Tag: British Foreign Policy

  • قبرص وحمق السياسة الإنجليزية

    قبرص وحمق السياسة الإنجليزية

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١١ مارس ١٩٥٦

    يصفها بذلك الإنجليز أنفسهم فيما نقلت إلينا رسائل البرق، وفي الحق أن من أعسر العسر أن تجد للسياسة البريطانية في قبرص وصفًا أصدق ولا أدق من أنها سياسة حمقاء، تُسرع بقبرص إلى الفوز بما تريد، وتُسرع بالبريطانيين إلى الخذلان الذي فُرض عليهم فرضًا، والذي تعرفه عقولهم وتؤمن به قلوبهم. ولكنهم يكابرون ويأبون أن يعترفوا به أو يذعنوا لحكمه؛ لأنهم لا يجدون الشجاعة في هذه المرة على احتمال الهزيمة التي ليس منها بد، والاعتراف بأن عصر الاستعمار واستعباد الشعوب قد انقضى ولن يعود.

    إنهم يستأنفون في هذه الأيام سياسة النفي بعد أن جربوها، فلم تغن عنهم شيئًا ولم يجنوا منها إلا الهزيمة والخذلان.

    لقد نفوا طائفة من زعماء المصريين في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم اضطرتهم الظروف اضطرارًا إلى إطلاقهم وتركهم أحرارًا يتبوَّءون من الأرض حيث يشاءون، ويعودون إلى وطنهم حين يريدون. ثم فاوضتهم وحاولت أن تصل معهم إلى بعض أغراضها، فلم تبلغ منهم شيئًا. ثم نفت منهم قومًا آخرين إلى صخرة نائية في المحيط، ثم اضطرت إلى أن تطلقهم صاغرة وتردهم إلى وطنهم مخذولة لم يغن عنها نفي أولئك ولا هؤلاء شيئًا، ولم يمنعها من أن تذعن آخر الأمر لما لم يكن بُد من الإذعان له، فتعترف بأطراف من الاستقلال ثم تضطر آخر الأمر اضطرارًا إلى الجلاء والاعتراف لمصر باستقلالها كاملًا موفورًا.

    وهي قد جربت النفي في غير مصر، كما جربت القتل والتعذيب والسجن؛ فلم تنتفع بشيء من ذلك نفعًا قليلًا أو كثيرًا، ولم تستطع أن تُكره الشعوب على ما أرادت لها من الذلة والخنوع، وإنما أكرهتها الشعوب على أن ترفع عنها بطشها وتكف عنها بأسها وتصرف عنها كيدها، ثم تحاول بعد ذلك أن تترضى الشعوب وتبتغي الوسائل إلى مودتها بعد أن صبَّت عليها العذاب والكيد ألوانًا. وهي الآن تعود سيرتها الأولى مع هذه الجزيرة اليونانية، فتمكر وتكيد وتعذب وتسجن، وتلجأ آخر الأمر إلى نفي الزعماء.

    تخدع بذلك نفسها أكثر مما تخدع أهل قبرص؛ لأنهم يرون ويفهمون أن طموح الشعوب إلى الحرية والاستقلال والكرامة أقوى من كل قوة، وأمضى من كل سلاح وأنفذ من كل كيد، وأعظم من كل سلطان.

    والبريطانيون يرون ويسمعون أن حليفتهم وجارتهم فرنسا قد نفت سلطان مراكش وطائفة من زعمائها، وصبَّت العذاب على أحرار المراكشيين، ثم اضطرت آخر الأمر إلى أن تنزل عند إرادة الشعب المراكشي، فتفاوض السلطان في منفاه ثم ترده إلى وطنه كريمًا موفورًا، ثم تفاوضه وتفاوض حكومته وترد إليه وإلى الشعب المراكشي الاستقلال والكرامة، لم يغنِ عنها النفي والعذاب شيئًا.

    وهم يرون ويسمعون قصة جارتهم وحليفتهم في تونس كما رأوا وسمعوا قصتها في الهند الصينية، ولكنهم لا يعتبرون بشيء من هذا كله، وإنما يستأنفون المضي في الطريق التي مضوا فيها من قبل ومضت فيها حليفتهم وجارتهم، ثم ارتدوا وارتد حلفاؤهم وجيرانهم خاسئين. وإذا كتب اللَّه الخذلان على قوم أغراهم بالحمق وزيَّن لهم ركوب شهواتهم وصرفهم عن الانتفاع بتجاربهم وتجارب الظالمين من قبلهم ومن حولهم، فتورطوا في الخطأ بعد الخطأ، وأضافوا الأغلاط إلى الأغلاط، وأنفقوا الأموال والرجال في غير طائل، وكسبوا لأنفسهم خزي الهزيمة وسوء السمعة وسقوط الهيبة، وأصبحوا عبرة ونكالًا لمن يريد أن يعتبر ويتعظ، وأضحكوا منهم أولئك الذين أرادوا أن ينزلوا بهم الخسف ويسوموهم سوء العذاب.

