Tag: anti-colonial critique

  • من بعيد … رسل البغضاء …

    من بعيد … رسل البغضاء …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣ سبتمبر ١٩٦٠

    لست صاحب هذا العنوان، وإنما أستعيره من كاتب فرنسي معروف جعله عنوانًا لمقال له في صحيفة الفيجارو. وهذا المقال يصوِّر أروع تصوير وأبرعه نفوس المحافظين من أنصار الاستعمار، وعقولهم وضمائرهم وقلوبهم أيضًا، فهم لم يسيغوا ولن يسيغوا آخر الدهر هذه الظاهرة التي يمتاز بها العصر الذي نعيش فيه، وهي ظاهرة الطموح إلى الحرية والجد في سبيل الظفر بها والوصول إليها آخر الأمر. وهذه الظاهرة، كارثة بالقياس إلى هؤلاء المحافظين من أنصار الاستعمار؛ ذلك أنهم يؤمنون في أعماق نفوسهم بشيئين خطيرين: أحدهما المال والآخر السلطان، وما يكون له من بُعد الصوت وعلو الكلمة وارتفاع المكانة. فكل غني من هؤلاء المحافظين مستثمر لماله كله أو بعضه في مستعمرة أو في غير مستعمرة من المستعمرات التي يسيطر عليها وطنه، فإذا تحررت هذه المستعمرة أو طالبت بحريتها واشتدت في هذه المطالبة فهي مؤذية لهذا الغني في ماله أولًا، وفي سلطان وطنه ومكانته بعد ذلك. وكل فقير من هؤلاء المحافظين يغنيه سلطان وطنه، وارتفاع مكانته بين الأوطان، وبُعد صوته في أقطار الأرض عن المال، أو قل يعزيه عن المال ويثير فيه كثيرًا من الكبرياء، ويغري به الغرور ويخيل إليه أنه شارك من قريب في هذا السلطان المنتشر وفي هذا الصوت البعيد وفي هذه المكانة الرفيعة.

    فكل مستعمرة تتحرر أو تطالب بالحرية وتلح في هذه المطالبة؛ تؤدبه في كبريائه، وتطاطئ من غروره، وتلقي في روعه أن وطنه قد أخذ يضعف قليلًا أو كثيرًا، وأن له حظه من هذا الضعف، وأنه منتهٍ غدًا أو بعد غد إلى أن يرى وطنه قد انحط من مكانته الرفيعة إلى مكانة أدنى منها، وأنه يشارك في هذا الانحطاط من قريب جدًّا. وهو من أجل ذلك كزميله الغني، مبغض لتحرر المستعمرات، مبغض لمطالبتها بالحرية، ضيق بوطنه حين لا يملك القوة على سحق هذه المستعمرة المتمردة وردها إلى الذل والهوان وإكراهها على أن تؤمن بأنها خُلقت للذل وخُلق الذل لها، وبأنها خُلقت للطاعة وخُلقت الطاعة لها، وبأنها فُطرت على الاستعباد، وكُتب عليها أن تجدَّ وتكدَّ وتذوق ألوان البؤس والشقاء؛ ليزداد الغني غنًى وليزداد حظ المستكبر المستعلي من الكبرياء والاستعلاء والغرور. وليس أسهل على نفوس هؤلاء المستعمرين من أن تعكس حقائق الأشياء وتردها إلى أضدادها، فليس المستغل المستذل الذي يسخر الناس لتحقيق منافعه هو الذي يظلم هؤلاء الناس ويدفعهم بظلمه إلى أن يبغضوه ويثوروا به حين تُتاح لهم الفرصة للثورة به، وإنما الشعب الذي طال استذلاله واستغلاله ثم أحس وجوده وشعر بحقه في الحياة الكريمة وطالب بهذا الحق، هو الظالم وهو الباغي وهو المعتدي؛ لأنه يُنقص ثراء الأغنياء وكبرياء السادة ويطاطئ من مكانتهم الرفيعة، وهو يغري الشعوب التي شاركته في الذل والاستعباد بأن تثور كما ثار وتطالب بحقها في الحرية والكرامة كما طالب بهما.

    فهو إذن ناشر للظلم والبغضاء، وهو من أجل ذلك مفسد في الأرض، وكل من أقره على مطالبته بالحرية أو أعانه على بعض أمره بعد ظفره بهذه الحرية مشاركٌ له في الظلم ومفسد مثله للأرض.

    ومن أجل هذا كله أنشأ ذلك الكاتب الفرنسي المعروف مقاله، ومن أجل هذا كله نشرت صحيفة الفيجارو له هذا المقال؛ ذلك لأن هذا الكاتب في أكبر الظن من الذين أسهموا في استغلال المستعمرات، ومن الذين أسهموا في استغلال قناة السويس حين كانت قناة السويس خاضعة لسلطان تلك الشركة البائسة، وهو من أجل ذلك ساخط كلما تحررت مستعمرة وساخط كلما أقرَّ وطنه استقلال هذه المستعمرة، سواء أكان هذا الاستقلال صريحًا أم مدخولًا، وهو من أجل هذا يُسمي دعاة الحرية في المستعمرات وفي البلاد التي خضعت خضوعًا ما لسلطان الأجنبي رُسلَ البغضاء.

    فرئيس حكومة الكنغو البلجيكي سابقًا رسولٌ من رسل البغضاء؛ لأنه يطالب بحرية وطنه ووحدته وحقه في الكرامة، ورئيس الجمهورية العربية المتحدة من رسل البغضاء؛ لأنه أجلى البريطانيين عن مصر وحرر قناة السويس وردها إلى أصحابها، والذين ثاروا بملك العراق ونوري السعيد من رسل البغضاء؛ لأنهم أرادوا أن يحكم العراق نفسه.

    وكل من أعان هؤلاء على ما طلبوا أو على ما يطلبون لترقية بلادهم والترفيه على شعوبهم، مشاركٌ لهم في رسالة البغضاء ومعين لهم على نشر الفساد في الأرض. فالاتحاد السوفييتي مثلًا مشارك في نشر البغض وإظهار الفساد في البر والبحر؛ لأنه يقر الشعوب المتحررة ويؤيدها، والولايات المتحدة الأمريكية ناشرة للبغضاء معينة على الإفساد في الأرض؛ لأنها تعترف باستقلال الشعوب المتحررة ولا تشن عليها الحرب الاقتصادية.

