Tag: book confiscation

  • كرامة

    حديث اليوم: كرامة
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٧ أغسطس ١٩٣٢

    وكنا قد حفظنا في متن من المتون، في الجريدة أو في الجوهرة، بيتًا لم ننسه وإن طغى النسيان على كثير مما حفظنا؛ لأن هذا البيت قد شاع وانطلقت به الألسنة في البيئات الأزهرية، كما انطلقت به الألسنة في القرى وأسمار الريف وهو:

    واثبتن للأولياء الكرامة ومن نفاها فانبذن كلامه

    ولم أكن فكرت قط في أن أنفي كرامة الأولياء، أو أشك فيها، وإنما كنت أصدق ما يقص علي من أخبارها وأعاجيبها. وكثيرًا ما كنت ألتمس هذه الأخبار والأعاجيب؛ لأني أجد لذة في قراءتها والتحدث بها، والاستماع لها، ولكني كنت أنتظر أن أشهد منها واحدة، لا شكًّا ولا ريبًا، ولكن ليطمئن قلبي. وقد أذن اللَّه في أن يظهر لي أن أشهد هذه الكرامة، وأن يصبح إيماني بها قويًّا متينًا، كإيماني بأن شيخ الأزهر هو شيخ الأزهر!

    وكان شيخ الأزهر نفسه علة هذه الكرامة الجديدة، والباعث على ظهورها وإشراق نورها. فقد أمر منذ أسبوعين أن يصادر كتاب البغدادي غيرة على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وذودًا عن المذهب الرسمي للدولة في الفقه. فلم تكد تمضي على هذا الأمر وتنفيذه ليلة، وتتبعها ليلة، حتى غير الشيخ أمره تغييرًا، وبدل حكمه تبديلًا، وأذن بأن يذاع الكتاب، إلا ما كان منه نقدًا لأبي حنيفة رحمه اللَّه. ثم مضت أيام تبعتها أيام، وليالٍ تبعتها ليالٍ، وإذا نحن نسمع اليوم قومًا يهمسون، ولكنهم يؤكدون، أن الشيخ قد ألغى قضاءه إلغاءً، ومحا رأيه محوًا، وأذن في أن يذاع الكتاب كما تركه صاحبه، لا يصيبه مسخ ولا نسخ، ولا يحذف منه قليل ولا كثير. وقد خفت غيرة الشيخ على أبي حنيفة رحمه اللَّه، وهدأت حدته في الذود عن المذهب الرسمي للدولة. فاكتفى بأن يتفق مع الناشر على طبع كتاب قديم، فيه دفاع عن الإمام الأعظم ومذهبه. ومن المحقق أن رجوع الشيخ عن مصادرة الكتاب كله، بعد أن أمر بها، وأذعنت لأمره إدارة الأمن العام، ثم رجوعه عن مسخ الكتاب وتشويهه بعد أن أمر به، وأذعن الناشر لأمره، وأذاعت إدارة الأمن العام هذا الأمر وهذا الإذعان في بلاغ رسمي، كل هذا من الظواهر الغريبة الخارقة كما جرت به العادة في الحكومات والمصالح الرسمية. ذلك أن الحكومة إذا أمرت، فليس من شأنها أن ترجع فيما أمرت به، حتى ولو تحققت أنها قد جارت عن القصد، وتجاوزت العدل فيما أصدرت من أمر؛ لأن هيبتها أعز عليها من العدل، وهي تحرص على خوف الناس منها أكثر مما تحرص على حبهم لها، وهي تقدر أن الرجوع عن الأمر بعد إصداره، يزعزع هيبتها في نفوس الناس، ويحملهم على أن يتساءلوا: أجادة هي أم هازلة؟ مستقلة هي في أحكامها وأعمالها، أم خاضعة ليد تحركها من وراء ستار؟

