Tag: British

  • انتصار

    انتصار
    ظفر به رئيس الوزراء أمس آخر النهار فابتهجت له مصر كلها سواد الليل. وقد أشرقت الشمس وما زالت شمس الابتهاج مشرقة على النفوس، متألقة في القلوب حتى اضطرب الناس بين شمسين: شمس النهار وشمس الانتصار. وكان رئيس الوزراء خليقًا بأن يسعد بهذا الفوز، وكانت مصر كلها خليقة أن تنعم به، وأن يستخفها الطرب له، فقد كانت الحرب عنيفة، وكان الجهاد شديدًا، وكان الخصوم أقوياء ألداء، وكان الخطر كل الخطر يطيف بالوزارة، والشر كل الشر يسعى إليها، والهول كل الهول يمد إلى مصر أيديًا طوالًا، دامية الأظفار. وكان كل شيء مظلمًا حتى خيل إلى الناس أن ليس لهذا الخطب آخر، ولا من هذه المحنة من مخرج.
    فلما أذن الله بالفوز، وصوت النواب بالثقة، يرسلها بعضهم إرسالًا، ويرتلها بعضهم ترتيلًا؛ زال الكرب، وانجلت الحرب، فإذا رئيس الوزراء قد اكتسح الميدان، ولم يترك فيه إلا صرعى ثمانية، كانوا هم كل الجيش المحارب، وكانوا هم كل العدو المغالب، وكانوا هم أصل الفتنة ومصدر المحنة، فأدال الله منهم وكفى الله المؤمنين القتال، وأصبح من الحق لرئيس الوزراء أن يسجل حسن بلائه وغناء زملائه. وانتصار وزارته في المعركة، كما كان يوليوس قيصر يسجل انتصاراته، ويصدر بها نشرات في روما، ما تزال تعتبر إلى الآن من آيات البيان.
    والغريب أن بين أنصار الوزارة وأوليائها من ينظرون إلى هذه الحرب نظرة الحسد، ويتحدثون عنها حديث المجد، ويسجلون الفوز، وينتظرون من ورائه الخير، ويقدرون أنه سيملأ خصوم الوزارة هولًا وروعًا، وسيرد إلى الإنجليز ثقتهم بها وحبهم لها واعتمادهم عليها، وهم يعلمون حق العلم أن لم تكن هناك حرب، وأن لم يكن هناك فوز، وإنما صال الصائلون، وجال الجائلون، وقال القائلون في حرب الأخيلة والظلال فانتصروا ولم ينهزم لهم أحد، وظفروا ولم تنصب لهم حرب، وأعلن إليهم رئيس خصومهم أنهم لا يريدون حربًا ولا كيدًا، ولا يطلبون منح الثقة ولا رفضها لأنهم مستسلمون قبل الحرب، منهزمون قبل القتال، مستيقنون أن الكثرة المطلقة في المجلس لن تجرؤ على مناهضة الوزارة أو الشك فيها، أو محاولة الكيد لها. وإنه إذا لم يكن بد من ثقة فحاجة المجلس إلى ثقة الوزارة به أشد من حاجة الوزارة إلى ثقة المجلس بها. وأنه تعود أن يرى الوزارات تجل المجالس النيابية، ولم يتعود أن يرى المجالس في مصر تسقط الوزارة، وأنه لهذا كله، ومعه أصحابه المخاصمون والمعارضون لا يريدون إلا أن يسجلوا آراءهم ليس غير. قال ذلك وألح فيه، وسمع له المجلس، وسمعت له الوزارة، وسجلته الصحف ونشرته الأهرام صباح اليوم. ومع هذا كله كثر كلام الخطباء في مجلس النواب، وألح رئيس الوزراء وتشدد في طلب الثقة وفي تشخيصها وإظهار حرصه الشديد على أن تكون ثقة لا تشبهها ثقة، ومع ذلك نشطت الأحزاب البرلمانية بياض النهار أمس، كأن الأمر جد، وكأن الوزارة تتعرض لخطر صحيح.
    وكانت خطب النواب ونشاط الأحزاب، وإلحاح رئيس الوزراء شيئًا قصد به فيما يظهر إلى التخييل إلى الناس أن الأمر جد حقًا، ولكن أصحابه غلوا فيه حتى خيلوا إلى أنفسهم أن الأمر جد حقًا. ونهض رئيس الوزراء بعد أن تمت له الثقة التي لم يكن يشك قبل الاستجواب وبعد الاستجواب في أنها مقسومة له، مقصورة عليه، نهض فسجل هذا الفوز الباهر، وأعلن أن الحكومة لن تستقيل كأنما عرض مجلس النواب الحكومة للاستقالة، أو لوح أحد من النواب بالاستقالة إلى رئيس الوزراء، مع أن الوزارة ستستقيل من غير شك، ستستقيل في وقت قريب لعله أقرب مما يقدر رئيس الوزراء، ولكن مصدر هذه الاستقالة لن يكون إحراجًا من مجلس النواب، ولا من مجلس الشيوخ.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، ولكنه دفع نفسه في طريق فيجب أن يبلغ أمدها، وينتهي إلى غايتها، ولا بد من أن يعرض الثقة ويلح في أن تكون عالية غالية، ولا بد من أن يفوز بهذه الثقة، ومن أن يسجل هذا الفوز، ولكن المسألة التي تستحق التفكير، لا منا نحن، بل من رئيس الوزراء نفسه، هي أثر هذا الفوز في موقفه السياسي من المصريين والإنجليز، فهل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يقتنع المصريون بثبات مركز الوزارة وأمنها من السقوط؟ كلا، إن المصريين لم يقدروا في يوم من الأيام أن تضعف ثقة البرلمان برئيس الوزراء، وهم يخرجون منح الثقة أو رفضها من حسابهم السياسي كله، لأنهم يعلمون حق العلم أن ثقة البرلمان برئيس الوزراء كانت وستظل إلى أن تستقيل الوزارة ثقة واسعة، لا حد لها كما قال بعض النواب أمس.
    هل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يعلم الإنجليز أن رئيس الوزراء مستمتع بثقة البرلمان فيصانعوه، ويحتفظوا له بسياسة التأييد؟ كلا فالإنجليز يعلمون من أمر الصلة بين رئيس الوزراء والبرلمان مثل ما يعلم المصريون. وهم كالمصريين يخرجون منح الثقة ورفضها من حسابهم السياسي، وإذن ففيم الحرب والقتال؟ وفيم الجدال والنضال؟ وفيم الخطب الطوال؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان فسيجيبونك بأجوبة لا تغير من الحقائق الواقعة شيئًا، وهذه الحقائق الواقعة هي أن لمصر حقًا تطلبه وتلح فيه، ولا تنتظر أن تظفر به على يد رئيس الوزراء، ولا على يد البرلمان، وأن للإنجليز أملًا يطلبونه ويحتالون فيه، وقد أصبحوا مقتنعين الآن بأنهم لن يظفروا بأملهم هذا من طريق رئيس الوزراء، ولا من طريق البرلمان، فلم يبق بد من أن يعود الأمر كما كان. مصر الصحيحة غير المريضة، مصر الصادقة غير الكاذبة، مصر التي تستطيع أن تتكلم عن نفسها فتصدق، وأن تعد فتفي. مصر هذه وجهًا لوجه مع الإنجليز فإما وفاق، وإما خلاف.
    فلينتصر إذن رئيس الوزراء ما وسعه الانتصار، ولتنهزم إذن معارضة البرلمان ما وسعتها الهزيمة، فإنما هذا كله أشبه بهذه الأمواج الصغار التي لا تكاد تحس، والتي يحدثها النسيم على وجه الماء حين يداعب صفحة الغدير. فأما الانتصار الذي يغير الأشياء حقًا، والهزيمة التي تغير الأشياء حقًا؛ فلا ينبغي أن يلتمس في هذه الصلات المسلية بين الوزارة والبرلمان، وإنما ينبغي أن يلتمس في ناحية أخرى من الحياة المصرية، ومن الصلة بين المصريين والإنجليز.
    كوكب الشرق ٠٣\٠٥\١٩٣٣

