الدكتور چيفاجو … للكاتب الروسي باسترناك – هذه القصة لم تحارب الثورة الروسية
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ فبراير ١٩٥٩
أما أنَّ القصة رائعة فائقة الروعة؛ فشيء لا يشك فيه إلا الذين لم يقرءوها ولم يتعمقوها، أو الذين تقصر أذواقهم عن إساغة الأدب الرفيع، ولكنها تحتاج في قراءتها وتعمقها إلى صبر أي صبر، وإلى الأناة كل الأناة، وربما احتاجت إلى أنْ تُقرأ مرتين أو أكثر من ذلك، وربما احتاجت إلى أنْ يعيد القارئ قراءة بعض فصولها غير مرة.
ومصدر ذلك أولًا: أنها طويلة شديدة الطول تتجاوز صفحاتها المئات الست، وأنَّ أشخاصها من الكثرة والاختلاف وتباين الأهواء والأمزجة بحيث يصعب على القارئ استحضارهم في ذهنه منذ يبدأ القصة إلى أنْ يتمها، ولأن أماكنها متباعدة أشد التباعد بمقدار ما يكون من التباعد في بلاد متنائية الأطراف، كالبلاد الروسية التي تختلف أقطارها في طبيعة الجو والإقليم واللغة والذوق وغير ذلك من العادات والتقاليد.
ولأنها آخر الأمر لا تقع في عام أو عامين أو أعوام قليلة، وإنما تبدأ في أوائل هذا القرن، وتنتهي عند ثلثه الأول، أو قبله، أو بعده بقليل. فكل هذا يفرق نفس القارئ، ويجعل جمع أحداثها في ذهنه عسيرًا أشد العسر … وأعترف بأني قرأتها للمرة الأولى ثم اضطررت إلى أنْ أعود إلى قراءة فصول مختلفة منها، وأنا بعد هذا كله عاجز عن تلخيصها.
وما أحسب أنَّ غيري من النقَّاد يبلغ من هذا التلخيص ما قصرت عنه لكل هذه الأسباب التي ذكرتها آنفًا … فحسبي إذن أنْ أصور الخصائص التي تمتاز بها هذه القصة من القصص الروسي المعاصر الذي أتيح لي أنْ أقرأه.
فالقصة تبدأ — كما قلت — في أوائل هذا القرن قبيل الثورة التي شبَّت نارها في روسيا سنة ١٩٠٥، وهي تحدثنا عن صِبْيَة يختلفون إلى المدارس، وعن أُسَر هؤلاء الصبية، وهي تصف لنا أدق الوصف وأقواه ما يضطرب في نفوس هؤلاء الصبية من الخواطر التي تثيرها الأحداث من حولهم، ولا سيما حين تمس أُسَرهم من قريب أو بعيد، وما تثيره في نفوسهم من الخواطر تلك الحركات الاجتماعية؛ حركات العمال حين يضربون عن أعمالهم فيملئون شوارع موسكو ضجيجًا وعجيجًا واضطرابًا، وحركات الشرطة حين تُفرِّق مظاهرات العمال ومظاهرات الطلاب أيضًا، وتأثير هذا كله في نفوس هؤلاء الصبية الذين لم يبلغوا الثالثة عشرة بعد.
وهي حين تتعرض لأسر هؤلاء الصبية لا تقف عند تأثر هذه الأسر بالأحداث، وإنما تضطر إلى وصف حياة الآباء والأمهات، وتصوير سيرهم وأحاديثهم وحكمهم على الأشياء. وتتردد أصداء هذا كله في نفوس هؤلاء الصبية فتصوغها وتطورها وتحدث فيها ألوانًا مختلفة من التأثر، وإذا هم يفكرون في أشياء لم يتعود الصبية أنْ يُفكِّروا فيها، فيألمون ويحزنون بما لا يؤلم الصبية ولا يحزنهم عادة.
والقصة على هذا كله تصاحب هؤلاء الصبية في مدارسهم الأولى والثانوية، وفي الجامعة على اختلاف كلياتها، فهي تصحبهم من الصبا إلى أول الشباب حين تدهمهم الحرب العالمية الأولى فيدفعون إليها دفعًا … منهم من تفرضها عليهم سنهم، ومنهم من يتطوعون لحرب العدو حبًّا لوطنهم ودفاعًا عنه.
