتحقق هذا التمثيل، ثم أخذوا يعاونون روسيا بالفعل على تحقيقه.
وقد يجد المنتصرون هنا أو هناك عقبة تنغص عليهم هذا الاتفاق، فقد تستعصي فرنسا مثلًا، ولكنها ستلين آخر الأمر … وقد تستعصي الشعوب البلقانية الجامحة، ولكن الروسيين سيقنعونها بالمرونة إلى أن تستقر الأمور. وهناك مشكلة أخرى لم يجهر الحلفاء بأنهم قد حلوها، أو بأنهم يوشكون أن يحلوها، ولكن كل شيء يدل على أنهم يسعون في سبيل هذا الحل.
فهذه الدولة الفاشية التي تقوم في الطرف الغربي لأوروبا — على حين أن الدكتاتورية قد انهارت في كل مكان — لا ينبغي أن تُترَك متحدية للديمقراطية المنتصرة. والناس يعلمون أن ليست هناك صلات سياسية بين روسيا وإسبانيا، وأن الصلات السياسية قائمة بين الحلفاء الغربيين وحكومة الجنرال فرانكو، فلا بدَّ أن يزول التناقض بين المنتصرين.
وضرورات الحرب هي التي قضت على الحلفاء الغربيين بمصانعة الجنرال فرانكو ما دام محتفظًا بالحياد، وإن كان هذا الحياد مريبًا. فأمَّا وقد انقضت الحرب، وانتهت مناوراتها، وسيطرت الديمقراطية في كل مكان؛ فلا ينبغي أن يستمر هذا التحدي، ولا أقل من أن يقطع المنتصرون جميعًا علاقاتهم مع الجنرال فرانكو؛ لتضطر إسبانيا إلى أن تحيي النظام الديمقراطي في أرضها.
وبذلك تُنسَّق السياسة الأوروبية، وتتقارب فيها وجهات النظر، وتستطيع أوروبا المتضامنة على نحو ما أن تواجه المشكلات العالمية الأخرى، يقودها المنتصرون العظام إلى قهر المستضعفين الصغار. فالمنتصرون العظام كما ترى لم يتفقوا كل الاتفاق، ولم يختلفوا كل الاختلاف، ولكنهم بين بين!
وأوروبا — كما ترى — ليست آمنة كل الأمن، ولا خائفة كل الخوف … ليست يائسة كل اليأس، ولا آملة كل الأمل، ولكنها بين بين.
وقد استطاع المنتصرون العظام أن يحلوا مشكلات أخرى خارج أوروبا؛ لأن حلها كان شيئًا لا بد منه، وهم لم يحلوها حلًّا تامًّا، ولم يتركوها على ما كانت عليه من التعقيد، وإنما وصلوا إلى شيء بين بين. فقد أعادوا تنظيم الإشراف على اليابان بطريقة لا ترضي الروسيين كل الرضا، ولا تغضب الأمريكيين كل الغضب، ولكنها طريقة بين بين … تزيد من نفوذ الروسيين، وتحتفظ للجنرال ماك أرثر بسلطانه كاملًا.
وكادوا يوفقون بين المصالح الروسية والمصالح الأمريكية في الصين إلى أجل مسمى. وليس المهم هو أن تُحَلَّ المشكلات حلًّا حاسمًا، وإنما المهم هو أن يُؤخَذ في حلِّها، وأن يصل الحلفاء إلى موقف بين بين.
وهم قد وصلوا إلى اتفاق بشأن كوريا يجعلها مستقلة تشبه المستعمرة، ومستعمرة تشبه الدول المستقلة، ليست خالصة لنفسها من دون الناس، ولا خالصة لدولة أخرى من سائر المنتصرين، وإنما هي شيءٌ بين ذلك إلى أجل مسمى معلوم.
فإذا ابتهج وزير الخارجية الأمريكية، ورضي وزير الخارجية البريطانية، واستبشر وزير الخارجية الروسية؛ فمن حقِّهم جميعًا أن يبتهجوا، ويرضوا، ويستبشروا؛ لأنهم قد خرجوا من موقف الجمود والهمود الذي اضطروا إليه في الخريف إلى شيءٍ من الحركة والنشاط، قد دُفِعُوا إليه في الشتاء.