  • أنباء

    أنباء
    يجب أن يعترف خصوم رئيس الوزراء وأصدقاؤه بأنه رجل جلد، طويل الجلد، صبور طويل الصبر، لا يعنيه يأس ولا أمل، ولا يؤثر في نفسه قنوط ولا رجاء. وإنما همه الحكم، والحكم وحده؛ قد أراده فظفر به، حتى إذا استقر فيه أقسم ليتعلقنّ به ما قدرت يده على أن تمسك الأزمة، وتقبض على الأعنة. فمهما تنحت عليه الدواعي إلى الاستقالة فلن يسمع لها، ومهما تنح عليه البواعث على الاعتزال فلن يحتفل بها!
    وقد برّ بقسمه؛ فهو قائم في مكانه لا يبرح، يفسد كل شيء من حوله في مصر فلا يجفل، وينعكس عليه كل شيء في إنجلترا فلا يؤبه. وتأتيه النذر من كل مكان وكأن شيئًا لم يأته، وكأن نذيرًا لم يصل إليه! لم يكد يستقر في الحكم حتى حاول المفاوضات؛ قيل له حتى تمنحك الأمة ثقتها، وتنصبك معبرًا عنها، متحدثًا بلسانها.
    واجتهد في أن يظفر بهذه الثقة فلم يجد إليها سبيلًا! فكانت قصة الانتخاب، وما أدراك ما قصة الانتخاب. حتى إذا تهيأت الأسباب واجتمع الشيوخ والنواب، سعى الرجل إلى المفاوضة، فأخذ الإنجليز يرجئونه من شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، حتى إذا أسرف في الإلحاح وأغرق في الإلحاف، أرجأوه إلى أجل غير مسمى، وهم يعتذرون بكثرة العمل عندهم حينًا، وبسوء الحال عندنا حينًا آخر. وهم يبينون له في كل حال، وهو يفهم عنهم وكأنه لا يفهم، أن ليس إلى المفاوضة معه من سبيل؛ لأنه لا يمثل مصر، ولا يستطيع أن يتحدث عنها، ولا يستطيع أن يلتزمها إذا التزم، ولا يستطيع أن يأخذها بتنفيذ ما يقبل من معاهدة، وإبرام ما يمضي من اتفاق. ولكن رئيس الوزراء ذكي ماهر، يفهم وكأنه لم يفهم، ويسمع وكأنه لم يسمع!
    فالإنجليز يرفضون وهو يطلب ويستأنف الطلب، والإنجليز يأبون وهو يلح ويسرف في الإلحاح! وما يزالون في إبائهم، وما يزال في إلحاحه حتى تهِن قواه، وتنقطع به الأسباب. وإذا هو مريض لا يقدر على العمل، ولكنه على ذلك يقدر أن يطلب المفاوضات، ويجدّ في الطلب، ويصوغ اقتراحات يقدمها إلى المندوب السامي، ويسافر بها هذا المندوب إلى لندرة ليعرضها على رؤسائه في وزارة الخارجية.
    ويلح المقربون إلى رئيس الوزراء عليه في أن يؤثر نفسه بالصحة والعافية، ويدع الحكم لمن يستطيع النهوض به، ولكن بين رئيس الوزراء وبين لندرة أسبابًا من الأمل تحمله على ألا يسمع لنصح الناصحين، وعلى أن يبقى في الحكم لعل اقتراحاته أن تُقبل، ولعله أن يمضي معاهدة مع الإنجليز، ولعله أن يخرج من الحكم مخرجًا حسنًا، ولعله أن يسجل في كتاب استقالته أنه أتم مهمته، فأحدث للبلاد نظامًا جديدًا، وعقد للبلاد اتفاقًا مع الإنجليز.
    ولكن اقتراحاته تُرفض في لندرة، وتعلن وزارة الخارجية – كما يحدثنا مكاتب الأهرام صباح اليوم – أن نبأ المفاوضات مع صدقي باشا لا أصل له مطلقًا. ويفسر مكاتب الأهرام هذا الإعلان بأن وزارة الخارجية قد رفضت اقتراحات صدقي باشا في أدب وظرف، كما تعودت دائمًا!
    ومن الحق على وزارة الخارجية لصديقها المريض أن ترفق به وتعطف عليه، فلا ترده في عنف، وإنما تأتي ما يريد، وتعلن أن لم تكن بينها وبينه مفاوضات ما. ومهما يكن من شيء فقد فشل رئيس الوزراء فيما كان يريد من مفاوضة الإنجليز للمرة السابعة أو الثامنة، أو العاشرة إن شئت! ولم يبق له أمل ما في أن يعيد الكرة ويستأنف الطلب، ويأمل في المستقبل القريب أو البعيد؛ لأن كل شيء حال بينه وبين الأمل.
    فقد ضعف مركزه السياسي في مصر كما لم يضعف في هذه الأيام، وصحته – مع الأسف – لا تمكنه من أن يحاول تقوية مركزه واسترجاع قوته السياسية. ندّ عليه كل شيء، وأفلت من يده كل شيء، وأصبح بقاؤه في الحكم لغوًا من اللغو، وفنًا من فنون العبث. وأكبر الظن أنه إنما يبقى في الحكم حتى تتهيأ الأسباب للذين كانوا يؤيدونه أمس، لعلهم يجلون من يخلفه اليوم أو غدًا.
    ومهما يقل أصدقاء رئيس الوزراء، ومهما تقل أبواقه، فلن يستطيع أحد أن يخدع المصريين عن أن بقاء صدقي باشا في الحكم الآن إنما هو تعلّة ليس غير. وقد تبقى هذه التعلة أيامًا، وقد تطول أسابيع، وقد تزول فجأة؛ ولكن نزول رئيس الوزراء عن الحكم في وقت قريب أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه، لأنه النتيجة المحتومة الملائمة لطبيعة الأشياء في مصر وفي بلاد الإنجليز.
