Tag: British imperialism

  • ذلة

    ذلة
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ١٠ أغسطس ١٩٤٦
    …
    هذه هي التي يعرضها علينا السادة البريطانيون، ويقال إن من المصريين من يريد أن يقبلها؛ لأنه يرى فيها العزة كلَّ العزة والإباء كل الإباء. فسيصبح من حق البريطانيين — إن أُمضيت المعاهدة المرتقبة — أن يسفكوا دماء المصريين في غير مشاورة ولا مراجعة، إن تعرض بلد من البلاد المتاخمة لمصر لخطر ما.
    والأخطار كثيرةٌ جدًّا، مختلفةٌ جدًّا، متباينةٌ فيما بينها أشدَّ التباين، قد تأتي من منافسة بين الإنجليز وبين حلفائهم المنتصرين معهم الآن حول المستعمرات الإيطالية السابقة، فيكون الحق على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحوا بالجهود والأموال والمرافق ليؤبِّدوا تسلط الإنجليز على برقة، وبقاءهم جاثمين على حدود مصر الغربية. وقد تأتي من إصرار البريطانيين على سياسة منكرة في فلسطين لا يرضاها العرب؛ لأنها لا تلائم حقوقهم ولا منافعهم. وقد يكون بين أمم الأرض وشعوبها من تدفعهم المروءة والنجدة إلى معونة هؤلاء العرب البائسين.
    وليس من الضروري أن تكون هذه الأمة هي روسيا التي لا يذكر اسمها إلَّا مقرونًا بالشك مثيرًا للخوف؛ ففي الأرض أمم أخرى قد تعطف على العرب وقد تفكر في معونتهم إن أصرَّ الإنجليز على سياسة اللعب بالحقوق والدماء والعقول في فلسطين، وقد تكون هذه الأمم عربية لا أوروبية؛ هنالك تتعرض فلسطين للخطر في رأي البريطانيين، وهنالك يجب على المصريين أن يسفكوا دماءهم ويضحُّوا بما يملكون من جهد وقوة ليؤيدوا حلفاءهم البريطانيين، وليدافعوا عن سياستهم المناقضة لآمال العرب الهادمة لحقوقهم.
    كل شيء يمكن في السياسة الدولية؛ فممكن أن تتعرض القوة البريطانية لخطر في برقة، وممكن أن تتعرض لخطر في فلسطين على النحو الذي أشرت إليه أو على غيره من الأنحاء. وواجب يومئذ أن تتحرك الجيوش المصرية المظفرة لتدافع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية هنا وهناك، لا لشيء إلَّا لأن جماعة من المصريين يريدون فيما يقال أن يُمْضُوا هذه المحالفة الرائعة البارعة مع الإنجليز. وليس المصريون خيرًا من الهنود، وليست الدماء المصرية أذكى من الدماء الهندية، وقد سفك الهنود دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في جميع أقطار الأرض في الحربين العالميتين. فما الذي يمنع المصريين من أن يسفكوا دماءهم دفاعًا عن الإمبراطورية البريطانية في ليبيا وفي فلسطين؟ أليس من الحق على المصريين أن ينظموا الكواكب عقود مدح لحلفائهم الإنجليز؛ لأنهم لا يريدون منا أن نسفك دماءنا دفاعًا عن مصالحهم إن اعتُدِيَ عليها في بلد بعيد عن مصر؟! إنهم يؤثروننا على الهند، ويمنحوننا مزايا لم يمنحوها للهند. فهم يعلمون أننا لا نحب الغربة ولا نحب الموت في أرض الغربة، وهم من أجل ذلك يقبلون أن يموت أبناؤنا دفاعًا عنهم قريبًا من أرض الوطن. ألست توافقني على أنهم يمنحوننا من الفضل ما يستحقون من أجله أن نُمْضِي المعاهدة شاكرين؟
    أمَّا المعاهدة التي أمضيناها منذ عشر سنين، فقد بعد بها العهد حقًّا، وأصبحت غير ملائمة للظروف لا بالقياس إلى مصر، فظروف مصر لا تعني البريطانيين من حيث إن مصر مركز من مراكز الدفاع الإمبراطوري ومورد من موارد هذا الدفاع.
    فأمَّا حب المصريين للجلاء وطموحهم إلى الاستقلال بشئون أنفسهم، فآمال حلوة وأماني خلابة للمصريين أن يحلموا بها نيامًا وأيقاظًا، وأن يتحدثوا بها حين يسبغ الله عليهم الصحة فرحين لمحنتهم بالمرض، فللصحيح أن يهذي كما يهذي المحموم.
    المعاهدة القديمة إذن لا تلائم ظروف الإنجليز؛ فقد أثبتت التجربة أن الإنجليز لم يرسلوا جنودًا مصريين لطرد الإيطاليين والألمان من ليبيا ومن أفريقيا الشمالية؛ فيجب أن تُتِيح لهم المعاهدة الجديدة هذه المزية، وأن يستبقوا مزايا المعاهدة القديمة للانتفاع بها حين تتعرض مصالحهم للخطر في بلد آخر من بلاد الشرق الأوسط أو القريب، إذا تعرضت مصالحهم للخطر في تركيا أو في إيران مثلًا؛ وجب على مصر أن تضع مرافقها كلها تحت أمرهم المطاع، وشيء خير من لا شيء.
    والاستعمار البريطاني يجب أن يسعى في هذه الأيام سعيًا هادئًا، وأن يخطو خطوات معتدلة. ظفر من مصر في المعاهدة القديمة بالمعونة التي لا تستتبع إعلان الحرب حين تعلن بريطانيا العظمى الحرب أو حين تُعْلَن عليها الحرب، وسيظفر من مصر في المعاهدة الجديدة — إذا أراد صدقي باشا — بإكراه مصر على الاشتراك فورًا في الحرب في بعض الظروف، وعلى المعونة المسالمة أو المحاربة في بعضها الآخر.
    ثم يقال بعد ذلك إن السياسة البريطانية فقدت ما كانت تمتاز به من اللباقة والدهاء. كلا لم تفقد السياسة البريطانية شيئًا من لباقتها ودهائها، وإنما الذي أخشاه كل الخشية أن تكون الوطنية المصرية قد فقدت شيئًا من استئثارها بكل القلوب، ومن ثقتها بالحق الكامل في الاستقلال الكامل، ومن إيمانها بالقدرة على اكتساب هذا الحق. وليس أدلَّ على ذلك من أن بعض المصريين — فيما يقال — يريد أن يُمْضِي هذه المعاهدة، وأن يتيح للإنجليز هذا الفوز، ويسجِّل على المصريين هذا الذلَّ، ويحتِّم عليهم بحكم المعاهدة أن يَنْفِرُوا إلى الحرب خفافًا وثقالًا حين يريدهم الإنجليز على أن ينفروا إليها خفافًا وثقالًا.
    وكان المصريون يؤمنون بأن السيادة على السودان كالسيادة على مصر لأهل وادي النيل ممثلة في العرش المصري الذي هو عرش وادي النيل. وكان الإنجليز أنفسهم يزعمون أنهم شركاؤنا في الإدارة لا في السيادة! فقد تغيرت الحال وتقدَّم الإنجليز خطوة أخرى، وقبلها منهم بعض المصريين فيما يقال، فهم لا يقرون السيادة الواحدة في الوادي الواحد تحت التاج الواحد، وإنما يريدون أن يقسِّموها سيادتين: إحداهما لمصر ينتقصونها هم بمشاركتهم في الدفاع، والأخرى تظل أمانة لا أدري في أيديهم وحدهم أم في أيديهم وأيدي قوم غيرهم من الناس أو من الشياطين.
    والمهم هو أنهم ينكرون على وادي النيل وحدة السيادة على نفسه، ويأبون إلَّا أن يجزِّئُوها ويشاركوا فيها مشاركة استئثار في السودان ومشاركة النِّدِّ للنِّدِّ في مصر. ويوجد بين المصريين من يقبل منهم هذا، ويريد أن يسجِّله لهم تسجيلًا، وأن يوقعه لهم بخطه الكريم. والغريب أن الإنجليز يحتملون الهول كلَّ الهول للدفاع عن سيادة الإمبراطورية المصطنعة، ويأبون كلَّ الإباء أن يدافع وادي النيل عن سيادته الطبعية في أرضه وعلى شاطئ نهره الذي كان كريمًا على نفسه وعلى الناس، فَهَانَ أمره الآن على نفسه وعلى الناس.
    أمَّا قصة الدفاع المشترك فعجب من العجب، وما ينبغي لنا أن نعجب من شيء ما دام بيننا من يستطيع أن يقبل المعاهدة، وأن يمضيها، وأن يسجل علينا الذل والهوان أعوامًا طوالًا. والناس يقرءون في كل يوم من غير شك أن روسيا تطلب إلى تركيا تنظيم دفاع مشترك بينهما عن المضايق، فيأبى الترك كلَّ الإباء أن يذعنوا لهذا الطلب، أو يناقشوا فيه، ويؤيدهم الإنجليز في هذا الموقف الكريم، ويُظْهِرون استعدادهم لإعلان الحرب تأييدًا للاستقلال التركي وحماية له من هذا الدفاع المشترك البغيض.
    وليست قناة السويس بأقلَّ خطرًا من المضايق، وليست مصالح الإنجليز فيما وراء القناة بأعظم قدسية من مصالح الروس فيما وراء المضايق. ولكن الدفاع المشترك إثم وإجرام وانتهاك للحرمات إذا طلبته روسيا من تركيا، وهو حق وعدل وتثبيت للاستقلال إذا طلبته بريطانيا العظمى من مصر. وليس في ذلك شيء من الغرابة؛ فروسيا تحتل تركيا وبريطانيا تحتل مصر. وليس في تركيا وزراء ولا مفاوضون يحبون إجابة روسيا إلى ما تريد، وفي مصر وزراء ومفاوضون قليلون أو كثيرون — لا أدري — يحرصون على إجابة بريطانيا العظمى إلى ما تحب.
    وفي تركيا شعب يستأثر بالسيادة في أرضه لا يشاركه فيها أحد ولا يغلبه عليها أحد، وفي مصر شعب قد وضعت كثرته على الرفِّ واستأثرت بالأمر من دونه قلة ضئيلة يبلغها الإحصاء في غير عناء. فهي تأمر وتنهى وهي تُبْرِم وتَنْقُض، وهي تفاوض البريطانيين في مصير الشعب، بعد أن حرمت هذا الشعب حقه الطبيعي اليسير في أن يكون حرًّا يُعْرِب عما يريد وعما لا يريد.
    فأي غرابة إذن في أن يكون الدفاع المشترك جريمة إن طلبه الروس وحقًّا وخيرًا وعدلًا إن طلبه الإنجليز؟!
    كذلك أراد الله، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له؛ فليس على المصريين إلَّا أن يبتهلوا إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الذل الذي تُنذِرهم به المفاوضات، كما يبتهلون إلى الله في مساجدهم وكنائسهم ومعابدهم أن يرفع عنهم هذا الدمار الذي ينذرهم به طغيان النيل. والغريب أن المصريين لا يملكون حتى هذا الابتهال إلى الله؛ فوزراؤهم متضامنون مع رئيس الوزراء في قبول المعاهدة، ولن يؤذن للمصريين بأن يبتهلوا إلى الله في المساجد والكنائس والمعابد لشيء يكرهه رئيس الوزراء.
    وإذن فليبتهل المصريون إلى الله فيما بينهم وبينه في دخائل نفوسهم وأعماق ضمائرهم، وليسرعوا، فمن يدري؟ لعل رئيس الوزراء أن يبتكر وسيلة يتسلَّط بها على أعماق الضمائر ودخائل النفوس.

