هفوة …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٣٠ أكتوبر ١٩٤٦
لم يكن ليتورط فيها صدقي باشا لولا أنه رجل قد تقدَّمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، وطال انتظاره لهذا اليوم العظيم الذي يُحدِث فيه حدثًا خطيرًا في السياسة المصرية، ويلعب فيه دورًا ذا بال كما يقول أصحاب التمثيل. فصدقي باشا يداعب الأمل منذ أكثر من ربع قرن بأن يكون له في السياسة المصرية موقف يشبه موقف جماعة من أصدقائه وأترابه ومعاصريه.
وهو يبذل في سبيل هذا جهودًا لا تعرف كللًا ولا مللًا ولا فتورًا، ويتجشم في سبيل هذا أهوالًا ثقالًا عرَّضته لكثير من المحن.
والمصريون جميعًا يذكرون مواقفه في باريس حين كان الوفد المصري يحاول الاتصال بمؤتمر الصلح، ومواقفه في لندرا حين كان عدلي باشا يفاوض في لندرا، ومواقفه في القاهرة حين كان ثروت باشا يعمل لتصريح ٢٨ فبراير.
والمصريون يذكرون هذه المحاولات اليائسة التي حاولها حين كان رئيسًا للوزارة؛ ليتصل بوزير الخارجية البريطانية، فلما لم يستطع أن يلقاه في لندرا احتال حتى لقيه في جنيف، ثم لم يظفر منه بشيء.
هي إذن شهوة في نفسه وشهوة طبيعية، فما ينبغي أن يكون حظه أقلَّ من حظ المصريين الذين فاوضوا في القاهرة، أو في غير القاهرة من مدن الأرض.
وربما كانت هذه الشهوة الحادة الملحة هي التي دفعت صدقي باشا إلى أن يسرع إلى الحكم، حتى إذا تراءى له الحكم لم يتردد رعاية لصحته، ولم يتردد رعاية لتاريخه القديم، ولم يتردد رعاية لرأي الناس فيه، ولم يتردد لإشفاق الناس منه، وشكهم في كل ما يعمل أو يقول، لم يتردد لشيء من هذا كله؛ لأن الفرصة التي انتظرها وسعى إليها — بل جد في السعي إليها أكثر من ربع قرن — قد سنحت، فقال لنفسه: ما ينبغي أن تفلت الفرصة، فقد أُتيح لصدقي باشا كما أُتيح لعدلي، وثروت، وسعد، ومحمد، ومحمود، والنحاس أن يكون رئيسًا لهيئة تفاوض الإنجليز.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يكتفي من الفوز الشخصي بهذا القدر، وأن يفاوض الإنجليز في القاهرة والإسكندرية، كما فاوضهم غيره من المصريين. فإن أُتيح له أن يكسب للمصريين حقوقهم، فقد أُتيح له الفوز كله، وإن حيل بينه وبين هذه الحقوق قطع المفاوضات، واكتفى بأنه لم يتخلَّف عن غيره من السياسيين المعاصرين.
وكان صدقي باشا خليقًا أن يقول لنفسه: إن أقطع المفاوضات فقد قطعها من هو خير مني، قطعها عدلي وسعد وثروت، وإن أنجح في المفاوضات فقد نجح فيها من هو خير مني، نجح فيها النحاس بعد أن قطعها مرة، ثم استأنفها مرة أخرى فأُتيح له النجاح.
ولكن صدقي باشا لا يعرف القصد ولا يحب القناعة، ولا يستطيع أن يضبط نفسه، ولا أن يرد إرادته إلى شيء من المهل والأناة، وإنما هو جامح مندفع يستجيب لشهوته، ويركب رأسه في كل ما يحاول من الأمر؛ يعنف ويسمي العنف حزمًا، ويندفع ويسمي الاندفاع شجاعة، ويمكر ويسمِّي المكر مهارة ودهاءً.
وهو من أجل ذلك لم يكد يرأس هيئة المفاوضات، حتى خُيِّل إليه أن كل شيء قد يُسِّر له، وأن الفوز قد كُتب له. وإذا هو يصبح المفاوض الأول (ولنلاحظ مسرعين أن أحدًا من الذين سبقوه إلى رئاسة المفاوضات لم يخلع على نفسه هذا الوصف)، ثم إذا هو يستأثر من دون أصحابه بهذه المفاوضات؛ حتى أحرج صدورهم وأرهقهم من أمرهم عسرًا. ثم إذا هو يشكو بأصحابه المصريين بمفاوضة الإنجليز؛ حتى يضطر فريقًا من المفاوضين إلى أن يشكُّوا فيه كل الشك، ويرتابوا به كل الريب، ويضطره إلى مواقف يملؤها الحرج، ويخرجوا بالمفاوضات من السر إلى الجهر، ومن الخفاء إلى الإعلان، يستعينون عليه بالرأي العام بعد أن أعيتهم فيه الحيل، وبعد أن حجزوا عن مسايرته في طرقه الملتوية التي كان يؤثر أن يسير فيها.
وإذا مفاوضوه الإنجليز أنفسهم يعلنون هذا الشك وهذه الريبة في البيان الذي أصدروه قبل أن يعودوا إلى وطنهم، فيقول قائلهم: إننا علمنا من أمر المفاوضات ومن آراء المفاوضين شيئًا أو أشياء غير ما سجلته لنا المذكرات المكتوبة التي قدمت إلينا. ومعنى هذا باللفظ الصريح — وهو المعنى الذي ردده مكرم باشا وغير مكرم باشا — أن صدقي باشا كان يقول للمصريين من زملائه شيئًا وللإنجليز من مفاوضيه شيئًا آخر. كان يصطنع ما يسميه مهارة ودهاءً فيمكر بأولئك وهؤلاء.
ثم لم يكتفِ بهذا كله، وإنما أبى إلا أن يبلغ بالبطولة أقصى غاياتها وأبعد آمادها، ويُبيِّن للمصريين أن زملاءه هؤلاء المفاوضين هم الذين قد حالوا بينه وبين التوفيق لكثرة ما كانوا يجادلون ويمارون، وأن المفاوضين الإنجليز أنفسهم هم الذين حالوا بين المفاوضات وبين النجاح؛ لأنهم لم يكونوا يملكون السلطان الكافي، وأنه هو صدقي باشا يستطيع أن يطير إلى لندرا، وأن يلقى المستر بيفن، وما هي إلا أن يقضي معه ساعة أو ساعات حتى يطويه طيًّا، ويلويه ليًّا، ويضعه في جيبه في غير جهد ولا مشقة، ثم يحتفظ به سجينًا في جيبه لا يخلي بينه وبين الهواء الطلق إلا أن يسلم له بكل ما تريد مصر. هنالك وهنالك ليس غير يرد إليه حريته، ويخلِّي بينه وبين الذهاب إلى نيويورك.
ولم يحفل صدقي باشا بالنذير ولا بالتحذير، ولم يسمع صدقي باشا للنصح ولا للإرشاد، وإنما طار إلى لندرا ولقي المستر بيفن، وعاد إلى مصر متحديًا خصومه، مُبشِّرًا أصدقائه بأنه قد أنجز الوعد، ووفَّى بالعهد، وأتى بالسودان حلالًا سائغًا، لا أقول لمصر كما قال، وإنما أقول لأهل وادي النيل كما ينبغي أن يقول المصريون والسودانيون جميعًا.
ولعل القارئ يذكر أني قلت منذ يومين اثنين إني أراهن من شاء بما شاء على أن صدقي باشا لم يأتِ من لندرا بشيء ذي غَنَاء. ولم يراهني أحد؛ لأن المصريين جميعًا فيما يظهر يعرفون من صدقي باشا مثل ما أعرف، وينتظرون منه مثل ما كنت أنتظر، ويصدقونه بمقدار ما أصدق. قال لهم إنه جاء بالسودان حلالًا سائغًا، فلم يؤمن له أحد؛ لأنهم تعوَّدوا منذ أعوام وأعوام ألا يؤمنوا له إذا قال.