    كل شيء مضطرب حول رئيس الوزراء في مصر. الشعب منصرف عنه منذ نهض بالحكم، ولكن انصراف الشعب عنه قد اشتد حتى انتهى إلى أقصاه. وآية ذلك أن وزارته تفزع من كل شيء، وتعبئ الجيش والشرطة استعدادًا لأيسر الأشياء وأقلها خطرًا. والإنجليز قد نفضوا أيديهم منه، وأكدوا أنهم لن يفاوضوه، وأكدوا مرة أخرى أنهم سيعدّون للمفاوضة، ولكن مع الوزارة التي تمثل مصر، وتعبر عن إرادتها، وتتحدث بلسانها، وتعاهد فتنفذ مصر ما عاهدت عليه.
    وإذن فأمر الوزارة القائمة مفروغ منه، رغم ما ستقوله حاشية صدقي باشا غدًا وبعد غد، وإلى أن يتقدم رئيس الوزراء باستقالته إلى صاحب الجلالة الملك. وكل يوم من الأيام المقبلة خليق أن يُغلق فيه باب، ويُفتح فيه باب آخر، وأن تُطوى فيه صفحة، وتُنشر فيه صفحة أخرى. وسيودّع المصريون غدًا أو بعد غد وزارة أذاقتهم ألوان الألم وصروف المحن. وسيذكرون، وسينسون، ولكنهم على كل حال سيطوون صفحة أمس، وسينظرون في صفحة غد. سيودّعون عهدًا، ويستقبلون عهدًا آخر.
    وإذا كان التذكير ينفع، فإن التحذير ليس أقل منه نفعًا.
    وأكبر الظن أن هذا النبأ الذي أذاعته الأهرام صباح اليوم سيوقظ آمالًا نائمة، ويجدد نشاطًا قد فتر بعض الشيء. وستتهيأ الأحلام وتأخذ زينتها، وتتشكل بأشكال مختلفة أشد الاختلاف، لكنها مغرية أشد الإغراء على كل حال. وستلمّ هذه الأحلام ببعض البيوت، وستتراءى هذه الأحلام لبعض النفوس. وسيتهيأ قوم لوزارة وإن لم تسعَ إليهم بعد، وسيستعد قوم لحكم وإن لم يدعهم الحكم إليه بعد. وستكثر الأحاديث، وسيشتد الجدل.
    فمن الحق أن نذكر المصريين، ومن الحق أن نحذرهم، ومن الحق على المصريين أن يحذروا. فمهما يكن ضيقهم بالوزارة القائمة شديدًا، ومهما يكن احتمالهم للوزارة القائمة ثقيلًا، فإن من الحق عليهم لأنفسهم ألا يتعجلوا زوال الشر ليقعوا في شر آخر قد يكون أشد منه نكرًا وأقبح منه أثرًا. وخير لهم أن تطول المحنة على ما هي فيه من ضعف ووهن واضطراب، من أن يخيل إليهم أنها زالت فإذا هي تتجدد، وأنها انجلت فإذا هي تستأنف نشاطها قويًا عنيفًا.
    يجب أن يذكر المصريون ماذا ينكرون من وزارة صدقي باشا، ويجب أن يعرفوا ماذا يريدون حين يتمنون أن تستقيل هذه الوزارة. فهم ينكرون تغيير الوزارة القائمة للدستور، وهم يريدون أن يعود إليهم هذا الدستور. وهم ينكرون بطش الوزارة القائمة بالحرية، ولسنا نريد حرية الأفراد وحدها، وإنما نريد حرية الأمة كلها. نريد الحرية البرلمانية، نريد الحياة النيابية كلها. وهم يريدون أن تُرفع عن الحرية هذه الأغلال والقيود، وأن تعود حياتهم السياسية كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء فألف وزارته.
    يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا يخدعهم عنه الأمل في زوال المحنة، وألا تلهيهم عنه الأحاديث والأماني. هذه الأهرام قد عادت تذيع تفكير الإنجليز في الوزارة القومية، وأخذت تتحدث عنها، وتعلن أنها لا تريد منذ الآن أن تدعو إليها، لأنها – مع إيمانها بأنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الآن – تكره تزيينها والترغيب فيها بعد أن دعت إلى ذلك فساءت بها الظنون. وهذا نوع من الدعوة إلى الوزارة القومية فيه شيء من المهارة واللباقة، وفيه شيء من الاحتياط والاستحياء.
    ومن المحقق أن صحفًا أخرى ستذكر الوزارة القومية، وستدعو إليها، وستلح في ذكرها والدعوة إليها. ومن المحقق أن أحدًا لن يرفض هذه الوزارة القومية، ولكن بشرط أن تكون نتيجة لإرادة الأمة حرة طليقة، لا شرطًا يمليه الإنجليز لتغيير الموقف السياسي الذي نحن فيه.
    لن يرفض أحد فكرة الوزارة القومية إذا استُفتيت فيها الأمة فأفتت بها، وإذا دُعيت إليها الأمة فأجابت إليها. فأما أن تُملَى هذه الوزارة القومية على الأمة إملاءً من ناحية من النواحي، أو نادٍ من الأندية، أو من حزب من الأحزاب، فلن يبتسم لها أحد، ولن يستجيب لها أحد، ولن يقبل عليها إلا الذين يفكرون فيها ويدعون إليها.
    يجب أن يذكر المصريون أنهم ليسوا هم الذين أنشأوا هذه الأزمة السياسية القائمة، وإنما أنشأها غيرهم، فيجب على من أنشأها أن يحلها. وليس لها حل إلا أن تُرد الأمور إلى ما كانت عليه يوم نهض صدقي باشا بأعباء الحكم. هنالك، وهنالك فحسب، يمكن أن تُستشار مصر في الوزارة القومية، وأن يجري الأمر في هذه الوزارة القومية على حكم الدستور، لا على شيء آخر.
    نظن أنه ليس في هذا الكلام لبس ولا غموض، ونعتقد اعتقادًا لا سبيل إلى الشك فيه أنه يصور تصويرًا صادقًا رأي كثرة المصريين الذين سيرد إليهم الأمر كله اليوم أو غدًا.
    كوكب الشرق ٢٥ – ٤ – ١٩٣٣

