الثعبان
لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
طه حسين
البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.
Tag: allegory
-
الثعبان
-
ليل الشياطين
حديث الوادي
ليل الشياطين…
كانت السماء صفواً كأصفى ما عرف الناس، وكان الجو صحواً، كأصحى ما عرف الأحياء، وكانت الشمس مشرقة رائعة الإشراق، يترقرق ضوؤها الجميل في طبقات الجو فيملأ الكون حياة ونشاطاً وبهجة وجمالاً ويفعم قلوب الناس، أمناً وحباً للأمن وسلاماً وحرصاً على السلام.
وكان الناس فرحين مرحين، قد ارتسمت على وجوههم ابتسامات حلوة للحياة، تصور ما في نفوسهم من ثقة بالحياة واطمئنان إلى هذا الهدوء الذي أسبغه الله عليهم إسباغاً فغمر نفوسهم وقلوبهم وملأ ضمائرهم بالغبطة والرضا والاطمئنان، كان منهم المقبل على عمله محباً له وراغباً فيه، وكان منهم المنصرف عن عمله يلتمس الراحة والاستجمام، ويتهيأ لاستئناف نشاط خصب جديد. وكانت أمور الحكم إلى قوم قد أحبهم الشعب وأحبوه، ورضي الشعب عنهم ورضوا عنه، يحملون الأمانة في قوة وحزم وجلد، وثقة بالله، واطمئنان إلى الناس ويصرفون الأمر حراساً على الحق والعدل لا يتوخون إلا أن يرضى الدستور والقانون وأن ترتفع ضمائرهم عن كل ما يثير فيها ألماً أو ندماً أو حزناً أو حاجة إلى الاعتذار يثيبون المحسن، ولا يشطون في عقاب المسيء ولا يبطشون إلا بمن يعد التغاضي عنه إثماً وتفريطاً والناس في هذا كله راضون مبتهجون، فإذا سحاب يظهر من بعيد، لا يكاد الناس ينظرون إليه لأنهم لا يكادون يحفلون به، ولا يكادون يتوقعون منه مكروهاً ولكن السحاب يدنو ويدنو ثم يسبقه أزيز خفيف ثم يشتد هذا الأزيز، وينتشر في الجو، ثم يدنو السحاب ويدنو فيزداد هذا الصوت الذي يتقدم بين يديه قوة وانتشاراً، وإذا هو جلجلة الرعد، وعصف الزوبعة وقصف الريح. وإذا صفو السماء قد استحال كدراً، وإذا صحو الجو قد استحال قتاماً، وإذا الشمس الجميلة المشرقة قد استخفت فجأة وراء هذا السحاب المنكر البشع القبيح، وإذا الهول قد أخذ الناس من كل وجه، وإذا الشر قد سلط عليهم من كل مكان وإذا الروع قد سلك إلى قلوبهم كل سبيل، وإذا الأمن قد محي من قلوبهم محواً، وإذا الأمل قد أغلق في وجوههم إغلاقاً، وإذا هم في ظلمة منكرة مطبقة، كثيفة لا يرون فيها شيئاً ولا يسمعون فيها شيئاً ولا يعرفون فيها إلى أين يذهبون: أيقبلون أم يدبرون. نستغفر الله، فقد كانوا يرون أشباحاً منكرة مروعة، لا يعرفون من أين جاءت، أهبطت من السماء؟ فما كانت السماء قط منزلاً للشياطين، أم انشقت عنها الأرض؟ فقديماً تحدث الناس بأن الشياطين تعيش تحت الأرض، أم امتطت متن الرياح والعواصف من أماكن بعيدة نائية حتى أقبلت على مصر، فأفسدت عليها وعلى أهلها كل شيء؟ أخذ الناس لا يرون في هذه الظلمة إلا هذه الأشباح القباح وأخذ الناس لا يسمعون في هذه الظلمة إلا أصواتها المنكرة تتأذن بأن عهد العدل قد انقضى، وبأن ظل الحق يجب أن يزول، وبأن سلطان الباطل يريد أن يبسط ظله على الأرض بسطاً، وبأن جنود الباطل قد أقبلوا يحتلون القلاع، ويغلبون على الحصون. ثم ما هي إلا لحظات، حتى تأذنت أصوات الشر، بأن صدقي باشا قد وثب إلى الحكم وثوباً، وبسط عليها يده في غير عدل ولا حق ولا نظام، ولا قانون، ولا رعاية لمنفعة ولا احتفاظ بكرامة، ولا حرص على رضى الخلق والضمير.