وما هو إلا أن ينقضي يوم الأحد، ويأتي يوم الاثنين حتى يقف رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يهدئ من روع الإنجليز الذين خافوا فيما يظهر أن يكون صدقي باشا قد قال الحق، وأن يكون السودان قد أفلت منهم، ويهدئ المصريين الذين ظن بهم السذاجة والغفلة، وخُيِّل إلى نفسه أنهم قد اطمأنوا إلى تصريح صدقي باشا، فأراد أن يجنِّبهم خيبة الأمل، وأن يحول بينهم وبين النكسة التي تعقب الثقة حين يظهر أنها كانت ثقة غير ذات موضوع كما يقول أستاذنا الجليل لطفي باشا السيد.
وقف رئيس الوزارة البريطانية، فكذَّب ما أذاع صدقي باشا من تصريح، ورد إلى الإنجليز أمنهم، وثبَّت في قلوب المصريين خوفهم، وعرف أولئك وهؤلاء أن صدقي باشا قد طار وطار وعاد صفر اليدين. لم يكسب شيئًا لوطنه، وإنما عرَّض صحته لشر عظيم، نرجو أن يكشف الله عنه غمرته؛ ليعود صدقي باشا قويًّا نشيطًا معافًى قادرًا على أن يداعب بمهارته ودهائه المصريين والإنجليز جميعًا.
كل هذه أشياء قد أَلِفَها المصريون من صدقي باشا. فهم لا ينكرون منها شيئًا، ولعلهم أن ينكروا ما يناقضها إن استطاع صدقي باشا أن يأتي بما يناقضها.
ولكن الشيء الذي يخجل له المصريون حقًّا هو أن صدقي باشا في هذه المرة قد أسرف على نفسه وعلى مواطنيه حين أسرع إلى إذاعة تصريحه قبل أن يحين الوقت لإذاعة هذا التصريح. فليس من شك في أن الإنجليز قد قالوا له: سنقبل أن تذكر سيادة التاج المصري على السودان. ولكنهم قد قالوا له من غير شك أشياء أخرى، فكان صدقي باشا خليقًا أن يضبط نفسه ويحزم أمره، ويستعين على قضاء حاجته بالكتمان، ويلتزم الصمت حتى يواجه زملاءه المفاوضين بما حمل إليهم من بلاد الإنجليز، فإن أقرُّوه أعلنه إلى الناس، وإن رفضوه رأى رأيه فقطع المفاوضات أو ألغى هذه الهيئة المشاكسة، وفرضها دكتاتورية تُمْضِي الأمر كما يريد هو لا كما يريد المفاوضون.
كان الحق على صدقي باشا أن يسلك هذه الطريق إيثارًا للعافية أولًا، ورعاية لكرامة زملائه المفاوضين ثانيًا، واحتفاظًا بالتقاليد السياسية بعد كل شيء. ولكن شهوة الفوز ملكت على الرجل أمره، فلم يحفل بزملائه الوزراء، ولم يحفل بزملائه من المفاوضين المصريين، ولم يحفل بالتقاليد السياسية، بل لم يحفل بالحق نفسه، وإنما قال شيئًا وطوى أشياء، وكان أمره كأمر الذي يتلو: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ ) … ثم يقف ولا يمضي بالآية الكريمة إلى آخرها، فيوهم الناس أن الله ينهاهم عن الصلاة، فقد قال الإنجليز لصدقي باشا فيما يظهر أنهم لم يروا بأسًا بأن تذكر سيادة التاج المصري على السودان، ولكن بشرط أن تبقى أمور السودان كلها كما هي الآن، لا ينالها تغيير قليل أو كثير، وأن يسجل المصريون على أنفسهم الاعتراف بحق السودانيين في أن يعلنوا استقلالهم متى أرادوا.
وواضح جدًّا أن صدقي باشا لم يكن يستطيع أن يذيع هذا كله؛ لأن هذا كله لا يسجل فوزًا، وإنما يسجل إخفاقًا، وإخفاقًا بشعًا شنيعًا.
وشر ما في هذا كله هو أن صدقي باشا لم يَسِرْ سيرة الرجل السياسي حين يفاوض دولة أجنبية، وحين يتَّفِق مع هذه الدولة على الاحتفاظ بسرية المفاوضات. ولذلك اضطر رئيس الوزارة البريطانية إلى أن يكذِّبه من جهة، ويلومه من جهة أخرى في مجلس العموم البريطاني، فعرَّض نفسه لهذه الإهانة القاسية، وعرَّض حكومته لنفس هذه الإهانة، ولم يُعرِّض مصر لشيء؛ لأن مصر ليست منه في شيء، ولأن الإنجليز يعلمون حقَّ العلم أنه لم يتحدث إليهم بلسان مصر، ولم يفاوضهم باسم مصر، وأن مصر تبرأ إليهم وإلى العالم كله من كل ما قال لهم ومن كل ما سمع منهم.
فهذه الهفوة التي تورَّط فيها صدقي باشا تثير في نفوسنا الاستحياء لصدقي باشا نفسه، كما تثير في قلوبنا الإشفاق على صدقي باشا. فصدقي باشا أبرع وأشد لباقة من أن يتورط في هذه الهفوة لولا أنه كما قلت في أول هذا الحديث رجل قد تقدمت به السن، وألحَّت عليه العلة، وأثقلته الهموم، واستأثرت به شهوة الفوز.
ولكن ما عسى أن يكون الموقف بعد أن انتهت الظروف بصدقي باشا إلى هذا الحرج. أمن الممكن، أمن المعقول، أمن المباح أن نلقي أعنَّة الحكم لمن لا يستطيع أن يملك أعنَّة نفسه؟ وأن تسند مصائر مصر إلى رجل قد تقدمت به السن، وألحت عليه العلة، وأثقلته الهموم؟
وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على نفسه من تجشم الهول واحتمال الألم والتعرض للخطر، وإذا كان صدقي باشا لا يشفق على وطنه من سياسة العجز هذه التي تدفعه إليها سنه وعلته وهمومه الثقال، فقد يجب أن نشفق نحن على مصالحنا، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة أن يولِّي أمور الحكم في مصر رجلًا لم تتقدَّم به السن ولم تلحَّ عليه العلة ولم تثقله الهموم، وأن نتوسَّل إلى حضرة صاحب الجلالة الملك في أن يُعفِيَ صدقي باشا من الحكم رحمةً له، وإشفاقًا عليه، وضنًّا به على الخطر.
وقد يكون من الحق علينا أن نطلب إلى زملاء صدقي باشا من المفاوضين المصريين أن يُجنِّبوا مصر سياسة العجز والهفوات، وأن يريحوا صدقي باشا من هذا العناء الثقيل الخطر، وسبيلهم إلى ذلك واضحة ميسرة، فسيجمعهم صدقي باشا يوم السبت في بعض الروايات، ويوم الخميس في بعضها الآخر، وسيعرض عليهم ما حمله من بلاد الإنجليز، وهذا الذي حمله من بلاد الإنجليز مخالف للحد الأدنى الذي قررت كثرتهم أنها تستطيع قبوله، وهو مخالف أشدَّ المخالفة لما تستطيع مصر أن تقبله.
وإذن فالنصح للوطن، والنصح لصدقي باشا يقضي برفض ما جاء به صدقي باشا من بلاد الإنجليز، هنالك تقطع المفاوضات، وهنالك تستأنف مصر جهادها، ويفرغ صدقي باشا لصحته، ويُجنَّب المصريون هذا العناء العظيم البغيض.
وما أشك في أن المفاوضين المصريين سيستمعون لهذا الدعاء، فينقذون وطنهم من هذا الخطر، وينقذون صدقي باشا من نفسه أيضًا …
Tag: Anglo-Egyptian negotiations
-
هفوة …
-
تهنئات …
تهنئات …
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٥ أكتوبر ١٩٤٦
حياتنا المصرية رائعة كأروع ما تكون حياة الشعوب، تجري أمورها كلها على خير ما يمكن أن تجري الأمور!
وقد قال الحكيم القديم: ليس في الإمكان أبدع مما كان. فكل شيء في مصر بديع يجب أن نبتسم له ونبتهج به ونتبادل التهنئة؛ لأن حياتنا لم تصل إلى أكثر مما وصلت إليه من السوء، ولم تَنْتَهِ إلى شر ما انتهت إليه من النكر.