  • وعود …

    وعود …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    يظهر أن الشعب المصري مقبل على حياة راضية، سيأخذها الرغد من جميع أقطارها، وسيملؤها الخير والبر والمعروف حتى لا تبقى من ذلك زيادة لمستزيد كما يقال، وستصبح مصر جنة الله في أرضه كما أنها كنانة الله في أرضه، وستنظر الشعوب الشرقية كلها إلى مصر نظرة فيها كثير من الغبطة، وفي بعضها شيء من الحسد؛ لأن مصر ستعيش عيشة ناعمة لا يعرف أهلها فيها جوعًا ولا بؤسًا ولا مرضًا ولا احتياجًا لشيء من الأشياء. وما ينبغي أن يظن القارئ أني أعبث أو أقصد إلى الدعابة، أو أريد إلى السخرية، فما ينبغي أن تتخذ حياة الشعوب وآمالها وحاجاتها موضوعًا للعبث أو الدعابة أو السخرية، وإنما يجب أن تكون موضوعًا للجد كل الجد، والعناية كل العناية.

    وأنا أعتقد أن المصريين سيستقبلون حياة راضية ناعمة يأخذها الرغد من جميع أقطارها؛ حتى لا يجد أحد منهم حاجة إلى الشكوى في السر ولا في الجهر. وتعليل ذلك يسير؛ فقد أعلن وزير الخارجية البريطانية — منذ استطاع أن يتكلم بعد أن تولت الحكم وزارة العمال — أنه حريصٌ كل الحرص على أن يُعنى عناية خاصة برفع مستوى المعيشة في الشرق الأدنى، وبإصلاح الاقتصاد في هذا الشرق حتى يستطيع الناس أن يأمنوا آفات البؤس والمرض والجوع.

    ثم أعلن وزير الخارجية البريطانية مرة أخرى أن بريطانيا العظمى لا تريد سيطرة على مصر، وإنما تريد أن تنشئ معها شركة قوامها المساواة بين الند والند، وغايتها إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتأمين الناس من آفات المرض والجهل والفقر.

    وكان المصريون في أيام النقراشي باشا يسمعون هذا الكلام فيضيقون به أشد الضيق، ويرون أنه محاولة سخيفة للتدخل في شئونهم، وكانوا يرون أن من الحق عليهم لأنفسهم أن يصلحوا أمورهم بأيديهم، وأن يؤمِّنوا أنفسهم من آفات البؤس وغوائل الشقاء. وكانوا يفضلون البؤس الذي يأتيهم من فساد النظم الاجتماعية في ظل الاستقلال، على السعادة التي تأتيهم من صلاح النظم الاجتماعية في ظل هذه الشركة التي تتوق إليها نفس وزير الخارجية البريطانية. كما أنهم يفضلون الظلم الذي يأتيهم من فساد النظم السياسية في ظل الاستقلال، على العدل الذي يأتيهم من صلاح هذه النظم السياسية في ظل هذه الشركة التي يريد المستر بيفن أن ينشئها، وإن أقامها على أساس من المساواة بين الند والند.

    وكانوا يرون أن إصلاح الاقتصاد، ورفع مستوى المعيشة، وتحقيق العدل الاجتماعي، كل هذه أشياء لازمة ما في ذلك من شك، ولكنها يجب أن تأتي من أعماق الشعب المصري، وتُفرض على الحكومات المصرية بإرادة الشعب. ولا ينبغي أن تأتي من وراء البحار، وتُفرض على الحكومات المصرية من طريق الشركة بيننا وبين الإنجليز.

    وكانوا يرون أن حلفاءنا الإنجليز قد يحبوننا أشد الحب، ويكلفون بنا أشد الكلف، ويعطفون علينا أحسن العطف، ولكن هذا كله لم يبلغ بهم في يوم من الأيام أن يحاولوا إصلاح الاقتصاد، وتحقيق العدل الاجتماعي، وتوفير الرخاء، بحيث يرتفع مستوى المعيشة، وبحيث نأمن غائلة الفقر والمرض والجهل. فعنايتهم بهذه الأشياء في هذه الأيام لا يمكن أن تكون خالصة لوجه الله، وإنما يمكن أن تكون خالصة لوجه الإمبراطورية البريطانية! وكانوا من أجل ذلك يزهدون في هذا العدل الذي يأتيهم من لندرة، ويتوقون إلى عدل آخر يأتيهم من أعماق مصر، وتنبت أشجاره على ضفاف النيل لتؤتي ثمرها في وقت قريب أو بعيد.

    وكان النقراشي باشا نفسه وحكومته — فيما أظن — لا يحفلان بهذه الدعوة إلى العدل التي تأتي من وراء البحار، ولا بهذا الطموح إلى الإصلاح الذي يدعو إليه المستر بيفن، وإنما يفكران في الاستئثار بالأمر من جهة، وفي الانقياد المتباطئ إلى ما يريد الشعب من المطالبة بالاستقلال من جهة أخرى.