    غريب إذن أن يعدل الشيخ، وتعدل معه إدارة الأمن العام، عن مصادرة كتاب البغدادي كله أو بعضه. وقد اختلف الناس في تأويل هذه الظاهرة الغريبة. فأما الكُتَّاب والصحفيون الذين أنكروا على الشيخ والحكومة هذا الجور، فقد زعموا — وويل للناس من الغرور — أن أقلامهم قد استردت هيبتها القديمة، وسطوتها الماضية، وأصبحت تخيف الشيخ وغير الشيخ من رجال السياسة ورجال الدين. وزعموا — وويل الناس من الغرور — أن الشيخ وإدارة الأمن العام، قد فزعا لحملتهم، وأشفقا أن تتصل، فآثرا أن يُلغى هذا الأمر، ويربأا بأنفسهما عن نقد الناقدين، وخصومة المخاصمين.

    ولكن الكتاب يكتبون، ويكتبون وهم ينفذون أعمال الشيخ وأعمال الحكومة منذ سنتين دون أن يحفل بهم أحد، أو يلتفت إليهم إنسان. فليس الكتاب ولا الصحفيون إذن هم الذين غيروا رأي الشيخ، أو عدلوا بإدارة الأمن العام إلى قصد السبيل. قال آخرون: نعم، ولكن الحكومة قدرت، وقدر معها الشيخ، أن مصادرة الكتب العلمية تسيء سمعة مصر، وتسمها بالخزي والعار أمام الشرقيين والغربيين، الذين اشتركوا في هذا الكتاب، وانتظروا أن يصل إليهم كاملًا. وقد لا تحفل الحكومة، ولا شيخ الأزهر برأي المصريين فيهما، ولكنهما يحفلان جدًّا برأي الأجانب، ويحرصان جِدًّا على ألا يسوء فيهما هذا الرأي. ولكن الحكومة وشيخ الأزهر يأتيان من الأمر في شأن السياسة والدين أشياء كثيرة، يعرفها الأجانب ولا يرضون عنها، كثيرًا ما يتناولونها بالنقد، وكثيرًا ما يعبثون بها ويضحكون منها، وتمضي الحكومة، ويمضي الشيخ فيها مع ذلك، لا يحفلان بما يقول الأجانب أو ما يرون.

    قال آخرون: هذا كله حق، ولكن المشتركين في الكتاب من المصريين وغير المصريين، كانوا ينتظرون الكتاب كاملًا، فلما عرفوا أنه سيصل إليهم منقوصًا تأهَّب فريق منهم لمقاضاة الناشر والحكومة، وتأهب فريق آخرون لإكمال الكتاب، ومقاضاة الحكومة إن عرضت لهم بشر. ولكن متى أشفقت الحكومة، أو خافت من مثل هذا الموقف وحبل القضاء طويل، وقد تستقيل الوزارة قبل أن يفصل القضاء في الأمر. ليس شيء من هذه الأسباب إذن هو الذي عدل بالحكومة وشيخ الأزهر عن تحريم ما كانا حرماه من نشر شيء فيه نقد لأبي حنيفة رحمه اللَّه، وتعريض بالمذهب الرسمي للدولة في الفقه.