وليس في الحياة خيرٌ إلَّا ومن الجائز أن لم يوجد خير أكثر منه وأبعد منه أثرًا، وليس في الحياة شرٌّ إلَّا ومن الجائز أن يكون هناك شرٌ آخر أبغضُ منه وأعظم منه نكرًا. فأيسر ما يجب على الرجل الفطن أن يستقبل الحياة راضيًا بها مطمئنًّا إليها، وأن يحمد الله على أنه لم يصبه بِشَرٍّ مما هو فيه ولم يمتحنه بأسوأ مما يقاسيه.
والواقع أن مصر شهدت أسبوعًا حافلًا بجلائل الأعمال وعظائم الأمور، يجب أن تهنأ به حقًّا، وأن تُهنَّأ به تهنئة خالصة صادقة لا تحفُّظ فيها ولا احتياط؛ فقد أدت الهيئات المصرية كلها واجباتها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات، وخير ما يهنأ به الإنسان تأديته للواجب ونهوضه بالحق واحتماله للتبعات.
وأنا من أجل هذا أكتب هذا المقال راضي النفس باسم الثغر، أريد أن أرضي الناس جميعًا ولا أسوء منهم واحدًا، وأن أهنئ الناس جميعًا ولا أعزي منهم أحدًا. فكل شيء في مصر يدعو إلى الرضا، وكل شيء في مصر يدعو إلى تبادل التهنئة.
أدت هيئة المفاوضات واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات؛ فقد اختصمت وأمعنت في الاختصام، وقد تجادلت وأغرقت في الجدال. وأي قيمة لهيئة المفاوضات إذا لم تختصم فتمعن في الخصومة ولم تشتجر فتغلو في الشجار؟!
لو أن رئيس الوزراء أملى على زملائه إرادته وظفر منهم بالرضا والإذعان لهنئناه وحده بهذا الفوز، ولرثينا لزملائه من هذا الخضوع، ولكن رئيس الوزراء أراد فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فمن الحق أن نهنئ المطيعين بطاعتهم وأن نهنئ العصاة بمعصيتهم. أولئك خدموا أشخاصهم وأحزابهم كما استطاعوا، وهؤلاء خدموا أشخاصهم وأمتهم كما استطاعوا، وأولئك وهؤلاء يستحقون التهنئة لأنهم أرسلوا أنفسهم على سجيتها.
وأي شيء أحق بالتهنئة من أن يمضي الإنسان إلى غايته في غير التواء ولا عوج؟!
وأحقُّ الناس بالتهنئة هذا المثلث الخطير الذي يأتلف من رئيس الوزراء ومن رئيس الحزبين الخطيرين اللذين يستأثران بالكثرة في مجلس النواب. هذا المثلث الخطير تضامن فأحسن التضامن، وتعاون فأتقن التعاون، وقرر أن يمضي في الشوط إلى غايته، وأن يحتمل التبعة مهما تكن ثقيلة محرجة. أراد أن يرفق بالإنجليز حتى لا تُقطَع المفاوضات؛ لأنه يرى في قطع المفاوضات خطيئةً كبيرةً وإثمًا عظيمًا.
وقد ثبت لغضب الغاضبين وسخط الساخطين وهياج الهائجين، ثم دبر الأمر فأحكم تدبيره وقدره فأحسن تقديره. فأمَّا رئيس المثلث فاستقال، وأمَّا صاحباه فثبتا في موقفهما لم يَحِيدا عنه إلى يمين ولا إلى شمال، وليس المهم أن تتحد الكلمة ويأتلف الرأي وتجتمع الصفوف، وتقف مصر متحدة أمام الإنجليز كما تقف بريطانيا العظمى متحدة أمام المصريين.
ليس هذا هو المهم، وإنما المهم أن يتصل حبل المفاوضات ولا ينقطع، وأن تبقى الوزارة في مناصب الحكم ولا تزول عنها. وقد ظفر المثلث بالأمرين جميعًا، فحبل المفاوضات موصول إلى أن يقطعه الإنجليز، والوزارة مستقرة في مناصبها على رغم ما يكتنفها من الأحداث حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
فمن حق هذا المثلث أن نقدِّم له التهنئة الخالصة؛ لأنه أراد فبلغ ما أراد!
وهناك مثلث آخر ليس أقل استحقاقًا للتهنئة من المثلث الأول، وهو هذا الذي يتألف من أصحاب المقام الرفيع والدولة والسعادة: شريف صبري، وحسين سري، وعلي الشمسي. فهذا المثلث قد خاصم المثلث الأول فأمعن في الخصومة، وقاومه فأمعن في المقاومة، واضطره آخر الأمر إلى أن يكشف عن نيته ويلقي آخر ما في يده من الأوراق؛ فيستقيل رئيسه ويستمسك طرفاه الآخران، ويلغي التقاء الهيئتين المتفاوضتين.
ويسافر الوفد البريطاني، وتُوقَف المفاوضات حتى يقطعها الإنجليز، ويُدفَع عن مصر شرٌّ عظيم كانت توشك أن تتورط فيه.
فهذا المثلث الثاني قد أخطأ حين مضى مع المثلث الأول إلى تلك المذكرة البغيضة التي قُدِّمَتْ إلى الإنجليز، ولكنه محا هذه الخطيئة وغسل عن نفسه وضرَّها بموقفه الأخير، واسترد حريته كاملة، وحاول أن يوحد الكلمة ويؤلف القلوب … وليس عليه بأس من أنه لم ينجح؛ فقد حاول الخير ما استطاع فلم يجد إليه سبيلًا؛ فلنهنئ هذا المثلث بخروجه من خطيئة المفاوضات، ولنهنئه بما تفضَّل به عليه رئيس الوزراء من المدح والثناء حين اتهمه بمتابعة الشهوة ومسايرة الأهواء.
وكان من الممكن أن يكون هذا المثلث مربعًا لو أن صاحب الدولة عبد الفتاح باشا يحيى حضر الجلسة الأخيرة لهيئة المفاوضات، ولكنه لم يحضرها لمرضه. وماش الأخير من لاش، وقد حرص الرجل على أن يؤيد أصدقاءه ويشاركهم فيما قدم إليه رئيس الوزراء من تحية، فأصبح هذا المثلث مربعًا منذ اليوم.
وكل شيء جائز، فمن الممكن أن يصبح هذا المثلث مربعًا اليوم ومخمسًا غدًا، فمن يدري؟! لعل رفعة ماهر باشا أن ينضم إليه فيصبح شكلًا مخمس الأضلاع، وقد لا ينضم رفعته إلى هذا المربع فيبقى أمة وحده فيما يلتزم من حياد غامض أو غموض محايد، كما أن مكرم باشا قد ظل أمة وحده فيما التزم من هجوم صريح لا تعريض فيه ولا تلميح.
فهيئة المفاوضات كلها كما نرى خليقة بالتهنئة، وإن اختلفت طبيعة التهنئة وأسبابها. على أن هناك هيئة أخرى جديرة بالتهنئة، وهي هيئة الوزارة التي جاهدت كما لم يجاهد أحد، وانتصرت كما لم ينتصر أحد، وتفوقت كما لم يتفوق أحد. قيل لها مساء السبت إن استقالتها قد رُفِعَتْ إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فقالت: آمين. وقيل لها مساء الثلاثاء إن استقالتها قد رُدَّت إلى رئيس الوزراء، فقالت: آمين! وقال أحد أعضائها في ظُرف: لا أعلم إلَّا أني أصبحت ذات يوم فقيل لي إني لست وزيرًا، وأمسيت ذات يوم فقيل لي إني عُدت وزيرًا!
وكما أن الناس يُهنَّأون بالجراءة والإقدام، فهم يُهنَّأون كذلك بالتواضع والاستسلام.
فلنهنِّئ رئيس الوزراء بإقدامه، ولنهنئ زملاءه باستسلامهم. على أنهم لم يستسلموا جميعًا، فقد شذَّ منهم وزيران في آخر لحظة؛ أحدهما أستاذنا الجليل نائب رئيس الوزراء، رضي الاستقالة وفرح بها في أكبر الظن، وقال لنفسه: بلاءٌ ردَّه الله عنَّا، ومحنة وقانا الله شرَّها. فلما رأى الوزارة عادت إليه قال: حوالينا ولا علينا. وأرسل استقالته إلى رئيس الوزراء، وقطع عليه طريق المراجعة بهذا الحديث الذي أذاعه في الصحف وأسلمه إلى شركات البرق، وسجل فيه سخطه على سياسة الوزارة وتضامنه مع المنشقين من هيئة المفاوضات.