ولكن لم يكد وزير الخارجية الأمريكية يصل إلى واشنجطون، حتى تعرض لنقدٍ شديدٍ جدًّا. ولم يكن حظ زميله البريطاني خيرًا من حظه، فالرأي العام ساخط في أمريكا قلق في بريطانيا العظمى. وهذا أيضًا شيءٌ طبيعيٌّ لا غرابة فيه، فقد انتصرت روسيا في اجتماع موسكو إلى حد بعيد، وطبيعي أن يضيق بذلك المحافظون والمعتدلون في أمريكا وبريطانيا العظمى.
على أن اجتماع موسكو لم يستطع أن يحل مشكلتين أخريين حلًّا تامًّا أو مقاربًا، وهما مشكلتا إيران وتركيا. وفي إيران منابع البترول، وفي تركيا مفتاح البحر الأبيض المتوسط الشرقي، فلا غرابة في أن يتشاءم المحافظون والمعتدلون في أمريكا وفي غرب أوروبا. فأمَّا الإيرانيون والترك أنفسهم فأمرهم أهون من أن يُؤبَه له، وأيسر من أن يُلتفَت إليه … قد يضيق الإيرانيون بهذه المشكلات التي تأتيهم من تنافس المنتصرين حول وطنهم الذي يعيشون فيه، وثرائهم الذي يعيشون منه، ولكن هذا ليس شيئًا ذا خطر، فرضا الإيرانيين وسخطهم سواء، وإنما المهم هو أن يتفق المنتصرون على شئون إيران وإن لم تتفق معهم إيران على شئونها.
وكذلك الترك، قد يغضبون وقد يرضون، وقد يظهرون استعدادهم للحرب أو للسلم، ولكن المهم هو أن يتفق المنتصرون فيما بينهم.
ومن أجل هذا ظهرت في الجو العالمي فكرتان قيمتان كل القيمة؛ إحداهما: فكرة اللجنة الثلاثية التي تذهب إلى إيران لتحقق ثم تشير، لا على الإيرانيين بل على المنتصرين.
وقد أراد المستر بيفن أن يكون رفيقًا رشيقًا، وأن يفاوض حكومة إيران في إرسال هذه اللجنة إلى بلادها، ولكن يُقال إن الرفيق مولوتوف أبى حتى هذا الرفق، ولم يرضَ إلَّا أن يكون صريحًا. فشئون إيران تهم المنتصرين أكثر مما تهم الإيرانيين أنفسهم!
الفكرة الثانية: هي التي أخذت تظهر في اللحظات الأخيرة، وهي أن المفاوضات قد تحل الخلاف بين الروسيين والترك، وفي المفاوضات أخذ وعطاء، وواضح أن الروسيين لن يعطوا شيئًا، وأنهم لن يرضوا إلَّا إذا أخذوا شيئًا.
ومن الطبيعي أن هذه الفكرة إنما جاءت من المنتصرين، فمن يدري؟! لعل البريطانيين والأمريكيين أن يكونوا واسطة خير بين الترك والروس، فإنْ قَبِلَ الترك مشورتهم رَضِيَتْ روسيا، وقنعت تركيا بما كُتِبَ لها وبما كُتِبَ عليها، وإن رفض الترك هذه المشورة خُلِّيَ بينها وبين الرُّوس لتجرب حظها، ونتيجة التجربة معروفة لا شك فيها.
وقد تسأل عن شئون الشرق العربي، ما خطبها في كل هذه الأحاديث التي أُثِيرَتْ في موسكو، وما زالت تُثار في العواصم الكبرى الثلاث؟ والجواب عن هذا السؤال يسير جدًّا؛ فالشرق العربي آخر شيء يُفكَّر فيه، وإن كان المنتصرون لم ينسوه، ولا يمكن أن ينسوه؛ لأن فيه مصالح ومرافق ليس إلى نسيانها من سبيل.