    ولو قد صدر مثل هذا المقال عن رجل من الذين يحترفون السياسة ويعيشون بها ولها لهان أمره، فلأصحاب السياسة مذاهبهم ولهم حياتهم على ما يكون فيها من خير وشر. ولكن صدور هذا المقال من كاتب أديب لا يشارك في السياسة العاملة وإنما ينظر في الحياة ويقوِّمها ويحكم عليها بعقل المفكر الأديب لا بعقل السياسي المحترف، هو الذي يدعو لا أقول إلى العجب — فكل شيء ممكن في هذه الحياة الحديثة — بل إلى التفكير. فلولا أن لهذا الكاتب وأمثاله مشاركة في المنافع التي تغلها المستعمرات، لَما فكر تفكيره هذا، ولما رد حقائق الأشياء إلى نقائضها ولا اطمأن ضميره إلى أن من الحق أن تشقى الملايين بالذل والبؤس والجوع وألوان العناء؛ لتنعم قلة من الناس لا تكاد تُحصى إلا بالمئات، ولَما رضي ضميره أن يكون الناس في هذا العصر الحديث فريقين: أحدهما مستمتع بكل ما يحب من طيبات الحياة المادية والمعنوية، ليس له إلا أن يريد فيتحقق كل ما يريد، والآخر يُحرم كل طيبات الحياة المادية والمعنوية ليس له أن يريد ولا أن يفكر في الإرادة، بل ليس له من حقائق الإنسانية إلا صورتها الظاهرة، وليس بينه وبين الأدوات التي يعمل بها فرق ذو بال، إنما هو أداة مثلها مسخر مثلها لتلك القلة التي أُتيح لها أن تستمتع بكل شيء بشرط أن تكون في الأرض ملايين كثيرة قد حُرمت كل شيء.

    إنما هي المنفعة وحدها التي تفسد ضمائر الأدباء والمفكرين، وتبلغ بهم هذا الحد من اعوجاج النظر في الأشياء والحكم عليها.

    والحمد للَّه على أن في الغرب كُتابًا آخرين لم يُفسد ضمائرهم الجشع إلى المال، ولا الحرص على الثراء، ولا الرغبة في الترف الذي يُفسد النفوس ويميت القلوب.

    كُتَّاب ينظرون إلى الأشياء كما هي، لا يغيرون حقائقها ولا يعكسون طبائعها ولا يؤثرون أنفسهم بالخير من دون غيرهم من الناس، وإنما هم يستبشرون بكل دعوة إلى الحرية ويبتهجون بكل ظفر بالحرية ويسعدون حين يرون أن نور الحق ينتشر في الأرض شيئًا فشيئًا، ويوشك أن يعمرها كلها، وأن يحقق المساواة بين الشعوب، وأن يحقق هذه المساواة بين أبناء هذه الشعوب، وأن ينشر العدل فلا يكون في الأرض سيد ومسود، وإنما تكون الأرض كلها حرة تعيش فيها وتستثمرها شعوب حرة. وقد يكون هذا المثل الأعلى بعيدًا بعض الشيء، ولكنه كغيره من المُثل العليا يدنو قليلًا، ويرقى الإنسان إليه قليلًا قليلًا، حتى إذا بلغه الإنسان ظهرت له مُثل عليا أبعد منالًا وأرفع مكانًا وأجدر أن يطلبها الإنسان ويجدَّ في طلبها حتى يبلغها ويطمح إلى مُثل أرقى منها.

    فحياة الإنسان طموح متصل ورقي متصل وآمال تتحقق؛ لتظهر مكانها آمال أخرى تدفع الإنسان إلى الجد والكد والعمل. والشيء الذي ليس فيه شك هو أن رسل البغضاء الذين يذكرهم الكاتب الفرنسي؛ سيسجل التاريخ لهم في يوم من الأيام أنهم كانوا رسل الحب والسلام ورسل الحرية وكرامة الإنسان ورسل العدل الذي لا يتيح للأغنياء أن يترفوا بشقاء البائسين المستذلين.

    كل ظواهر الحياة الحديثة تدل على أن مصير الشعوب المستضعفة إنما هو إلى الحرية والكرامة والعزة والمساواة، وإن رَغِم أنف المستعمرين سواء منهم الجهلاء والمثقفون.

  • أهل الكهف

    أهل الكهف
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٦ مارس ١٩٥٨

    والكهف الذي هم نائمون فيه عميق أشد العمق، بعيد القرار إلى أقصى غايات البعد، لا يبلغ أهله ما تمتلئ به باريس من الضجيج والعجيج والصخب المتصل في آناء الليل والنهار. وهم من أجل ذلك مغرقون في نومهم، لو خُلي بينهم وبين النوم أو خلي بين النوم وبينهم للبثوا في كهفهم نيامًا، حتى يرث اللَّه الأرض ومن عليها، وحتى يبعثهم فيمن يبعث من أهل القبور. ولكن ظروف الحياة لا تخلي بينهم وبين النوم، ولا تخلي بين النوم وبينهم؛ فالأحداث تجري، والنوائب تنوب، والانتخابات تتجدد من حين إلى حين، والوزارات تسقط من شهر إلى شهر أو من يوم إلى يوم. وأهل الكهف يحلمون في كهفهم ذاك العميق، وفي نومهم ذاك الذي هو أعمق من كهفهم، والناس فيما يظهر يرقبون نومهم، ويسجلون أحلامهم، وتذيعها الصحف، ويحملها البرق إلى أقطار الأرض على اختلافها.

    وعلى هذا النحو وحده يستطيع العقلاء والأيقاظ من الناس أن يفسروا سيرة الوزراء الفرنسيين، والنواب الذين يقيمونهم ويسقطونهم بين حين وحين، والذين يحاسبونهم في الأحلام حسابًا عسيرًا مرة ويسيرًا مرة أخرى، ولكنه حساب لا ينتهي إلى شيء؛ لأن ما يعمل الحالمون وما يقولون وما يقررون لا ينتهي إلى شيء، إنما هو كله لغو من اللغو وفن من فنون الهذيان.

    هذه الخطبة التي ألقاها رئيس الوزراء الفرنسيين، وزعم فيها أن فرنسا إنما تقترف ما تقترف من الآثام، وتَصب ما تصب من الجرائم على أهل الجزائر دفاعًا عن العالم الحر كله من جهة، وحماية لاستقلال تونس ومراكش من جهة أخرى. هذه الخطبة حديث نائم يحلم ويهذي في حلمه، لا حديث رجل يقظان يعقل ما يعمل وما يقول، فمن ذا الذي يستطيع أن يصدق أو أن يقبل أن يفهم أن الولايات المتحدة الأمريكية ودول الغرب الأوروبي تتعرض لخطر عظيم، إذا لم تقترف فرنسا آثامها، ولم ترتكب جرائمها في الجزائر. ولِمَ لا يكون الخطر العظيم الذي تتعرض له هذه الدول العظمى ذات القوة والبأس والأيدي، في بلد آخر من البلاد المستقلة التي تستطيع أن تأتي ما تأتي من الأمر دون أن تبلغها جرائم فرنسا وآثامها؛ لِمَ تكون الجزائر وحدها موطنًا لهذا الخطر العظيم، دون غيرها من أقطار الأرض؟ وما حاجة الذين يأتمرون بالغرب إلى هذا الوطن الضعيف الأعزل … الذي صُب عليه هول الاستعمار قرنًا ونصف قرن؛ ليجعلوه مركز مؤامراتهم ومركز ما يهيئون للعالم الحر من الكوارث والنكبات.