    ثم تبيَّن في بعض الأوقات — ومنذ الصيف الماضي بنوع خاص — أن حلفاءنا البريطانيين يفكرون تفكيرًا متصلًا في إقامة العدل الاجتماعي في مصر، وفي التقرُّب من الشعب على حساب هذا، ويتحدثون حديثًا متصلًا بأن الأمور في مصر قد بلغت من الفساد حدًّا لا يطاق، وبأن الأغنياء من المصريين يستأثرون بكل شيء على حين لا تملك الكثرة من المصريين شيئًا، وبأن تحقيق العدل الاجتماعي أعظم خطرًا من تحقيق الاستقلال السياسي، وبأن المصريين الذين يطالبون بالجلاء ووحدة وادي النيل يجب عليهم قبل ذلك أن يعصموا الشعب من الفقر والمرض والجهل.

    وقد نقلت هذه الأحاديث من بريطانيا العظمى إلى مصر في أواخر الصيف وأوائل الخريف، فلم يحفل بها المصريون ولم يقف عندها النقراشي باشا وحكومته، ثم تتابعت الحوادث وتوالت الخطوب واستقالت وزارة النقراشي باشا، ووثب إلى الحكم رئيس وزرائنا القائم صدقي باشا. وذكاء صدقي باشا معروف لا ينكره المصريون ولا الإنجليز، ولباقة صدقي باشا واضحة لا يشك فيها مصري ولا أجنبي، وقدرة صدقي باشا على انتهاز الفرص أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى بيان.

    ومن أجل هذا كله امتلأ الجو في مصر وفي بريطانيا العظمى، بأن ساعة العدل الاجتماعي قد أصبحت أقرب من لمح البصر، وبأن حكومتنا الجديدة قد جرَّدت بيدها القوية سيفًا مصلتًا ستطيح به رءوس الفقر والمرض والجهل، وبأن المصريين سيصبحون بمأمن من كل هذه الآفات. لن تدخر حكومته في سبيل ذلك جهدًا إلا بذلته. وهي من أجل ذلك ستعقد قرضًا قوامه خمسون مليونًا من الجنيهات، وستُجرِّد حملة هائلة تطرد بها هذه الآفات من مصر طردًا نهائيًّا عنيفًا؛ فلن توجد مدينة في مصر إلا وفيها مراكز مختلفة لمقاومة الفقر والمرض والجهل، ولن يوجد فرد من الأفراد المصريين إلا وهو مؤمَّن من الفقر والمرض والجهل.

    ثم لم تكتفِ حكومتنا القائمة بإذاعة هذه الأنباء في مصر وحدها، ولكنها أخذت تُذيعها في الخارج، وأخذت تذيعها في بريطانيا العظمى بنوع خاص، تريد من ذلك شيئين طبيعيين؛ أحدهما: إحياء الأمل في نفوس المصريين، والآخر إقرار الاطمئنان في نفوس الإنجليز.

    فيجب أن يأمل المصريون وأن ينتظروا حياة رغدًا خيرًا من حياتهم هذه البائسة، ويجب أن يلوح لهم صدقي باشا بهذه الآمال لينصرفوا إليها، ويطمعوا فيها، ويشغلوا بها عمالًا ينبغي أن يعنيهم من أمور السياسة والحكم، ومن أمور المفاوضات والاستقلال أيضًا.

    ويجب من جهة أخرى أن يرتاح المستر بيفن والزعماء الاشتراكيون في بريطانيا العظمى إلى أن الحكومة القائمة في مصر — الحكومة التي ستفاوضهم في الجلاء ووحدة وادي النيل — لا تريد الاستئثار ولا الامتياز، وإنما هي حكومة مؤثرة عطوف ترحم الشعب، وترفق به، وتريد أن تبذل جهودًا هائلة لتُقرِّبه من العدل، وتعطيه حقَّه من الإنصاف.

    وكذلك تستقيم الأمور لصدقي باشا، يطمع الشعب في العدل فيشغل به عن السياسة، وتثق بريطانيا العظمى برغبة الحكومة المصرية في العدل، فتطمئن إليها، وتقبل على مفاوضتها غير مُتكرِّهة ولا مُتحرجة.

    فأي ذكاء أبرع من هذا الذكاء؟ وأي فطنة أنفذ من هذه الفطنة؟ ولكن الشعب المصري ينظر فلا يرى عدلًا اجتماعيًّا، ولا سعيًا إلى تحقيق هذا العدل الاجتماعي. ما زال الجائعون يشكون ألم الجوع، وما زال المرضى يشكون ألم المرض، وما زال الجاهلون ينعمون بلذة الجهل. لم تتخذ الحكومة إلى الآن خطوة قصيرة أو طويلة في سبيل الإصلاح، بل لم تمهد لاتخاذ خطوة طويلة أو قصيرة، وإنما نشرت الدعوة وأسرفت في نشرها. ولعلها لا تتجاوز نشر الدعوة، بل لعلها أن تكون قد أخذت تتسلك طرقًا مضادة لتحقيق العدل الاجتماعي، وإنقاذ الشعب من آفات البؤس والشقاء.

    فعنايتها بالأغنياء — إلى الآن — أظهر من عنايتها بالفقراء، واهتمامها بالمنتجين أكثر من اهتمامها بالمستهلكين، وإشفاقها على البورصة أشد من إشفاقها على العمال والفلاحين، ولكن المهم هو أن تقول الحكومة لا أن تعمل. وما دامت هناك أبواق تملأ الجو ضجيجًا وعجيجًا، وما دامت هناك صحف تكتب المقالات الطوال والقصار، وما دامت هناك شركات برقية تذيع في الخارج ألوان الإعلان وفنون الدعوة، وما دام هناك رسل يتحدثون في الخارج بما تحب الحكومة أن يتحدثوا به، ما دام هذا كله قائمًا؛ فما من شك في أن صدقي باشا — الذكي اللبق الذي يحسن انتهاز الفرصة — قد أدى واجبه على أحسن الوجوه، فواجب صدقي باشا هو أن يشغل الشعب بالآمال والأماني، وهو أن يُخيِّل إلى الإنجليز أنه صاحب مذهب في الإصلاح، وخطط في تحقيق العدل الاجتماعي.

    كل هذا حسن، ولكن أحسن منه وأجدى أن يثوب صدقي باشا إلى نفسه، وأن يعلم أن نفس الشعب قد تغيَّرت، وأن الذين كانوا يُخدعون بالأماني والآمال في وزارته الأولى قد أصبحوا لا يقنعون إلا بالحقائق والأعمال في وزارته الثانية، وأن نفس الشعب إذا تغيرت وجب أن تتغير معها سياسة الحكومة؛ فلينظر صدقي باشا إلى أن في مصر شعبًا جائعًا بائسًا جاهلًا مريضًا، وإلى أن هذا الشعب لا يكفيه أن يوعد بالسعادة والشبع والعلم، وإنما هو في حاجة إلى أن يمسَّ هذا بيده، وإلى أن يظفر معه بحقِّه واقعًا ملموسًا، لا أملًا بعيدًا، ولا خيالًا يضطرب في السماء.

    وصدقي باشا أذكى من أن يحاول خداع البريطانيين عن نفسه وعن حكومته؛ فالبريطانيون يعرفون كل شيء، ويرون كل شيء، وهم بعد هذا كله لا يعنيهم أن يتحقق في مصر، وإنما يعنيهم أن يتخذوا العدل الاجتماعي وسيلة للتدخل في شئون مصر، والتلكؤ في النزول لها عن حقها الطبيعي في الاستقلال.

    ليس يكفي أن يكون رئيس وزرائنا ذكيًّا لبقًا منتهزًا للفرص، وإنما يجب مع ذلك أن يكون مخلصًا في حبِّه للعدل، مخلصًا في حرصه على تحقيق هذا العدل، مخلصًا في شعوره بآلام الشعب ورغبته في إزالة هذه الآلام، مخلصًا في اعترافه بحق الشعب في أن يستمتع بعدل اجتماعي صحيح غير مزيف ولا قائم على الخداع.

    فإن استطاع صدقي باشا أن يُغيِّر طبيعته، وأن ينقلب من رأسمالي إلى محبٍّ للعدل، مؤثر للحق، منصف للشعب؛ فليفعل، وإلا فليرح نفسه من الوعود التي لا تغني، والآمال التي لا تجدي، والكلام الذي لا يفيد، وليصارح الشعب في وزارته الثانية — كما صارحه في وزارته الأولى — بأنه قد جاء ليحكم سواء رضي الشعب أو لم يرض.