Tag: Al-lied Powers
-
بين بين …
-
الخطوة الأخيرة
الخطوة الأخيرة
طه حسين
جريدة البلاغ
١١ يناير ١٩٤٥
لم يستطع هذا العنف الهائل الذي انتهت إليه الحرب في غرب أوروبا ووسطها أثناء هذه الأسابيع، أن يصرف المتتبعين لشئون السياسة عن التفكير المتصل المُلِحِّ في المشكلات التي نشأت وما تزال تنشأ عن تحرير البلاد الأوروبية المحررة؛ لأن هذه المشكلات ليست أوهامًا يُشغَل بها الذهن، فيمكن أن يُصرَف عنها حين تعرض الحوادث وتلم الخطوب، وليست فروضًا يجد العقل في تصورها والتماس المخرج منها شيئًا من هذه اللذة العقلية التي يعمد إليها المفكرون في أوقات الفراغ، وإنما هي حقائق ماثلة تعلن نفسها إلى الناس، وتفرض نفسها عليهم، وتخيرهم بين أن يواجهوها مخلصين ليجدوا لها الحلول الملائمة وبين أن يدوروا حولها يلتمسون لها الحلول المعوجة، فلا ينتج ذلك إلَّا ازدياد القلق واشتداد الخوف وارتباك الأمور.
وقد أشرت في الأسبوع الماضي إلى هذا الاجتماع الذي يُهيَّأ له بين المستر روزفلت والمستر تشرشل والماريشال ستالين، وإلى أن هذا الاجتماع سيواجه المشكلات الخطيرة التي تشغل أوروبا في هذه الأيام، وتختلف فيها الآراء اختلافًا شديدًا، فقد ظهر في هذا الأسبوع نوع من التفكير في أن يصبح هذا الاجتماع رباعيًّا لا ثلاثيًّا، وأن تُمثَّل فيه فرنسا ما دامت قد استردَّتْ مكانتها الممتازة بين الدول الكبرى، وما دامت هذه الدول الكبرى نفسها قد اعترفت لها بهذه المكانة، وما دامت فرنسا قد أمضت موثق الأمم المتحدة في أول هذا العام.
والظاهر أن هذه الفكرة كانت مستقرة في نفس الفرنسيين، يطمحون إليها ويصرون عليها، ولكنهم ينتظرون الفرصة الملائمة لإعلانها والمطالبة بها.
وقد سنحت هذه الفرصة أخيرًا بإمضاء فرنسا موثق الأمم المتحدة أولًا، وبزيارة المستر تشرشل فرنسا للمرة الثانية بعد الاعتراف بالحكومة المؤقتة ومقابلته للجنرال ديجول في آخر الأسبوع الماضي، واشتراك الجنرال ديجول في المحادثات العسكرية التي دارت في باريس، وبعد أن تحقق البريطانيون والأمريكيون أن الحرب لا يمكن أن تمضي في طريقها المرسومة لها والمنتهية بها إلى الفوز دون أن تشترك فيها فرنسا اشتراكًا قويًّا يلائم مكانتها، ويلائم حاجتها، ويلائم آمالها في تنظيم السلم.
وقد تم كل هذا، واتفق البريطانيون والأمريكيون على أن يمدوا فرنسا بكل ما تحتاج إليه من الأسلحة والأدوات ليكون لها الجيش العظيم الذي كان لها من قبل، واقتسم البريطانيون والأمريكيون فيما بينهم هذا التموين الحربي، فستنهض أمريكا بإمداد فرنسا بالأسلحة الثقيلة، وستنهض إنجلترا بإمدادها بالأسلحة الخفيفة وما يحتاج الجند إليه من كساء وغذاء.
وقررت فرنسا نفسها تعبئة الفرنسيين، بحيث لا تنتهي أشهر قليلة حتى يزيد جيشها على المليون، والمحقق أن فرنسا سيكون لها حسب هذا الاتفاق في الأسابيع القليلة المقبلة جيش لا يقل عن أربعين فرقة.