غربت شمس الحق فجأة وأقبل ليل الباطل فجأة ونجم شياطين الباطل من كل مكان، وملأوا الجو باضطرابهم المنكر وصياحهم القبيح، ونشروا في الأرض فساداً لم تعرفه الأرض من قبل وألقوا على الناس ذلاً لم يعرفه الناس من قبل وأقاموا الطغيان صرحاً كان الناس يظنون أنه لن يقام.
أتعرف هذا الليل الطويل الثقيل؟ أتعرف ما يقبل به الليل الطويل الثقيل من هموم وأوجال على الأيقاظ حين يأخذهم الأرق، وما يقبل به الليل الطويل الثقيل من خوف وروع، ومن جزع وفزع، ومن هلع واضطراب، على النيام حين يغشاهم الكابوس؟ أتعرف هذا كله؟ أتصور لنفسك هذا كله؟ إذن فقد أقبل هذا الليل الطويل الثقيل ليل الشياطين على الناس بشر من هذا كله وأقبل على بعضهم بالموت يسعى سعياً. وأقبل على بعضهم بالألم يسعى مختفياً حيناً وبادياً حيناً آخر وأقبل على بعضهم بعذاب الضمير، وأقبل على بعضهم بفساد الخلق، وأقبل على بعضهم باجتياح الأموال وأقبل على بعضهم بانتهاك الحرمات، وأقبل عليهم جميعاً بالذل الشامل، والظلم العام، وبالقيود والأغلال لتقيد بها الحرية وتغل ولتعقد بها الألسنة فلا تقول، ولتحطم بها الأقلام فلا تكتب، وليضطر الناس بها إلى السكون فلا يتحركوا وإلى التفرق فلا يجتمعوا، وليصغر بها الناس في أنفسهم وليصغر بها الناس في أنفس غيرهم، ولتصغر بها مصر في أعين البلاد المتحضرة. بهذا كله وبشر من هذا كله أقبل على مصر والمصريين ليل الشياطين.
فتح صدقي باشا بابه، واستقر صدقي باشا على منصة الأمر والنهي فيه وأخذ صدقي باشا يأمر فتطيع الشياطين، ويدبر فتنفذ الشياطين يعبس فتضطرب الشياطين خوفاً ووجلاً. ويبسم فترقص الشياطين رقصاً منكراً مخيفاً، وقد استقرت من وراء صدقي باشا قوى تسيره، وتسخره، وتلقي على وجهه غشاء العبوس حيناً، وطلاء الابتسام حيناً آخر، والرجل يتلقى غشاء العبوس ويظن أنه يعبس، ويتلقى طلاء الابتسام ويظن أنه يبتسم، ويصدر الأمر الذي يتلقاه، ويظن أنه يأمر، ويعلن التدبير الذي يهبط إليه، ويظن أنه يدبر تمثال ظن أنه إنسان وصورة قدرت أنها شخص حي.