  • ائتلاف

    ائتلاف
    لم أصدق في يوم من الأيام أن لرئيس الوزراء حزبًا سياسيًا يمكن أن يُسمَّى بهذا الاسم ، ولم أحسب في يوم من الأيام حسابًا لما يسمونه حزب الاتحاد ، ولم أعتقد في يوم من الأيام أن هذه الجماعات التي تُظهر الوزارة القائمة أنها تعتمد عليها وتعتز بها ، جماعات منظمة حقًا ، تقوم نظمها على أصل من أصول السياسة التي تسير الأمم والشعوب في طريق من طرق الرقي المعتدل أو المتطرف . إنما هي جماعات تتألف من أفراد لهم مآرب ومنافع ، يتحقق بعضها من تولي مناصب الحكم ، ويتحقق بعضها الآخر من الاتصال بالذين يتولون مناصب الحكم . فكل امرئ سمحت له الظروف أن يشرف على تدبير الأمور في مصر ، ووجد من الإنجليز رضا وتأييدًا ، أو إهمالًا وإغضاء ، فهو قادر على أن يؤلف هذه الجماعات ، وهو قادر على أن يفرقها ، وهو قادر على أن يعزها ويوليها النعمة والعطف ، ثم يظهر بعد ذلك أنه يعتز بها ويعتمد عليها . وهو حين يظهر ذلك يعلم حق العلم أنه لا يخدع أحدًا ، ولا يخيل إلى أحد صحة ما يظهر أو صدق ما يقول .
    ولو أن رئيس الوزراء بدا له فرأى أن يتخذ أنصارًا وأعوانًا آخرين مكان من يسميهم اليوم أنصاره وأعوانه ، لما استطاع حزب الشعب أن يتنكر له ، ولما استطاع حزب الاتحاد أن يبدي له صفحًا أو يظهر عليه سخطًا . وآية ذلك أنه غضب على ثلاثة من أعوانه وزملائه السابقين؛ أحدهم كان وكيلًا لحزب الاتحاد ، وكان روحه وقلبه وعقله ، والآخران كانا — فيما يقول الناس — زعيمين عظيمين من زعماء حزب الشعب . غضب عليهم رئيس الوزراء فأخرجهم من وزارته ، ولم تنتطح في إخراجهم من هذه الوزارة عنزان ، كما يقول المثل القديم .
    فأما حزب الاتحاد فأذعن ورضي ، ولم يكتف بالإذعان والرضا ، بل خذل وكيله ، ولفظ روحه ، وجاد بنفسه ، وقبل استقالة ماهر باشا من وكالة الحزب . وأما حزب الشعب فلم يتردد في الإذعان والرضا ، وإنما قدم الطاعة صاغرًا ، وخذل دوس باشا ، وقبل استقالة عبد الفتاح يحيى باشا .
    وأستطيع أن أؤكد لك أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق معالي حلمي عيسى باشا بزميله علي ماهر باشا ، وهو إن فعل لم يلق من حزب الاتحاد امتناعًا ولا إباء ، لأن حزب الاتحاد في نفسه لا يقدر على امتناع ولا إباء . وأستطيع أن أؤكد لك أيضًا أن رئيس الوزراء قادر على أن يُلحق سعادة علام باشا وصاحب العزة علي المنزلاوي بك بزميليهما السابقين توفيق دوس باشا وعبد الفتاح يحيى باشا ، دون أن يلقى من حزب الشعب إلا طاعة وإذعانًا ، وإلا شكرًا له وثناء عليه ، وابتهالًا إلى اللّٰه عز وجل أن يمد في عمره ، ويسبغ عليه ثوب الصحة والعافية ضافيًا فضفاضًا ، لأن حزب الشعب إنما وُجد برئيس الوزراء ، ولم يوجد رئيس الوزراء بحزب الشعب .
    فلا تقل إذن إن في مصر الآن وزارة ائتلافية ، لأن مثل هذه الوزارة لا تقوم إلا إذا وجد حزبان أو أحزاب تستطيع أن تأتلف وتستطيع أن تختلف ، وتستطيع أن تسير سياسة الدولة ، وتستطيع أن تُنزل رئيس الوزراء على حكمها ، لا أن تنزل هي على حكم رئيس الوزراء . إنما في مصر وزارة صدقي باشا ، فهو الذي يجمع أصحابه ويفرقهم ، وهو الذي يرفع أصحابه إلى مناصب الحكم ، ثم يهبط بهم إلى منازل غيرهم من الناس ، وهو الذي يُحدث بين أصحابه الائتلاف ، ويصطنع متى أراد أن يُحدث بينهم الاختلاف .
    فإذا كان صدقي باشا يستطيع أن يأتلف مع نفسه ويختلف ، فأنت تستطيع أن تقول إن وزارته ائتلافية ! إنما رئيس الوزراء صاحب شطرنج ، يقدم إلى رقعته ويؤخر كما يريد له فنه ومهارته في هذا الفن . ومتى رأيت قطعة أو قطعًا من أحجار الشطرنج تشير على اللاعب أو تتحدث إليه ، أو تخالفه وتنازعه فيما يخضعها له من تقديم وتأخير ؟
    ولا تقل إن رئيس الوزراء مسؤول عن سياسة الدولة ، فله إذن أن يختار أعوانه ، وأن يتخفف منهم إذا ثقلوا عليه ، لأن احتمال التبعات يقتضي مثل هذا الحظ من الحرية في التغيير والتبديل ، وفي التقطيع والتوصيل . فإن رؤساء الوزارات لا ينهضون بالحكم ويحتملون التبعات نيابة عن أحزابهم ، فسياستهم رهينة برضا الأحزاب ، بحيث تستطيع هذه الأحزاب أن تأمرهم ، فإذا هم يتخلون عن مناصب الحكم في غير تردد ولا امتناع .