    مع أن المؤتمرين الذي يشفق منهم رئيس الوزارة الفرنسية في حلمه، لا يبلغون الجزائر ولا يستطيعون أن يستقروا فيها ليكيدوا ويأتمروا وينظموا ما يريدون أن يشهروا على هذا العالم الحر من الحروب، وما عدا الدفاع عن العالم الحر يقتل الأبرياء العزل، وانتهاك الحرمات، وتيتيم الأطفال، وتأتيم النساء، وتثكيل الأمهات، وتوجيع الذين كانوا يجدون بشق الأنفس ما يقيم الأود؛ فأصبحوا الآن نهبًا للجوع، يُفتك بهم في الليل والنهار. وأي عالم حر هذا الذي يحتاج في الدفاع عنه إلى اقتراف الآثام، وارتكاب الجرائم، ومخالفة أيسر ما تقضي به الديانات كلها، وما تقضي به الأخلاق كلها، وما تفرضه الحضارة، وما ابتكرت من قوانين. وما حرية هذا العالم التي لا تقوم ولا تحمي إلا بإذلال الأحرار، والقضاء على النساء بالموت، والقضاء بالموت أيضًا على الصبية الذين لم يبلغوا الرشد، ولم يطيقوا حمل السلاح. وما هذه الحرية وما قيمتها، وما حاجة العالم إليها، وما فائدة الإنسان وحضارته ودياناته وقوانينه من هذه الحرية، التي لا بقاء لها، إلا إذا سُفكت الدماء وأُزهقت النفوس، وشُردت اليتامى والأيامى والرضعاء، وهل تقبل الدول الغربية الكبرى والصغرى أيضًا هذا الهذيان الذي يهذي به رئيس الوزراء الفرنسيين في حملة هذا الغرب؟ فهل ترضى الولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مدينة ببقائها وبحريتها وأمنها لما يُقترف في الجزائر من المخزيات؟ وهل يرضى حلفاء الولايات المتحدة في غرب أوروبا أن يكونوا مدينين بحياتهم وحريتهم وأمنهم لهذه المخزيات؟ ومع ذلك فيخيل إليَّ وإلى غيري من الأيقاظ أن العالم الحر وغيره من العوالم، قد أنكروا هذه الآثام، وما زالوا ينكرونها، وأكرهوا فرنسا منذ أيام إكراهًا على أن تعدل عن قتل تلك الفتاة التي قضت عليها فرنسا بالموت. إن فرنسا تقترف آثامًا جسامًا في الجزائر وتقترفها رغم أنفها؛ لأن رجال الجيش فيها وأصحاب رءوس الأموال يأبون أن يفلت منهم شمال أفريقيا، وأن تفلت منها الجزائر خاصة، وفيها ما فيها من مصادر المال، ووراءها ما وراءها من البترول، وأن الشعب الفرنسي يرسل أبناءه إلى الموت، ويشتري هذا الموت لأبنائه بما يؤدي من الضرائب المبهظة، مكرَهًا على ذلك لا راضيًا به ولا راغبًا فيه، بل ساخطًا عليه أشد السخط. ولكنه لا يستطيع أن يذعن ويستكين؛ فقَدَ حريته وتعزى عنها بلذاته وبما هو غارق فيه من الرغد والنعيم. ومن يدري لعله أن يكون كساسته نائمًا مغرقًا في النوم، يحلم كما يحلم النواب والوزراء، ليس فيه من الأيقاظ إلا المجرمون من رجال الجيش وأصحاب رءوس الأموال. وأغرب ما نقرأ في هذا الهذيان الذي هذى به رئيس الوزراء الفرنسيين، أن فرنسا تحمي تونس ومراكش بما تَصبُّ من الهول على أهل الجزائر.

    وإذن ففيم الخصومة القائمة بين فرنسا وتونس؟! ولِم تتوسط أمريكا وبريطانيا لتزيلا هذه الخصومة؟! أتكون تونس جاحدة للجميل، جاهلة بأن فرنسا قد قتلت من قتلت من أبنائها في الشهر الماضي، لتحمي استقلالها من الضياع؟! ونحن نعلم أن مراكش لم تفرغ من خصوماتها المختلفة مع فرنسا، أتكون هي الأخرى جاحدة للجميل غافلة عن أن فرنسا تحمي استقلالها من الضياع؟!

    صدقني إن فرنسا الآن لا يحكمها الأيقاظ، وإنما يحكمها النيام، أو قل إن شئت: إن فرنسا لا يحكمها العقلاء، وإنما يحكمها قوم أُلقي بينهم وبين عقولهم حجاب كثيف.

  • شراء الشعوب

    شراء الشعوب

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٥ يناير ١٩٥٧

    والمشتري بالطبع هي الولايات المتحدة الأمريكية، والشعوب التي تراد على أن تبيع نفسها والتي يساومها المشتري فيما يمكن أن تطلب من ثمن، هي شعوب الشرق الأوسط. ولن يكون هذا البيع حرًّا، ولكنه سيكون محاطًا بكثير من الترغيب وبكثير من الترهيب أيضًا. فالدولة المشترية هي أغنى دول الغرب الديمقراطي وأقواها، أموالها لا تُحصى، وقوتها لا تُقاوم ولا تُطاق. والشعوب التي يمكن أن تبيع نفسها فقيرة وضعيفة بالقياس إلى دول الغرب كلها، فضلًا عن هذه الدولة الغنية كأوسع ما يكون الغنى، القوية كأشد ما تكون القوة.

    هذه هي الخلاصة الدقيقة للاقتراح الذي يعرضه رئيس الولايات المتحدة على البرلمان الأمريكي مجتمعًا أو مفترقًا، أو يطلب مزيدًا من المال ليستطيع مساومة الشعوب في الشرق الأوسط في استقلالها وحريتها أو في حياتها إن شئت، فالشعوب التي تفقد استقلالها وحريتها إنما تفقد حياتها الصحيحة بأدق معاني هذه الكلمة وأعمقها وأوسعها.

    والرئيس الأمريكي لا يطلب المزيد من المال فحسب، وإنما يطلب الإذن له في استعمال القوة إن احتاج إليها، فقد ينبغي أن يكون الترغيب مصحوبًا بالترهيب، وقد ينبغي كذلك ألا ينقق المال على معونة الشرق الأوسط في غير طائل وأن يعود هذا المال على من ينفقه بشيء من الربح؛ لأن إنفاق المال في غير طائل سرف وسفه وتبذير، والمبذرين هم إخوان الشياطين، وما ينبغي لدولة مسيحية مؤمنة أن يكون بينها وبين الشياطين إخاء أو حلف.

    وكذلك ترى الإنسانية لأول مرة في تاريخها — إن ظفر الرئيس الأمريكي من برلمانه بما يريد — فنًّا جديدًا من فنون الاستعمار. وليكن الفن الثالث من فنونه بعد أن مضى الفن الأول إلى غير رجعة، وأوشك الفن الثاني أن يمضي إلى غير رجعة أيضًا.

    فقد عرف التاريخ القديم نوعًا من الاستعمار كانت له بقية في أول هذا العصر الحديث، وهو أن تعمد دولة قوية إلى شعب ضعيف فتسحقه سحقًا وتمحقه محقًا، تقتل القادرين من رجاله ونسائه على حمل السلاح، حتى تفنيهم عن آخرهم، وتستعبد الصبية والضعفاء، وتستأثر بالأرض والثروة من دون أصحابهما، وتنشئ مكانهم دولة متحضرة قوية تنعم بالسعة والثراء.