    قال جماعة من الشيوخ: إنما تختصمون في غير موضع للخصومة، وتختلفون في غير محل للاختلاف، وكل هذه الأسباب التي يزعمها بعضكم، وينكرها بعضكم الآخر لا تزن عند الشيخ الأكبر شيئًا. فهو لم يخف من الكتَّاب، ومن يكونوا الكتاب حتى يخافهم الشيخ؟ وهو لم يحسب حسابًا لشيء من هذه الأشياء التي ذكرتموها؛ لأنه أحرص على حرمة أبي حنيفة ومذهب الدولة من أن يخاف فيها لومة لائم مهما يكن. إنما هي كرامة. ولكن لمن؟ هنا اختلف الشيوخ وتفرقوا. فأما الحنفية منهم، فقالوا: كرامة للإمام الأعظم رحمه اللَّه؛ فقد كان رحب الصدر لخصومه، واسع العفو عن معارضيه، وكان يقول: اللهم من ضاق صدره بنا فإن في قلبنا له سعة. فلما رأى روحه الكريم غضبة الشيخ الأكبر، لم تعجبه ولم يرضَ عنها؛ فزار الشيخ في المنام، وأنذره لئن لم يعدل عن خطئه، ويخفف من حدته، ويترك للنقد حريته كاملة موفورة، ليلقين من اللَّه عز وجل شر ما يلقى المعتدون في الدنيا والآخرة. وقال الشافعية: بل هو الشافعي رحمه اللَّه تمثل للشيخ في حلم من أحلام الليل، وقال له: لقد روى الخطيب في كتابه ثنائي على أبي حنيفة، ألست ترى أنك تسيء إليَّ وإلى أبي حنيفة بمصادرة هذا الثناء. قال المالكية: وما نرى إلا أن مالكًا رحمه اللَّه قد قال للشيخ مثلما قال الشافعي، فقد روى الخطيب ثناء مالك على أبي حنيفة؛ كما روى ثناء الشافعي. قال الحنابلة: وروى الخطيب أيضًا ثناء أحمد بن حنبل رضي اللَّه عنه على أبي حنيفة، كما روى ثناء غيره من أئمة المسلمين، فما نرى إلا أنه قد لام الشيخ في المنام أيضًا.

    وكان في القوم رجل شيخ فيه وقار، ولكن فيه دعابة، فلما فرغ القوم مما كانوا فيه، ولم يتفقوا على مصدر هذه الكرامة، صفَّق بيديه تصفيقًا هينًا، واعتدل بعض الشيء، وابتسم عن يمينه، وضحك عن شماله، وهي عادته إن هم بأمر ذي بال. ثم قال للقوم: ألا أحدثكم أحدوثة كلها صدق، وهي على ذلك تزيل ما أنتم فيه من خلاف؟ قالوا: هات. قال الشيخ: كان — وما أكثر ما كان — في قديم الزمان، شيخ من الجان، يسمى القيحطان، له جبة وقفطان، وقلب ولسان، وعلم وإيمان، وكان معمرًا قد شهد العصور، وبلي الدهور؛ ورأى اختلاف الأجيال، وتنازع الملل، وتخاصم العلماء والفقهاء، منذ ظهر العلم والفقه، وكان يغشى مجالس أهل العلم، وأصحاب الفقه، ومجالس الحكماء والفلاسفة، ومجالس الشعراء والمتأدبين، وكان يحسن كل لغة، ويتقن كل فن، وكان يعي كل ما يسمع، ولكنه إذا خلا إلى نفسه نظر فيما وعى، فحفظ أحسنه ونفى سيئه. وقد ظل هذا الشيخ على هذه الحال حياته، حتى إذا كانت فتنة من الفتن، لقي فيها الصالحون من العلماء من ظلم الظالمين، وعسف المستبدين شرًّا كثيرًا، وظهر فيها الباطل، واستخفى فيها الحق، وعلت فيها كلمة الجهل، وسفلت فيها كلمة العلم، ضاق الشيخ بهذه الحال، وأقسم لينفقن ما بقي له من حياة في ترويع الظالمين للعلم، والمعتدين على العلماء حيثما كانوا. وأنتم تعلمون أن الجن يتمثلون في صور مختلفة، ويتشكلون في أشكال متباينة منها الحسن المغري، ومنها القبيح المخيف، فجعل هذا الشيخ كلَّما اعتدى على العلم معتدٍ أو ظلمه ظالم، لزمه حتى يعرف مزاجه، ويبلو طبعه، فإن كان ضعيف القلب، قصير العقل، طويل اللسان، لا ثقة له بنفسه، ولا اعتماد له عليها، ولا رأي له فيما يأتي من الأمر، إنما هو مسخر يؤمر فيأتمر، ويُنهى فينتهي. تصور له في أي شكل من هذه الأشكال التي تخيف ضعاف القلوب والعقول ثم أنذره وحذره، فما هي إلا أن يقصر الظالم عن ظلمه، وينصرف الباغي عن بغيه، وأنا زعيم لكم بأن القيحطان هذا، قد زار الشيخ في يقظة، أو زاره في حلم، وقد تشكل للشيخ في شكل من هذه الأشكال المزعجة المروعة، وقد عزم على الشيخ ليطلقن كتاب الخطيب من إساره، أو لينغصن عليه يقظته ونومه.