    أفتستطيع أنت أن تتصور أن حزب الشعب يجتمع يومًا من الأيام فيعلن خطه على سياسة رئيسه ، أو يفعل ما هو دون هذا فيطلب إلى أحد وزرائه أن يدع منصبه ؟ أفتستطيع أن تتصور أن حزب الاتحاد يستطيع أن يجتمع يومًا فيطلب إلى من يمثله في الوزارة أن يدع الوزارة ؟ إذن لحُلَّ حزب الشعب وحزب الاتحاد ، أو لرفض الوزراء الذين تأمرهم أحزابهم بالاستقالة أن يستقيلوا ، ولغدوا إلى دواوينهم كل صباح ، وراحوا إلى بيوتهم كل مساء ، ولأضطر أعضاء الأحزاب أن يغدوا عليهم في الدواوين ، ويروحوا إليهم في البيوت معتذرين مستعطفين ، واعدين بأنهم لن يعودوا إلى مثل هذه الثورة الجريئة !
    وعلى غير هذا النحو لا يستطيع إنسان له حظ من فهم أو تفكير أن يفسر هذا النشاط الخصب الغريب الذي يصطنعه رئيس وزرائنا في العزل والنقل ، وفي الإقالة وطلب الاستقالة ، حتى أصبحت وزارته الآن أبعد ما تكون عن وزارته يوم ألَّفها منذ أكثر من عامين .
    ليس من الحق إذن أن الوزارة القائمة تمثل أحزابًا أو هيئات منظمة ، إنما الحق أن هذه الوزارة تمثل فردًا بعينه ، قد اجتمعت فيه هذه الهيئات التي يقال إن الوزارة تتألف منها ، وهو رئيس الوزراء .
    ومع أن الذين يحكموننا في هذه الأيام إنما يصدرون في أكثر أعمالهم وأقوالهم عن فكرة واحدة ، هي أن الشعب قاصر ضعيف فيجب أن يكون أمره إلى الأوصياء لا إليه ، فقد فهم هذا الشعب القاصر منذ اليوم الأول حقيقة الصلة بين رئيس الوزراء وزملائه ، وبين رئيس الوزراء وهذه الهيئات التي زعم أنه يعتمد عليها ويعتز بها . فلم يصدق أنه يعتمد على حزب أو يعتز بجماعة مصرية منظمة ، وإنما استيقنوا أنه يعتز بهذه القوة أو بهذه القوى الخفية المسيطرة التي تحدثت عنها الأهرام منذ يومين . ولم ينتظر أن يكون ما قد يصيب الوزارة من خير أو شر أثرًا لرضا هذه الأحزاب أو سخطها ، وإنما انتظر أن تتأثر الوزارة بهذه القوة أو القوى التي أنشأتها وأيدتها ، وما زالت تؤيدها وتسيرها أيضًا .
    وهذا وحده هو السبب في أن الذين يحبون الوزارة والذين يكرهونها لا ينتظرون لها البقاء ولا الانجلاء من رضا البرلمان عنها أو سخطه عليها ، وإن كان الدستور يجعل إلى البرلمان إبقاء الوزارة وإسقاطها ، إنما ينتظرون هذا أو ذاك من هذه القوة الخفية المسيطرة المدبرة التي تظهر في القاهرة حينًا ، وفي لندن أحيانًا .
    والناس معذورون إذا فكروا في الإنجليز وانتظروا الخير أو الشر للوزارة من الإنجليز ، لأنهم لم يروا قط من البرلمان خلافًا على الوزارة ، أو مخاصمة لها ، أو ترددًا في تأييدها . ونادر جدًا أن تجري الأمور بين الوزارة والبرلمان على هذا الوفاق الغريب ، رغم العواصف العنيفة التي تعصف البلاد في هذه الأيام . وهذا أيضًا هو الذي أتعب الناس في فهم ما يسمونه الجو السياسي ، وفي التماس الرياح التي يمكن أن تهب فيه فتعصف بالوزارة أو تدفعها ذات اليمين أو ذات الشمال .
    فلو كان الأمر عندنا كما هو في البلاد الدستورية الأخرى ، لما حفل أحد بسفر المندوب السامي أو إقامته ، ولا باجتماع اللجنة المصرية الإنجليزية أو افتراقها ، ولا بصمت الصحف الإنجليزية أو إكثارها في القول ، ولتجه الناس إلى البرلمان يلتمسون منه وحده فهم السياسة المصرية ، ويتعرفون فيه وحده جو السياسة المصرية .
    على رئيس الوزراء وحده تقع هذه النتيجة المنكرة ، تبعة اتجاه المصريين إلى الإنجليز ينتظرون منهم الخير والشر . فلو قد سار في وزارته هذه السيرة الطبيعية التي تلائم الحياة الدستورية الصحيحة ، لنظر المصريون إلى أنفسهم أكثر مما ينظرون إلى الإنجليز ، ولأنتظر المصريون من أنفسهم أكثر مما ينتظرون من الإنجليز .
    ماذا أقول ؟ لو سار رئيس الوزراء هذه السيرة المألوفة في البلاد الدستورية لما أقام في الحكم شهرًا .
    كوكب الشرق ١٩\٠٣\١٩٣٣