    كذلك فعل اليونان حين استعمروا بعض الأرض في آسيا الصغرى وفى إيطاليا، وفعل شيئًا من ذلك الأوروبيون في أول عهدهم بالاستعمار. ثم تقدمت الحضارة واستكشف العلم وارتقى العقل ورقت القلوب وسَمَت الأخلاق؛ فعرف التاريخ نوعًا ثانيًا من الاستعمار، وهو أن تعمد دولة غنية قوية إلى شعب فقير ضعيف، فلا تسحقه ولا تمحقه ولا تبيده؛ وإنما تفرض عليه سلطانها فرضًا، وتقهره بقوتها وبأسها على أن يكون لها عبدًا مطيعًا تسخره فيما تشاء وتستأثر من دونه بما يملك من سعة وثراء، وتزعم له مع ذلك أنها لا تريد استذلاله ولا استغلاله، وأنها تريد أن تحرره وتحضره وتمهد له إلى الرقي سبيلًا. وهذا فن جديد من الاستعمار تخترعه الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الأيام، وهو فن يسير كل اليسر، فشعوب الشرق الأوسط تحب الاستقلال وتريد أن تتمسك به وتحرص عليه، وهي تطمح إلى الرقي وتريد أن تبلغ منه أقصى ما تستطيع؛ فلتعرض عليه الولايات المتحدة الأمريكية حماية استقلاله حتى لا يُغِير عليه الشيوعيون، ولتعرض عليه كذلك ما يحتاج إليه من المال ليستكشف ما في أرضه من ثروة، وليستثمر هذه الثروة ويشتري ما قد يحتاج إليه من وسائل الغنى والقوة من حيث يشاء ومن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة، والمهم ألا يشتريها من الشيوعيين.

    ومعنى هذا كله أن الولايات المتحدة الأمريكية — إن أجاز البرلمان للرئيس ما يريد — ستعرض على الشعب في هذا الجزء من الأرض شراء استقلاله وحريته لا أكثر من ذلك ولا أقل. فالشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يملك أمر نفسه ويدبره كما يشاء ويتصرف فيه كما يحب، يلزم الحياد إن أراد الحيدة، ويحالف من الدول أية دولة يشاء دون أن يحول بينه وبين ذلك حائل، ويشتري ما يحتاج إليه من وسائل القوة والغنى والرخاء من حيث يريد هو لا من حيث يُراد له ويُفرض عليه.

    والشعب الحر المستقل حقًّا هو الذي يقيم حياته كما يريد هو لا كما يُراد له، يختار لنفسه من النظم الاجتماعية والسياسية ما يشاء، لا يمنعه من ذلك مانع أجنبي مهما يكن، ولا يصده عن ذلك صاد أجنبي مهما تكن قوته ومهما تكن ثروته ومهما يكن مذهبه السياسي أو الاجتماعي.

    وليس استقلالًا صحيحًا هذا الذي يمكن أن يتعرض للخطر أو رهبة، ولن يحميك من الذل من جاء يبيع لك العزة بالمال، فعزةُ الشعوب لا تُشترى من الأجنبي، وهي لا تأتيها من خارج وإنما تأتيها من أنفسها؛ تنبع من أرضها وتجري في عروق أبنائها، وتسيطر على قلوبهم وعقولهم وملكاتهم كلها.

    وهب أن دولة من الدول الشيوعية عرضت على الشرق الأوسط مثل ما يريد أن يعرضه رئيس الولايات المتحدة من الحماية والمال، وتصور نتيجة هذا العرض الذي يأتي من دولتين مختصمتين، وافترض أن شعبًا من شعوب الشرق الأوسط قد قَبِل هذا العرض من الدولة الشيوعية، وأن شعبًا آخر من شعوبه قَبِل هذا العرض نفسه من الولايات المتحدة الأمريكية، وقدِّر ما سيكون لذلك من آثار.

    سيكون هذا الشرق الأوسط ميدانًا للتنافس أولًا ثم للحرب آخر الأمر، وسيصبح استقلاله وحريته لعبة بين الدولتين المختصمتين، وسيتعرض أهله وما يملكون من ثروة وأرض وما يديرون في أنفسهم من آمال وما يتمنون لأنفسهم من ثراء ونعيم؛ سيصبح هذا كله وقودًا للحرب بين هاتين الدولتين المختصمتين.

    ولست أعجب لشيء كما أعجب لأن الرئيس الأمريكي لم يفكر في أن روسيا السوفييتية تستطيع أن تعرض على الشرق الأوسط مثل ما يعرض عليه، وأن اقتراحه هذا ليس وسيلة إلى السلم وإنما هو وسيلة إلى الحرب.

    وشر من هذا كله أن الرئيس الأمريكي لا يريد أن يعرض على شعوب الشرق الأوسط أن يحميها من العدوان، مهما يكن مصدره من عدوان الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي على السواء. إذن لكان لاقتراحه حظ من منطق ونصيب من استقامة ظاهرة تصلح للإغراء، وإن كانت الشعوب الحرة المستقلة حقًّا تكره الحماية الأجنبية وتأبى إلا أن تحمي نفسها بنفسها.

    ولكن الرئيس يعرض حماية الشرق الأوسط من الشيوعية، وما نعلم أن دولة شيوعية قد اعتدت على الشرق الأوسط أو أنذرته بالعدوان. ولكنا نعلم أن حلفاءه من دول الغرب الرأسمالي قد اعتدوا بالفعل على مصر أمس، وهم يعتدون على اليمن والجزائر بالفعل اليوم، وهم يستذلون شعب العراق على رغمه، وهم يدبرون العدوان على سوريا.

    فماذا يقول الرئيس الأمريكي في كل هذا؟! أيراه خطرًا على استقلال هذا الشرق الأوسط أم لا يراه؟ فإن تكن الأولى فلِمَ لا يعرض حماية الشرق الأوسط من هذا الخطر؟

  • فرنسا … والإسلام

    فرنسا … والإسلام

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٤ أغسطس ١٩٥٤

    لم تكد فرنسا تَفرغ من مأساتها المنكرة في الهند الصينية، حتى أخذت تواجه مأساة أخرى أقل منها نُكرًا في شمال أفريقيا. والغريب أنها تواجه هذه المأساة الأفريقية بنفس المراوغة والمداورة اللتين واجهت بهما مأساتها في الشرق الأقصى. فهي تقوم لتحجم، وتعزم لتتردد، وتقدم الصلح بإحدى يديها والحرب بيدها الأخرى.

    وهي في أثناء هذا التردد والاضطراب تسفك دماء أبنائها ودماء الأبرياء من غير أبنائها، وتنفق في سَرَفٍ خلاصة أموالها وخلاصة أموال غيرها من الأمريكيين، ويشغلها الحرص على منافعها القريبة عن التفكير في منافعها البعيدة، فضلًا عن التفكير في الحق والعدل والإنصاف. ومع ذلك، فما أكثر ما قدم إليها وإلى غيرها من الأمم المستعمرة من النذر فلم تحفل بها، ولم تأبه لها غيرها من المستعمرين!