ومعنى هذا كله أن فرنسا قد أصبحت تحتل المكانة السياسية التي كانت تحتلها قبل الكارثة، وهي ستحتل بعد أسابيع المكانة العسكرية التي كانت لها من قبل. وإذن فلا ينبغي أن يُقضَى في أمر العالم وهي غائبة؛ لأن غيابها يجعل هذا القضاء مشكوكًا في قيمته كل الشك.
وقد اعترف الحلفاء منذ وقت طويل بحق فرنسا الكامل في أن تشارك في حل المشكلات التي تتصل بألمانيا بعد الصلح، وبحقها الكامل في كل ما تحتاج إليه سلامتها من الضمانات المتصلة بألمانيا، ولكن هذا يكفي لدولة تريد أن تعيش آمنة مطمئنة كريمة ليس غير. فأمَّا إذا أرادت هذه الدولة ألَّا تؤثِر نفسها بالأمن والطمأنينة، وأن تشارك في احتمال التبعات العالمية الكبرى لتكفل الأمن والطمأنينة للعالم كله؛ فلا بد من أن تنهض بمثل ما تنهض به بريطانيا العظمى، وأمريكا، وروسيا من الأعباء.
وهذا هو الذي تريده فرنسا لأنه طبيعتها الثانية، ولأنه ملائم كل الملاءمة لمزاجها السياسي الذي لا يحب الأثرة ولا يحب التخلف، ثم لأن فرنسا لا تعرف عصرًا من عصور تاريخها الطويل تخلفت فيه عن النهوض بالأعباء العالمية الكبرى. ولذلك لم يكد يظهر الاتفاق الأخير على إمداد فرنسا بما تحتاج إليه من الأسلحة حتى ظهر في أمريكا التفكير في دعوة فرنسا إلى الاجتماع المقبل بين الرؤساء الثلاثة، ثم ظهر هذا التفكير في فرنسا نفسها، وجعل الفرنسيون يتحدثون به ويلحون فيه، وأعلن بعض ساستهم في الراديو أمس أن اجتماع الرؤساء الثلاثة لن ينتج ما يُنتظَر منه إذا لم تشترك فيه فرنسا؛ لأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر الحرب والسلم، ولأن فرنسا هي العنصر الذي يستطيع أن يُقرِّب بين وجهات النظر المختلفة التي ستنشأ قطعًا بين الرؤساء حين تُعرَض المشكلات الكبرى للبحث والتمحيص.
وأكبر الظن أن روسيا ستؤيد فرنسا في تحقيق ما تطمح إليه بحكم ما بينهما من الحلف والمودة، وأكبر الظن أيضًا أن البريطانيين والأمريكيين لن يمانعوا في ذلك لأنهم يُقدِّرون حاجة العالم إلى معاونة فرنسا، ويُقدِّرون المشكلات الخطيرة التي تنشأ عن تخلف فرنسا واعتزالها، وهم قد أظهروا من العطف على فرنسا أثناء محنتها ومن تأييدها منذ حُرِّرَتْ ما يكفل الثقة بأنهم سيعينونها على أن تخطو الخطوة الأخيرة لتسترد مكانتها التقليدية غير منقوصة.
والواقع أن الرؤساء الثلاثة سيعرضون لمشكلات لا سبيل إلى حلها دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها؛ ففرنسا دولة عظيمة من دول البحر الأبيض المتوسط، فلا يمكن أن تُحَلَّ مشكلة اليونان دون أن تشترك فرنسا في حلها، وقد كانت فرنسا ضامنة لاستقلال اليونان قبل الحرب. ولا يمكن أن تُحَل مشكلة يوجسلافيا دون أن تقول فرنسا فيها كلمتها، وقد كانت فرنسا حليفة ليوجسلافيا قبل الحرب. وليست مشكلة يوجسلافيا بأقل تعقيدًا من مشكلة اليونان، وقد أخذت هذه المشكلة تظهر شديدة التعقيد في اليومين الأخيرين حين قابل المستر تشرشل ومعه المستر إيدن ملك يوجسلافيا لمناقشته في الأمور الخطيرة التي تم عليها الاتفاق بين وزارته والماريشال تيتو وأقرتها روسيا، والتي تحتاج إلى أن ينشأ في يوجسلافيا نظام وصاية كالذي أُنْشِئَ في اليونان حتى يتم استفتاء الشعب في نظام الحكم الذي يرضاه.