    ألم تعرفوا هذا القيحطان بعد؟ إنما هو حرية العلم، قد وجدت منذ عرف الإنسان التفكير ولن تموت وعلى الأرض إنسان يفكر. وقد عاهدت هذه الحرية نفسها على أن تحتال في صرف الظالمين للعلم عن ظلمهم، والمعتدين على العلم عن عدوانهم.

    وكذلك أجمع القوم على أن في الأمر كرامة أضافها بعضهم إلى الإنس، وأضافها بعضهم إلى الجن. أما أنا فمع أني أؤمن بالكرامات ولا أنفيها فأعتقد أن قد سُمع النداء، واستُجيب الدعاء، وتنزل الأمر إلى الشيخ، فأطلق لكتاب الخطيب حريته. لقد استجار العلم منذ أسبوعين بصاحب الجلالة المصرية حامي العلم وجاره من كل ضيم. وما كان للعلم أن يستجير بملك مصر ثم يلقى ضيمًا، ولو من شيخ الأزهر، ولو من وزير الداخلية.

    لم يحدثني أحد بما أقول، لكني لا أشك أنه قد كبر على حضرة صاحب الجلالة الملك أن يضام العلم، وتفتضح مصر، وهو الجالس على عرش النيل، فتفضل حفظه اللَّه فرد الأمر إلى نصابه، وردع الظالمين عن ظلمهم، وجعل الخطيب البغدادي حرًّا في القاهرة، كما كان حرًّا في بغداد.

    أما بعد، فإني أرى في رجوع الشيخ عن ظلمه لكتاب الخطيب فألًا حسنًا، وبشيرَ خيرٍ، فقد سقط الحجر الأول من هذا البناء المريب، الذي أقامه التحالف بين جماعة من رجال السياسة وجماعة من رجال الدين، والذي كان قوامه التحكم في الحرية على اختلاف أنواعها. ومتى سقط الحجر الأول فتسقط بعده أحجار. ومتى ردت إلى العلم حريته، فسترد إلى السياسة حريتها أيضًا.

    أما بعد، فإني أرجو أن ينتفع شيخ الأزهر وتنتفع معه الحكومة من هذا الدرس القاسي، فليس من الهين أن يقال: «قضى الشيخ وأمرت الحكومة ثم رجع الشيخ عن قضائه، وعدلت الحكومة عن أمرها.» ولو قد فكر الشيخ، ولو قد تروَّتِ الحكومة، لعرفا أن حرب العلم ليست كحرب السياسة، وأن خصومة العلماء ليست كخصومة الساسة، وأن القوة مهما تكن عنيفة غاشمة، لا تصلح سلاحًا لحرب العلم والعلماء. إنما يحارب العلم بالعلم. وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم بالعلم؟! إنما يحارب العلم جهرًا وصراحة، لا سرًّا ولا من وراء حجاب، وأنى لشيخ الأزهر أن يحارب العلم في وضح النهار. إنما يحارب العلم ليخلص حقه من باطله، ويبرأ صوابه من خطئه، لا لتهدر حريته، فليس إلى إهدار حريته من سبيل. وأنى لشيخ الأزهر أن يلتمس الحق، أو أن يلتمس الصواب؟! إني نذير لشيخ الأزهر إذا لم يكن له بد من أن يشتغل بالسياسة، ويؤيد رجال السياسة باسم الدين، ألا يفعل هذا على حساب العلم؛ فإن العلم أقوى جانبًا وأعز نفرًا من أن ينال منه الشيخ، وإن أيدته ألف حكومة كالحكومة المصرية. إن القيحطان حي ما عاش الإنسان، وإنه قادر على أن يروع الشيخ ويبغض إليه مصادرة الكتب. فليدع الشيخ خصومة العلم، وحرب العلماء، وليمضِ بعد ذلك إلى حيث شاء.