    وأخص ما يمتاز به الظلم أنه قصير النظر، لا يفكر في العواقب ولا يحفل إلا بالمنافع القريبة العاجلة والساعة التي هو فيها، لا ينتفع بالمواعظ التي سبقته ولا يفكر في النُّذُر التي تدعوه إلى الاحتياط، ولا ينظر إلى غدٍ أو بعد غدٍ؛ ذلك شأن الظلم حين يقع من بعض المواطنين على بعض، وهو شأن الظلم حين يقع من المواطنين على غيرهم من الأمم والشعوب.

    وإذا استقصيت أمر المستبدين في أوطانهم والظالمين لمواطنيهم، رأيتهم جميعًا مُمْعِنِينَ في الحُمق مُغْرِقِينَ في الغفلة، يأتيهم النُّذُر من بين أيديهم فلا ينظرون إليها ولا يسمعون لها، لا يعتبرون بما حاقَ بالظالمين من قبلهم ولا بما يحيق بالظالمين من حولهم، حتى تأخذهم القارعة وتدور عليهم الدائرة ويصبح أمرهم كله عليهم وبالًا ولغيرهم نكالًا.

    وكذلك شأن الشعوب حين يستعلي بعضها على بعض، وحين يظلم بعضها بعضًا. لا تنتفع الشعوب الظالمة المستعلية بما حاق بغيرها من شعوب أخرى ظلمت الناس، واستعلت في الأرض، وكانت عاقبة أمرها وبالًا ونكرًا. بل لا تنتفع بالتجارب التي خضعت هي لها في تاريخها الطويل أو القصير. وإنما تركب رأسها وتستجيب للغرور والكبرياء، وتفتنها منافعها العاجلة حتى تتورط فيما لا بد من أن تتورط فيه، فتندم حين لا يُغني عنها الندم قليلًا ولا كثيرًا.

    والفرنسيون قد جرَّبوا الظلم والاستبداد في بلادهم، حين ظلمهم ملوكهم وأشرافهم فيما مضى من تاريخهم، ورأوا مَصَارِعَ الظالمين من حولهم، وذاقوا ظلم الأجنبي حين احتل وطنهم فملأه فسادًا وشرًّا.

    وهم أقرأ الناس للتاريخ، وأفقه الناس لحقائقه، وأقدر الناس على استخراج عِبَرِهِ ومواعظه. ولكنهم لا ينتفعون بشيء من ذلك في سيرتهم حين يستعمرون، وإنما يملك الغرور عليهم سياستهم، فيتورطون في الخطأ بعد الخطأ، ويقترفون الآثام في أثر الآثام.

    كأنما تغريهم أغلاطهم بارتكاب أغلاط أخرى أشد منها نُكرًا.

    رأوا ما أصابهم في الهند الصينية حين استعلوا واستكبروا وأَبَوْا أن يسمعوا الثائرين، لا يريدون إلا العافية وإقامة الأمر بينهم وبين فرنسا على شيء من الحق والعدل والإنصاف. ثم انتهى أمرهم إلى هذه الكارثة المنكرة التي ألمَّت بهم منذ أسابيع حين طلبوا الهدنة إلى الذين لم يسمعوا لهم ولم يحفلوا بهم منذ أعوام قليلة. وهم يسيرون هذه السيرة نفسها في شمال أفريقيا، تأتيهم النُّذُر من عقلائهم وتأتيهم النذر من خارج بلادهم، ويرون مصارع الشعوب المستعمِرة من حولهم ويرون انتصار الشعوب المغلوبة من حولهم أيضًا. فتأخذهم العزة بالإثم وتشغلهم الكبرياء عن الانتفاع بالعبرة والموعظة، وتصرفهم المنافع القريبة العاجلة عن التفكير حتى في الأوليات التي لا ينبغي أن تكون موضع خلاف أو نزاع.

    هم يذكرون كيف أُخرجوا من سوريا ولبنان، وهم يرون كيف دارت عليهم الدائرة في الشرق الأقصى، وهم يرون كيف اضطرت بريطانيا العظمى — وهي أقوى منهم قوة وأكثر منهم مالًا وأوسع منهم سلطانًا — إلى أن تستجيب للهند والباكستان ودول أخرى كانت خاضعة بها مُذْعِنَةً لسلطانها، فعرفت لها الحق ونزلت لها عن استقلالها طوعًا أو كرهًا. ولكن الفرنسيين على ذلك كله لا يحفلون بشيء ولا ينتفعون بما يرون من المواعظ والعبر.

    ويمضون في مأساتهم هذه المنكرة في شمال أفريقيا، غير مقدرين للعاقبة ولا حافلين بالنتائج، يكررون في شمال أفريقيا خطأهم في سوريا ولبنان، وخطأهم في الهند الصينية؛ تغريهم الكوارث بالكوارث، وتدفعهم الخطوب إلى الخطوب، يقرءون في صحفهم كل يوم أن دماءهم ودماء غيرهم تُسفك في شمال أفريقيا كما سُفكت في غيرها من المواطن. فيعيدون سيرتهم القديمة ويُلِحُّونَ في إقرار النظام وإخضاع الثائرين به والخارجين عليه، والاحتفاظ بسمعة فرنسا في العالم وهيبتها أمام الشعوب يرددون نفس الألفاظ ونفس المعاني ونفس الأوهام التي طالما ردَّدُوها بالقياس إلى سوريا ولبنان وبالقياس إلى الهند الصينية، ولا يخطر على بالهم أنهم سيلقون في شمال أفريقيا مثل ما لقوا في تلك الأقطار، وأن استجابتهم للغرور واعتدادهم بالقوة واعتزازهم بالأوهام، كل ذلك لن يُغني عنهم شيئًا غدًا كما أنه لم يغنِ عنهم شيئًا في أمس القريب ولا في أمس البعيد.

    والفرنسيون يُكثِرُون الكلام عن الصلة بينهم وبين الإسلام، وعن الصلة بينهم وبين المسلمين، كما أكثروا الكلام من قبلُ عن أنهم حماة المسيحية في الشرق الأقصى، وكما أكثروا وما زالوا يُكثِرون الكلام عن أنهم دعاة الحضارة وحماتها في أقطار كثيرة من الأرض، يُغرون أنفسهم بهذا الكلام الذي لا يدل على شيء.

    فهم قد حلوا عن الشرق الأدنى فلم تتعرض المسيحية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير، وهم يُجلون عن الهند الصينية ولن تتعرض الحضارة في الهند الصينية بعد جلائهم لخطر قليل أو كثير.

    وهم يُسرِفون على أنفسهم وعلى الناس حين لا يفرقون بين بلاد لها سابقتها في الحضارة ولها سابقتها في العزة والمجد — كشمال إفريقيا — وبين بلاد أخرى لا حَظَّ لها من حضارة، ولم تعرف العزة والمجد؛ لأنها لم تخرج بعدُ أو لم تكد تخرج من طور الإنسانية الأولى التي تجهل كل شيء، أو تكاد تجهل كل شيء.