وتصور القصة أثر الحرب في حياة المدنيين المادية والمعنوية جميعًا … كما تصور عمل هؤلاء الفتيان في الميدان وبلادهم في الحرب حين تتقدم الجيوش الروسية، وحين تضطر إلى التقهقر. وفي أثناء ذلك تحدث الثورة الكبرى سنة ١٩١٧، فتصف القصة صدى هذه الثورة في الجيش، واضطراب الجند وضباطهم بين مصمم على القتال ومؤثر للسلم والعافية، حتى إذا وصلت أوامر الثورة إلى الجيش زاد اختلافهم وتفرقهم.
ثم يكون الصلح الذي انفردت به روسيا من دون حلفائها … ولكن الثورة قد أثرت في كل شيء في حياة الجنود المحاربين، وفي حياة المدنيين القلقين، وإذا الأمور كلها تختلط أشد الاختلاط، وإذا الناس بين مؤمن بالثورة، مخلص لها، مندفع معها حتى تبلغ ما رسمت لنفسها من غاية، ومنكر للثورة جريء على الإنكار، ومشفق من الثورة يخشى عواقبها ويخشى مقاومتها أيضًا. وقد أخذت الحياة تشق على الناس وتضيق بهم؛ طبيعة قاسية من جهة، وتعرض للجوع والبؤس من جهة أخرى، وفرار من المدينة إلى حيث يمكن أنْ تلين الحياة ويكفل الأمن.
وتتبع القصة بعض هؤلاء الفتية الذين عرفناهم في طور الصبا، فلا تفارقهم حتى تنتهي حياتهم أو تنتهي القصة عنهم وهم أحياء … منهم من هاجر إلى البلاد الأجنبية، ومنهم من أقام في وطنه واحتمل فيه من ألوان البؤس وفنون الشقاء والجهد ما لا سبيل إلى وصفه.
هذه هي الصورة المجملة أشد الإجمال لموضوع القصة، فهي اجتماعية بأدق معاني هذه الكلمة من جهة؛ لأنها تصف حركات الجماعات المؤيدة للثورة والمقاومة لها أبرع الوصف وأشده تفصيلًا، وهي مع ذلك فردية بأدق معاني هذه الكلمة أيضًا؛ لأنها تتبع هؤلاء الأفراد من الفتية الذين رأيناهم صبية، لا تفارقهم ولا تدع شيئًا مما يجري عليهم من الأحداث، أو يضطرب في نفوسهم من الخواطر، أو يعرض لهم حين يخلون إلى أنفسهم إلا صوَّرته أبرع التصوير وأدقه.
وهي تتبع من بينهم شخصًا بعينه هو الدكتور چيفاجو، لا تفارقه منذ ماتت أمه وهو صبي لم يتجاوز العاشرة، إلى أنْ مات هو في نضرة شبابه وقد بلغ الأربعين أو كاد يبلغها … تتبعه هادئًا ومضطربًا، وتتبعه خائفًا، وما أكثر ما كان يخاف، وآمنًا، وما أقل ما كان يأمن، وتتبعه محاربًا لخصوم الثورة على رغمه، وهاربًا من الحرب يترقب القبض عليه بين لحظة وأخرى.
وتتبعه مع أهله وقد تزوج فتاة عرفها صبيًّا، واقترن بها في أول شبابه، ثم تتبعه هاربًا معها، ثم تتبعه وقد أُخذ للحرب على غير علمها، ثم تتبعه وقد هرب من الحرب وعاد إلى بيته فلم يجد أهله؛ فرت زوجُه بابنها، ثم تتبعه آخر الأمر وهو ينعم — على الخوف أشد الخوف — بشيئين متناقضين أشد التناقض؛ ينعم بحياة الحب القوي إلى أقصى غايات القوة مع صديقة له عرفها أيام الصبا، وينعم إذا كان الليل بالفراغ إلى القلم والقرطاس يلقي إليهما ما يملأ نفسه من الشعر والنثر؛ فهو طبيب بارع، ولكنه أديب ممتاز في الوقت نفسه.
وتتبعه آخر الأمر، وقد عاد إلى موسكو بعد أهوال أي أهوال، فجعل يصدر فيها رسائل يقرؤها الناس ويتحدثون عنها، ثم يعيش بعد ذلك عيشة فارغة لا معنى لها ولا غاية.