ما أشد الغرور، وما أعظم سلطانه على الناس. لقد اغتر صدقي باشا فظن نفسه شيئاً، واغتر أصحابه فظنوا أنفسهم وزراء. وما زالت العواصف تعصف، وما زالت الشياطين تعمل، وما زال صدقي باشا وأصحابه يتلقون ويلقون ويأتمرون ويأمرون إلى أن ضعف الرجل، حتى عن أن يكون أداة، وعجز حتى عن أن يكون صورة، أدركه المرض، ثم أدركه الفشل، ثم رغب عنه مسخروه، وقال قائلهم إن هذا الرجل مغرور، فلننصرف عنه إلى رجل غير مغرور. وقال قائلهم إن هذا الرجل يرى نفسه شيئاً فلننصرف عنه إلى رجل يرى أنه ليس شيئاً. وقال قائلهم إن الرجل الطيب في باريس وجاءوا بالرجل الطيب، فأقاموه مقام الرجل العظيم دعوه فاستجاب، وأقاموه فقام، وأمروه فأتمر. ومضى ليل الشياطين طويلاً ثقيلاً لا يكاد ينقضي بل لا يكاد يتقدم، ولكن الشمس أشرقت فجأة كما غربت فجأة، ولكن السماء صفت ولكن الجو صحا، ولكن السحاب قد أخذ ينأى وينأى، ولكن صوت الرعد قد أخذ يخف ويخف، وها نحن أولاء نرى السحاب ينأى ويغلو في النأي، ونرى جلجلة الرعد، وعصف الزوابع، وقصف الريح قد استحالت إلى أزيز يخف ويخف وترى الأمن قد أخذ يسلك سبله إلى القلوب ثم تنظر فترى الرجل الطيب، يصعد إلى القطار في الإسكندرية عائداً إلى القاهرة ليصرف الإهمال فيها حتى يتقدم إليه صاحب الدولة توفيق نسيم باشا فيجهز على هذا العهد إجهازاً ويريح رجاله وأنصاره من هذا الاحتضار الطويل. أرأيت إلى الجند حين يقضى عليهم بالموت، وحين ينفذ فيهم القضاء؟ إنهم يصرعون، ثم يتقدم إليهم من ينفذون فيهم الحكم، فيريحونهم بطلقة أخيرة من نزع الموت وصراع الألم، فإن قضاء الله قد صدر على هذا العهد وإن حكم الله قد نفذ في هذا العهد، وإن هذا العهد قد صرع، وإنه ينتظر الطلقة الأخيرة التي تلقي عليه ستار الفناء وتريحه من كل ألم، وتسلمه إلى التاريخ وإن هذه الطلقة آتية لاريب فيها، آتية اليوم أو آتية غداً، آتية على كل حال. ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نشهد احتضار هذا العهد، ولسنا نكره أن نراه يتخبط ويحتمل ثقل الآلام لسكرات الموت، فقد كان هذا العهد يجد اللذة الآثمة في عذاب الأبرياء فليس على الأبرياء بأس من أن ترتاح ضمائرهم لنفاد عدل الله وعلو كلمة الشعب.
إنا لنسمع صيحات ضئيلة تضطرب في أنحاء الجو يحسبها الناس دفاعاً عن هذا العهد، وجهاداً في سبيل الإبقاء عليه.
كلا إنها لصيحات اليأس، إنها لأنات الاحتضار، إنها لنذر الفناء إن المصريين خليقون أن ينظروا فإن الصبح قد أخذ يسفر، إن المصريين خليقون أن يبتهجوا فقد انجلى عنهم ليل الشياطين.
طه حسين
الوادي، ٨ نوفمبر ١٩٣٤ -
خاتمة
خاتمة
ورُفع الستار فإذا مشهد مهيب رهيب، يملأ النفوس روعة ويمزق الأفئدة حزنًا وأسى؛ هوة بعيدة الغور، لا يكاد يظهر لها قرار، تسعى إليها في وجل واضطراب وزارة مثقلة قصيرة الخطو، لا تكاد تنهض حتى تكبو، وقد تفتحت أبواب السماء وامتلأ الجو بينها وبين الأرض بأرواح يصعد بعضها ويهبط بعضها الآخر، ولها كلها دويٌّ مختلط قد ملأ الفضاء كله، بعضه عذب كل العذوبة، وبعضه مرٌّ كل المرارة. فأما تلك الأرواح التي كانت تهبط من السماء فإنما هي ملائكة تحمل إلى الناس نسيم الرحمة والراحة، وضوء الأمل والرجاء، وتنادي الناس في أصوات حلوة أخاذة: «لا تيأسوا من روح الله، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون».