    ومحنة الفرنسيين في شمال أفريقيا تأتي من أنهم حين غَزَوْا تلك البلاد في غفلة من أهلها عن أنفسهم وعن حقهم، لم يقدروا أن تلك الغفلة كانت موقوتة، وأنها زائلة عن أصحابها في يوم قريب أو بعيد، فلم يكتفوا بالتسلُّط السياسي وإنما هاجر كثير منهم إلى تلك البلاد أفواجًا في إثر أفواج، فاستقروا في أرضها واستأثروا بخير ما فيها، وكوَّنوا لأنفسهم ولمواطنيهم ثراء ضخمًا وجاهًا عريضًا. وهم الآن حائرون قد اختلط عليهم كل شيء. تَنَبَّهَ الأفريقيون إلى حقهم فطالبوا به، وذكروا سابقتهم في المجد والحضارة فأرادوا إحياءها، ورأوا أرضهم وثروتهم في أيدي هؤلاء الطارئين فأرادوا أن يقوم الأمر بينهم وبين هؤلاء الطارئين على الحق والعدل والإنصاف، وألا يكونوا غرباء في بلادهم، وألا يستأثر الطارئون من دونهم بالخير كله.

    فأمر الفرنسيين مختلط، ليس من اليسير عليهم أن ينزلوا عمَّا في أيديهم كله أو بعضه، وليس من اليسير عليهم أن يحتفظوا بما في أيديهم كله أو بعضه، تدعوهم المنفعة العاجلة وتدعوهم الكبرياء إلى أن يفرضوا أنفسهم فرضًا. ولا عليهم في سبيل ذلك أن تُسفك الدماء وتُزهَق النفوس وتُقتَرف الآثام، وتدعوهم الضرورة المُلجِئَة وظروف الحياة الحديثة وتنبُّه الشعوب إلى حقوقها، وإيذان الاستعمار القديم بالزوال، إلى أن يردوا إلى هذه البلاد من حقها كله أو بعضه؛ فهم مضطربون بين أمرين أحلاهما مُر وأيسرهما عسير: استعمار لا سبيل إليه ولا أمل فيه، وجلاء يشق على النفوس ويُضحَّى معه بكثير من المنافع المادية، وبكثير من الغرور الذي لا تطيب به النفوس إلا في مشقة وعناء.

    وكذلك تشقى فرنسا بالصلة بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، ويشقى هذا الجزء من العالم الإسلامي بالصلة بينه وبين فرنسا، ولا سبيل إلى أن تخلُص فرنسا من هذا الشقاء الذي تنشره في وطنها وتنشره خارج وطنها، إلا بشيء من حمل النفس على ما تكره والتضحية عن رِضًى بما لا سبيل إلى الاحتفاظ به وإقامة الأمر بينها وبين هذا الجزء من العالم الإسلامي، بل بينها وبين العالم الإسلامي كله، على المودة والصداقة والتعاون، لا على البُغض والعداء والخصام الذي لا يُغني عنها شيئًا، والذي هو مُنْتَهٍ من غير شك إلى أن يضيِّع كل شيء.

  • ذلة

    ذلة
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١٠ أغسطس ١٩٤٦
    …
    هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.
    والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.
    وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.
    كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟
    أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.
    فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.
    المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.
    والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.
    ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.
    وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.
    والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.
    أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.
    وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.
    وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.
    فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!
    كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.
    وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

  • في الشرق

    في الشرق

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥

    ليست خطوب الغرب يسيرة ولا هينة، فللغرب مشكلاته المعقدة التي تزداد عسرًا من يوم إلى يوم،
    ولكن الغرب قد ألف المشكلات، وعرف كيف يخرج منها بالصبر والأناة مرة، وبالتعجل والخصومة مرة
    أخرى، وبالحرب التي لا تبقي ولا تذر حين لا يكون بدٌّ من الحرب، فلندع الغرب ومشكلاته التي لا
    تنقضي، ولننظر إلى الشرق ومشكلاته التي تريد أن تكون كمشكلة الغرب شائكة معقدة شديدة
    الاختلاط.

    ومشكلات الشرق لا تأتيه من نفسه الآن على أقل تقدير، وإنما تأتيه من الغرب، فما نعلم أن دولة
    شرقية تريد أن تعتدي على دولة شرقية أخرى، ولا أن شعبًا شرقيًّا يريد أن يستذل شعبًا شرقيًّا
    آخر. ولو تركت أمور الشرق للشرق، لكان من المرجح أن يمضي في طريقه إلى الرقي، وأن يسير في هذه
    الطريق سيرًا هادئًا مطردًا، حتى يبلغ منه ما يشاء الله له أن يبلغ في غير اضطراب ولا اختلاط،
    ولكن شئون الشرق لا تترك للشرق، وإنما يتدخل فيها الغرب تدخلًا متصلًا، فيعقِّدها تعقيدًا
    متصلًا، ويستنفد جهود الشرق في غير مصلحته، وفي غير مصلحة الغرب أيضًا، في هذا الجهاد العنيف
    الذي يفني القوة، ويشيع في النفوس أملًا قليلًا، ويأسًا كثيرًا، وحزنًا دائمًا على كل
    حال.

    وليس في الشرق الآن مكان يمكن أن يُقال: إن القلوب فيه مطمئنة، وإن النفوس فيه راضية، وإن
    الأمور تجري فيه على ما يحب الشرقيون، أو على ما يحب الغربيون، أو على ما ينبغي أن تجري عليه
    الأمور لترقية الحضارة، وتحقيق منافع الناس جميعًا، وإقامتها على أساس صحيح من العدل والمساواة
    والإنصاف.

    فالشرق الأقصى مضطرب أشد الاضطراب وأعنفه وأبغضه، وليس لهذا الاضطراب سبب إلَّا أن الأوروبيين
    الذين سفكوا دماءهم ودماء غيرهم لمحق الظلم، وإقامة العدل، لم يستطيعوا أن يتسلَّوا بعدُ عن هذا
    الظلم الذي ألفوه، وأقاموا عليه. وكان من المنتظر — بعد أن تضع الحرب أوزارها، وبعد أن تنهزم
    اليابان هذه الهزيمة المطلقة — أن تخلص أمور الصين للصين وحدها، ولا سيما بعد أن قيل ألف مرة
    ومرة: إن الصين دولة من الدول الخمس العظمى التي تشارك في إقامة العالم الجديد. ومن الواضح كل
    الوضوح أن شئون الصين ليست خالصة للصين وحدها، وإنما هي مشتركة بين الدول الكبرى الأوروبية
    والأمريكية، وهي موضوع نزاع أقله ظاهر، وأكثره خفي بين الروسيين والأمريكيين.