  • لعب٢

    حديث اليوم
    لعب
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ٢٦ يوليو ١٩٣٢

    لا أكره لشيخ الأزهر أن يلعب، ولا أكره للحكومة أن تلعب معه؛ فإن في لعب الشيوخ عبرة لغير الشيوخ، وفي لعب الحكومة قوة للمعارضة، ولكن لكل شيء ذوقًا يصلحه ويُقوِّمه، وذوق اللعب أن يكون فيما يجوز اللعب به والتحكم فيه. وما عرفنا منذ كان هذا العصر الحديث أن العلم يصلح موضوعًا للعب إلا عند المُجَّان وأصحاب الفكاهة والدعابة.
    وأنا أريد أن أكبر شيخ الأزهر عن أن يكون ماجنًا أو صاحب فكاهة ودعابة؛ لأن منصبه وزيه يأبيان عليه هذا كله؛ ولأن صلاته وصيامه يأمرانه بغير هذا كله. والذي أعلمه أن في حياتنا المصرية الخاصة والعامة متسعًا لنشاط الشيخ والحكومة إن كانت عندهما بقية من نشاط. في مصر آثام تقترف، وسيئات تجترح، وأمور يُعصى الله عز وجل فيها، وهي أكبر عند الله وأحق أن تقاوم وأن يبذل الشيخ في مقاومتها جهده وطاقته وسلطانه من نقد أبي حنيفة بالحق أو الباطل، ومن نيل أبي حنيفة بالمعروف أو بالمنكر من القول.
    وهذه الآثام والسيئات تقترف جهرًا، وتجترح علنًا، ويراها الشيخ إذا غدا إلى الأزهر، ويراها الشيخ إذا راح إلى داره. ويسكت عنها الشيخ في غدوه ورواحه، غافرًا لها، أو غافلًا عنها، أو عاجزًا عن إزالتها، حتى إذا نشر كتاب في العلم بريء لا إثم فيه ولا معصية، وإنما فيه نقد لأبي حنيفة قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأ، قام الشيخ وقعد، وبرق الشيخ ورعد، وآمنت له الحكومة فأمدته بالحول، وأعانته بالجند، وصادرت له هذا الكتاب.
    ومع ذلك، فلم يزعم أبو حنيفة — رحمه الله — لنفسه براءة من العيب، أو علوًّا على النقد، وإنما كان يرى نفسه كما كان يراه الناس في عصره، وكما نراه نحن الآن، سواء رضي الشيخ أم غضب، وسواء طابت نفس الحكومة أم ثار ثائرها، رجلًا من المسلمين يجتهد في الفقه وفي الكلام، فيجوز عليه ما يجوز على كل مجتهد من إدراك الصواب والتورط في الخطأ. فأين وجد شيخ الأزهر أن كتابًا ينقد أبا حنيفة خليق أن يصادر؟ أين الآية القرآنية أو الحديث النبوي أو الأثر الصحيح من آثار السلف الصالح والقياس المستقيم على أصول الفقه في أي مذهب من مذاهب المسلمين؟
    أين شيء من هذا يبيح للشيخ وللحكومة معه أن يصادرا كتابًا من كتب العلم نال فيه صاحبه أبا حنيفة بالنقد المسرف أو بالنقد الصحيح؟ لن يستطيع الشيخ ولن تستطيع الحكومة أن يستندا في هذا العدوان على العلم إلى آية من كتاب الله، أو حديث من سنة رسول الله، أو قول من أقوال المسلمين الصالحين، وهما كذلك لا يستطيعان أن يستندا إلى قانون؛ فقد ظهر مما نشرته السياسة صباح اليوم أن ليس في القانون حتى قانون المطبوعات الجديد ما يبيح مصادرة الكتب العلمية على هذا النحو. وإذا لم يستطع الشيخ والحكومة أن يستندا في هذا العدوان إلى أصل من أصول الدين، أو مادة من مواد القانون، فهما إنما يستندان إلى الهوى، ويعتزان بالقوة، ويلعبان بأكرم شيء على الناس: بالعلم الذي يجب أن يكون فوق لعب اللاعبين، وفوق لهو اللاهين، وفوق سلطان الحكام والمتسلطين.