    والبريطانيون لا يجنون بما يصنعون في قبرص على السياسة البريطانية وحدها ولا على المكانة البريطانية وحدها، وإنما يجنون على أصدقائهم وحلفائهم جميعًا. فقبرص جزيرة يونانية منذ عرفها التاريخ، وأهلها يونانيون إلى اليوم وإلى غد، وكل إساءة إليها إساءة إلى الشعب اليوناني كله. والدولة اليونانية حليفة لبريطانيا العظمى تشاركها في حلف الأطلنطي، فهي إذن تجني على دولة صديقة حليفة مشاركة لها في هذا الحلف الذي تشترك فيه دول أخرى لا تستطيع بريطانيا أن تستغني عن ودها وعونها.

    فإذا أخرجت اليونان واضطرتهم إلى ترك هذا الحلف أساءت بذلك إلى سياسة هذا العالم الغريب الذي يسمي نفسه باسم ليس أقل منه غرابة، وهو العالم الحر؛ أساءت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وإلى فرنسا وإلى الدول الأخرى المشاركة في حلف الأطلنطي، وقلبت سياسة الديمقراطية الغربية في هذا القطر من أقطار أوروبا رأسًا على عقب، وفتحت بيدها لخصوم الغرب بابًا لم يكن هؤلاء الخصوم يحلمون بأنه سيُفتح لهم دون أن يبذلوا في فتحه جهدًا أو يلقوا فيه كيدًا.

    والدولة اليونانية عضو في حلف آخر تعتمد عليه الديمقراطية الغربية كل الاعتماد، وهو حلف البلقان … فإذا أحرجتها بريطانيا العظمى بسياستها هذه الحمقاء في قبرص، فقد تضطرها إلى الخروج من هذا الحلف، وينهار بذلك هذا البناء الذي اعتمد عليه الغربيون، وظنوا أنه سور يحول بينهم وبين خصومهم من الشيوعيين، وكانت النتيجة الظاهرة لهذا كله أن بريطانيا العظمى قد أضاعت على السياسة الغربية قطرين خطيرين من أقطار الأرض؛ هذا القطر الذي تقوم فيه الدولة اليونانية من جهة، وقطر العالم العربي بحلفها السخيف الأحمق في بغداد.

    وكذلك تثقل الحساب الذي يجب أن تؤديه بريطانيا العظمى أمام حلفائها أولًا وأمام شعبها ومصالحها ثانيًا، وليس لذلك كله سبب إلا أن هذه الدولة البريطانية التي عُرفت قديمًا بالكياسة وأصالة الرأي، قد ركبت رأسها، ولم تستجب إلا للعناد الذي لا يؤذيها وحدها، وإنما يؤذي معها حلفاءها جميعًا.

    وبريطانيا العظمى تعلم حق العلم أن ضم قبرص إلى وطنها اليوناني لم يكن ليضرها شيئًا، فالدولة اليونانية حليفتها، وما كانت لتمانع في أن تستمر القواعد البريطانية في قبرص ما دامت هذه القواعد ضرورة من ضرورات الدفاع الغربي. والأمريكيون لهم قواعد كثيرة في بلاد مستقلة ليست مستعمرة لهم، وإنما هي حليفة تشاركهم في السياسة والمصالح المختلفة، وتحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الدفاع عن نظامها الاجتماعي ومصالحها المختلفة.

    فللأسطول الأمريكي قواعده في الثغور الأوروبية، وللسلاح الجوي قواعده في أرض أوروبا، وما نعرف أن لأمريكا في أوروبا مستعمرات أو شيئًا يشبه المستعمرات.

    كيف غفلت بريطانيا العظمى عن هذه الأوليات التي لا يغفل عنها أيسر الناس حظًّا من التفكير المستقيم في الأشياء.