    ونؤكد لصدقي باشا أن هذه الصراحة أجدى عليه وأنفع له من كل هذا التكلف الذي يحمله ويُحمِّل أنصاره عناءً ثقيلًا.

    يجب أن يذكر صدقي باشا أن الناس يعلمون حق العلم أن بعض الملائكة قد استحالوا إلى شياطين، ولكنهم لم يعلموا قط أن بعض الشياطين قد استحالوا إلى ملائكة.

  • وزارة الإصلاح

    وزارة الإصلاح

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٩ أغسطس ١٩٤٥

    لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.

    لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.

    وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.

    ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.

    وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.

    فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.

    ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!

    أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.

    ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.

    أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟

    وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.

    يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.

    وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.

    وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!

    يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.

    أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.

    لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.

    وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!

    متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية.

  • تذكرة

    تذكرة
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

  • فلسطين …

    فلسطين …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٨ أكتوبر ١٩٣٣

    لو لم يكن بيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين إلا هذا الإخاء الإنساني العام، الذي تشترك فيه الشعوب وأجيال الناس، مهما تختلف الأمكنة والأزمنة والظروف؛ لكان من حق الأحداث التي ألمَّت بهم أمس أن تُذِيب قلوبنا أسًى وحزنًا، وأن تملأ نفوسنا حسرةً ولوعةً، وتُشعِرنا الرثاء لهم والإعجاب بهم، والرغبة الصادقة في أن يهيئ الله لهم نصرًا يردُّ إليهم الحق، ويحفظ عليهم الكرامة والعزة، ويضمن لهم الظَّفَرَ والفوز.

    نعم، لو لم يكن بيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين إلا هذا الإخاء العام، لكان من الحق علينا ألا نقف من هذه الأحداث التي ألمت بهم أمسِ موقفَ الذين ينظرون ولا يشعرون، ويشهدون ولا يتأثَّرون؛ فإن الذين يشهدون هذه المشاهد المؤلمة ثم لا يتألمون، ويتلقون هذه الأنباء المحزنة ثم لا يحزنون، ويرون شعبًا بأسره يجاهد ليعيش فيحال بينه وبين العيش، ويُكْرَه إكراهًا بالحديد والنار على أن يخضع للذلة والفقر وما يتبع الذلة والفقر، ثم لا تثور عواطفهم ولا تضطرب نفوسهم لهذا العطف الإنساني المقدس على المظلومين، ليسوا من الناس الذين يستحقون هذا الاسم، وإنما هم قوم قَسَتْ قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة، فكيف وبيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين صلة الجوار في الدار والاشتراك في اللغة والدين، والاشتراك في المثل الأعلى، والاشتراك فيما نلقى جميعًا من الظلم، وما نحتمل جميعًا من العسف، وما نسام جميعًا من هذا الضيم المخزي، الذي لا يرضى به ولا ينبغي أن يرضى به كرام الناس.

    كم نحب أن يشعر إخواننا من أهل فلسطين أنَّا شركاؤهم فيما يُحِسُّون من ألم وحزن، وفيما يضمرون من حسرات، وما يظهرون من زفرات، وما يُعْلِنون من سخط وإنكار، لهذا الظلم الذي يصُبُّه عليهم الأجنبي صبًّا، لا لشيءٍ إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا آمنين في ديارهم، وادعين، لا يؤذيهم أحد ولا يؤذون أحدًا، لا يضارهم أحد ولا يضارون أحدًا، لا يطمعون فيما عند غيرهم ولا يطمع غيرهم فيما عندهم، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يستمتعوا هادئين بهذه الحياة التي منحهم الله في ظل الحق، والعدل، والمساواة، والإنصاف.

    كم نحب أن يستيقن إخواننا من أهل فلسطين أننا نجد ما يجدون، ونشعر بما يشعرون، ونألم لما يألمون له. ونود لو استطعنا أن نرد عنهم بعض ما يلقون من الشر، ونكشف عنهم بعض ما يُصِيبُهم من الضُرِّ، كم نودُّ أن يستيقنوا بأن ما بينهم وبيننا من الصلات أمتنُ وأصدقُ من أن نقف مُعْرِضين أو فاترين أمام هذه المحن المنكرة التي تُسَلَّط عليهم في غير رعاية لحرمة، ولا احترام لحق، ولا تأثُّر بالدين أو الأخلاق.

    ما أشدَّ التشابه بين ما تلقون في بلادكم، وما نلقى في بلادنا أيها الإخوان الأعزاء! هذه دماؤكم الزكية تُرَاقُ، ونفوسكم التي حرمها الله إلا بالحق تزهق، لا لشيء إلا لأنكم تريدون أن تعلنوا إلى الناس في سلم وأمن وحرص على العافية أنكم مظلومون، وأنكم تكرهون الظلم، وتُنكِرونه، وتريدون أن يُرْفَع عنكم، ومن قبل ذلك أريقت في مصر دماء زكية، وأزهقت في مصر نفوس حرمها الله إلا بالحق؛ لأن المصريين كانوا يريدون أن يعلنوا إلى الناس في سلم وأمن، وإيثار للعافية، أنهم مظلومون، وأنهم يريدون أن يرفع عنهم الظلم.

    ها أنتم أولاء ترادون على أن يسلَّط عليكم الشر فلا تلقونه بإنكار ولا سخط، وإنما تؤمنون له إيمانًا، وتُذْعِنون له إذعانًا. ولو استطاع خصومكم لطلبوا إليكم أن تعلنوا الرضا عما يصيبكم والابتهاج بما يَنْزِل بكم، وأن تستزيدوا من هجرة المهاجرين. وها نحن أولاء قد أُرِدْنا على أن نحب ما لا نحب، ونرضى بما ننكر، ونبتهج لما يمزِّق قلوبنا لوعة وحسرة؛ فإن نحن حاولنا أن نلائم بين قلوبنا ووجوهنا وألسنتنا، وبين آرائنا وأعمالنا، وأن نظهر السخط لأن قلوبنا ملأها السخط، ونعلن الإنكار لأن نفوسنا ملأها الإنكار، ونطلب الحرية لأننا لا نستطيع أن نرضى بغير الحرية؛ سُلِّطَ علينا مثل ما يسلط عليكم، وأُغْرِيَ بنا مثل ما يغرى بكم، وتعرضنا لمثل ما تعرضتم له أمس، واحتملنا مثل ما احتملتم أمس، وصعدت نفوس مصرية إلى السماء كما صعدت نفوس فلسطينية إلى السماء، واصطبغت أرض مصر بدماء المصريين كما اصطبغت أرض فلسطين بدماء الفلسطينيين. ثم يزعم الأوروبيون بعد ذلك أنهم دعاة حضارة ورقي، ورسل سلم وأمن، وملائكة رحمة وحب، وهداة إلى النور بعد الظلمة.

    كلا، ليس من الدعوة إلى الحضارة ولا إلى الرقي أن يُعْتَدَى على الناس وهم آمنون، وأن يُكْرَه الناس على ما لا يريدون. كلا، وليس من نشر السلم والأمن أن تغصب الحقوق، وتنتهك الحرمات، ويجوع قوم ليشبع آخرون. كلا، وليس من الرحمة والحب أن تؤمِّن قومًا لتُخِيف قومًا، وأن تُرْضِي من تحب على حساب من لا تحب، وأن تخلق بين طبقات الناس من ألوان البغض والعداء ما ينتهي إلى مثل ما انتهت إليه الحال أمس في فلسطين. كلا، وليس إخراجًا للناس من الظلمة إلى النور أن تعلِّمهم كيف يُبْغِض بعضهم بعضًا، وكيف يعتدي بعضهم على بعض، وكيف تقوم الأَثَرَة بينهم مقام الإيثار، وكيف تقوم القوة بينهم مقام الحق، وكيف يقوم الجور بينهم مقام العدل، وكيف تسخر النفوس والقلوب والعقول لسلطان المال والحديد والنار.