    نعم، هما يلعبان، وهما يلعبان بالعلم، ويلعبان بأقدس شيء عرفه الإنسان: بحرية العقل في أن يفكر وينتج، وحرية الناس في أن ينشروا ويقرءوا، ويقال لنا بعد ذلك: إن الحريات مكفولة على اختلافها، وإن النظام القائم قد آمننا على النفوس والأموال، وعلى حقوق الإنسان كلها! من ذا الذي يستطيع أن يزعم هذا وكلمة من شيخ الأزهر، ونحن نعلم من شيخ الأزهر، تكفي لتصادر الحكومة كتاب الخطيب البغدادي، فتعتدي على حرية الخطيب نفسه، وهي مقدسة قد ضمن لها الزمانُ الحرمةَ والخلود، وتعتدي على حرية الناشرين وأموالهم وجهودهم، وهي مقدسة قد ضمنها الدستور، وتعتدي على حق القراء في الشرق والغرب، وهي مقدسة قد ضمنتها أوليات العدل الطبيعي؟
    لقد أصم رئيس الوزراء آذاننا باستقرار النظام، وهو قد استقر وإن كان شيء أساسي ينقصه؛ وهو إقامته على العدل، وتنفيذه بالحق، وحمايته من أن يكون وسيلة إلى إرضاء الشهوات. إن لهذا النظام الذي يصم آذاننا رئيس الوزراء بإعلان استقراره عدوًّا هو أشد عليه من المعارضين مهما تكن قوتهم، ومهما تكن مكانتهم في الشعب. وهذا العدو هو طريقة الحكومة في تنفيذ هذا النظام وفرضه على الناس، الحكومة لا تؤمن بالنظام الجديد، ولا تحبه، ولا تحرص على أن يستقر، ولو قد آمنت به وأحبته لنفذته على الناس جميعًا بالعدل، ولكرهت لنفسها أن تتخذه سبيلًا إلى البطش.
    كلا، إن الحكومة لا تؤمن بهذا النظام، وإنما تتخذه وسيلة إلى الحكم، وسبيلًا إلى التسلط. وما دامت تفهم النظام على هذا النحو فسيتعبها إقرار النظام، وسيخرجها من خطأ إلى خطأ، وسيضطرها إلى شطط بعد شطط، وما كان للشعب أن يؤمن للنظام أو يطمئن إليه والحكومة التي وضعته نفسها لا تؤمن بهذا النظام ولا تطمئن إليه.
    ماذا؟ نحن إذن لعبة في يد الشيخ الظواهري وفي يد وزير الداخلية، يستطيعان أن يتصرفا في عقولنا وميولنا وحقوقنا كما يشاءان هما لا كما نشاء نحن! ماذا؟ كتاب أذيع فنحن نقرؤه وننتظر بقيته أشد ما نكون شوقًا إليها، وأعظم ما نكون حرصًا عليها، ثم يأتي وزير الداخلية صدقي باشا بأمر شيخ الأزهر الشيخ الظواهري فينتزع منا هذا الكتاب انتزاعًا، ويحول بيننا وبين بقيته كما تنتزع اللقمة من يد الجائع، وكما ينتزع القدح من فم الظمآن. وكل ذلك بغير حق وبغير اعتماد على دين أو قانون، ثم نزعم بعد ذلك أننا أحرار، وأن الديمقراطية تظلنا بلوائها المنشور.