فقد ينبغي أن نسمي هؤلاء السادة — ولا أقول هؤلاء الباشوات كما قال رئيس الوزراء — بهذا الاسم الذي كاد المصريون أن ينسوه وهو اسم المنشقين. فقد انشق صدقي باشا على سعيد يومًا ما؛ فانشق عليه نفرٌ من أصحابه الآن، وشتَّان بين انشقاق وانشقاق.
شذَّ إذن أستاذنا الجليل عن زملائه، وانشق على رئيسه، فعزم بعد تردد وأقدم بعد إحجام، واستحق على هذا كله تهنئة خالصة.
ولست أدري، لعل العدوى أن تكون قد انتقلت منه إلى زميله الأستاذ سابا حبشي باشا وزير التجارة؛ فقد انشق مع المنشقين واستقال مع المستقيلين، ويُقال إنه لم يَرْضَ عن هذه الوزارة التي تُؤخَذ منه وتعود إليه دون أن يكون له في ذلك رأي، وكذلك هنَّأ المحجمون بإحجامهم والمقدمون بإقدامهم والمترددون بترددهم، لا لشيء إلَّا لأنهم يرسلون أنفسهم على سجيتها، ويجرون طبيعتهم كما تستطيع أن تجري.
وقد يُخيَّل إليَّ أن هناك قومًا آخرين يستحقون التهنئة لأنهم هم أيضًا أرسلوا نفوسهم على سجيتها، وأجروا طبائعهم إلى غايتها، وهم هؤلاء السادة الذين يؤلفون الوفد المصري، ويدورون حول مصطفى النحاس كما السوار حول المعصم. فقد قيل لهم في أبريل الماضي: تعالوا نشترك في المفاوضات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نشترك في المعوج من الأمر. ثم قيل لهم في هذه الأيام الأخيرة: تعالوا نصلح ما فسد ونستدرك ما فات. فقالوا: على أي أساس؟ وقالوا: لا نحب الطرق المعوجة ولا السبل الملتوية، وإنما نريد أن نستأنف الأمر كأن لم يكن شيء من قبل.
ثم قالوا لمصر: لا محالفة مع الإنجليز إلَّا أن تصدر هذه المحالفة عن حرية صحيحة واعتراف صريح بالحق، ولا حرية إلَّا أن يتحقق الجلاء، ولا اعتراف بالحق إلَّا أن تتم وحدة وادي النيل.
وقالوا لمصر: لا تغامري ولا تقامري ولا تجعلي من نفسك خادمًا للإنجليز.
وقالوا لمصر: إن أمر القناة كأمر الدردنيل، لا ينبغي أن يكون الدفاع عنه مشتركًا، ولا مقسمًا، ولا وسيلة إلى التدخل في الشئون الوطنية الخاصة، وما ينبغي أن تكون مصر أقل شعورًا بالعزة من تركيا، وما ينبغي أن تخاف مصر من الإنجليز أكثر مما يخاف الترك من الروس، وما ينبغي أن نصدق الإنجليز حين يقولون لنا إن الدفاع عن القناة يجب أن يكون مشتركًا بيننا وبينكم؛ لأنهم يقولون للترك إن الدفاع عن الدردنيل يجب أن يكون مقصورًا عليكم من دون الروس؛ فهم يخدعوننا من غير شك أو يخدعون الترك من غير شك.
هم يخدعون على كل حال، وما ينبغي أن نؤمِّن للمخادعين.
قال رئيس الوفد وزملاؤه: هذا كلام مرسلين أنفسهم على سجيتها، مُجْرِين طبائعهم إلى غايتها، منكرين للطرق المعوجة والسبل الملتوية والعبث بحقوق الشعب وكرامته. ويُخيَّل إليَّ أن هذا الشيء يستحق أن تُقدَّم من أجله التهنئة إلى هؤلاء السادة.
أمَّا التهنئة كل التهنئة، التهنئة الخالصة من كل زيغ، البريئة من كل لبس، النقية كأنها وجه الشمس في يوم صحو واعتدال، فهي التي نقدمها إلى مصر؛ لأن حقائق الأشياء وحقائق الناس قد عُرِضت عليها الآن واضحةً جليةً وناصعةً صافيةً، لا تحتمل شكًّا ولا ريبًا. فمصر ترى الطريق إلى الكرامة والحرية والاستقلال، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى الطريق إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق، ومصر ترى طريق التردد والخوف والإشفاق، هذه الطريق التي تنتهي آخر الأمر إلى الذلة والهوان والاستعباد، وترى الذين يسلكون بها هذه الطريق.
ومصر تستطيع الآن، بعد أن تبيَّنت لها الحقائق ناصعة صافية، أن تختار وأن تعلم وتؤمن بأن الله يبين الخبيث من الطيب، وبأن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبأن الشعب الكريم هو الذي يتجنب مواطن الشبهات، ويمقت الذين يدعونه إلى مواطن الشبهات. -
خلاف (٢)
خلاف (٢)
طه حسين
جريدة صوت الأمة
٢٠ أغسطس ١٩٤٦
أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ أمتفقون هم أم مفترقون؟ راضون هم أم ساخطون؟ أمتفائلون هم أم متشائمون؟
هذه هي الأسئلة التي يلقيها بعض المصريين على بعض وجه النهار وآخره، وفي أول الليل وحين يداعب النوم أعين الساهرين. وليست هذه الأسئلة عبثًا ولا كلفًا بالاستطلاع، وإنما هي صورة صادقة لهذا القلق الذي يملأ القلوب، وهذا الخوف الذي يزعج النفوس، وهذا الأمل الذي يعين الناس على احتمال الحياة ويُهوِّن عليهم لقاء الخطوب. وقد يكون من الغريب أن يجِد المصريون أملًا في القلق، ورجاءً في الخوف، وأن يستحبوا الاختلاف على الائتلاف، ويؤثِروا افتراق الآراء على اتفاق الأهواء، ولكن هذه هي الحقيقة الواقعة التي دفعتها إليها الظروف والتي يجب أن يعرفها رئيس الوزراء وزملاؤه المفاوضون المصريون.
فالشعب المصري يفرح الآن بما تعوَّد أن يحزَن له، ويبتسم الآن لما تعوَّد أن يلقاه بالعبوس.
قيل له إن هيئة المفاوضات قد عرضت على البريطانيين مشروعًا، وإنه آخر ما تستطيع أن تعرض، وقررت أنها لا تستطيع أن تغيِّر منه حرفًا ولا أن تنزل منه عن شيء، وقيل له إن هذا المشروع يسجل الحماية لأنه يعترف للبريطانيين بالمشاركة في الدفاع عن أرض الوطن، ويؤجل المفاوضة المفصلة في شئون السودان بشرط أن يعترف الإنجليز بوحدة وادي النيل في ظل التاج المصري. وقيل له إن في هذا المشروع أمورًا أخرى كلها شر، ولا يكاد يشتمل على خير. فامتلأت نفسه حزنًا وأُفعم قلبه غيظًا. لم ييأس من رَوح الله، ولم ييأس من نفسه، ولم ييأس من قادته وزعمائه الذين عاهدوه مخلصين على أن يجاهدوا في سبيل الحق الوطني حتى يكسبوه أو يموتوا دونه. ولكنه يئس من هؤلاء النفر الذين قبِلوا ما لم يكن ينبغي أن يقبلوا، وعرضوا ما كان يجب عليهم أن يرفضوا، وانتظروا في شيءٍ من الاستجداء وقد وضعوا أيديهم على قلوبهم ليُمسكوها أن تبلغ الحناجر أن يتفضل الإنجليز فيقبلوا عرضهم هذا الذي لا يلائم كرامة ولا حقًّا فضلًا عن أن يلائم اعتزاز المصريين بماضيهم المجيد وأمل المصريين في مستقبلهم الكريم.