    مهما يكن من شيء، فإن من المحقق أن نفي الزعماء القبرصيين إن دل على شيء، فإنما يدل على أن السياسة البريطانية قد فقدت في هذه الأيام أخص ما كانت تمتاز به من الفطنة وحسن النظر في عواقب الأمور، وإن نفي هؤلاء الزعماء بشير ينبغي أن يستقبله أهل قبرص، وسيستقبلونه بهذا الرضى المُر الذي تعرفه الشعوب المظلومة حين يشتد عليها اليأس وتعظم بها المحنة، والذي يملأ النفوس ثقة والقلوب أملًا ويزيد العزائم مضاء ونفوذًا، والمقاومة شدة وثباتًا، وينتهي غدًا أو بعد غد برجوع المنفيين إلى وطنهم كرامًا موفورين قد مُلئت أيديهم ببشائر الفوز.

    وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن هؤلاء الزعماء المنفيين سيعودون في يوم قريب كما عاد سلطان مراكش، وسيعودون ومعهم ما يريده أهل قبرص من تحقيق الآمال وإرضاء الكرامة اليونانية التي غالبت الخطوب والأحداث قرونًا طوالًا، وعرفت آخر الأمر كيف تقهرها وتنتصر عليها.

  • شركة

    شركة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٥ نوفمبر ١٩٤٥
    لن تتدخل بريطانيا العظمى في شئون الشرق الأوسط، ولكنها ستنشئ له مكتبًا خاصًّا يُعنى بأمره؛ ليتحقق التعاون بين أجزاء هذا الشرق من جهة، وبينه وبين بريطانيا العظمى من جهة أخرى. وسيكون هذا التعاوُن شاملًا كاملًا مرنًا يتناول بنوع خاص شئون الاقتصاد التي تحقق الرخاء للشرق، وتصلح حياة الرجل العادي وترفع مستوى هذه الحياة إلى الدرجة التي تلائم كرامة الإنسان.
    وبريطانيا العظمى لا تريد سيطرةً ولا استعلاءً، وهي من أجل ذلك لن تتدخل في شئون هذا الشرق، ولن تُقحِم نفسها في مشكلاته، ولن تعرض لشئون الحكم فيه؛ لأن هذه الشئون مقصورة على الشعوب نفسها لا ينبغي للأجنبي أن يعرض لها أو يدخل فيها. إنما تريد بريطانيا العظمى أن يقوم الأمر بينها وبين الشرق الأوسط على أساس من المشاركة التي تعتمد على المساواة لا على التفوُّق، وبهذا كله يتحقق الإنصاف الكامل الشامل وينعم الشرق بالحياة الكريمة القائمة على الحرية والاستقلال.
    بهذا كله تحدَّث مستر بيفن إلى مجلس العموم حين نوقشت السياسة الخارجية البريطانية في هذا المجلس أول أمس. وهذا كلام كله مرن لا يشبهه في المرونة إلَّا الاستقلال الذي يُراد أن يُعترف به للشرق الأوسط. ومن قبل ذلك تحدث مستر بيفن عن هذه الشركة التي لا تقوم على السيطرة والاستعلاء، وإنما تقوم على العدل والمساواة، وعلى توفير الرخاء وإصلاح الاقتصاد ورفع مستوى الحياة بالقياس إلى الأفراد. تحدث بهذا كله في غير خُطبة من خُطَبِهِ التي ألقاها هنا وهناك، ولا أكاد أعرف أحدًا منَّا وقف عند هذا الحديث إلَّا الأستاذ محمود عزمي الذي تساءَل ذات يوم عن هذه الشركة: أتشمل شئون مصر وحدها أم تشمل معها شئون بريطانيا العظمى؟
    فأمَّا غير الأستاذ محمود عزمي من الكُتَّاب فأهملوا شأن هذه الشركة إهمالًا، ولم يُعنَوْا إلَّا بما قاله مستر بيفن من أن بريطانيا العظمى لا تريد أن تتدخل في شئون الشرق ولا أن تعرض لأمور الحكم فيه، ومع ذلك فلهذا الحديث خطر أي خطر؛ لأنه صريح على مرونته واضح على ما يحاول فيه مستر بيفن من الالتواء، وهو يلقي ويكرِّر حتى يوشك أن يجري مجرى الأمثال السائرة والكلمات الشائعة.