    ومن الخطأ أن يُقال أو أن يُظن أن الإنجليز ينظرون إلى شئون الصين نظرة مبرَّأة من الطمع
    والاستعمار؛ فالمصالح الأوروبية الأمريكية معقدة في الصين أشد التعقيد، ولم تبلغ الصين بعدُ من
    الرقي في الحضارة المادية الخالصة ما يتيح لها الاستغناء عن أولئك أو هؤلاء؛ فللدول الأوروبية
    الكبرى فيها الامتيازات والمستعمرات ومناطق النفوذ السياسي والاقتصادي، ولا بد لهذه الدول من أن
    تحافظ على امتيازاتها؛ فإن نزلت عن شيء منها فلن تنزل عنه إلَّا بثمن مدفوع.

    وقد انتشرت الشيوعية في بعض أجزاء الصين، وقامت لها قائمة ذات خطر، فانقسم أهل الصين على
    أنفسهم، وكان الطبيعي أن يُخلَّى بين الصينيين وبين شئونهم، ينظمونها كما يشاءون، ولكن للشيوعية
    نصيرًا عظيمًا، ولخصوم الشيوعية أنصارًا عظماء، وفي الصين قوًى أمريكية هائلة. وبين روسيا
    والصين جوار ومصالح مشتبكة، فالخصومة بين الشيوعية ورأس المال في الصين هي الخصومة بين الشيوعية
    ورأس المال في أقطار الأرض كلها، ولكنها مسلحة في الصين بالأسلحة الأمريكية والروسية.

    فليس من الغلو أن ننظر إلى ما يجري الصين الآن كما كنَّا ننظر إلى ما كان يجري في إسبانيا قبل
    الحرب العالمية الثانية. وإذن فاختلاط أمر الصين كان خليقًا أن يصلح وينتهي إلى كلمة سواء، لو
    لم يتعقد بتعارض المصالح الأمريكية والروسية في تلك الأقطار.

    وللأوروبيين مستعمرات كانوا يستغلونها قبل الحرب منذ أزمان طويلة أو قصيرة، غلبتهم عليها
    اليابان أعوامًا قليلة، ثم هُزمت اليابان، فهمَّ الأوروبيون أن يستردوا مستعمراتهم، ولكن هذه
    المستعمرات خطر لها أنها تستطيع أن تسترد حريتها بعد أن انتصر الحق والعدل في أعقاب هذه الحرب
    التي شبَّت لتحق الحق، وتنشر العدل. فما أسرع ما تبينت هذه المستعمرات أنها تمنَّت، وأن التمني
    شيء والظفر بالأماني شيء آخر، وأن الحرب لم تشبَّ لإحقاق الحق، ونشر العدل، وإنما شبَّت ليزداد
    القوي قوة، وذو البأس بأسًا، وليمنع الطامعون من المنافسة، وإثارة المشكلات.

    فلم يكن المهم أن ينتصر الحق، وينتشر العدل، بمقدار ما كان المهم أن تردع ألمانيا وإيطاليا
    واليابان عن الطمع والمنافسة في الاستعمار، وأن تظل الأرض خالصة للذين كانوا يستأثرون بها من
    دون الناس!

    وكذلك نشهد الآن هذه الآثام التي تقترف في الشرق الأقصى، فأهل إندونيسيا يريدون أن يستقلوا
    بشئونهم تنفيذًا لما بذل المنتصرون للناس من المواثيق، فيُقال لهم: بل يجب أن تخضعوا لهولندا،
    فقد كنتم خاضعين لها من قبل، ولم يحدث في العالم شيء جديد يدعو إلى أن يتغير النظام القديم.
    فإذا أبى أهل إندونيسيا أن يذعنوا؛ صُبَّ عليهم الموت، وسُلطت عليهم ألوان الهول، ووضع
    المنتصرون أصابعهم في آذانهم حتى لا تبلغهم أصوات الذين يطالبون بالحق والعدل والإنصاف. وليس من
    المهم أن يستمتع تسعون مليونًا من الإندونيسيين بحقهم في الحرية والاستقلال، وإنما المهم أن
    يستمتع ثمانية ملايين من الهولنديين بما كانوا يستمتعون به قبل الحرب من الاستعمار
    والاستغلال.

    أولئك شرقيون يجب أن يخضعوا، وهؤلاء غربيون يجب أن يسودوا، وقد ضحَّت هولندا في سبيل حلفائها
    الإنجليز، فيجب أن تُضحِّي بريطانيا العظمى في سبيل حلفائها الهولنديين. والنتيجة أن الحرب قد
    وضعت أوزارها، ولكن الدماء ما زالت تسفك في الشرق الأقصى؛ لأن أوروبا لم تتسل عن الاستعمار، ولم
    تؤمن قط إيمانًا صادقًا خالصًا بردِّ الحقوق إلى أهلها، وإنما آمنت ببذل الوعود ليس غير.

    والذي يحدث في إندونيسيا يحدث مثله في الهند الصينية، فما ينبغي أن تسترد هولندا مستعمراتها،
    وتقصر فرنسا في استرداد ما كان لها من المستعمرات. ولم تكن فرنسا أقل تضحية في سبيل الحلفاء من
    هولندا، وهي التي تلقت الصدمة الأولى، وتفوقت في المقاومة، وشاركت في قهر ألمانيا. ومع ذلك
    فالبريطانيون لا يساعدون فرنسا على استرداد مستعمراتها في الشرق الأقصى إلَّا مساعدة فاترة توشك
    أن تكون سلبية، ولو استطاعوا لردُّوها عن هذه المستعمرات؛ لأن المنافسة خطرة بين فرنسا
    وبريطانيا العظمى، وليست خطرة بين هولندا وبريطانيا العظمى.

    وقد حدثتنا الأنباء بأن أهل بورما أيضًا يطالبون بالاستقلال، ويجاهدون في سبيله، ولكن بورما
    كانت مستعمرة بريطانية، فيجب أن تظل مستعمرة بريطانية، وفي جيوش الإمبراطورية البريطانية من
    القوة ما يكفي لإقناعها بالخضوع لسلطان الاستعمار. وقصة الهند أظهر من أن تحتاج إلى أن يتحدث
    عنها المتحدثون؛ فقد تطلب الهند الاستقلال كما تشاء، وقد تقول الهند أنها شاركت في الحرب،
    وشاركت في النصر، ومن حقِّها أن تشارك في ثمرات هذا النصر. وقد تستطيع الهند أن تقول أن أبناءها
    ما زالوا يعملون ويسفكون دماءهم في خدمة الإمبراطورية، وفي معونة حلفاء الإمبراطورية؛ فجنود
    الهند يصبُّون الموت على أهل إندونيسيا معونةً للهولنديين. تستطيع الهند أن تقول هذا، وأن تقول
    أكثر من هذا، ولكن أهلها مختلفون، ويجب أن يظلوا مختلفين؛ لأن في هذا الاختلاف تثبيتًا
    للاستعمار البريطاني.