وقد قَبِلَ مَلِكُ اليونانِ نظامَ الوصاية، وأُنْشِئَ هذا النظام منذ أسبوع، ومن المرجح أن يقبل ملك يوجسلافيا نظام الوصاية أيضًا، ومن المرجح أن ينشأ هذه النظام في الأيام المقبلة. ولكن إنشاء نظام الوصاية في اليونان ويوجسلافيا لا يحل المشكلات اليونانية واليوجسلافية، وإنما يُمَهِّد لحلها. فلا بد إذن من أن تُدرَس هذه المشكلات في اجتماع الرؤساء، ومن أن تشترك فرنسا في درسها.
وسيدرس الرؤساء في اجتماعهم مشكلة بولندا، وقد كانت بولندا حليفة لفرنسا قبل الحرب، وفرنسا قد أعلنت الحرب من أجل بولندا كما أعلنتها بريطانيا العظمى. وبين فرنسا وروسيا مودة تقليدية وحلف مجدد؛ فاشتراك فرنسا في هذه المناقشات سيعين من غير شك على تذليل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
كل هذا ولم تعرض لهذه المصالح المشتبكة خارج أوروبا، والتي لا تستطيع فرنسا أن تهملها أو تغفل عنها أو تقبل القضاء فيها وهي غائبة. فلا غرابة إذن في أن يفكر الرأي العام العالمي في أن فرنسا يجب أن تشهد هذا الاجتماع، ولا غرابة في أن تطالب فرنسا نفسها بشهود هذا الاجتماع.
ولسنا ندري أيعرض الرؤساء في اجتماعهم المقبل لمشكلات الشرق الأوسط والأدنى، أم يرجئونها إلى حين، ولكن المحقق أن هذه المشكلات في حاجة إلى أن تُدرَس، وإلى أن يظهر فيها اتجاه الرأي عند الحلفاء، ويكفي أن نلاحظ أمرين لهما خطرهما العظيم، فهناك أحاديث قد أخذت تُذاع هنا وهناك بأن روسيا تريد أن تُعيِّن وزير دولة يقيم في طهران، كما أن لبريطانيا العظمى وزير دولة يقيم في القاهرة. ومعنى ذلك أن روسيا تريد أن تكون لها كلمة مسموعة في الشرق الأوسط كما أن لبريطانيا العظمى كلمة مسموعة في الشرق الأدنى. وإذن فلا بد من اتفاق بريطانيا العظمى وروسيا على تدبير هذه الأمور وتيسيرها، ولا بدَّ من أن تسمعا في ذلك كلمة أمريكا وفرنسا.
والثاني أن الرأي العام في البلاد العربية كلها مهتم أشد الاهتمام بمسألة فلسطين، ومن مصلحة العالم أن يطمئن هذا الرأي العام العربي، وأن يعلم علم ثقة ويقين أن الحلفاء لا يريدون أن يخدعوه، ولا أن يأخذوه على غرة، ولا أن يختلسوا منه مسألة فلسطين اختلاسًا، ولا أن يضعوه أمام الأمر الواقع في هذه المسألة.
وليست بريطانيا العظمى أقل من فرنسا حاجة إلى إرضاء هذا الرأي العام العربي، والثقة بأنه مطمئن إلى سياستها، لا ينظر إليها في قلق ولا في ضرر ولا في ارتياب.
ومن يدري؟! لعل أمريكا وروسيا تحتاجان إلى ثقة الرأي العام العربي كما تحتاج إليه بريطانيا العظمى وفرنسا.