وقيل له إن عضوًا واحدًا من هيئة المفاوضين هو مكرم باشا قد أبى أن يشارك في هذه الذلة، وعافَ أن يحتمل هذا الهوان لنفسه ولأمته؛ فوقف من زملائه موقف المعارضة. ثم لم يحتفظ بهذه المعارضة سرًّا بينه وبين زملائه، وإنما أعلنها إلى الشعب إعلانًا، ولم يستقل من هيئة المفاوضات، وإنما أقام في هذه الهيئة رقيبًا خطرًا كما يقيم الرقيب بين الأحياء، وكان عليهم الاستمتاع بجمال النهار وجلال الليل.
ثم قيل للشعب بعد ذلك إن الإنجليز لم يلطفوا ولم يرفقوا، ولم تعرف قلوبهم شيئًا من اللين، ولم تشعر نفوسهم شيئًا من الرحمة لهؤلاء المتهالكين المنتظرين، وإنما خوفوا وحذروا وأرسلوا آخر ما عندهم إلى هؤلاء السادة ليقبلوه أو يرفضوه. فإن كانت الأولى بلغوا الرضا وظفروا بالحظوة، واستقبلوا الأيام في ثقة وأمن، وإن كانت الثانية أضاعوا الفرصة وفقدوا الحظوة، وعرَّضوا أنفسهم لعبث الخطوب وتقلب الأحداث.
هنالك جزعت قلوب وهلعت نفوس وزاغت أبصار. وهنالك ثابت قلوب إلى بصائرها، وآبت نفوس إلى رشدها، وانقسم المفاوضون إلى فريقين: فريق خائف يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن ومهما تكن نتائجها، وفريق واثقٌ بنفسه وشعبه وحق مصر في العزة والكرامة، وإباء مصر للضيم والهوان، ورفضها أن تذعن للتحريف والتحذير. وهو من أجل ذلك لا يريد أن يمضي المعاهدة مهما تكُن نتيجة هذا الرفض.
فريق يفكر في نفسه وفي منافعه العاجلة، لا يرجو للشعب وقارًا ولا يحسب لرضاه وغضبه حسابًا، بقيت له أعوام يريد أن ينفقها في هذه الحياة مستمتعًا بالسلطان وما يستتبعه السلطان من حول وطَوْل ومن نفوذ وجاهٍ، لا يتحرج أن يفرض نفسه على الشعب فرضًا، وأن يقيمها دكتاتورية تلبس ثوب الديمقراطية ويتخذ زينتها، وهو من أجل ذلك يؤثر قبول المعاهدة على رفضها.
وفريق آخر يخاف أن يمنعه ضميره من النوم، وأن ينغص الندم عليه صفو الحياة إن قبل ما لا ينبغي أن يُقبل وقصَّر في ذات الوطن وفرَّط في حقه، وهو يحسب لرضى الشعب وغضبه الحساب كل الحساب، ويريد أن يذكره الناس بالخير أثناء حياته، وأن يسجل التاريخ له احتفاظه بالكرامة وإباءه للضيم، وألَّا يذكره الناس فيقولوا آثر نفسه على أمته، وآثر العاجلة على الآجلة، ونزل عن حق الشعب وهو لا يملك أن ينزل عن حق الشعب. وهذا الفريق يأبى من أجل هذا كله أن يقبل المعاهدة وأن يجيب الإنجليز إلى ما يريدون.
فقد كان الشعب المصري يائسًا من المفاوضين جميعًا إلَّا واحدًا، فلما أذيعت فيه أنباء الخلاف ضاق اليأس واتسع الرجاء. فقد قيل له إن خمسة من المفاوضين يرفضون مشروع المعاهدة الذي يعرضه الإنجليز، وخمسة أكثر من واحد، فقد اطمأنَّ الشعب إذن إلى أن أربعة آخرين من أبنائه يريدوا أن يستمسكوا بالحق ويحتفظوا بالكرامة، فما له لا يبتهج بهذا الاختلاف، وما له لا يفرح لهذا الانقسام، وهو يرد إليه نفرًا من أبنائه كادوا يفلتون منه ويتجاوزون ما يرضيه.
بل ما له لا يرجو أن يكون في هؤلاء الخمسة أو الأربعة قدوة صالحة وأسوة حسَنة للذين يظهرون كلفًا برضى الإنجليز وشغفًا بمودتهم، فالشعب المصري لا ييأس من رَوح الله؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلَّا القوم الكافرون. والشعب المصري يعلم أن الخير يدعو إلى الخير كما أن الشر يغري بالشر. فمن يدري لعل إباء هؤلاء الخمسة الأباة أن يزين في قلوب زملائهم الآخرين حبَّ الإباء للضيم والامتناع عن الذل وموقف الدفاع عن الحق. من يدري لعل الرافضين لهذا المشروع أن يكسبوا زملاءهم كلهم أو بعضهم، ولعل هذا أن يجنب مصر هذا الخزي العظيم، خزي الاستسلام في غير موضع للاستسلام والخنوع في غير داعٍ للخنوع.
من أجل هذا كله يلقي بعض المصريين على بعض في كل لحظة هذا السؤال: أمختلفون هم أم مؤتلفون؟ وفي نفوس المصريين أمل إن لم يتحقق كله، فهم حِراص على أن يتحقق بعضه فهم يأملون أن يأتلِف المفاوضون جميعًا وتتفق كلمتهم على رفض المعاهدة، فإن لم يكُن إلى هذا سبيل فهم يأملون أن يختلفوا وأن يكثر عدد الرافضين؛ لأن معنى هذا الخلاف أن جماعة من أبناء مصر سيبقَوْن في حظيرة مصر، وسيأبون أن يوقعوا بأيديهم صك الذل الذي يُراد أن يُفرض على مصر.
حاشية: جاء في المقال الذي نشرته لي جريدة «صوت الأمة» بعنوان «عبث» بتاريخ ١٢ أغسطس سنة ١٩٤٦ ما يأتي: وأذكر أني كتبت ذات يوم فصلًا في البلاغ أعيب فيه هذه الشركة، وأبيِّن مناقضتها للاستقلال. وكان مستر بيفن يلهج بها ويرغبنا فيها، فلم تمضِ ساعات على ظهور البلاغ حتى تحدث إليَّ متحدث بالتليفون يهنئني بهذا الفصل، ويطلب إليَّ أن أكتب أمثاله وأُبَغِّض هذه الشركة إلى الشعب؛ لأنها تلغي الاستقلال إلغاءً، وكان المتحدث إليَّ بالتليفون هو أستاذنا الجليل وزير الخارجية والعضو في هيئة المفاوضات. وقد ظن بعض الناس أن هذا الحديث جرى بين الأستاذ الجليل وبيني أثناء اشتراكه في الوزارة القائمة، فأحب أن أقرر أنه إنما جرى أثناء وزارة النقراشي باشا. -
في السودان
في السودان
طه حسين
جريدة البلاغ
١٨ أبريل ١٩٤٦
من حق المفاوضين المصريين والإنجليز الذين سيبدءون مفاوضتهم بعد أيام، والذين سيُمهِّدون لها منذ اليوم حين يلتقون على مائدة العشاء في السفارة البريطانية، من حق هؤلاء المفاوضين أن يبتهجوا كل الابتهاج؛ لأن الحاكم العام للسودان قد حطَّ عنهم عبئًا ثقيلًا، وأراحهم من مشكلة خطيرة، وضمن لهم أن مفاوضاتهم ستكون يسيرة قصيرة، لا تحتاج إلى أخذٍ وردٍّ، ولا إلى جدالٍ ومراءٍ؛ فقد حلَّ حاكم السودان مشكلة السودان قبل أن تبدأ المفاوضات، وكفى الله المصريين والإنجليز عناء البحث والدرس، ومشقة التنقيب والتمحيص.
وقد قرأ المصريون والسودانيون خطبة الحاكم العام في المجلس الاستشاري، وقرأها الإنجليز كذلك، وعرفوا جميعًا أن الحاكم العام قد قرر أن أمر السودان لن يُقطع فيه برأي حتى يُستفتَى إخواننا السودانيون بالطرق الدستورية. وقرر كذلك أن عشرين سنة على الأكثر لن تمضي حتى يكون السودان دولة مستقلة يختار مصيره الذي يريده، وينهض بتدبير شئونه كلها، مستعينًا على ذلك ببعض الخبراء من غير السودانيين. ومعنى ذلك أن السودان لن يكون موضوعًا لمفاوضات مجدية في هذه المرة، إلَّا إذا كان الغرض من هذه المفاوضات إقناع الهيئة المصرية بهذا الرأي البريطاني الذي يحتم الاستفتاء من جهة، ويحدد أجلًا للاستقلال السوداني التام من جهة أخرى.