وأما الأرواح التي كانت تصعد في السماء فملائكة تحمل شكاية الشاكين، وبكاء الباكين، وحزن المحزونين، وبؤس البائسين، وألم الذين نكبتهم الخطوب ودهمتهم الحوادث، وامتحنهم الله في أنفسهم وأبنائهم وأموالهم وأخلاقهم وكرامتهم؛ وكانت هذه الأرواح ترتفع إلى السماء رفيقة شفيقة، تستزيد رحمة الله للناس، وتستمطر عدل الله على القساة الظالمين.
وكانت هذه الهوة العميقة التي لا يكاد يظهر لها قرار ممتلئة بأشباح بشعة منكرة، تضطرب فيما بينها أشد اضطراب، وتختلط أصواتها المنكرة أشد اختلاط. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة كلها أوزارًا وأوضارًا وآثامًا وسيئات، قد كُتبت عليها أسماؤها بأحرف من نار تخلب الأبصار؛ فبعضها يسمى ازدراء الشعب، وبعضها يسمى قهر الشعب، وبعضها يسمى تبذير أموال الشعب، وبعضها تسليط الأجنبي على الشعب، إلى ذلك من الأسماء التي لا تُحصى. وكانت هذه الأشباح المنكرة المضطربة تدور في هوتها العميقة الواسعة دورانًا عنيفًا، وكان لها هدير قوي مخيف.
وكان النظارة ينظرون في الجو فيرون هذه الأرواح الهابطة وتلك الأرواح الصاعدة، فتمتلئ قلوبهم خوفًا وأمنًا، ثم ينظرون فإذا وزارة مثقلة مكدودة تسعى سعي المقيد، تريد أن تقف فتُدفع، وتريد أن تتأخر فتُرد، وهي تدنو من حافة الهوة، وحافة الهوة تدنو منها. وقد تعلقت قلوب النظارة ونفوسهم بهذا المنظر العجيب، وبهذا الصراع الرائع بين الحق والباطل، وبين العدل والجور، وبين الإنصاف والإجحاف، وبين الرحمة والقسوة، وبين النعماء والبأساء. ثم ترتفع أصوات النظارة فجأة فإذا صيحة قد ملأت ما بين الأرض والسماء، كلها رضا، وكلها ابتهاج، وكلها تفدية للوطن، ثم يلقي النظارة بأبصارهم نحو الهوة فإذا هي قد أطبقت كأنها لم تكن، وإذا الأرض أمام أعينهم سواء.
الله أكبر من كل كبير، والله أعظم من كل عظيم، والله أعز قوة وأعلى سلطانًا من أن يقاومه أصحاب القوة والسلطان، والله أشد حولًا وأعظم طولًا من أن يتحداه طاغية مهما يكن، أو يتصدى لأمره عظيم مهما يبلغ من شأنه الارتفاع.
عفا الله عن «رئيس الوزراء» المستقيل؛ لقد جمع جموعه، وألبَّ قواه، وتأهب ثم وثب، حتى إذا استقر على كرسي الحكم رفع طرفه في الجو مطاولًا، وخفض طرفه إلى الأرض مستكبرًا، ونظر إلى من حوله وما حوله مزدريًا، ثم أعلن في ثقة وحزم: «ألا إنه عشر سنين، لن تنقص وقد تزيد». ثم مضى يصرف الأمر تصريف الواثق المطمئن الذي لا يخاف الأيام ولا يحسب للأحداث حسابًا. وما له يخاف الأيام ويحسب للأحداث حسابًا، وقد فرض نفسه على الأيام والأحداث عشر سنين لن تنقص وقد تزيد؟ فليمضِ أمامه إذن لا يلوي على شيء، ليتقدم شهرًا وشهرًا، وليتقدم عامًا وعامًا، وليمضِ آمنًا مطمئنًا حتى ينفق من سنينه العشر تسعًا أو أكثر من تسع، ويومئذ يستطيع أن يفكر في الحساب، ويومئذ يستطيع أن يقدر خطر الأيام وعادية الأحداث؛ فأما قبل ذلك فالطريق ممهَّدة مبسوطة، والرياح مواتية مسالمة، والجو صفو صحو، والبحر هادئ مطمئن.