    إن الأوروبيين يقولون كثيرًا ويملئون الأرض بأنهم حراص على السلم، مناهضون للحرب، جادون في أن يحقنوا دماء الناس ويعصموا نفوسهم، وفي أن يحتكموا إلى العدل والقانون لا إلى الحديد والنار، ولكنهم حين يملئون الأرض بهذا الكلام لا يريدون به إلا أنفسهم، وما يقوم بينهم من الصلات. فهم يكرهون أن تحكم بينهم سيوفهم، ولكنهم لا يكرهون — فيما يظهر — أن تحكم سيوفهم في أمر غيرهم من الشعوب، وإلا فما إخضاع مصر لقوة الإنجليز؟ وما إخضاع فلسطين لقوة الإنجليز وطمع الصهيونيين؟ وما إخضاع غير مصر وفلسطين من بلاد الأرض وأقطارها لهذه القوى الأوروبية الثائرة المتنمرة التي تتخذ أشكال السلم والأمن في بلادها، حتى إذا تجاوزتها كشرت عن أنياب حداد؟!

    إن الأوروبيين يخدعون أنفسهم حين يطمعون في أن يحبَّهم أهل الشرق أو أن يطمئنُّوا إليهم. فلم تكن القوة والعدوان في يوم من الأيام مصدرَ حب وطمأنينة، وإنما كانت القوة والعدوان دائمًا مصدر خوف وخشية أول الأمر، ثم مصدر رد الفعل الذي يديل للمظلومين من الظالمين.

    إن الأوروبيين ليعلمون حق العلم أن أهل الشرق قد استيقظوا بعد نوم، وتنبَّهوا بعد غفلة، ونشطوا بعد فتور، وتعلموا بعد جهل، وأن من المستحيل أن يقبلوا منهم اليوم ما كانوا يفرضونه عليهم أمس، أو أن يرضوا منهم اليوم هذه السيرة التي يسيرونها في قبائل الهمج التي لا حظَّ لها من حضارة ولا من أمل ولا من تاريخ.

    إن الأوروبيين حين يُلِحُّون في سيرتهم هذه مع الشرقيين لا يزيدون على أن ينشئوا لأنفسهم خصومًا ألداء وأعداءً أقوياء. إن ظهر أمرهم اليوم هينًا يسيرًا؛ فقد يكون غدًا شاقًّا عسيرًا. وقد يكون من الخير للأوروبيين أن يراجعوا أنفسهم بعض الشيء، وأن يذكروا أنهم حين يعبرون البحر من بلادهم إلى الشرق إنما ينزلون بشعوب تُحِسُّ وتشعر، وترجو وتحب العزة والكرامة، وتأبى الذلة والضيم، وتجد من هذا كله مثلَ ما يجدون. إنهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير، وأراحوا الإنسانية من نُكر لا حَدَّ له، وإن لم يفعلوا فلن يكونوا أقل من الشرقيين ندمًا، ولن يكونوا أقلَّ من الشرقيين حزنًا على ما قصروا حين كان يمكن اجتناب التقصير، وعلى ما أسرفوا حين كان يمكن اجتناب الإسراف.

    في ذمة الله شهداء فلسطين، وفي ذمة الله صرعى فلسطين، وفي ذمة الله آلام العرب في فلسطين. فليس شيء مهما يكن، وليس ألم مهما يعظم بكثير في سبيل الوطن، وفي سبيل الحرية والعزة والكرامة والاستقلال.

  • أيام لا تنسى: ذكريات وطنية | Days Never Forgotten: National Commemorations

    تذكرة

    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المظلم القاتم الذي طلع فجره بالنحس على مصر، فأهينت فيه الكرامة المصرية، وانتهكت فيه الحرمات المصرية، وأهينت فيه مع كرامة مصر كرامة الحق، وانتهكت فيه حرمة مصر حرمة العدل، وتجنى فيه القوي الطاغي على الضعيف الآمن، وأطلقت فيه تلك النار الأثمة المجرمة على هذا البلد الوادع الأمين.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم المشئوم الذي أعلن الإنجليز فيه إلى الإنسانية كلها، أنهم لا يرعون عهدا، ولا يحترمون حقا، ولا يقدرون عدلا، وإنما يرعون منفعتهم وحدها، ويحترمون سلطانهم وحده، ويقدرون بأسهم وحده، ويبسطون قوتهم في الأرض حين يتاح لهم ذلك، لا يحفلون بغير القوة، ولا يفكرون في غير القوة، ولا يشفقون من غير القوة.
    لم ينس المصريون، وما ينبغي لهم أن ينسوا، ذلك اليوم الذي وصلت فيه القذائف الإنجليزية إلى مدينة الإسكندرية فهدمت الحصون ودمرتها، وسفكت الدماء، وحرقت الدور، وحولت مدينة آمنة وادعة إلى نار مضطرمة اللهب، يحترق فيها الآمنون الوادعون، في غير ذنب إلا أنهم ضعفاء، إلا أن الإنجليز يريدون أن يحتلوا مصر ويبسطوا عليها سلطاتهم مهما تكن الظروف.
    لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم، لأن المصريين أبعد الشعوب الحية عهدا بالاستقلال، وأعظم الشعوب الحية حظا من الكرامة، وأحفل الشعوب الحية تاريخا بالمجد والعظمة وجلائل الأعمال، وما ينبغي لشعب سبق الشعوب إلى الاستقلال والمجد والعظمة أن ينسى يوما من أيامه السود، يعتدي فيه على استقلاله ومجده وعظمته، بل لا يستطيع المصريون أن ينسوا هذا اليوم المشئوم، لأن آثاره المشئومة متصلة قائمة، تزداد شؤما من يوم إلى يوم وتتغلغل في شؤون المصريين من عام إلى عام، تمس حياة الشعب كله، وتمس حياة الجماعات، وتمس حياة الأفراد، مهما يفكر المصري في شيء فتفكيره منتهٍ إلى الاحتلال، وجيش الاحتلال، وممثل الاحتلال،
    وتفكيره منتهٍ إلى ذلك اليوم الذي بدأ فيه الاحتلال، وإلى هذا اليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال.