    وهو يلقي ويكرر في نفس الوقت الذي يتحدث فيه المصريون عن استكمال الاستقلال، والذي يطمح فيه الشرقيون جميعًا إلى تحقيق هذا الاستقلال. فهذا الحديث رسم للسياسة البريطانية بإزاء هذا الاستقلال في المستقبل من الأيام، رسم للسياسة البريطانية التي لا يريد مستر بيفن أن يخرج عنها مهما تكُن الظروف ومهما يكُن من إلحاح المفاوضين المصريين والشرقيين على السواء.
    فوزير الخارجية البريطانية إنما يقول بهذا الحديث للمصريين وغيرهم من أهل الشرق: قد نفاوضكم إذا أردتم المفاوضة، وقد نُتِمُّ لكم الاستقلال إذا أردتم أن نتمه لكم، ولكن هذا كله سيكون في هذه الحدود التي ترونها، لن نتدخل في شئونكم، ولكنا لن نخلي بينكم وبين أموركم تقضون فيها كما تشاءون، ولكنا سنقيم الأمر بيننا وبينكم شركة حرة قوامها العدل والمساواة. فإذا سألنا عن هذه الشركة ما موضوعها، فموضوعها واضح جدًّا: الاقتصاد والمال من جهة والدفاع العسكري من جهة أخرى، الاقتصاد والمال لأن بريطانيا العظمى رفيقة جدًّا بأهل الشرق، لا تريد أن يجوعوا ولا أن يظمَئوا ولا أن يَعْرَوْا، وإنما هي كوزارتنا القائمة تريد أن تكفل لهم الغذاء والكساء وتجنبهم الفقر والضُّر، وإن لم تكفل لهم شيئًا وتجنبهم شيئًا، وهي من أجل ذلك لا تريد أن تترك لنا شئون المال والاقتصاد نستقل بها كما نشاء، ونصرفها كما نحب؛ لأن ذلك قد يعرضنا للبؤس والشقاء، ونحن أحب إليها وآثر عندها من أن تتركنا نتعرض للبؤس والشقاء. وهي في الوقت نفسه حريصة على أن تروج تجارتها ويستقر سلطانها المالي والاقتصادي، ولا بد لها من أن تنتفع كما ننتفع نحن أيضًا. فرواج تجارتها واستقرار سلطانها المالي ينفعها من غير شك، وينفعنا من غير شك أيضًا، وكذلك تتحقق الشركة التي تقوم على العدل والمساواة لا على السيطرة والاستعلاء. فإن خطر لنا أن نذهب في التجارة والاقتصاد مذهبًا غير مذهبها، أو أن نلجأ في التصدير والاستيراد إلى غير أسواقها ومصانعها، فنحن ظالمون معتدون، وليس ينبغي لها أن تقرنا على هذا الظلم أو أن تقبل منَّا هذا الاعتداء. وكذلك تتحقق الشركة التي يريدها مستر بيفن بيننا وبين حلفائنا البريطانيين على أساس من العدل والمساواة لا من السيطرة والاستعلاء، ليس لنا أن نتَّجر مع أمريكا مثلًا إلَّا بالمقدار الذي تسمح لنا به شريكتنا وحليفتنا العظمى، ولها هي أن تتَّجِر مع أمريكا وغير أمريكا كما تشاء بالطبع؛ لأنها شريكة لنا في شئوننا نحن لا في شئونها هي. وقد يسمي الناس هذا النوع من الشركة تحكمًا واحتكارًا، ولكنها هي تسميه عدلًا ومساواةً واستقلالًا، وهذا يكفي. ثم هي بالطبع ستُشرِف على ما يكون من تعاوُن اقتصادي ومالي بيننا وبين جيراننا الشرقيين لتنسقه تنسيقًا عادلًا؛ فهي كريمةٌ جدًّا لا تُعنَى برضائنا وحدنا بل تُعنَى برضاء الشرقيين جميعًا. وهي إذن ستُمسِك بيدها ميزان العدل بيننا وبين جيراننا وإخواننا الشرقيين، وستكون هي الحكم إن شجر بيننا خلاف قليل أو كثير، وكذلك يتحقق الاستقلال الجديد في شئون المال والاقتصاد.