ثم يهبط من الترام ذات يوم ليسقط ميتًا قد وقف قلبه عن الحركة فجأة، وقد تجمع الناس حوله ومرت سيدة فوقفت ونظرت ثم مضت لشأنها، ولكنها لا تلبث أنْ تعلم شخص هذا الصريع، وإذا هي صديقته تلك التي عاش معها في أقصى الشرق ناعمًا بالحب والأدب معًا، فتعود إليه بعد أنْ نُقل إلى داره، وتخلو إلى جثمانه فتحدثه بما اختلف عليها من الأهوال منذ فارقته في أقصى الشرق، ثم لا تدعه حتى يُوارى في قبره.
وإذا انتهت القصة على هذا النحو الرائع المروع معًا، ألحق الكاتب بها شيئًا من شعر الدكتور الفقيد، ولست أتحدث عن هذا الشعر؛ لأني قرأته مترجمًا إلى الفرنسية، وما أكثر ما تُضيع الترجمة روعة الشعر، ولا سيما حين يترجم إلى شعر مقيد بالوزن والقافية أو محرر منهما.
ولأعد إلى القصة نفسها بعد أنْ عرضت ما استطعت أنْ أعرضه عليك من موضوعها، وأعود إليها لأقف وقفات قصار عند بعض خصائصها التي تفيض عليها جمالها الرائع، وقوتها المروعة.
فهي تتحدث عن جيل من الروسيين نشئوا قبل الثورة، وأدركتهم الثورة في أول شبابهم، ثم عاشوا معها حتى استقر منها ما كان مضطربًا، وحتى أمنت أعداءها واستطاعت أنْ تنتصر عليهم، وحتى فرغت لحياة روسيا الداخلية والخارجية تقيم بناءها على نظمها الجديدة بعد أنْ ملأت قلوب الناس روعًا، وعرَّضتهم وتعرضت معهم لمشكلات شداد إلى أقصى غايات الشدة. وصاحب القصة لا يصور حقائق الثورة، وإنما يعنى قبل كل شيء بآثارها في نفوس الناس، وفي نفوس الذين لم يؤمنوا بها خاصة، وإنما اضطروا إلى الإذعان لها اضطرارًا.
وقد قرأت قبل هذه القصة قصة أخرى أطول منها للكاتب الروسي المعاصر، ألكس تولستوي، عني فيها صاحبها بتصوير الثورة نفسها، وتصوير آثارها في نفوس المؤمنين بها الذائدين عنها، الباذلين في سبيل ذلك نفوسهم ودماءهم وراحتهم في غير تردد ولا فتور، وتصور كذلك مقاومتها لأعدائها من الروسيين ومن الأجانب.
ووجدت في تلك القصة روعة أي روعة، وجمالًا أي جمال، وهي أطول من قصة باسترناك؛ لأنها تقع في مجلدات ثلاثة، ولكنها توشك أنْ تقتصر على وصف الثورة ومقاومتها، وإيمان أصحابها بحقائقها وغاياتها، وجهودهم الهائلة في حرب الذين قاوموها؛ فهي إلى أنْ تكون تاريخًا للثورة أقرب منها إلى أنْ تكون تاريخًا لنفوس هؤلاء الناس الذين فرضت عليهم الثورة، فلم تستجب لها قلوبهم، وإنما أذعنوا لها كارهين، ولقوا من أهوالها شيئًا كثيرًا.
وهذا هو الفرق بين طريق العذاب، وهي القصة التي كتبها ألكس تولستوي، وبين الدكتور چيفاجو، وهي القصة التي نتحدث عنها والتي كتبها باسترناك، ومن الناس من يقول: إنَّ هذه القصة معادية للثورة الشيوعية، وإنَّ الذين أعطوا صاحبها جائزة نوبل إنما أعطوه هذه الجائزة لأنه خاصم الثورة الروسية.
ولكني لا أرى هذا الرأي فقصة باسترناك هذه لم تكتب محاربةً للثورة أو مقاومة لها، ولو كتبت لهذا الغرض ما استطاع صاحبها أنْ يجد أمنًا ولا دعة، ولا أنْ يعيش — كما عاش — إلى الآن هادئًا مطمئنًا، وإنما كتبت القصة لتصور تصويرًا واقعيًّا لا تزيُّد فيه أثر الثورة وما أحاط بها من الظروف، وما ستنبعث من الأهوال في نفوس الذين لم يشاركوا فيها ولم يؤمنوا بها، وإنما ذعنوا لها لأنهم لم يريدوا ولم يستطيعوا أنْ يصنعوا شيئًا غير هذا.