  • عناد

    عناد
    زعم المصريون أن المستشار المالي نصح للحكومة المصرية ألا تتعجل إنشاء خزان جبل الأولياء، ثم أكد المصريون هذا الزعم وجعلوه يقينًا، ثم نشرته الصحف! وطلبت وطلبنا معها إلى الحكومة أن تبين للناس وجه الحق فيه. وقد أخذ الإنجليز يزعمون وينشرون كما كان المصريون يزعمون وينشرون أن المستشار المالي لا ينصح بالمضي في هذا المشروع الآن. وكل شيء يدل على أن الإنجليز سيستيقنون بعد ما زعموا كما زعم المصريون ثم استيقنوا. وإذن فمن المحقق — إلى أن تقول الحكومة المصرية غير هذا — أن الرجل الذي تصر الحكومة الإنجليزية على بقائه في منصبه بمصر رقيبًا على تصرفات مصر المالية، لا يريد أن يحتمل تبعة الصمت على هذا التصرف الغريب في هذه الأزمة المنكرة. ومعنى هذا كما قلنا من قبل أن المستشار الإنجليزي لا يتردد في أن يقهر عواطفه الإنجليزية، ويعرض عن المنافع الإنجليزية، ويعلن إلى الحكومة رأيًا مكتوبًا، وهو الأصح بتأجيل المشروع الآن.

    كل هذا حق إلى أن تنفيه الحكومة نفيًا صريحًا واضحًا، لا يحيط به من الغموض والإبهام مثل ما أحاط بموقف وزير الأشغال من هذا المشروع. وإذن فقد تمضي الحكومة في إنشاء الخزان دون أن يحتمل الإنجليز في ذلك تبعة ما، بعد أن نصح مثلهم الرقيب على تصرفاتنا المالية بالتريث والأناة نصحًا لا لبس فيه ولا غموض. فإذا كانت هناك تبعة فمصر الرسمية وحدها هي التي تحتمل هذه التبعة، لأن الشعب قد كره المشروع وأعلن كرهه وألح في العدول عنه أو في تأجيله، ولأن الإنجليز — على حبهم للمشروع وكلفهم به وانتظارهم المنافع المختلفة من ورائه — قد نصحوا على لسان المستشار المالي بتأجيله والتريث فيه.

    وليس يعنينا كما قلنا من قبل أن تكون نية الإنجليز صادقة أو غير صادقة حين قدموا هذا النصح، ولا أن يكون هذا النصح ملائمًا أو غير ملائم لأمانيهم ودخائل نفوسهم. وإنما الظاهر من أمرهم الرسمي وحده هو الذي يعنينا. وإذا كان الشعب المصري الذي سينفق على هذا المشروع، والذي سيحتمل آثاره الضارة أو سينعم بآثاره النافعة، يكرهه ويلح في العدول عنه، وإذا كان الإنجليز أنفسهم ينصحون بتأجيله واصطناع الأناة في تنفيذه، فمن الحق على كل عاقل أن يسأل: وإذن فما مضي الحكومة في هذا المشروع؟ ولمن تريد الحكومة أن تقيم الخزان وقد كرهه المصريون وأظهر الإنجليز الزهد فيه؟

    من الحق على كل عاقل أن يسأل هذا السؤال، ومن الحق على الحكومة أن تجيب على هذا السؤال، وأن تجيب عليه في صراحة ووضوح. ونظن أن الحكومة توافقنا على أن ذلك العصر الذي كانت تُكره فيه الشعوب على ما لا تريد إكراهًا، والذي كان سادتها وقادتها يعلنون فيه أنهم ينفعونها رغم أنوفها، ويحققون لها الخير على كره منها، قد انقضى وعفت آثاره. وأصبحت الشعوب الآن تقدر حقها في أن تريد أو لا تريد، وفي أن تنتفع أو لا تنتفع. وقد عصفت الحياة الحديثة بعصمة السادة والقادة، ونزعتهم عن الخطأ، فأصبحوا رجالًا كغيرهم من الناس، لا تكسوهم المناصب سيادة على الأمم، ولا تمكن لهم في الأرض، ولا تتيح لهم أن يكرهوا الشعوب على ما لا تريد. أصبحوا قومًا تأجرهم الشعوب ليحققوا لها آمالها ومنافعها العامة كما تريد هي، لا كما يريدون هم. فإن اتفقت آراؤهم مع آراء الشعوب فذاك، وإلا وجب عليهم الإذعان لرأي الشعوب والتخلي عن مناصبهم.