    وواضح جدًّا أن هذا الاستقلال يجب أن يُحمى، ويجب أن يُصان، ويُردَّ عنه العدوان. فنحن سنظفر بشيءٍ كثيرٍ من الرخاء، وقد يطمع الطامعون في هذا الرخاء ليشاركونا فيه أو ليزاحموا حليفتنا عليه، ولا ينبغي أن يُتاح للطامعين من تحقيق المآرب وإرضاء المنافع؛ لأن ذلك يؤذي الشريكين أحدهما أو كليهما، وكما أننا سنشترك في هذا الرجاء فسنشترك في الدفاع عنه أيضًا، فإذا أضفت إلى ذلك أننا لحسن الحظ نقع في طريق الإمبراطورية ونكوِّن جزءًا خطيرًا من طرق المواصلات بين حليفتنا ومستعمراتها؛ أصبح واضحًا كل الوضوح أن الشركة العسكرية بيننا وبين الحليفة العظيمة ليست أقل لزومًا من الشركة في شئون المال والاقتصاد.
    هذا هو كل ما تريده بريطانيا العظمى من مصر ومن الشرق، لا تريد أن تتدخل ولا أن تسيطر، وإنما تريد أن تشارك في ترقية الحياة المادية اليومية، وفي حماية هذه الحياة من عدوان المعتدين. فأمَّا السياسة وشئون الحكم فهي زاهدة فيها كل الزهد، مُعرِضَة عنها كل الإعراض. وما أعرف جوابًا معقولًا لهذا الذي يعرضه علينا وزير الخارجية البريطانية إلَّا أن يغرق الشعب المصري في ضحكٍ عريض لا يكاد ينقضي، فأقل ما يوصف به هذا الكلام هو أنه ساذج لا يقنع أحدًا ولا يخدع أحدًا إلَّا من يريد أن يتعمد الغفلة ويتكلف الاقتناع والانخداع؛ فهذه الشركة التي يريدها مستر بيفن قد نريدها نحن وقد لا نريدها، فإذا رفضناها فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا الرفض، أيرضاه أم يأباه، وإذا قبلناها فقد يكون لنا رأي في تنفيذها تنفيذًا شاملًا أو تنفيذًا منقوصًا، وقد يكون لنا رأي في توقيتها بأجل طويل أو قصير، وقد يكون لنا رأي في موضوعها، فقد نحب أن نشارك البريطانيين في بعض الأمر والأمريكيين أو غيرهم مثلًا في بعضه الآخر. فما عسى أن يكون رأي مستر بيفن في هذا كله، أيرضاه أم يأباه؟ وحماية هذه الشركة أنستقل بها نحن فلا يكون لحلفائنا أي تدخل عسكري في هذه الحماية من قُرب أو من بُعد أن نشترك في هذه الحماية؟ وإذن فأي فرق بين ما سنصل إليه في المستقبل وما نحن مضطرون إليه الآن؟ أيبقى في مصر أو في الشرق جيش بريطاني قليل أو كثير لحماية هذه الشركة أو للمعونة على هذه الحماية؟ وإذن فأين الجلاء؟
    وبعد، فهل من الحق أن هذه الشركة إن وجدت تكفل الاستقلال السياسي وتمنع من التدخل في شئون الحكم؟ وكيف السبيل إلى الاستقلال السياسي إذا شارك حلفاؤنا في الحياة الاقتصادية وفي حماية هذه الحياة؟ أليس هذا كله كلامًا إن دل على شيء فإنما يدل على أن وزير الخارجية البريطانية ما زال ينظر إلى الشرقيين على أنهم أطفال يمكن أن يُخدعوا بهذه الألفاظ الحُلوة التي لا تغني شيئًا. فهل يريد الشرقيون وهل يريد المصريون خاصةً أن يكونوا أطفالًا، وأن يُخدعوا بهذه الألفاظ؟ أم هل يريدون أن يكونوا رجالًا وأن يقولوا لوزير الخارجية البريطانية إنهم لا يحبون شيئًا كما يحبون التعاوُن الذي يقوم على الاستقلال الصحيح في شئون المال والاقتصاد وفي شئون السياسة والحرب، وإنهم لا يبغضون شيئًا كما يبغضون هذه الشركات التي يعرفون كيف تبتدئ ولا يعرفون كيف تنتهي.