وما أكثر الذين كتبوا القصص والذين كتبوا التاريخ، وصوروا في قصصهم أو في تاريخهم أهوال الثورة الفرنسية الكبرى! وما سفك فيها من دماء، وما أزهق فيها من نفوس، وما ذاق فيها الناس من ألوان الجهد والشدة والبؤس والحرمان، دون أنْ يكونوا للثورة خصومًا أو أعداء، وإنما صوروا حقائق قد وقعت وكانت في حاجة إلى من يصورها!
فكذلك باسترناك صور أهوال الثورة الروسية الكبرى وشقاء بعض الناس بها، وبالظروف التي لابستها، وليس في هذا عداء للثورة أو خصام لأصحابها، وإنما هو تصوير لحقائق واقعة ليس من وقوعها بد حين تضطر الثورة إلى مثل ما اضطرت إليه الثورتان الفرنسية والروسية من حماية نفسها مهما يكلفها ذلك ويكلف الناس من حولها.
ولست أعرف كاتبًا روسيًّا صور الهلع والفزع والجزع الذي يملأ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم ويملك عليهم أمرهم كله كما صوَّر ذلك صاحبُ هذه القصة، فإذا كان الذين انتصروا في الثورة الروسية وثبتوا أصولها ومضوا بها إلى غايتها أبطالًا؛ فالذين احتملوا أهوال هذه الثورة أبطال أيضًا؛ لأنهم شقوا كما لا يشقى الناس، وذاقوا من البؤس والجوع ومن قوة الطبيعة أهوالًا نقرؤها فلا نكاد نحققها، ولا نكاد نصدقها؛ لأنها بلغت من القسوة والشدة وامتحان النفوس ما لا يصدق إلا بعد جهد أي جهد.
ولست أعرف كاتبًا روسيًّا معاصرًا صوَّر قسوة الطبيعة حين يشتد الشتاء، وينهمر الثلج، وتجمد الأنهار، وتنقطع حركة المواصلات، ويهلك الزرع قبل أنْ يؤتي ثمره، ويشقى الناس بهذا كله لا يجدون ما يأكلون، ولا ما يلبسون، ولا ما يدفعون به عن أنفسهم هذا البرد القارس، وهم مع ذلك خائفون قد ملأ الهول قلوبهم، واستأثر اليأس من الحياة بنفوسهم؛ فهم ينتظرون أنْ يؤخذوا في كل لحظة ليقدموا إلى الموت أو ليقدم إليهم الموت، وهم لا يسمعون نبأة ولا يحسون حركة ألا ظنوا أن قد أقبل الذين سيأخذونهم ويمضون بهم إلى حيث لا يعودون، وليس منهم ألا من يفكر في صبي سيتعرض بعده للهول، أو في زوج ستشقى بعده ألوان الشقاء.
لا أعرف كاتبًا روسيًّا معاصرًا صوَّر هذا كله كما صوَّره باسترناك في هذه القصة، ولا أعرف أيضًا كاتبًا صوَّر جمال الطبيعة حين يقبل الربيع، وتشرق الشمس، وتعود الحياة إلى كل شيء إلا إلى هذه النفوس الوجلة التي لا تفكر أو لا تكاد تفكر إلا في مصاعب الحياة ومشكلاتها، وفي هذا الموت الذي يوشك أنْ ينقض عليهم فيختطف منهم عائلًا أو حبيبًا.
ولا أذكر أني قرأت تصويرًا لحركة الجماعات في الخوف والأمن، وفي السخط والرضى، كما قرأته في هذه القصة، ولا أعرف أحدًا وصف حياة الهاربين في القطارات التي تمضي بهم لتقف حتى ييأسوا، أو يوشكوا أنْ ييأسوا من حركتها، وهم مع ذلك يهربون من الموت أو مما يشبه الموت.
كل هذا تجده في هذه القصة، بل أنت واجد فيها أكثر جدًّا من كل هذا، بشرط أنْ تقرأها صابرًا نفسك على قراءتها، وفارضًا على نفسك ألا تتحول عنها أثناء القراءة قيد إصبع لخاطر يعرض لك أو شيء يجري من حولك، بل أنت ملزم — إنْ شئت قراءتها والاستمتاع الصحيح بها — أنْ تقصر عليها أثناء القراءة عقلك وقلبك وذوقك جميعًا. وسترى — إنْ فعلت ذلك — أنك ستربح متعة قلَّما تربح بمثلها في قراءة كتاب.
Tag: Bolshevik Revolution
-
الدكتور چيفاجو … للكاتب الروسي باسترناك