    ومهما يفكر المصري في شيء ومهما يحاول المصري شيئا فسينتهي تفكيره ومحاولته إلى هذه الحقيقة القائمة القاتمة التي تقوم في سبيل تفكيره ومحاولته، وهي أن القوة الإنجليزية الظالمة تمنعه من أن يفكر حرا كما ينبغي له، ومن أن يعمل حرا كما ينبغي له، وتضطره إلى أن يقول لنفسه لو لم يعتد الإنجليز على الإسكندرية لفكرت حرا، ولعملت حرا، ولابد من أن ينتهي احتلال الإنجليز لمصر لأفكر حرا، ولأعمل حرا، ولأعيش كريما.
    لم ينس المصريون، وليس من سبيل إلى أن ينسوا هذا اليوم المشئوم من أيامهم، ولا هذا الحدث المنكر في تاريخهم، وما كان المصريون في حاجة إلى أن نذكرهم فهم يذكرون وما كان المصريون في حاجة إلى أن ننبههم فما هم بغافلين، وهبهم نسوا، وهبهم غفلوا فإن في هذه الثكنات المصرية التي يحتلها الجند الأجنبي، وفي هذه الوزارات المصرية التي يتسلط فيها الموظف الأجنبي، وفي هذه السياسة المصرية التي يتدخل فيه الممثل الأجنبي، وفي هذه الأجسام المصرية التي يعمل فيها السوط الأجنبي، ما يذكر الناسي وينبه الغافل، وحاشا للمصريين أن يدرك حياتهم السياسية نسيان أو تمسها غفلة.
    إن المصريين يشكون لأنهم يحكمون على غير ما يريدون، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال وحده هو الذي يأخذهم بما يكرهون من الحكم. إن المصريين يشكون من أن حريتهم تصادر وكرامتهم تهدر، ومن أن الظلم المنكر يعبث بحقوقهم، ويمس أقوياءهم وضعفاءهم، ويلم بأغنيائهم وفقرائهم، وهم يعلمون حق العلم أن الاحتلال الإنجليزي هو مصدر هذا كله، ومؤيد هذا كله، وممكن هذا كله من البقاء، إذا شكا المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم وإذا ضج المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا صبر المصريون، فهم يذكرون ذلك اليوم، وإذا أمل المصريون فهم يذكرون ذلك اليوم.
    وفي المصريين مع هذا كله قوم لا ينسون هذا اليوم، ولكنهم يتناسونه لأنهم يريدون أن يعيشوا تذكره قلوبهم، وتكتئب له نفوسهم، ولكن ألسنتهم تغفل ذكره، وأقلامهم تهمل الكتابة فيه، لأن سلطان المنافع العاجلة أقوى على هذه البطون الجائعة من سلطان الأفئدة والقلوب، ولأن لذة الحياة الناعمة أقوى على هذه المخلوقات الضعيفة الفاترة من لذة الحب للوطن، والحزن على الوطن، والجد لإنقاذ الوطن، أولئك قوم نرجو أن يصلح الله أمرهم وأن يرد إليهم فصلا من رجولة، وحظا من مروءة ليشعروا بأنهم حين يؤثرون المنافع، يفنون في اللذات لا يأثمون في ذات أنفسهم، بل يأثمون في ذات أبنائهم، وأحفادهم، وفي ذات الوطن كله، وأي إثم أقبح وأشنع في نفس الرجل الذي يستحق هذا الاسم، من هذا الإثم الذي لا يصيب فردا ولا جماعة، وإنما يصيب الوطن كله والأجيال كلها.
    ما أجدر المصريين أن يقرأوا هذا الفصل القيم الذي سجله صاحب السعادة أحمد شفيق باشا في مذكراته الخاصة ونقلناه لهم في غير هذا المكان، فسيرون فيه صورًا تدمى لها القلوب وتتفرق لها النفوس، وسيرون فيه كيف كانت كرامة مصر تدافع عن نفسها، عزلاء إلا من الحق مخذولة إلا من العدل. وكيف كان الذين يجب عليهم أن يموتوا في سبيل مصر يلتمسون الحياة من أخس طرق الحياة. سيرون فيه كيف كانت القنابل تدمر الحصون وتحرق البيوت وتسفك الدماء، وكيف كان قوم من المصريين ينظرون ويلتمسون لأنفسهم القوت، يتبلغون به لا ليثبتوا للدفاع، ولكن ليرضوا بالهزيمة، ويستسلموا للسلطان الأجنبي. سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الأمن، والخوف من حولهم يملأ الأرض، سيرون فيه كيف كان قوم يلتمسون لأنفسهم الطمأنينة والهلع من حولهم يملأ القلوب، سيرون فيه كيف كان قوم يسارعون إلى جوار الإنجليز، والناهبون السالبون يعتدون على الرجال والنساء، وينتزعون الأقراط من الآذان، ويسيلون الدماء المصرية بالأيدي المصرية على حين يسفك الإنجليز دماء مصرية أخرى بأيدٍ أجنبية أخرى. والذين كان يجب عليهم الموت ليحيا المصريون كانوا يلتمسون الحياة. إن هذا الفصل الذي سجله شفيق باشا خليق أن يقرأه كل مصري وأن يعيه كل مصري وأن يقصه كل مصري على ابنه الناشئ لأن شفيق باشا قد كتب هذا الفصل القاسي، بدماء المصريين، تلك الدماء التي كانت تسفك في غير حق، فتهون على قوم ما كان ينبغي أن تهون عليهم.
    وأخيرا فيذكر المصريون ذلك اليوم، وليقرأ المصريون هذا الفصل، ليتخذ المصريون من ذكر هذا اليوم وقراءة هذا الفصل قوة تمكنهم من الصبر والثبات، وتدفعهم إلى الجد والإقدام، حتى تصبح الحرية المصرية، والدماء المصرية، والكرامة المصرية عزيزة لا تهون على المصري، كريمة لا يطمع فيها الأجنبي وإن كانت له قوة الإنجليز.
    طه حسين
    الوادي، ١١ أغسطس ١٩٣٤.