ومعنى هذا كله أن المشكلات العالمية — ما ظهر منها وما لم يظهر بَعْدُ — تحتاج لا إلى تعاون ثلاثي بل إلى تعاون رباعي لحلها، وأن فرنسا عنصر أساسي من عناصر هذا التعاون.
وواضح جدًّا أننا إنما نُصوِّر في هذا كله اتجاه السياسة الأوروبية كما يراه الأوروبيون والأمريكيون، فأمَّا تصوير الاتجاه السياسي كما تراه الشعوب التي تثور فيها هذه المشكلات فقصة أخرى. -
آمال وأعمال
آمال وأعمال
طه حسين
جريدة البلاغ
٤ يناير ١٩٤٥
يكثر الكلام في هذه الأيام عن الاجتماع الذي يرجى عقده في أقرب وقت ممكن بين المستر تشرشل والمستر روزفلت والماريشال ستالين؛ لدرس المشكلات الكبرى التي يضطرب لها الضمير الأوروبي اضطرابًا شديدًا، ويوشك أن يضطرب لها الضمير العالمي إذا لم يجد هؤلاء الساسة لها الحلول الموفقة التي تلائم بين آمال الشعوب وأعمال الحكومات.
وقد أظهر المستر تشرشل حرصه الشديد على أن ينعقد هذا الاجتماع في أقرب وقت ممكن. أعلن ذلك غير مرة في مجلس العموم، وألحت الحكومة البريطانية من غير شك في الدعوة إليه بالوسائل الدبلوماسية. وظل رئيس الجمهورية الأمريكية متحفِّظًا لا يقول في هذا الموضوع شيئًا، ثم زال تحفظه فجأة في هذا الأسبوع، فتحدث إلى الصحفيين بأنه يرجو أن يتم هذا الاجتماع في وقت قريب. أمَّا الماريشال ستالين فلم يقل شيئًا؛ لأنه لم يتعود أن يقول شيئًا، ولم تقل الصحف الروسية شيئًا؛ لأنها ليست أقل تحفظًا في السياسة الخارجية من الحكومة الروسية، وإنما اكتفت في الأيام الأخيرة بنشر ما يصل إليها من بريطانيا العظمى وأمريكا دون شرح ولا تعليق.
ومعنى هذا كله واضح جدًّا، وهو أن الحلفاء يرون هذا الاجتماع ضرورة لا بدَّ منها. يرى بعضهم الإسراع السريع إلى عقده، ويرى بعضهم الآخر التمهل والأناة حتى تعلن الحقائق الواقعة نفسها إعلانًا كافيًا، وحتى تنكشف هذه الحقائق الواقعة عن إرادة الشعوب كشفًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا؛ فإن إرادة الشعوب هذه هي التي ينبغي أن تملي على الحلفاء ما تحتاج إليه المشكلات الكبرى من حلٍّ، وهي التي ينبغي — على أقل تقدير — أن ترسم لهم الطريق الذي يسلكونها إلى إيجاد هذه الحلول.
وهذه المشكلات الكبرى تظهر معقدة أشد التعقيد؛ لأنها تتألف من عناصر مختلفة اختلافًا عظيمًا، فقد كانت الشعوب منقسمة قبل الحرب في اتجاهاتها السياسية، يتجه بعض الأحزاب فيها إلى اليمين اتجاهًا شديدًا، ويتجه بعضها إلى الشمال اتجاهًا شديدًا، ويعتدل بعضها بين ذلك فيأخذ بأطراف من المحافظة، وأطراف من الإصلاح الاجتماعي فيه شيء من الاشتراكية، وشيء من الشيوعية.
فلما أتيح لألمانيا ما أتيح لها من الانتصار المؤقت في أوروبا؛ شجعت العناصر المحافظة المعتدلة فازدادت حماسة المتطرفين، وكانت الطبقات الشعبية الخالصة عظيمة الحظ جدًّا من مقاومة الألمان. وانتهز الحلفاء هذه الفرصة فأمدوا هذه المقاومة بالقوة والسلاح، وبذلوا لها الوعود والآمال، ثم منحوها المعونة العسكرية الفعلية، فتم تحرير كثير من هذه الشعوب، وأصبحت قوة المقاومة الشعبية ظافرة تنتظر نتائج الظفر، وتريد أن تجني ثمراته، وتؤثر العجلة في ذلك على الريث والأناة.