أما هذه الأصوات التي ترتفع من حوله ومن حول صديقه «المندوب السامي» بالاحتجاج والإنكار، وبالشكاة والأنين والتحذير والتخويف، فإنما هي نقيق الضفادع. ومتى تعود الساسة العظماء والقادة والزعماء والمسيطرون على الناس والأشياء أن يحسبوا لنقيق الضفادع حسابًا، أو يلقوا إلى نقيق الضفادع بالًا؟
ويمضي «رئيس الوزراء» المستقيل أمامه البأس والبطش، ويتبعه القهر والعنف، ويحيط به الاستخفاف بالناس والاستكبار على الناس، والسخرية من أمر الناس، ويرمقه صديقه «المندوب السامي» بعين ملؤها الحنان والعطف، والتشجيع والتأييد، ونقيق الضفادع على ذلك متصل لا ينقطع، مستمر لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. وإذ هو قد طال حتى ثقل على الأسماع، وحتى ضاقت به نفوس، وتبرمت به قلوب، وإذن فلا بد من أن تسكت هذه الضفادع. وأي شيء أيسر من أن يفرض على الضفادع السكوت؟ إشارة يسيرة إلى الجند والشرطة فإذا الألسنة معقودة، والأفواه مكمومة، والجو من حول «رئيس الوزراء» هادئ، لا يسمع فيه إلا أناشيد النصر والفوز. وتعدو الشرطة، ويبطش الجند، وتسفك دماء، وتزهق أرواح، ويلجأ الناس إلى غير ما يحبون، ويُغرى الناس بأن يبيعوا ضمائرهم بيعًا، حتى إذا تمت الصفقة، وبِيعت الضمائر، أُذلَّ البائعون وقبضوا ثمن ضمائرهم استكانة وهوانًا.
ويفتح «رئيس الوزراء» وأعوانه آذانهم يلتمسون في الجو أناشيد الفوز والانتصار، فلا يسمعون إلا نقيق الضفادع متصلًا، لا ينقطع، مستمرًا لا يقف، يزداد حدة وشدة كلما تقدمت الأيام. هنالك يصدر الأمر إلى الشرطة والجند أن أمعنوا في البأس والبطش، هنالك يضع السادة القادة، الزعماء العظماء أصابعهم في آذانهم، هنالك يلقي السادة القادة والزعماء العظماء حجبًا كثيفة بينهم وبين من حولهم وما حولهم من الناس والأشياء. وإذا نقيق الضفادع يصل إلى الأسماع مهما تُسد الآذان، وإذا اضطراب الضفادع يصل إلى العيون مهما تُلقى الحجب والأستار، وإذ نقيق الضفادع واضطرابها يطغيان على كل شيء، ويغمران كل شيء، ويكتسحان كل شيء. وإذا مقاومة السادة القادة والزعماء العظماء لهذا النقيق والاضطراب تضعف شيئًا فشيئًا، وتفتر قليلًا قليلًا، وترق حتى تعجز عن الاحتمال.