    كلا، كلا! لسنا أحرارًا، ولو كنا أحرارًا لما عبث بنا صدقي باشا والشيخ الظواهري. كلا، كلا! لا يظلنا لواء الديمقراطية، وإنما يظلنا لواء لا أدري كيف أسميه، ولكني أعلم أنه لا يجوز أن يرفع في هذا القرن العشرين على بلد قد ذاق الحضارة، واستظل بها عشرات القرون. كلا، لسنا أحرارًا! ولو كنا أحرارًا لأقيل شيخ الأزهر؛ لأنه عبث بحرية العلم، ولأنه اتخذ الدين وسيلة إلى الظلم، ودين الله أكرم على الله وعلى المسلم من أن يتخذ وسيلة إلى إهدار الحقوق.
    ولو كنا أحرارًا لما استمتع رئيس الوزراء برحلته الصيفية وحرية العقل يُعتدَى عليها أشنع اعتداء. لسنا أحرارًا وما أرى إلا أننا قد اقترفنا ذنبًا قبيحًا، فعوقبنا عليه بهذه المحنة التي تجعل حياتنا العقلية لعبة في يد رجلين اثنين: شيخ الأزهر ووزير الداخلية، ولكني أجهد نفسي وأكلفها ألوان المشقة أبحث عن هذا السلطان الغريب الذي أتيح لشيخ الأزهر؛ فجعل له الكلمة العليا على العلم والعلماء، وعلى الإسلام والمسلمين. لا باباوية في الإسلام، ومن زعم أن للإسلام بابا فقد تجاوز حدود هذا الدين واعتدى عليه.
    وإذن فمن أين لشيخ الأزهر سلطانه على الدين والمسلمين؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ ومن أين لشيخ الأزهر سلطانه على العلم والعلماء؟ وأين القانون المدني الذي يخوله هذا السلطان؟ نعلم أن هناك قانونًا يخول الشيخ وهيئة كبار العلماء شيئًا من السلطان على الأزهريين، ونعلم أن الأحرار من المصريين لن يرضوا حتى يغير هذا القانون، ولكن من زعم لشيخ الأزهر أن الخطيب البغدادي من علماء الأزهر؟ إن الرجل لم يصل قط إلى مصر.
    ومن زعم لشيخ الأزهر أن سلطانه يتجاوز الأحياء إلى الأموات؟ وما بال شيخ الأزهر لا يكتفي بتحريم هذا الكتاب على الأزهريين الذين يخضعون لسلطانه قليلًا أو كثيرًا؟ من الذي أباح لشيخ الأزهر أن يعتديَ عليك وعليَّ فيحول بيننا وبين كتاب من حقنا أن نقرأه، ونحن لا نُقدِّر الشيخ ولا نؤمن له ولا نرى له علينا سلطانًا ما؟
    الذي أباح للشيخ هذا العدوان أستطيع أن أدلك عليه، بل أنت تعرفه حق المعرفة؛ هو هذه المحالفة الممقوتة بين جماعة من رجال الدين يلتمسون المنفعة العاجلة، وجماعة من رجال السياسة يلتمسون الحكم والسلطان. أولئك يُسخِّرون دين الله لرجال السياسة، وهؤلاء يسخرون حقوق الشعب وسلطانه لرجال الدين، وكذلك تقوم هذه المحالفة على ما لا يُرضي الله ولا يُرضي الناس.
    لقد سألت الشيخ أمس عن كتب تنشرها الحكومة بأموال الدولة، ما باله لا يأمر بمصادرتها وإن فيها لشرًّا مما في كتاب البغدادي، وإن قانون المطبوعات الجديد ليبيح له أن يطلب مصادرتها وللحكومة أن تصادرها. إن في كتاب الأغاني الذي يطبع في مطبعة الحكومة للمرة الثانية لشعرًا ونثرًا وأخبارًا وآثارًا أقل ما توصف به أنها تثير شهوات الشبان، وتغويهم بالفسق والفجور. وهذا بعينه هو الذي يبيح القانون للشيخ أن يطلب مصادرته، وللحكومة أن تصادره؛ فليظهر لنا الشيخ شجاعته وغيرته على الدين والأخلاق وآداب الشباب، وأنا أزعم أنه لن يفعل؛ لأنه أضيق باعًا من أن يفعل.