    قدوة…

    تستطيع الحوادث أن تزدحم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يثبتون لها. وتستطيع الكوارث أن تدلهم، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يخلصون منها.
    وتستطيع المحن أن تتصل، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يهزأون بها. وتستطيع الخطوب أن يركب بعضها بعضاً، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يظهرون عليها.
    ثم تستطيع الأيام أن تهزل وتجد، فقد تعلم المصريون من سعد كيف يلقون الأيام بمثل ما تلقاهم به من هزل وجد. لن يرى أعداء مصر والكائدون لها والماكرون بها، من مصر إلا ما يسوءهم، وينوءهم، ويفسد عليهم ما يدبرون من كيد، وما يضمرون من مكر، وما يهيئون من مكروه، لأن للمصريين أستاذاً عرف كيف يصل إلى قلوبهم، فيستقر فيها، ويملؤها قوة، وذكاءً، وثباتاً، وحزماً. وعرف كيف يبلغ نفوسهم فيسيطر عليها، ويعصمها من الضعف والوهن، ويحميها من الفرق والخوف، ويرفعها عن اليأس والقنوط.
    ثم عرف كيف يتغلغل إلى ضمائرهم، فيملؤها حياة وقوة، ويفيض عليها نقاءً وصفاءً، ويشيع فيها هذا الإحساس الدقيق الملح، الذي يمنعها أن تقبل الضيم، ويرفعها عن أن تذعن للذل، ويحميها من أن تشك في الحق، ويعصمها من أن تفرط في الواجب، ويكبرها عن أن تقصر في ذات الوطن. ويجعل الموت آثر عندها، وأحب إليها، من أن ترضى الدنية، أو تقبل من أعدائها وخصومها ما لا تستطيع أن تقبله ضمائر الشعب الكريم.
    تستطيع الأيام أن تكيد لمصر، وأن تمكر بمصر وأن تلقى مصر بالحرب سراً وإعلاناً، فقد تعلمت مصر القديمة من تاريخها المجيد، وتعلمت مصر الحديثة من زعيمها العظيم، كيف تقهران الزمان، وكيف تظهران على طغيان الطغاة، وظلم الظالمين.
    إن كل ما ألمّ بمصر من مكروه منذ مات سعد، قد ألمّ بها في حياة سعد، وقد عرف سعد كيف يلقى المكروه، ويصبر عليه، ويخلص منه، وعلم أبناءه المصريين كيف يتأثرونه، ويسيرون سيرته، ويتخذونه لهم إماماً.
    إن بسط المستعمرون سلطانهم وأسرفوا في عدوانهم على مصر بعد أن مات سعد، فقد بسطوا السلطان وأسرفوا في الطغيان في حياة سعد. فعرف سعد كيف يتقي هذا السلطان المبسوط، وكيف يرد هذا الطغيان المسرف، وعرف منه المصريون كيف يلقون ظلم المستعمرين، وكيف يخلصون من طغيان الطاغين.
    إن سفك الظالمون دماء المصريين بعد موت سعد، فقد سفك الظالمون دماء المصريين في حياة سعد، فعلمهم كيف تطيب النفوس الحرة عن الدماء الزكية في سبيل الوطن الحر. إن نكب المصريون بالتفريق والتشريد، وبالسجون المظلمة، فقد نكبوا بهذا كله في حياة سعد، وكان سعد أول من نكب بهذا كله منهم. فعلمهم كيف يلقون هذا كله بهذه الابتسامة الساخرة الصابرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولروح سعد العظيم.
    إن نكب المصريون في دستورهم، بعد موت سعد، فقد نكب المصريون في دستورهم أثناء حياة سعد. فعلمهم سعد كيف يكون الإصرار على الحق، وكيف يرفع الرجل الكريم نفسه عن اللين، في غير موضع اللين، وعن التهاون فيما لا ينبغي التهاون فيه، وعلمهم كيف تكون هذه المقاومة التي يحسبها الظالمون عجزاً، وهي القدرة كل القدرة، ويظنها المستبدون استسلاماً، وهي الإباء كل الإباء، ويراها الطغاة وسيلة إلى الخضوع والإذعان، وهي وسيلة الظفر وطريق الفوز.
    ثم إن ألح الإنجليز في المكر، والغدر، وفي الوعد حيناً، والوعيد حيناً آخر، وفي الابتسام طوراً، والعبوس طوراً آخر، وفي المداورة والمناورة بعد موت سعد، فقد ألح الإنجليز في هذا كله أثناء حياة سعد على المصريين فعلمهم سعد كيف يلقون هذا كله مؤمنين بالحق، مصرّين عليه، جادّين في طلبه، لا يخدعهم وعد، ولا يخيفهم وعيد، يمضون أمامهم في طريق مستقيمة لا تعوج ولا تلتوي، إلى غاية واضحة، بينة مرفوعة الأعلام، لا تخفى إلا على الذين يؤثرون أنفسهم على أمتهم، ويقدمون منافعهم على منافع الوطن.
    كل ما تبلوه مصر من خير وشر، وكل ما تذوقه مصر، من حلو ومر، في هذه الأيام بعد أن مات سعد، قد بلته مصر، وذاقته مصر في تلك الأيام حين كان سعد حياً. وقد رأت مصر سعداً وهو يبلو ما تبلو، ويذوق ما تذوق، ويرسم لها طريق الظفر، وينهج لها منهج الفوز، ويتقدمها إلى التضحية إن كانت الحاجة إلى التضحية، ويتبعها إلى اجتناء الثمرات إن أتيح لها اجتناء الثمرات. لقد عرف سعد كيف يملك قلوب المصريين. وكيف يملؤها بشخصه العظيم. فما قدرت عليه مصر في حياة سعد، ستقدر عليه دائماً بعد موت سعد لأن هذه القدوة الصالحة التي أقامها هذا الرجل العظيم لا يمكن أن تضعف، ولا أن يبلغها الفناء. إذا ضاق المستعمرون بإباء مصر للاستعمار، ومقاومتها لما يهيئون لها من كيد، وإذا ضاق الطغاة برفض مصر للطغيان، ومناوأتها لما يدبر لها من مكر، وإذا سأل أولئك وهؤلاء عن مصدر هذا الرفض وذلك الإباء، وعن مصدر هذه المقاومة التي لا تعرف ضعفاً ولا فتوراً، فليعلم أولئك وهؤلاء أن مصدر هذا كله هو القدوة الصالحة التي أقامها سعد للمصريين. إن كان المستعمرون قد أرضوا سعداً عن الاستعمار فسيرضون عنه المصريين. إن كان الطغاة قد أذلوا سعداً للطغيان، فسيذلون له المصريين، إن كان أولئك وهؤلاء قد استطاعوا أن يحملوا سعداً على الضيم، أو يسوموه الخسف، أو يأخذوه بما لا يرضاه الرجل الكريم، فسيبلغون هذا كله من المصريين. ولكن حياة سعد ماثلة أمام المستعمرين، ماثلة أمام الطغاة. وأولئك وهؤلاء يعلمون حق العلم، أنهم قد سلطوا على سعد ما استطاعوا من ألوان الترغيب والترهيب ومن صنوف الوعد والوعيد، فلم يظفروا منه إلا بهذه الابتسامة الساخرة التي يجب أن تكون رمزاً لمصر الخالدة ولسعد العظيم.
    إن كان المستعمرون والطغاة يريدون أن يحاربوا إباء المصريين للضيم، ورفض المصريين للذل، وحرص المصريين على الحرية، وحب المصريين للعزة والاستقلال فليحاربوا سعداً، فسعد مصدر هذا كله، في نفوس المصريين، وفي قلوب المصريين جميعاً.
    وإن المستعمرين والطغاة ليعلمون حق العلم أنهم قد حاربوا سعداً في حياته فلم يبلغوا منه شيئاً، وأنهم ليعلمون حق العلم أن حرب الموتى، ولا سيما حين يكونون عظماء، أصعب مراساً، وأشد بأساً من حرب الأحياء. على أنهم قد جاهدوا روح سعد ما وسعهم الجهاد، جدوا في أن ينساه الناس، فما زاد الناس له إلا ذكراً. جدوا في أن تنصرف عنه القلوب، فما زادت القلوب له إلا حباً. جدوا في أن يقيموا للناس مكانه صوراً وأشخاصاً، وأشباحاً، وأشكالاً، فلم يظفروا بنظرة من الناس إلى ما أقاموا لهم من هذا كله.
    ها هم أولاء يحاربون سعداً في قبره، فيأبونه عليه وقد أرادته الأمة له، فماذا يبلغون حين يتخذون هذا القبر مقراً للفراعنة الخالدين؟ أتراهم يصرفون الناس عن ذلك القبر العظيم الطاهر القائم في الصحراء؟ أتراهم يقنعون الناس بأن هذا القبر الجديد قد أصبح داراً خالصة لأضيافه من الفراعنة الخالدين؟ ها هم أولاء يحاربون تماثيله فيحرمون عليها أرض مصر، وجو مصر، ويحرمون على عيون الناس أن تنظر إليها، أفتراهم يزيدون على أن يقيموا هذه التماثيل بأيديهم في قلوب المصريين جميعاً؟
    ها هم هؤلاء يحاربون آثار سعد، في كل شيء، أفتراهم يمحون منها أثراً! أفتراهم يزيدون على أن يدفعوا الناس إليها دفعاً ويفعمون نفوس الناس بها إفعاماً.
    لقد حاربوا سعداً حياً فلم يبلغوا منه شيئاً وها هم أولاء يحاربون سعداً ميتاً منذ سبعة أعوام فلا يبلغون منه شيئاً وما نظن أنهم قد استيأسوا وها نحن نظن أنهم قد قنعوا بما أصابهم من هزيمة، ولكننا مستيقنون بأنهم سينتهون غداً أو بعد غدٍ إلى اليأس وهم راغمون وإذا عجزوا عن قهر سعد الخالد فسيعجزون عن قهر مصر الخالدة وسينظرون راضين وكارهين إلى المصريين وهم يسلكون ما رسم لهم سعد من طريق ويهتدون لما أقام لهم سعد من علم ويبلغون ما نصب لهم سعد من غاية ويظفرون بما أراد لهم من حرية واستقلال.
    لقد أصبح حب سعد في مصر وفي الشرق شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء وظلها مبسوط على النفوس كلها وعلى القلوب كلها وعلى الأجيال القائمة وعلى الأجيال الناشئة فليس إلى استئصال هذه الشجرة ولا إلى تضييق ظلها من سبيل إذا لم يكن بد من اليأس فلن يضطر إليه إلا الظالمون لأنهم يحاولون ما لا نفع في محاولته ويطلبون ما لا سبيل إلى الظفر به، وإذا لم يكن بد من الأمل فلن ينعم به إلا المصريون لأنهم يسايرون الطبيعة ويجارون سنن الحياة ويستضيئون بسراج منير لا يمكن أن يخبو نوره ولا أن تخمد جذوته الخالدة.
    إن المصريين ليذكرون سعداً اليوم كما يذكرونه كل يوم وأنهم ليحيون ذكراه هذا العام كما أحيوه في الأعوام الماضية وكما سيحيونه في الأعوام المقبلة فلينظر الذين حاربوا سعداً وما زالوا يحاربونه إلى أين انتهت بهم الحرب.
    وليعلم الذين حاربوا مصر وما يزالون يحاربونها أن حربهم هذه الآثمة لن تنتهي بهم إلا إلى ما يكرهون وإلى ما يحب المصريون.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣/ ٨/ ١٩٣٤.

    موعظة . . .