وهنا اصطدمت آمال الشعوب وأعمال الحكومات اصطدامًا شديدًا لم يلبث الحلفاء أن يقلقوا له أول الأمر، وأن يختلفوا فيه بعد ذلك.
وقصة اليونان توضح هذا الموقف أشد التوضيح، وتجلوه أحسن الجلاء، فما زالت هذه قصة معقدة على رغم ما بذلت بريطانيا العظمى من الجهود؛ فهي قد قاومت الحركة الشعبية العنيفة، وما زالت تقاومها بالعنف، وهي قد أرسلت رئيس وزرائها الشيخ ووزير خارجيتها الشاب لمحاولة الحل السلمي لهذه المشكلة، وهي قد حملت ملك اليونان على أن يقبل تعيين وصي على العرش لتنشأ حكومة مؤتلفة؛ لعلها تضع حدًّا للحرب الأهلية، ولكن كل هذه الجهود — على كثرتها واختلافها — لم تصل إلى حل المشكلة اليونانية بعد.
وليست المشكلة البولندية بأقل من مشكلة اليونان تعقيدًا؛ فهناك الاختلاف بين روسيا والحكومة البولندية في لندرة على الحدود، وقد أيَّدت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة وفرنسا وجهة النظر الروسية، ولكن الحكومة البولندية حرَّة لم تغير من موقفها شيئًا، والعلاقات السياسية مقطوعة منذ زمن طويل بين روسيا وهذه الحكومة، وقد حررت الجيوش الروسية أجزاء كبيرة من أرض بولندا، وتوشك أن تحرر ما بقي منها؛ فلا بدَّ إذن من أن يصل الحلفاء إلى حل لهذه المشكلة، فإما أن تقبل الحكومة البولندية ما اتفقوا عليه، وإمَّا أن تقوم الحقائق الواقعة نفسها بإيجاد هذا الحل، وقد فعلت.
فقامت في بولندا لجنة التحرير الوطني في لويلين على نحو اللجنة الفرنسية التي كانت تعمل خارج فرنسا، وأيَّدت روسيا هذه اللجنة على نحو ما كانت بريطانيا العظمى وأمريكا تؤيدان اللجنة الفرنسية، ثم أعلنت هذه اللجنة نفسها حكومة مؤقتة لبولندا، كما أعلنت اللجنة الفرنسية نفسها حكومة مؤقتة لفرنسا. وهنا تظهر المشكلة الدولية، فهل يعترف الحلفاء بهذه الحكومة البولندية المؤقتة؟ وإذن فماذا يصنعون بالحكومة وهم معترفون بها منذ زمن طويل، ولها جيوشها البولندية التي تعمل في غير ميدان من ميادين الحرب، أم هل يأبون الاعتراف بهذه الحكومة المؤقتة، وإذن فماذا يصنعون بها وبالشعب البولندي الذي يؤيدها، وبالجيش البولندي الذي يحارب مع الروسيين في غير ميدان من ميادين الحرب، وماذا يصنعون بالمطالب الروسية التي تتصل بالحدود، والتي تقرها هذه الحكومة المؤقتة؟
ومن المحقق أن هناك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلات اليونان وبولندا، يظهر لنا بعضها، ويستخفي عنا بعضها الآخر، ولكنها قائمة على كل حال تنتظر أن توجد لها الحلول. فإما أن يحلها الحلفاء بما يكون بينهم من اتفاق أولًا، وبما يكون بينهم وبين الشعوب المختصة كما يقال من التراضي ثانيًا، وإمَّا أن تحل نفسها متأثرة بالحقائق الواقعة، أي بالاصطدام بين الميول المختلفة والنزعات المتباينة، وما ينشأ عن ذلك من الحرب الأهلية التي يرى العالم نموذجًا من نماذجها في بلاد اليونان.