ويجب أن ننصف الحاكم العام للسودان، فهو لا يقول هذا الكلام الذي قاله من عند نفسه، وأنه يعتمد من جهة على تصريحات المستر بيفن، وزير الخارجية البريطانية، ويعتمد من جهة أخرى على المذكرة المصرية التي أرسلها النقراشي باشا، إلى الحكومة البريطانية، وسجَّل فيها رأي الحكومة المصرية في أن تستوحي أماني السودانيين في تقرير مصير السودان.
فالحاكم العام يعبر إذن عن رأي الحكومتين اللتين يمثلهما في منصبه، ولكن المهم هو أن نعلم إلى أي حد يعبر رأي الحكومتين عن ميول المصريين والسودانيين، وعما يؤمنون به فيما بينهم وبين أنفسهم. وقد أنكر المصريون جميعًا على حكومة النقراشي باشا ضعف مذكرتها جملةً وتفصيلًا، وعابوا عليها طريقة عرضها لمسألة السودان في مذكرتها، وطلب الوفد المصري حسب هذه المذكرة التي اعتبرتها كارثة وطنية كبرى.
وليس من شك في أن المصريين قد أقروا وفدهم على ما طلب، ولكن النقراشي باشا لم يحفل بمعارضة الأمة المصرية، ولا باحتجاج الوفد الرسمي؛ لأنه كان يعتقد أن العناية الإلهية قد ألقت عليه أعباء الحكم، ووكلت إليه مصر والسودان، فكانت مذكرته إذن وحيًا من هذه العناية الإلهية لا يصح أن تنقد، ولا ينبغي أن تكون موضوعًا للاعتراض، ومن ذا الذي يستطيع أن يعترض على ما تلقيه العناية الإلهية في روع بطلها المختار حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا.
مهما يكن من شيء، فقد سجل النقراشي باشا على حكومته هذه النظرية السخيفة، نظرية الاستفتاء، وهو لم يسجلها عفوًا، وإنما مهَّد لها تمهيدًا متصلًا طويلًا؛ فقد أرسل رسولًا إلى لندن كما كان الرئيس روزفلت يرسل رسلًا إلى عواصم الدول الكبرى، وأذاع رسوله ذاك في لندن أحاديث لم ينسها الناس بعدُ، ولم ينسوا ما أثارت من سخط، وكان مما أذاع في هذه الأحاديث الدعوة إلى هذه البدعة السخيفة؛ بدعة الاستفتاء.
ومع أن المصريين — على اختلافهم — قد نبهوا إلى خطر هذه البدعة وحذروا الحكومة من شرها؛ فإن النقراشي باشا لم يُرِد أن يتنبه ولا أن يحذر، وإنما أصرَّ على هذه البدعة إصرارًا؛ لأنها كما قلت قد كانت وحيًا ألقته العناية الإلهية في قلبه الكبير.
وليس الغريب أن النقراشي باشا قد سجَّل هذه البدعة في مذكرته، وإنما الغريب أن الإنجليز حين ردُّوا على مذكرة النقراشي باشا لم يحفلوا بتسجيله لهذه البدعة، ولم يريدوا أن يعيدوا تسجيلها في مذكرتهم، وإنما أخذوا علمًا — كما يقولون — بأن الحكومة المصرية تريد أن تتحدث في أمر السودان. ومعنى هذا أن النقراشي باشا قد أرضى الإنجليز قبل المفاوضات وأعطاهم من أمر السودان ما كانوا يريدون أن يأخذوا، وما كانوا يقدرون أنهم لن يأخذوا إذا حزم المصريون أمرهم، ووكلوا أمور سياستهم مع الإنجليز إلى الذين يحسنون الثبات للإنجليز، ويعرفون كيف يستخلصون منهم الحقوق. أعطاهم النقراشي باشا ما أرادوا أن يأخذوا من أمر السودان، فمهَّد لقصة الاستفتاء، ثم سجَّل هذه القصة في مذكرته، وأخذ الإنجليز علمًا بهذا التسجيل، وبلغوا ذلك للنقراشي باشا، فقبله واطمأن إليه.
وكان المعقول بعد أن استقالت وزارة النقراشي باشا ونهض صدقي باشا — شفاه الله — بأعباء الحكم أن تسترد الحكومة الجديدة مذكرة الحكومة السابقة، وأن تغير أساس المفاوضات، ولا سيما وقد كان صدقي باشا منكرًا لهذه المذكرة، ومنكرًا للرد عليها. صرَّح بذلك في أحاديثه، وسجَّل ذلك في مقالاته التي نشرتها الصحف، ولكنه لم يسترد المذكرة ولم يُغيِّر أساس المفاوضات، وصرَّح كما صرَّح النقراشي باشا من قبله بأنه سيدخل المفاوضات حرًّا من كل قيد.
وقد حذَّره المُحذِّرون من أن هذه التصريحات لا تغني شيئًا مع الإنجليز ما دامت هناك مذكرات مكتوبة تقيد حرية المفاوضات، ولكنه لم يحفل بذلك ولم يلتفت إليه. ولما طلب إلى الوفد المصري أن يشارك في المفاوضات أبى الوفد المصري هذه المشاركة إلَّا إذا كتبت الحكومة المصرية إلى بريطانيا العظمى مذكرة تحرر نفسها فيها من مذكرة النقراشي باشا والرد عليها. فلم يقبل صدقي باشا هذا الطلب، ولم يرد أن يناقشه، وإنما اكتفى بما صرح به هو، وبما صرح به النقراشي باشا من قبله للمصريين بأن المفاوضات ستكون حرة من كل قيد.
وقد أُلِّف الوفد الرسمي للمفاوضات، وصرَّح بعد ذلك وزير الخارجية البريطانية برأيه في السودان، وهو يطابق رأي الحاكم العام، فثارت الصحف وأنكرت واحتجت، ولكن صدقي باشا لم يقل شيئًا، لم يثر، ولم ينكر، ولم يحتج، وإنما آثر الصمت وأغرق فيه. وقد سأل الصحفيون أستاذنا وزير الخارجية عن رأيه في هذا التصريح فأجاب بأنه يدرسه، ولم تعرف نتيجة درسه إلى الآن.
وقد قرأ المصريون أن السفير البريطاني قد سافر إلى وادي حلفا، ولقي هناك الحاكم العام للسودان، ثم عاد إلى القاهرة. وها نحن أولاء نقرأ اليوم خطبة الحاكم العام التي ألقاها في المجلس الاستشاري، ورأيه في مصير السودان، وأكبر الظن أنه قد أظهر السفير البريطاني على هذا الرأي قبل أن يذيعه، وأكبر الظن أن السفير البريطاني قد أذن له في إذاعته، والسفير البريطاني لا يمثل حكومته في مصر فحسب، ولكنه عضو في الوفد البريطاني للمفاوضات.
وما أظنني في حاجة إلى أن أتعمق هذا الموضوع، وإنما يكفي أن أقول: إني كنت أودُّ كما كان المصريون جميعًا يودُّون لو لم يلق الحاكم العام خطبته هذه بعد مقابلة السفير.
على أن هناك سؤالًا يجب أن يلقيه المصريون على صدقي باشا أولًا، وعلى أنفسهم ثانيًا، فهل استشار الحاكم العام رئيس وزارتنا المصرية في خطبته هذه قبل إلقائها، فالحاكم العام لا يمثل البريطانيين وحدهم، وإنما يمثل المصريين أيضًا، وهو موظف مصري يعين بمرسوم ملكي مصري، ويجب أن يصدر في أعماله كلها عن إرادة الحكومتين ورأيهما، لا عن إرادة حكومة واحدة أو رأيها. فإحدى اثنتين: إمَّا أن يكون الحاكم العام قد صدر عن رأي الحكومة المصرية حين قال ما قال، وإذن فقد عرف رأي الحكومة المصرية في مسألة السودان، وهو مخالف كل المخالفة لوحدة وادي النيل التي أجمع عليها المصريون والسودانيون، وأنا واثق بأن الحكومة المصرية لم تعلن رأيها بعدُ، ولم تخرج على إجماع المصريين. وإذن فهي الثانية، وهي أن الحاكم العام لم يستشر الحكومة المصرية ولم يصدر عن رأيها، وإنما استشار الحكومة البريطانية، واعتمد على مذكرة النقراشي باشا بعد أن فهمها كما أراد أن يفهمها، وبعد أن فسرها التفسير الذي يلائم هواه.