    ولكن قوما لا يريدون أن يتعظوا وإن خلت من قبلهم المثلات، ولا يريدون أن يعتبروا وإن قامت بين أيديهم العبر ناطقة صادقة لا تدع سبيلاً إلى الشك، ولا طريقاً إلى الريب. يرون الحق واضحاً بيناً، فيغلقون عقولهم وقلوبهم من دونه، ويرون النور ساطعاً ناصعاً فيغلقون عيونهم حتى لا يروا، ويضطرب الجو من حولهم بصوت الحق، عالياً يبلغ السماء فيسدون أسماعهم حتى لا ينتهي إليها أصله ولا صداه. ذلك أنهم لا يريدون حقاً، ولا شيئاً يشبه الحق، وإنما يريدون نفعاً عاجلاً، وعيشاً زائلاً، ونعيماً ينتهزونه انتهازاً وفرصاً يختلسونها اختلاساً. لا يعنيهم أن يفكروا فيما كان، ولا يعنيهم أن يسألوا عما سيكون، وإنما يعنيهم أن يسرقوا حياتهم ولذاتهم مما هو كائن. فإذا ظفروا بما يبتغون، فعلى من كان قبلهم وعلى من سيكون بعدهم العفاء . .
    أولئك قوم ألغوا عقولهم وقلوبهم كما كان يقول سعد رحمه الله إلغاءً. أولئك قوم خُلقوا ليكونوا من الناس، فاكتفوا بأن يكونوا من الأحياء. يرون شعباً كاملاً، قد اتفق رأيه وصح عزمه، واجتمعت كلمته على أنه يجب أن يكون سيداً في أرضه، حراً في وطنه، مسيطراً على أمره، فيأبون أن يصدقوا هذا الشعب، بل يأبون أن يصدقوا أن هذا الشعب يرى ما يرى، ويعلن ما يعلن، ويريد ما يريد. يخلقون لأنفسهم عالماً كاذباً، مصطنعاً يعيشون فيه، ويعمرون هذا العالم بالأحلام والأوهام، ويغمرون هذا العالم بالآمال والأماني، ثم يضطربون في هذه الأكاذيب اضطراباً لا يجدون فيه مشقة ولا جهداً، لأنهم فقدوا هذا الشعور الذي يعرفون به المشقة أو الجهد، وأصبحوا أدوات لذة ونعيم ليس غير.
    أولئك قوم يمرون بالحياة، أو تمر بهم الحياة، فلا يؤثرون فيها، ولا يتأثرون بها، وإنما هم أحلام ثقيلة بغيضة يحس الناس ثقلها وبغضها، ويضيق الناس بها أشد الضيق، لحظات من ليل أو لحظات من نهار، حتى إذا أفاقوا ونظروا من حولهم لم يروا شيئاً ولم يسمعوا شيئاً، وإنما يتحدث بعضهم إلى بعض بما رأى وأحس فيما يرى النائم، وما يحس من هذا الحلم الثقيل البغيض.
    أولئك قوم إن كانوا خليقين بشيء فهم خليقون بالرحمة والرثاء وبالإشفاق والعطف؛ لأنهم بائسون إلى أقصى غايات البؤس، أشقياء إلى أبعد آماد الشقاء. وأي بؤس يعدل إلغاء العقل، وأي شقاء يعدل فقدان الشعور؟ لا يغرنك ما تراهم فيه من حول وطول ومن جاه وسلطان، ومن نعيم وترف، فقيمة حياة الناس ليست تقاس بما يصيبون من لذة ولا بما يملكون من قوة، وإنما تقاس بما يتركون من أثر، وبما يقيمون من مأثرة، وبما يبنون في نفوس معاصريهم وقلوبهم من هذه المعابد الشاهقة الخالدة التي تتوارثها الأجيال عن الأجيال.
    لقد كانوا يرون حب الشعب كله لسعد، واجتماع الشعب كله حول سعد، واتباع الشعب كله لسعد، فيأبون أن يصدقوا ما يرون أو يعترفوا به، ويمضون في حرب سعد ومذهبه، وفي التنكيل بسعد وأصحابه، ينفقون في ذلك أوقاتهم وجهودهم، ويبلون في ذلك مقدرتهم وقوتهم، ويصلون في ذلك الهزيمة أثر الهزيمة فلا ينفعهم ذلك لأنهم لا يريدون أن ينتفعوا، ولا يعظهم ذلك لأنهم لا يريدون أن يتعظوا، ولا يزيدهم ذلك إلا إلحاحاً في المكر والكيد، وإصراراً على اللجاج والعناد.
    ثم مات سعد فخدعتهم الأماني، وغرتهم الأحلام الكذاب، وظنوا أنهم سيقدرون على الشعب بعد أن فقد زعيمه، فضاعفوا الحرب، وغلوا في الكيد، وأسرفوا في المكر، ومضوا يجدون ويكدون، ونظروا فإذا هم لم يبلغوا شيئاً ولم ينتهوا إلى شيء؛ لأن شخص سعد قد مات، ولكن روحه قد انبثت في المصريين جميعاً، فأحيا القلوب، وقوى العزائم، وأبى لهذا الشعب أن يرضى إلا أن يكون عزيزاً حراً ومستقلاً صادق الاستقلال.
    قليل منهم من آمن بالحق عند ظهوره، وأذعن للبرهان عند نصوعه، وألقى السلاح، وثاب إلى الرشد، ومضى فيما مضى فيه الناس، وأصلح ما أفسد من أمره، وجدَّ في إصلاحه، ولكن كثرتهم مضت فيما كانت فيه، لاهية ساهية، ومغامرة مخاطرة، قد اتخذت من هذا المكر بالشعب والكيد له صناعة تلتمس منها العيش، وتستعين بها على كسب الحياة.
    أولئك يرون المصريين في كل يوم يذكرون سعداً ومذهب سعد، ويحبون سعداً ومذهب سعد، ويوالون سعداً ومذهب سعد فلا يتعظون ولا يعتبرون، وإنما يتقربون بمحاربة الحق إلى الذين يستطيعون أن يعينوهم على ما يبتغون من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئاً.
    أولئك يرون المصريين في كل عام يحيون ذكرى سعد خيراً مما أحيَوْها في العام الذي سبقه، قد ازدادت قلوبهم لسعد حباً، وازدادت عقولهم لسعد إكباراً، وازداد أتباعهم لسعد قوة، فلا يعظهم ذلك، ولا يقنعهم، ولا يصدهم عما هم فيه من عناد؛ لأنهم لا يريدون موعظة، ولا يبتغون اقتناعاً، ولا يريدون رجوعاً إلى الحق، وإنما يحرصون على الحياة واختلاس ما يمكن أن يختلس فيها من نعيم.
    أولئك رأوا أمس أنه لم يبقَ في مصر مصري إلا ذكر سعداً وأحبه، وأحيا ذكره، وحرص على تحقيق مذهبه، وسيرون اليوم وسيرون غداً، وسيرون في كل يوم مثل ما رأوا أمس، ومثل ما رأوا قبل أمس، ولكنهم سيمضون فيما مضوا فيه من جحود وإنكار؛ لأن حياتهم لا تستقيم إلا على الجحود والإنكار.
    أولئك يحسبون أنهم مهرة، ويخيلون إلى أنفسهم أن استمتاعهم بما يستمتعون به من القوة المتصلة دليل على القدرة والبراعة، ولكنهم ينسون، وما أكثر ما ينسون، أن هذه القوة لا تأتيهم من أنفسهم، وإنما تأتيهم من مصادر أخرى، لا يعنيها أن يكون المصريون أصحاب حق أو أصحاب باطل، وإنما يعنيها أن يخضع المصريون لسلطان الاستعمار ليس غير.
    أولئك يحسبون أنهم يخدعون الاستعمار حين يخيلون إليه أنهم قادرون على إخضاع مصر، ولكنهم يجهلون، وما أكثر ما يجهلون، أن الاستعمار أبرع من أن يخدع، وأمهر من أن يضلل، وأنه يعلم حق العلم أن الذين يخدعونه ويستعينون به على الحياة لا يخدعون إلا أنفسهم، وأنه هو الذي يخدعهم ويستعين بهم على إذلال شعب لا ينبغي أن يُذل، وعلى إخضاع شعب لا ينبغي له الخضوع.
    ما أجمل هذه الحرب الآمنة الوادعة التي تجلت مظاهرها أمس رائعة في جميع أقطار مصر، حين احتفل المصريون بإحياء الذكرى لزعيمهم العظيم، فأقاموا للمرة الأولى أو الثانية أو الثالثة بعد الألف أو الألفين أو الآلاف أوضح الأدلة وأنصعها وأبقاها؛ على أن الذين يحاربون سعداً ومذهب سعد في الحرية والاستقلال، وإجماع المصريين على الإيمان بسعد ومذهبه، لا يحاربون ولا يجاهدون ولا يؤيدون رأياً من الآراء، ولا يسعون إلى تحقيق مذهب من المذاهب، وإنما هم يلتمسون العيش، ولا يلتمسون شيئاً أكثر من العيش.
    ما أجمل هذه الحرب الرائعة التي أظهرت أمس، كما أظهرت قبل أمس، وكما ستظهر في كل يوم، أن شعباً من الشعوب يستطيع أن يكون قوياً منيعاً، عزيزاً أبياً، وأن يقاوم أقوى أمم الأرض بغير سلاح إلا الإيمان بالحق والحرص عليه، وحب الزعيم والوفاء له، والالتفاف حول خلفائه. فليتعظ من شاء أن يتعظ، وليعتبر من شاء أن يعتبر، وليجحد من لا يستطيع أن يعيش إلا في ظلمة الجحود.

    طه حسين
    الوادي، ١٩٣٤/٨/٢٤.