هذه المشكلات توجد في إيطاليا، وتوجد في بلجيكا، وستوجد في هولندا، ولعلها وجدت بالفعل في بلاد المجر التي لم يتم تحريرها بعد، ولكنها أنشأت حكومة مؤقتة وأرسلت وفدها إلى موسكو يطلب شروط الهدنة إلى الماريشال ستالين. ولم تعترف بها الحليفتان العظميان: بريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأنها لم تطلب إليهما بعد هذا الاعتراف، وإنما طلبته إلى الحقائق الواقعة، أي إلى الحكومة الروسية التي حررت أكثر بلاد المجر، وتوشك أن تحررها كلها في الأيام القليلة المقبلة. فما عسى أن يكون موقف الحليفتين العظميين من هذه الحكومة الجديدة؟ أو ما عسى أن يكون موقف المحافظين في المجر من هذه الحكومة الجديدة أيضًا؟
ومما يزيد هذه المشكلات خطورة وتعقيدًا أن بعض الشعوب المحررة، أو بعبارة دقيقة: إن فرنسا قد استطاعت أن تحل مشكلاتها الداخلية حلًّا رائعًا، وأن تُرضي الشعب الذي بذل ما بذل من الضحايا في سبيل الحرية والاستقلال إرضاءً شديدًا، إن لم يكن إرضاءً تامًّا؛ فالحكومة الفرنسية المؤقتة قد ردَّت لفرنسا مكانتها بين الدول العُظمى، ونجحت نجاحًا شاملًا في سياستها الخارجية، ثم هي تخطو نحو الديمقراطية الصحيحة في سياستها الداخلية خطوات حاسمة حازمة ثابتة لا تردد فيها ولا اضطراب.
فالصناعات تصبح أهلية، والعمال تصبح لهم كلمة في إدارة هذه الصناعات، وصغار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى أربعة أضعافها، وكبار الموظفين تزاد مرتباتهم إلى مثليها، والمحاكم الابتدائية تكتفي في دوائرها بقاضٍ واحد ليمكن تقوية محاكم الجنايات، وليمكن الإسراع في محاكمة الذين خانوا الوطن، وتبرئة الذين لا تثبت عليهم هذه الخيانة، وإعادتهم كرامًا إلى الوطن ليعملوا فيه وينتجوا له.
ويجتمع مجلس الوزراء الفرنسي أمس فيقرر — فيما يقرر — جعل التعليم الثانوي كله في فرنسا بغير أجر، بحيث يستطيع الشبَّان الفرنسيون جميعًا أن يطلبوا هذا النحو من التعليم إذا سمحت لهم كفايتهم بطلبه. ومعنى هذا كله أن فرنسا ستعود إلى سُنَّتها الديمقراطية القديمة، ولا تكتفي بهذه العودة، بل تريد أن تستدرك ما فات، وتعوض ما أضاعته حكومة الماريشال بيتان، فتوسع خطواتها توسيعًا هائلًا. والشعوب المحررة الأخرى ترى هذا كله وتعجب به، وتريد أن تقتدي بفرنسا فيه الآن كما كانت تقتدي بفرنسا فيه من قبل، ولكنها تجد المصاعب التي تقيمها لها الحكومات المهاجرة، أو تقيمها لها العناصر المحافظة، أو تقيمها لها ظروف الحرب. فأي غرابة في أن تتحرق الشعوب المحررة شوقًا إلى أن ترى حريتها حقائق واقعة، كما أن الحرية الفرنسية حقيقة واقعة؟ أترى أن هذه المشكلات التي لم نُشِرْ إلَّا إلى أطراف منها خطيرة حقًّا تحتاج إلى أن يجتمع لها الزعماء الثلاثة لعلهم أن يجدوا لها حلًّا؟!
ثم أترى أني لم أكن مبالغًا حين قلت في أول هذا الحديث: إن الضمير الأوروبي يضطرب لهذه المشكلات، وإن الضمير العالمي سيضطرب لها إذا لم يجد الساسة لها حلًّا؟