    أمَّا الشرق الأوسط، فأمره عجب أي عجب، كانت إيران هادئة مطمئنة، ماضية في حياتها لا تؤذي
    أحدًا، ولا يؤذيها أحد، فلما شبَّت الحرب ظهر أن احتلالها ضروري لمصلحة الحلفاء فاحتلوها،
    وغيَّروا نظام الحكم فيها، وقطعوا على أنفسهم العهد مع ذلك؛ لأنهم لن يعرضوا استقلالها للخطر،
    ولن يطيلوا الإقامة في أرضها بعد انقضاء الحرب، وقد انقضت الحرب، وما زال الاحتلال للأرض
    الإيرانية باقيًا، يقيم الروسيون في جزء من هذه الأرض، ويقيم البريطانيون في جزء آخر، وينظر كل
    فريق منهما إلى صاحبه نظرة الشك والاضطراب، ويشيع كل فريق منهما عن صاحبه ما يريد من
    الإشاعات.

    وتطلب إيران إلى أولئك وهؤلاء أن يفوا بالعهد، فتظفر منهم بالأجوبة الحلوة المعسولة، وتذكر
    قول الشاعر القديم:

    يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ
    الثعلب

    وتشبُّ الثورة في إيران، تشبُّ نفسها أو يشبُّها الأجنبي، فإذا أرادت إيران أن تقر النظام في
    نصابه مُنعت من ذلك منعًا. ويغضب الإنجليز لأن الروس يمنعون إيران من إقرار النظام في المنطقة
    الشمالية، ولو شبَّت الثورة في المنطقة البريطانية لجاز أن تمنع إيران من ردِّ النظام إلى
    نصابه، ولغضب الروس من تدخل الإنجليز في شئون إيران. أولئك وهؤلاء يفكرون في أنفسهم وفي مصالحهم
    أكثر مما يفكرون في إيران ومصالح الإيرانيين.

    وفي الثورة الإيرانية خطرٌ على تركيا، وخطر على العراق، فالبريطانيون قلقون لهذا الخطر، لا
    لأنه قد يؤذي تركيا أو قد يؤذي العراق، بل لأنه قد يضيِّع بعض المصالح الكبرى للإمبراطورية؛
    فينبغي أن يستقر النظام والهدوء في تركيا والعراق لتسلم مصالح الإمبراطورية البريطانية في الشرق
    الأدنى، والشرق الأدنى — كما تعلم — هو نقطة الاتصال بين الإمبراطورية ومستعمراتها.

    ومن أجل هذا كان هدوء الشرق الأدنى شيئًا خطيرًا جدًّا بالقياس إلى حلفائنا وأصدقائنا
    البريطانيين، فيجب ألَّا يتعرض هذا الهدوء لخطر مهما يكن مصدره، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى
    لا يصل الشر من إيران إلى تركيا أو إلى العراق، ويجب أن يسهر البريطانيون حتى لا تضطرب الأمور
    في شرق البحر الأبيض المتوسط بحال من الأحوال، فإذا أخطأ الفرنسيون فنكثوا بوعودهم، واضطرب
    السوريون واللبنانيون؛ فإن بريطانيا العظمى قادرة على أن ترد الفرنسيين إلى الصواب، وتضطرهم إلى
    البرِّ بالوعد، والوفاء بالعهد، والجلاء عن سوريا ولبنان، فإذا قالت سوريا ولبنان: هذا حسن،
    ولكننا نريد الجلاء الكامل، جلاء الأجانب جميعًا؛ قال البريطانيون: سيتم هذا الجلاء، ولكن بعد
    أن نتفق على أن الشرَّ يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من إيران، كما يمكن أن يأتي من الشرق
    الأدنى، من موقف الفرنسيين في سوريا ولبنان، ولكنه يمكن أن يأتي إلى الشرق الأدنى من فلسطين؛
    حيث يقوم الانتداب البريطاني، وحيث يعجز هذا الانتداب عن حفظ النظام؛ لأنه لا يريد — أو لا
    يستطيع — أن ينصف العرب ويرد الحق إلى أهله.

    وهذه هي المشكلة المعقدة حقًّا؛ فليس الروس هم الذين يُعقِّدون الأمر في فلسطين، وليس
    الفرنسيون هم الذين يعقِّدون الأمر في فلسطين، وإنما الذين يعقِّدون الأمر هم الإنجليز أنفسهم
    وحلفاؤهم الأمريكيون. هم خلقوا مشكلة فلسطين من لا شيء، وهم تبرعوا بما لا يملكون، وهم وعدوا
    بما لا يستطيعون تنفيذه، وهم أعطوا وعودًا متناقضة للعرب واليهود جميعًا، وصدَّقهم أولئك
    وهؤلاء. فلما حان وقت الوفاء سقط في أيديهم، ووقفوا موقف الحيرة الذي يقفونه، والذي يجر على
    الشرق الأدنى وعليهم شرًّا كثيرًا.

    وقد يأتي الشر إلى الشرق الأدنى من مصر، فلمصر حقوق تطالب بها، وتعتقد أن قد آن الوقت لترد
    إليها هذه الحقوق، وهي تعتقد أنها تملك هذه الحقوق من طبيعة الأشياء؛ لأن الله قد خلقها حرة،
    فما ينبغي أن يستعبدها أحد، وهي تملك هذه الحقوق؛ لأنها ضحت في سبيلها بالكثير أثناء الحرب، بل
    أثناء الحربين، فإذا لم تُرد إليها هذه الحقوق فقد تغضب، وقد يكون غضبها مصدر شر عظيم، يعرِّض
    مصالح الإمبراطورية البريطانية للخطر.

    وقد يأتي الشر من أفريقيا الشمالية، فهي أيضًا تريد أن تكون حرة؛ لأن الله قد خلقها حرة،
    ولأنها بعيدة العهد جدًّا بالحرية والاستقلال. فالشر — كما ترى — يمكن أن يأتي من كل مكان في
    الشرق، ولا بد من الاحتياط له، ولكن كيف يكون هذا الاحتياط …! يكون بإحدى ثلاث ليس لهن رابعة،
    الأولى: أن تظل أوروبا في حرب متصلة، فتحشد قوة هائلة في كل جزءٍ من أجزاء الشرق؛ لتمنع أهله من
    أن يثوروا. وليس إلى هذه الخصلة سبيل، فأهل أوروبا متعبون، يحتاجون إلى شيءٍ من الراحة،
    وإكراههم على الحرب المتصلة لا سبيل إليه. الثانية: أن يذعن الغرب لما يطلبه الشرق، فيرد إليه
    حقوقه كاملة، واستقلاله موفورًا، وليس إلى هذه الخصلة من سبيل إلَّا أن تمس الأوروبيين عصًا
    ساحرة، فيصبحوا بين لحظة وأخرى ملائكةً أبرارًا. الثالثة: هي أن يلجأ الغرب إلى المداورة
    والمناورة، فيصطنع الترغيب حينًا، والترهيب حينًا آخر، والتخويف مرة، والإطماع مرة أخرى.

    وهذه هي الخصلة التي سيصطنعها الغرب غدًا؛ لأنه يصطنعها اليوم، ولأنه اصطنعها أمس، ولأنها
    بلَّغته إلى الآن كل ما أراد. وليست المسألة المهمة هي ما عسى أن يصطنع الغرب ليواجه طموح الشرق
    إلى الحرية، فجواب هذه المسألة معروف، وإنما المسألة هي: ما عسى أن يَصنع الشرق ليجعل طموحه إلى
    الحرية حقيقةً واقعةً؟