    انتقلت السيادة من الحكام إلى المحكومين في هذه الأيام، وأصبح المحكومون هم السادة، وأصبح الحاكمون عمالًا يعملون بأمرهم وينفذون قضاءهم. وأنا أعلم أن هذا كلام قد تبتسم له الحكومة في ضرب من الاستهزاء والسخرية، لأنها لا ترضاه ولا تؤمن به، ولكني أعلم أيضًا أن هذا الكلام هو وحده الذي يرضاه الشعب ويؤمن به، ويطمئن إليه، ويراه مرآة صادقة لما يملأ نفسه من الشعور بسيادته وحقه الخالص في الإشراف على الأمور العامة.

    الشعب إذن لا يريد هذا الخزان الآن، والإنجليز لا يلحون فيه ولا يصرون عليه، فلمن تقيمه الحكومة؟

    ولندع النظريات، فلو قد مالت الحكومة إلى تصور الصلة بينها وبين الشعب على هذا النحو الذي وصفناه، والذي يقوم على سيادة الشعب وحده، لأراحت نفسها من اللوم المتصل، ولأراحتنا نحن من عهدها هذا الطويل السعيد، ولتخلت عن الحكم ومناصبه منذ عهد بعيد.

    لندع إذن هذه النظريات، ولنسأل الحكومة عن الفائدة العملية التي تنتظرها هي لنفسها من إقامة هذا الخزان بعد أن ظهر في وضوح وجلاء أن الأمة لا تنتظر الآن منه خيرًا. إنما تقدم الحكومة على الأعمال الخطيرة لأمرين: إما لتحقيق منفعة شعبية عامة، وإما لتحقيق منفعة سياسية خاصة. فما هذه المنفعة السياسية الخاصة التي تريد الحكومة تحقيقها بإقامة هذا الخزان؟

    كأن الناس يقولون إن الحكومة تتقرب بهذا الخزان إلى الإنجليز لتستطيع الوزارة أن تبقى في مناصبها، ولكن الإنجليز لا يلحون الآن في هذا الخزان، فهل ترى الحكومة أن من الكرامة أن تسرف في الإلحاح إلى حيث تضع نفسها موضع الذي يريد أن يكره الإنجليز على تحقيق منافعهم، ويأخذهم بقضاء مآربهم السياسية رغم أنوفهم؟ وهل من المصلحة السياسية الخاصة للحكومة عند المصريين وعند الإنجليز أنفسهم أن يقال عنها إنها تحرص على المنافع البريطانية أكثر مما تحرص عليها بريطانيا العظمى نفسها؟

    لست أدري أتجد الحكومة أم تهزل؟ فليس في إصرارها على إقامة الخزان رغم المصريين ورغم النصيحة الإنجليزية الرسمية شيء من الجد، وليس هذا الموضوع مما يصلح للهزل، فيا له من هزل هذا الذي يعرض مالية الدولة للاضطراب.

    ولوزير الأشغال كلمة لا تخلو من ظرف، ولكنها لا تخلو من عبرة وعظة. قال لبعض الصحافيين الذين تحدث إليهم منذ أيام: «هاتوا لنا مياهًا بمقدار أربعة أمثال ما عندنا الآن، ونحن نعرف كيف نوزعها».

    ومن المؤكد أن وزير الأشغال لن يضيق بأضعاف ما عندنا من الماء، وأي شيء أيسر من التوزيع والتبديد؟ والحكومة تقيم في كل يوم أدلة واضحة قاطعة على أن التوزيع نفسه ليس معجزًا ولا شاقًا، وإنما المعجز الشاق هو التوزيع المنتج الذي يفيد. إن الحكومة توزع أموال الدولة حتى تحتاج إلى أن تستدين، وهي قادرة على أن تفرغ ما تستدين حتى تضطر إلى أن تستدين مرة أخرى. ويستطيع وزير المالية بالأصالة، أو وزير المالية بالنيابة، أن يقول: هاتوا لنا أضعاف ما عندنا من المال ونحن نعرف كيف ننفقه. ليس شيء أيسر من الإنفاق، ولكن المسألة هي أن نعرف: أنافع هذا الإنفاق أم ضار؟ أمفيد هو أو غير مفيد؟

    تستطيع المياه أن تكثر، فقد يمهد لها الطريق إلى البحر، وقد يمهد لها الطريق إلى الصحراء، وقد تترك لها الحرية فتطغى وتملك كل شيء. ولكن المسألة التي لم يقل فيها وزير الأشغال شيئًا هي قدرته أو عجزه عن توزيع هذه المياه بحيث تبعث في أرض مصر الخصب والثروة.

    والظاهر — كما يقال — أن وزير الأشغال كان يؤمن في وقت من الأوقات أن هذا التوزيع المنتج المفيد ليس بالشيء اليسير الآن على أقل تقدير. ما أجدر وزير الأشغال، وقد جعلت الظروف إليه أمر وزارة المالية في هذه الأيام، أن يفكر في إنفاق المال إذا كان يسيرًا، فقد يكون جمعه من العسر والمشقة أحيانًا ما يضطر الحكومات والأمم إلى الإفلاس. وما أجدره، وقد جعلت إليه الظروف شؤون المالية، ألا يمهد بيده سبيل مصر إلى هذا الشر الذي يشفق منه المستشار المالي الإنجليزي، فينصح الحكومة بالانتظار.