    وأخرى نسأل عنها الشيخ ونتمنى عليه أن يكون صريحًا إن أجاب، وشجاعًا إن اعتزم العمل: ليس في القرآن ولا في الحديث ما يحرم على الناس نقد أبي حنيفة، ولكن في القرآن والحديث نصوصًا صريحة لا تقبل شكًّا ولا تحتمل تأويلًا، وهي تحرم على الناس الربا، ويقال: إن البرلمان المصري — والشيخ عضو فيه — أقر قانونين نفذ أحدهما منذ عام، وسينفذ الآخر بعد أيام، وكلاهما يجعل الربا قاعدة من قواعد التعامل في بنك التسليف الزراعي وفي بنك التسليف العقاري.
    فماذا صنع الشيخ لمقاومة هذين القانونين. أتراه عارض، أتراه أنكر؟ أتراه حمل غيره من الأعضاء على المعارضة والإنكار؟ أتراه استقال من البرلمان؟ لا! لم يعارض ولم ينكر ولم يدعُ إلى معارضة ولا إنكار، ولم يستقل، بل لم يأمر حتى بمصادرة هذين القانونين اللذين يبيحان الربا. لماذا؟ لأن الدولة من وراء هذين القانونين تحميهما. أما كتاب البغدادي فليس له من يحميه إلا الله، ولكن كفى بالله وليًّا، وكفى بالله نصيرًا.
    وأخرى أسأل عنها الشيخ وأحب أن يكون صريحًا إن أجاب، شجاعًا إن عمل: أين تودع أموال الأزهر الشريف التي يقبض منها الشيخ الجليل مرتبه كل شهر؟ أفي بيت الشيخ؟ أم في رواق من أروقة الأزهر؟ أم هي تدور مع أموال البنك الأهلي وتغل على الأزهر الشريف قليلًا أو كثيرًا من الإيراد؟
    وأموال وزارة الأوقاف — والشيخ عضو في مجلس الأوقاف الأعلى — أين هي؟ أخصبة هي أم جدبة؟ أعقيمة هي أم منتجة؟ أليس الشيخ يوافقني على أن مثل هذه الأشياء أحق بنشاطه في خدمة الدين؟ أليس الشيخ يوافقني على أن نهي الدولة والأفراد والأزهر والأوقاف عن الربا آثر عند الله عز وجل وأحب إليه من مصادرة كتاب البغدادي لأن فيه نقدًا لأبي حنيفة؟ أليس الشيخ يوافقني على أنه يلعب حين ينصرف عن البغاء والربا، وعن التبشير وتعطيل الحدود، إلى مصادرة كتاب الخطيب البغدادي؟
    ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولتؤت هذه المحالفة بين جماعة من رجال الدين وجماعة من رجال السياسة ثمارها المفسدة للحرية، المهدرة لكرامة العقل، ولكني أرجو أن لا تلعب مصر، وأن لا تسمح بإفساد الحرية وإهدار كرامة العقل. نعم، ليلعب الشيخ وتلعب معه الحكومة، ولكني أنصح لهما أن يلعبا بغير العلم، وأن يعبثا بغير كرامة العقل، فإن الذين يلعبون بالعلم والعقل لا يجنون من هذا اللعب خيرًا. نعم، ليلعب الشيخ ولتلعب معه الحكومة، ولكني مطمئن إلى أن العلماء في الشرق والغرب سينكرون هذا اللعب، ويحتجون على براءته من الذوق.
    ليلعب الشيخ، ولتلعب معه الحكومة، ولكي واثق كل الثقة بأن صاحب الجلالة المصرية، والأمين على الكرامة المصرية، وجار العلم والعلماء في مصر لن يسمح بأن يستمر هذا اللعب السخيف طويلًا.