وإذا «رئيس الوزراء» المستقيل مريض لا يقوى على العمل، وإذا «المندوب السامي» مضطر إلى أن يعبر البحر إلى بلاد الإنجليز، وإذا الذين كادوا لمصر ومكروا بها يدبرون أمرهم بينهم ويجيلون الرأي في أنديتهم سرًّا وجهرًا: كيف يخرجون من هذا المأزق؟ وكيف يخلصون من هذا الضيق؟
إيه أيتها الضفادع، ارفعي أصواتك بهذا النقيق؛ فهؤلاء الإنجليز الذين كانوا يرونكِ ضفادع قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم، ويشعرون بأنكِ لستِ من الضفادع في شيء، وإنما أنتِ الأمة المصرية الخالدة التي لن يقهرها وزير وإن كان «صدقي باشا»، ولن تذلها دولة وإن كانت دولة الإنجليز. إيه أيتها الضفادع، ارفعي صوتكِ بهذا النقيق، فإن فيه عظة لمن أراد أن يتعظ، وعبرة لمن أراد أن يعتبر. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنه يصدع آذانًا قليلة، ولكنه يحيي الملايين من الأبناء المخلصين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق ورجعيه ترجيعًا؛ فإنما هو نشيد الحرية والإيمان بها، نشيد الاستقلال والجد فيه، نشيد العزة والحرص عليها، نشيد الثبات والإباء مهما يعظم ظلم الظالمين. ارفعي صوتكِ بهذا النقيق؛ فإنه صوت الأمل الذي يمحو من قلوب الضعفاء والمستضعفين ظلمة اليأس والقنوط.
ليس مصريًّا من أشفق من ظلم الظالم، ليس مصريًّا من خاف من عدوان المعتدي، ليس مصريًّا من يئس من قدرة مصر على الحياة والعزة والفوز.
تبارك الله، لم تتم خمسة عشر يومًا منذ أعلن «رئيس الوزراء» المستقيل أنه قد استشار أطباءه فرأى أنه قادر على البقاء في الحكم، وقد استشار ضميره فرأى أنه سيضحي بصحته في سبيل بلاده. نعم، ولم يتم أسبوع واحد على هذا الشاي الذي تساقاه الأصدقاء عند «وزير الداخلية»، فصفا ما بينهم من الأمر، ثم يمسي الناس أمس فإذا الأنباء تنتشر بينهم بأن مشورة الأطباء لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» المستقيل من أن يحتمل أعباء الحكم أكثر من أسبوعين، وبأن مشورة الضمير لم تكن تمكن «رئيس الوزراء» من أن يمضي في تضحيته الأخيرة أكثر من أسبوعين، وبأن شاي الصلح لم يكن يمكن «رئيس الوزراء» من أن يبتسم للحكم أكثر من أسبوع، وبأن «رئيس الوزراء» يرفع استقالته أمس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، وبأن حضرة صاحب الجلالة الملك يرفق بشعبه ويعطف عليه فيقبل استقالة هذه الوزارة التي أذاقت مصر من الهم والغم، ومن الحزن واليأس ألوانًا، ويرحم «رئيس الوزراء» فيريحه من عناء الحكم.
تبارك الله، لقد كُتب لمصر الفوز ما آمنت بحقها، ووقفت له، وصبرت على ما يصيبها في سبيله من الخطوب والأحوال. تبارك الله، لقد أمدَّ مصر من عزها القديم ونهضتها الحديثة بهذه القوة التي تمكنها من الوفاء، وتعينها على الثبات، وتكفل لها الفوز في الجهاد.
ابتسموا أيها المصريون لحياتكم المقبلة، واعتزوا أيها المصريون بمجدكم القديم، واحذروا أيها المصريون أن تؤيسكم الخطوب، واحذروا أيها المصريون أن يبطركم الفوز، واعلموا أيها المصريون أن أموركم راجعة إليكم مهما تكن الظروف؛ لأنكم تريدون ذلك وتصممون عليه. سيقولون لكم إن المحنة لم تنتهِ بعد، ولعلها أن تطول، ولكنكم قد احتملتم أثقل أعبائها، وبلَوتم أمر قسوتها، وخرجتم بعد ذلك ظافرين. ومهما تتنكر لكم الخطوب فلن تلقوا شرًّا مما لقيتم، ولن تلقوا مثل ما لقيتم، ولن تجدوا من خصومكم بعد اليوم إلا كيد الضعيف ومكر المخفق المشفق.
فثقوا بالله وانتظروا منه التأييد، وأوفوا بعهد الوطن، وأحسنوا في سبيله الجهاد، وأخلصوا الحب لصاحب العرش، وانتظروا منه العناية الرشيدة، والرعاية الحكيمة، والعطف الكريم.
كوكب الشرق في ٢٢-٩-١٩٣٣.