وإذن فما جزاء الموظف الكبير الذي يخالف عن أمر الذين وظفوه، ويخلق لهم المصاعب، ويثير أمامهم المشكلات، جزاؤه بسيط جدًّا: هو أن يستقيل أو يُقال. ولكن الحاكم العام للسودان لن يستقيل ولن يُقال؛ لأنه لا يمثل صدقي باشا وحده، وإنما يمثل المستر بيفن أيضًا. والمستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، ولبريطانيا العظمى جيوش ضخمة في مصر والسودان ما تزال ترابط في القاهرة والإسكندرية والخرطوم وغيرها من المدن.
فصدقي باشا ضعيف بالقياس إلى المستر بيفن، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يقيل الحاكم العام، ولا أن يحمله على الاستقالة. والغريب مع ذلك أننا سنبدأ مفاوضات حرة من كل قيد تقوم على أساس المساواة بين الندَّين.
ألا يرى المصريون أن في هذا كله فكاهة مرة تملأ القلوب حزنًا وألمًا، وترسم على الثغور ابتسامًا خير منه العبوس؟!
ألا يرى المصريون أن حكومات القلة أضعف وأعجز من أن تغني عنهم شيئًا؟! حكومة النقراشي باشا تبتدع نظرية الاستفتاء، وحكومة صدقي باشا لا تستطيع أن تلغي هذه النظرية السخيفة، والشعب المصري يقول ويقول ويلح في القول كل الإلحاح، فلا يسمع له صدقي باشا كما لم يسمع له النقراشي. ثم يأتي الحاكم العام للسودان فيعلن أن مصير السودان لن يتقرر إلَّا بعد الاستفتاء من جهة، وأن استقلال السودان التام سيتحقق بعد عشرين سنة.
كما يحب المصريون أن يعرفوا موقع هذا التصريح في نفس رئيس وزرائنا، وفي نفوس أعضاء الوفد الرسمي للمفاوضات. أمَّا موقعه في نفوس المصريين فما نظنه يحتاج إلى بيان، ولكن من ذا الذي يحفل بالمصريين؟ إن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، وإن عليهم ألَّا يخلقوا المصاعب ولا يثيروا المشكلات أمام صدقي باشا حتى لا تتعرض المفاوضات للإخفاق.
ليت صدقي باشا يقول مثل هذا الكلام للبريطانيين، فإن المفاوضات تجري بين طرفين، فليس من العدل أن يفرض على أحد هذين الطرفين ما لا يفرض على الطرف الآخر، ليت صدقي باشا يطالب الإنجليز في إباء يصور الكرامة المصرية بأن يشاركوه لوم الحاكم العام، وفي إقالته إذا أبى أن يستقيل. -
تهالك
تهالك
طه حسين
جريدة البلاغ
٢١ مارس ١٩٤٦
أشارت بعض الصحف منذ أيام إلى أن حليفتنا العزيزة ليست متعجلة في اختيار المندوبين الذين يمثلونها في مفاوضات صدقي باشا. وكان رئيس وزرائنا العظيم في الإسكندرية يستريح من عناء الأعمال، أو يستزيد من عناء الأعمال، أو يجمع بين العمل والراحة كما تعود أن يجمع بين المتناقضات؛ لأنه جمُّ النشاط على رغم الأحداث والخطوب.
كان في الإسكندرية يعمل أو يستريح، أو كان في الإسكندرية يعمل ويستريح، حين قرأ هذه الإشارة العابرة في بعض الصحف، فلم تكن هذه الإشارة عابرة بالقياس إليه، وإنما كانت إشارة مستقرة ملحة في الاستقرار قامت أمامه لا تزول، لا تنحرف إلى يمين ولا إلى شمال، وإنما تثبت في مكانها كأنما شدَّت إليه بأمراس الكتان. ويريد رئيس الوزراء أن يحول بصره عنها فلا يستطيع، وإذا هي تثير في نفسه قلقًا، وإذا القلق يستحيل إلى خوف، وإذا الخوف يستحيل إلى فزع، وإذا رئيس الوزراء يتصل بلندرة فيما يقول. والأسباب للاتصال بلندرة كثيرة، منها التليفون ومنها البرق، ومنها الموجات النفسية التي تخترق حجب الغيب دون أن تخترق أجواء السماء، ومنها الخيال الذي يطوف بأقطار الأرض، بل يطوف بأجواء الكواكب الأخرى وصاحبه مقيم في مكانه لا يريم.
اتصل رئيس الوزراء بلندرة في الحال على أجنحة الحق أو على أجنحة الخيال، ثم عاد من لندرة. وكان ذهابه إليها وعودته منها أقصر من لمح البصر، والشاعر العربي يقول:
ما بين طرفة عين وانفتاحتها يغير الله من حال إلى حال
ذهبت نفس رئيس الوزراء إلى لندرة كئيبة ساخطة، وعادت منها مجبورة راضية، فلم تستقر في الإسكندرية إلَّا ريثما اتصلت بالقاهرة، واتصلت بالقاهرة من طريق التليفون فأملت على صحف كثيرة لا على صحيفة واحدة ما يزيل هذا القلق الذي ألم بالنفوس، وهذا الخوف الذي روع القلوب، وهذا الفزع الذي أزعج الضمائر عن مواضعها.
أملتْ على كثير من الصحف أنباء هذه الرحلة القصيرة السريعة الخصبة بين الإسكندرية ولندرة. هذه الرحلة التي عادت بالنبأ اليقين إلى صدقي باشا قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فملأت قلبه أمنًا وثقةً واطمئنانًا، لأنها نفذت إلى أعماق وزارة الخارجية البريطانية، بل إلى أعماق نفوس المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية، ثم عادت تقول كذب المنجمون ولو صدقوا، وكذبت شركات البرق وإن لم تقل إلا حقًّا، وكذبت تنبؤات الصحف وإن قرأت في أسرار الغيب. وعادت تقول: إن الحكومة البريطانية ليست متمهلة ولا مستأنية ولا محبة للإبطاء في اختيار المفوضين، ولكنها ستعينهم فورًا في التو والساعة قبل أن يرتد إلى صدقي باشا طرفه مرة ثانية، قبل أن ينقطع حديث التليفون، قبل أن تقف أقلام الكتاب عن الحركة، قبل أن تصدر الصحف، وقبل أن يقرأها القراء. فما ينبغي أن تعين مصر ممثليها في المفاوضات وتتأخر بريطانيا العظمى في تعيين هؤلاء الممثلين.
وليست رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات بأقل من رغبة مصر، وليست حاجتها إلى المفاوضات بأقل من حاجة مصر. وقد دل كل شيء وما زال كل شيء يدل على أن بريطانيا العظمى تحب التعجيل كل الحب، وتبغض التأجيل كل البغض. وآية ذلك أنها عذبت النقراشي باشا عذابًا شديدًا لكثرة ما ألحت عليه في طلب المفاوضات، فكان النقراشي باشا بين نارين، بل بين نيران؛ نار المستر بيفن الذي يدعوه إلى المفاوضات، ونار صدقي باشا الذي يدفعه إلى المفاوضات، ونار مكرم باشا الذي يحثه على المفاوضات، ونار الشعب المصري الذي يطالبه بالمفاوضات. فلما ترك النقراشي باشا منصب الحكم ووثب إليه صدقي باشا؛ اشتدت رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات اشتدادًا أشمت فيها العدو، وأخاف عليها الصديق، وملأ قلب صدقي باشا رحمة وحنانًا، فتعجل الإجراءات للدخول في المفاوضات، وما هي إلَّا أيام قليلة أو كثيرة حتى اختار المفوضين واستصدر المرسوم بتعيينهم.