  • هدوء

    هدوء
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٩ أغسطس ١٩٣٢

    كل شيء هادئ وكل شيء مستقر؛ الجو صفو والسماء نقية، والإقليم معتدل، والسفينة تجري باسم الله وبأمره كأنما تنزلق على البحر انزلاقًا، لا يخاف عليها القبطان ولا المسافرون عطبًا ولا اضطرابًا. ورئيس الوزراء مطمئن إلى هذا الهدوء؛ فهو هادئ أيضًا يستشفي أو يستريح في فيشي بعد أن طوَّف في أرجاء مصر واضطرب في أقطار إيطاليا.

    كل شيء هادئ وكل شيء مستقر. ولكن من الهدوء ما يريح ومن الهدوء ما يخيف، ومن الهدوء ما يبعث الرجاء ومن الهدوء ما يتقدم اليأس. ولست أدري، أو لست أريد أن أدري، في أي هدوء نحن؟ أفي هدوء يسبق الأمل، أم في هدوء يلد القنوط؟

    نعم؛ لست أدري، أو لست أريد أن أدري، أعميق هذا الهدوء أم ظاهر؟ أمتصل هذا الهدوء أم منقطع؟ أطويل هذا الهدوء أم قصير؟ بل لست أدري، أو لست أريد أن أدري.

    أمستقر رئيس الوزراء في فيشي أم مضطرب؟ أمستريح هو أم متعب؟ أساكن هو أم متحرك؟

    كل شيء يدل في ظاهر الأمر على أن رئيس الوزراء مطمئن البال، يستمتع بالفاتر والبارد من مياه فيشي بعد أن استمتع بما أُدِيرَ على الموائد من أكواب وأقداح في مدينة القياصرة. ولكن هذا الهدوء الظاهر، وهذا الاطمئنان المسرف في الوضوح، ليس من شأنه أن يُهدِّئ، ولا من شأنه أن يُطمئن.

    ما أكثر ما اضطرب البرق وكثر وميضه بين القاهرة وروما، حين كان عظيم مصر ضيفًا على عظيم إيطاليا! وما أشد سكون البرق منذ اطمأن رئيس الوزراء في فيشي! وليس رئيس الوزراء من الذين يحبون أن يحيط بهم الصمت، ويُخيِّم عليهم السكوت؛ فما بالنا لا نقرأ في الصحف كيف أصبح رئيس الوزراء ولا كيف أمسى، ولا أين ذهب رئيس الوزراء ولا متى جاء؟!

    تقصير تُلام عليه الصحف! فحياة رئيس الوزراء علينا غالية، وصحته علينا عزيزة، وأخباره إلينا محببة، ومن الحق على الصحف أن لا تنساه، فهو ما زال رئيس الوزراء، وهو ما زال خليقًا أن يُذكَر في صحف الصباح وفي صحف المساء.

    أما أنا فأرى أن رئيس الوزراء لا يستريح وإنما ينتظر، وأرى أن رئيس الوزراء ليس هادئًا هدوء الحال في مصر، وليس مستقرًّا كما استقر فيها النظام، وإنما هو موزع النفس مفرق الهوى، ينظر وراءه إلى مصر، يريد أن يتبين ما يصنع فيها خصومه المعارضون، وينظر أمامه إلى إنجلترا يريد أن يتبين ما يصنع حلفاؤه المحايدون. وهو يخاف من أولئك ويشفق من هؤلاء، يفكر فيهم جميعًا وجه النهار ويحلم بهم جميعًا إذا جنَّه الليل، وينتظر في قلق واضطراب ما سينتهي إليه أولئك وهؤلاء.

    وهو في أثناء ذلك ينظر إلى نفسه وإلى أعوانه وأنصاره وإلى قوته على الثبات وأمله في البقاء، فيرى ضوءًا شاحبًا ضئيلًا تنتقصه الظلمات من أطرافه كما تُنتقَص ظلمة الليل من ضوء الشفق.

    هدوء مخيف هذا الهدوء الذي نحن فيه، والذي يُظِلُّ رئيس الوزراء في فيشي، وربما كان الفصل الذي نشرته التيمس لمكاتبها في القاهرة، وأذاعته الصحف بيننا في المساء، من أوضح الدلائل على هذا الخوف الذي يستره ما نحن فيه من هدوء، وعلى هذه الظلمات التي تحيط بما بقي من حياة الوزارة القائمة، وتنتقص من أطرافها شيئًا فشيئًا.

    وليس يعنينا الآن من هذا الفصل ما يقوله المكاتب عن الوفد والأحرار الدستوريين؛ فنحن نعرف مذهب الإنجليز في التحدث عن المعارضين وعن الحكومات القائمة، فما داموا لم يقلبوا للحكومة القائمة ظَهْرَ المجنِّ بالفعل، وما داموا لم يعلنوا إليها العداء الصريح ولم يشهروا عليها الحرب الواضحة الشعواء؛ فهم يظهرون نصرها ويظهرون أفكارهم لخصومها وتألبهم عليهم، وهم يأبون إلا أن يكرروا أن المعارضة ضعيفة لا حظ لها من قوة، وأنها قد فشلت فلا نصيب لها من التوفيق، يعيدون هذا ويبدونه في غير سأم ولا ملل، حتى يأتي اليوم الموعود؛ فإذا الضعف قوة، وإذا الإخفاق نجح، وإذا الفشل فوز وتوفيق.

    لِيَقُلْ إذن مكاتب التيمس في خصوم الحكومة ما يشاء؛ فنحن نعلم ما يريد ونفهم معنى ما يقول، ولا نشك في أن رئيس الأحرار الدستوريين قد أخطأ أشد الخطأ حين قال الحق في رئيس الوزراء وأذاعه، بينما يقول رئيس الوزراء فيه الباطل ويذيعه. ونعلم أن قد كان من الحق على رئيس الأحرار الدستوريين إذا أراد معارضة صدقي باشا أن يهدي إليه باقة من الزهر منسقة أحسن تنسيق، ليس فيها إلا ما يسره ويروقه ويرضيه. نعم؛ أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين أنكر وطلب إلى الأمة أن تنكر معه ألا يُولَّى أمر هذه البلاد خيارها وأبناؤها الذين يعرفون كيف يرفقون بها، ويشفقون عليها، ويتوخون منفعتها، ويجعلون أنفسهم قدوة صالحة، وأسوة حسنة في السياسة والإدارة، وفي السيرة والأخلاق.

    نعم؛ وأخطأ رئيس الأحرار الدستوريين كل الخطأ حين رفع إلى جلالة الملك؛ وهو صاحب الحق الشرعي في إبقاء الوزارات وإقالتها، وهو الحريص على مصلحة شعبه، الأمين على منافعه، الممثل لكرامته وعزته. أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين رفع إلى جلالة الملك كتابًا يلتمس فيه باسم حزبه إقالة هذه الوزارة؛ لأنها عجزت عن حل الأزمة الاقتصادية، ولم تقدم البلاد أصبعًا نحو استكمال استقلالها، ولم تستطع أن تصلح الإدارة بل أفسدتها.

    ونشأ عن هذا كله فساد عام شامل، ينذر بفساد أعم منه وأشمل إذا لم تُوكَل أمور البلاد إلى وزارة قومية لا تحكم بالهوى ولا تتعصب للشهوة الحزبية، وإنما تحكم مصر لمنفعة مصر، وتعتمد في حكمها على حب الشعب لها وثقته بها وتأييده إياها، لا على ما تعتمد عليه هذه الوزارة من الترغيب حينًا والترهيب أحيانًا، ومن الضعف المهين لبعض النواحي، والقسوة العنيفة على بعضها الآخر.

    أخطأ رئيس الأحرار الدستوريين حين طلب هذا كله إلى جلالة الملك؛ لأنه لم يرفع إلى جلالته الأدلة، على ما وصف به الوزارة من ضعف وعجز، ومن تقصير وجور. كأن هذه الخصال لم تصبح واضحة كشمس النهار، وكأن جلالة الملك، لا يستطيع أن يعرف من أمر الحكومة ما يعرفه الناس جميعًا ومكاتب التيمس من بينهم، وكأن جلالة الملك لا ينبغي أن تُرفَع إليه العرائض الموجزة المقنعة، وإنما يجب أن تُرفَع إليه المجلدات المطوَّلة والأسفار المفصَّلة.

    لِيَقُلْ مكاتب التيمس في المعارضين ما شاء؛ فهم يعرفون ما يريد كما يعرفه هو، ولكن أي شيء أراد حين كتب عن الوزارة ورئيسها صدقي باشا؟ أأراد مدحًا أم أراد ذمًّا؟ أأراد تأييدًا وتثبيتًا أم أراد تشنيعًا وتشهيرًا؟

    أمَّا أن مصر هادئة منذ نهض صدقي باشا بأعباء الحكم فواضح لا شك فيه، ولكنها كانت هادئة قبل أن ينهض صدقي باشا بأعباء الحكم وكانت هادئة عن حب الهدوء ورغبة فيه، وهي الآن هادئة لما يسجله مكاتب التيمس من أن صدقي باشا قد أسكت المعارضة وقيدها؛ فهي لا تستطيع أن تنطق، وهي لا تستطيع أن تتحرك، وزعماؤها يحيط بهم الجند وأنديتها ترابط حولها الشرطة.