وفي أثناء ذلك تنشر الصحف أن بريطانيا متمهلة لا متعجلة! كلام فارغ ما في ذلك شك؛ فبريطانيا متعجلة كل العجلة، مسرعة كل الإسراع، متهالكة أشد التهالك. بذلك جاءت الأنباء إلى صدقي باشا يوم الجمعة الماضي في الإسكندرية حين كان فيها يعمل أو يستريح أو حين كان فيها يعمل ويستريح. وبذلك حدثتنا الصحف صباح السبت؛ فاطمأنت مصر إلى أن حليفتها العزيزة لا بأس بها ولا خوف عليها من تأخر المفاوضات. وقضى الناس يوم السبت يعتقدون أن أمور الحليفتين الحبيبتين؛ حكومة صدقي باشا في القاهرة وحكومة المستر إتلي في لندن تجري على خير ما تحبان، والله عز وجل يؤلف بين القلوب وإن كانت متنافرة، ويلائم بين النفوس وإن كانت متباعدة، وينشئ الحب بين حكومة رأس المال في مصر وحكومة الاشتراكية في لندرة، ويعطف الضد على الضد والنقيض على النقيض. ولذلك لم يشتق حبيب قط إلى حبيب كما اشتاقت حكومة رأس المال في مصر إلى حكومة الاشتراكية في لندرة، ولم يكلف عاشق قط بعاشق كما كلفت حكومة الاشتراكية في لندرة بحكومة رأس المال في القاهرة.
ومن أجل هذا اطمأن الناس في مصر وفي بريطانيا العظمى يوم السبت الماضي إلى أن الحبيبين يتعجلان اللقاء بعد أن طال الفراق، وإلى أن العاشقين يتعجلان الوصال بعد أن اشتد الهجران. وتغرب الشمس ثم تشرق، وإذا العواذل قد أفسدوا كل شيء، وإذا الوشاة قد أجَّلوا ما كان حقه التعجيل، وإذا الرقباء قد نزغوا بين الحبيبين كما ينزغ الشيطان بين المرء ونفسه. فظلت بريطانيا العظمى متمهلة لا تختار المفوضين ولا تسميهم ولا تعينهم ولا ترسلهم، وإنما ترسل السفير. على حين تتعجل مصر وتسرف في التعجل وتسرع مصر وتغلو في الإسراع، فتحرق السفن من ورائها وتلغي الشعب المصري إلغاءً، وتختار المفوضين من القلة القليلة بعد أن عجزت عن اختيارهم من الكثرة الكثيرة. وما أسرع ما تغيرت الحال، وأصبح لسانها ينشد في كثير من الحزن والاكتئاب قول عمر بن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
وهذا المتيم بالطبع هو صدقي باشا الذي قربت بريطانيا العظمى له ولأصحابه أسباب المنى، فجعل يقيس ذراعًا كلَّما قاس المستر إتلي أو المستر بيفن أصبعًا. ويكفي أن تنظر فترى مصر قد خطت خطوات واسعة بعيدة كأنها خطوات المردة في سبيل المفاوضات. فكم قطع سفيرنا أجواء الفضاء بين لندرة والقاهرة وبين السفارة والوزارة في لندرة! ثم كم تحمل صدقي باشا من جهد وكم حمَّل الأمة نفسها من جهد ليهيئ للمفاوضات ويخلق لها الجو الملائم! ثم كم ذاد صدقي باشا النوم عن عينيه وعن أعين الناس ليؤلف وفد المفاوضات! فهو لم يقس ذراعًا وإنما قاس أذرعًا. على حين ظلت بريطانيا العظمى هادئة نائمة — أو كالنائمة — لم تختر المفوضين، وإنما اختارت السفير. ولم تكد تختار السفير حتى مرض، ولعله مرض قبل أن تختاره. وجعل الشفاء يبطئ في سعيه إلى السفير، وجعل الأطباء يتعللون على المريض؛ منهم من يأذن له بالإبلال، ومنهم من يلح عليه في الانتظار.
وفي أثناء ذلك كانت مصر تقيس ذراعًا وذراعًا وذراعًا حتى تعبت من القياس، ثم أذن الله لبريطانيا العظمى فقاست أصبعًا واحدة لم تزد عليه شيئًا وأرسلت إلينا السفير.
وكذلك أصبح الناس يوم الأحد الماضي وإذا الشركات البرقية تناقض صدقي باشا أشد المناقضة، وتلح في أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين، وليست متعجلة في اختيارهم، ولعلها لا تحتاج إلى اختيارهم، فالسفير فيه الكفاية. ومن الناس من يعد بالعشرات والمئات والألوف أحيانًا، فقد يكون السفير رجلًا من هؤلاء الناس الذين يعد الواحد منهم بالعشرات أو بالمئات. والمهم أن الصحف وشركات البرق قد ناقضت يوم الأحد ما أكده صدقي باشا يوم السبت.
وكانت الأهرام ماكرة ماهرة، فهي قد احتجبت يوم السبت كدأبها في كل أسبوع، فلما ظهرت يوم الأحد اختصرت الطريق لقرَّائها، وعرضت عليهم تصريح صدقي باشا وتصريح روتر، ولم تعلق بشيء لأنها حريصة دائمًا في الحياد.
وقد انقضى الأسبوع أو كاد ينقضي، وكل شيء يعلن أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين إلى الآن. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقد عرف صدقي باشا كيف يستفيد من حكمة الحكماء، وكيف ينتفع بشعر الشعراء، فقرر منذ يومين أو أيام أنه سيسلك مع الصحفيين مسلك عَبْدَةَ صاحبة بشار في البيت المشهور:
وإذا قلت لها جودي لنا خرجت بالصمت من لا ونعم
ولذلك أعلن للصحفيين أنه لن يتحدث إليهم من أمر المفاوضات بشيء، حتى تنتهي إمَّا إلى جنة وإمَّا إلى النار.
هذا كله والمفاوضات لم تبدأ بعد، وإنما هي سر من أسرار الغيب، وما زالت مصر — أستغفر الله — ما زالت حكومة مصر مقيمة هائمة تقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا، وهي قد قاست أمس أذرعًا كثيرة على حين لم تقس بريطانيا العظمى أصبعًا ولا بعض أصبع. فقد وصل السفير البريطاني أمس إلى بورسعيد ثم إلى القاهرة، والقرَّاء قد رأوا في الصحف بالطبع كيف استُقبل السفير في بورسعيد وفي القاهرة. فالقرَّاء يعلمون أن الوزراء المفوضين يأتون إلى مصر في كل يوم يمثلون دولًا مختلفة، فلا يستقبلون مثل هذا الاستقبال ولا قريبًا منه، ولا يلقون مثل هذا الاحتفاء. فما الذي يميز السفير البريطاني الذي لم يقدم أوراق اعتماده بعد من سائر الوزراء والسفراء بالقياس إلى بلد مستقل يريد أن يستكمل استقلاله، وألَّا يعترف بمركز ممتاز لدولة من الدول.
ألا يرى القارئ أن صدقي باشا ما زال يقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا؟ ألا يوافقني صدقي باشا على أن السفير البريطاني الجديد قد جاء كما يجيء غيره من ممثلي الدول، فكان يجب أن يُستقبل كما يُستقبل غيره من ممثلي الدول لا أكثر ولا أقل؟ ذلك أجدر أن يُشعر بريطانيا العظمى بأننا نؤمن بالاستقلال على أنه حقيقة لا مظهر، وذلك أجدر بأن يشعر السفير البريطاني بأننا نُقبل على المفاوضات أحرارًا لا نتقيد بشيء. نُقبل عليها كما يقبل الند لمفاوضة الند، لا كما يقبل الصغير على مفاوضة الكبير. ستذكر المجاملات! فليست بريطانيا العظمى أحق بأن تمتاز من غيرها من الدول بمجاملات خاصة، ولا سيما في هذه الأيام. ولكن صدقي باشا أو لسان الحال التي تتحدث عن صدقي باشا لا تستطيع أن تنسى قول ابن أبي ربيعة:
وقربنا أسباب المنى لمتيم تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا
متى يتاح لمصر أن تقيس أصبعًا كلما قاست بريطانيا أصبعًا، وأن تعرف أن الاعتدال في المجاملة هو خيرُ ما يمتاز به الوطن الكريم؟