    وأي هذين النوعين من الهدوء أحب إلى مكاتب التيمس وإلى الإنجليز؟ أهذا الذي يصدر عن الرضا وهو خليق أن ينمو ويدوم أم هذا الذي يُرغَم الناس عليه إرغامًا وهو خليق أن يتحوَّل إلى ما لا خير فيه للمصريين ولا للإنجليز؟

    إذن؛ فقد نجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في إقرار النظام، ولكن بشرط أن يظل الجند والشرطة على ما هم فيه يراقبون ويرابطون، لا ينامون الليل ولا يهدءون في النهار. ونجح صدقي باشا في شيء آخر عند مكاتب التيمس؛ نجح في الاستكثار من الأولياء والأعوان والأنصار بهذا الترهيب من جهة وبما يسجله مكاتب التيمس نفسه من رشوة المأزومين وإغرائهم من جهة أخرى؛ فهم بين الإفلاس إن احتفظوا بآرائهم السياسية، واليسر إن أنكروا هذه الآراء وانضموا إلى صدقي باشا.

    وأي فوز يشبه هذا الفوز الذي يصل إليه صاحبه بالعنف والعسف، ويبلغه بالرشوة وإفساد الأخلاق؟!

    ونجح صدقي باشا عند مكاتب التيمس في الاحتفاظ بتوازن الميزانية، وإن كان مكاتب التيمس نفسه يسجل أن الموارد الأساسية للدولة قد نقصت نقصًا عظيمًا، وأن صدقي باشا سيضطر إلى تعويض هذا النقص لا بالاقتصاد والتدبير، ولكن بفرض الضرائب الجديدة وإرهاق الشعب الذي لم تَدَعْ له الأزمة شيئًا إلا أَتَتْ عليه!

    وأي فوز مالي يشبه هذا الفوز الذي لا يبلغه صاحبه بالاقتصاد والاعتدال في النفقات، وإنما يبلغه بالمضي في الإسراف والغلو في إرهاق دافعي الضرائب. ونجح صدقي باشا في أنه لم يفرض على الموظفين إلى الآن تضحيات شاقة، ولكنه سيضطر إلى فرضها عليهم بعد حين.

    ونجح صدقي باشا — وما أبدع ما نجح! — نجح في المفاوضات؛ فقد كان أول العام مستعدًّا للتحدث عنها والتهالك عليها، فلما انتصف العام أصبح حريصًا على ألا يذكرها، وأصبح يرى الخير في ألا يفكر فيها؛ حتى يثق بأنه يستطيع أن ينتهي بها إلى غايتها.

    ماذا؟! هو إذن غير واثق بأنه يستطيع أن ينتهي بالمفاوضات إلى غايتها! وما الذي يمنعه من هذه الثقة؟! أيمنعه منها فوزه بإقرار النظام عسفًا وعنفًا؟! أم يمنعه منها كسبه للناس بالرشوة والإغراء؟! أم يمنعه منها إقامته للميزانية على أساس الإسراف في الإنفاق والغلو في إرهاق الشعب؟! أم يمنعه منها أنه لم يُوفَّق في شيء مما تطمع الحكومات أن تُوفَّق فيه؟!

    أهو الذي لا يثق بنفسه، أم الإنجليز هم الذين لا يثقون به؟! أم الأمر مشترك بينه وبين الإنجليز؟! فلا هو يثق بنفسه، ولا الإنجليز يستطيعون أن يطمئنوا إليه، وهم يعلمون من أمره أكثر جدًّا مما قال مكاتب التيمس.

    أما أنا، فأعترف بأني قرأت هذا الفصل، فوجدت في قراءته خير ما يجد القراء من اللذة والمتاع في فصل قوامه السخرية والعبث. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فربما كانت السخرية أظهر ما يمتاز به النقد الإنجليزي، والناس جميعًا يعرفون خطبة أنطوان في قصة يوليوس قيصر. وهم حين يقرءون فصل مكاتب التيمس عن صدقي باشا مضطرون إلى أن يسألوا أنفسهم: ألم يتخذ مكاتب التيمس هذه الخطبة مثالًا يحتذيه، فيمدح صدقي باشا كما مدح أنطوان بروتسن؟!

    أما بعد، فلست أشك في أن مكاتب التيمس وكثيرًا من الصحفيين الإنجليز في مصر وإنجلترا إذا خلوا إلى أنفسهم تحدثوا إليها في أمر وزارتنا القائمة بما أتحدث به أنا إلى نفسي وإلى الناس، وهو أن وزارتنا قد بلغت في حياتها الأصيل، وأن الأمد بينها وبين الغروب ليس بعيدًا، وأنها تجد مشقة وعناءً في الاحتفاظ بهذا النَّفَس الضئيل الذي يحتفظ لها بالحياة، وأن احتفاظها بهذا النَّفَس الضئيل رهين بسياسة الحياد الإنجليزي، وكل شيء يدل فيما يظهر على أن سياسة الحياد هذه قد آذنت بزوال.