    كوكب الشرق ١٣-٣-١٩٣٣

  • سياسة

    حديث اليوم — سياسة

    في سنة من السنين اشتد الضغط على وزارة المعارف من ناحية إنجليزية معروفة؛ لأن كلية الآداب في الجامعة كانت تدعو أساتذتها من فرنسا وبلجيكا، وكره الإنجليز هذا، وأرادوا أن يكون لهم نصيب ظاهر من التعليم في كلية الآداب، كما أن لهم نصيبًا ظاهرًا يمكن أن يكون استئثارًا بالتعليم في كليتي الطب والعلوم. وأحست الجامعة هذا الضغط، ولم تكن تعمدت إبعاد الإنجليز عن كلية الآداب، ولكنها كانت قد دعتهم إليها فلم يستجيبوا لها، فلجأت إلى بلاد القارة الأوروبية، فاستجابت لها هذه البلاد.

    أحست الجامعة إذن هذا الضغط، فأعادت دعوة الإنجليز إلى كلية الآداب، فلم يستجب لها أحد من الأكفاء، وإنما أقبل عليها جماعة من هؤلاء الغربان الذين ينقضون على المستعمرات الإنجليزية في الشرق ليأخذوا منها ما يهيئه لهم الاستعمار، وكان للجامعة في ذلك الوقت شيء من الاستقلال، فردت هؤلاء الغربان ردًّا جميلًا.

    وأظنني لا أفشي سرًّا إن قلت إن وزيرًا من وزراء المعارف جدّ في هذه المسألة وأمر، فاتصلت وزارة المعارف بمكتب الجامعات الإمبراطورية في لندرة، وتم الاتفاق بينها وبين هذا المكتب على أن يرشح المكتب للجامعة من تحتاج إليهم من الأساتذة، بشرط أن تمنحهم الجامعة فوق مرتبهم العادي، وهو أقصى الدرجة الثانية القديمة (١٤٠ جنيهًا)، مبلغًا من المال يعادل ما يخصم من هؤلاء الأساتذة في بلادهم لحساب المعاش.

    وجاء وكيل الوزارة إلى مجلس الجامعة، فأبلغه هذا الثعبان، كما يقول الفرنسيون. ومن ذلك اليوم أخذت الجامعة تدعو إلى كلية الآداب أساتذة من إنجلترا، فيرشح لها مكتب الجامعات الإمبراطورية من يرى ترشيحهم، ولم تكن التجربة حسنة؛ فقد رشح لها أول الأمر ثلاثة، منهم اثنان لم يشتغلا بالتعليم في الجامعات، وثالث كان أستاذًا مساعدًا في جامعة من الجامعات الإنجليزية. فلما جاء هؤلاء الثلاثة لم يستقم الأمر لاثنين منهم، فاستقال أحدهما من تلقاء نفسه، وأُلقي في روع الآخر أن يستقيل.

    ثم احتاجت الكلية إلى أستاذ لتاريخ القرون الوسطى، فطلبناه إلى إنجلترا، فلم ترشح لنا إلا جماعة من الشبان العاديين، فوسطنا وزيرنا المفوض، فلم يوفق إلى غير هؤلاء الشبان. هنالك بحثنا عن أستاذ في النمسا وألمانيا، فوفقنا إلى أستاذ جليل من أساتذة الجامعات الألمانية، وأستطيع أن أقول الآن إننا وفقنا إلى تعيينه توفيقًا غريبًا؛ لأن كل شيء كان يحول دون هذا التعيين، ولكنه عُيِّن. وأشهد أن الحكومة ووزير المعارف لقيا شيئًا غير قليل من العنت والمرارة بعد هذا التعيين.

    وفي كلية الآداب الآن كرسي استقال عنه صاحبه الإنجليزي، واجتهدنا في أن نجد له إنجليزيًّا فلم نوفق، وكنت أريد أن أسلك في أمره السبيل التي سلكتها في أمر تاريخ القرون الوسطى، ولكن حدثت شؤون؛ ومن المحقق أن هذا الكرسي سيظل خاليًا حتى تستريح الحكومة القائمة من أثقال الحكم.

    خطر لي هذا كله حين قرأت ما نشرته جريدة التيمس من أمر المعلمين الإنجليز الذين يشكون قلة مرتباتهم، وحين قرأت هذا الاقتراح الذي تقترحه التيمس والذي يشبه من كل وجه ما تم الاتفاق عليه مع الجامعة.

    ولست أشك في أن السياسة التي دفعت وزارة المعارف أو وكيلها، إن شئت الدقة في التعبير، إلى عقد هذا الاتفاق بين الجامعة ومكتب الجامعات الإمبراطورية، هي بعينها التي ألهمت مكتب التيمس رسالته التي نشرت منذ يومين. هي إذن سياسة قيدت الجامعة ويراد أن تقيد وزارة المعارف، وفي نظم الجامعة ما يسمح لها بشيء من الاحتياط والمقاومة إن أرادت أن تقاوم وتحتاط. ولكن وزارة المعارف كما هي الآن لا تستطيع، أو قل لا تريد، أن تقاوم ولا أن تحتاط.

    وأخرى لابد من الوقوف عندها. وهي أني دعوت منذ أعوام في بيئات وزارة المعارف إلى أن يكون المعلمون للغات الأجنبية في المدارس المصرية من المصريين. وكانت حجتي أن بلاد الله كلها تكل إلى أبنائها تعليم اللغات الأجنبية فيها، وأن أصول التربية نفسها تقتضي أن تكون الصلة بين المعلم والتلميذ صلة قوامها الحب من ناحية والفهم من ناحية أخرى. وتلاميذنا لا يستطيعون أن يحبوا معلميهم من الأجانب حقًّا؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفهموهم؛ وكيف تريد الصبي المصري على أن يفهم معلمه الفرنسي أو الإنجليزي ويحبه وليس بينه وبين معلمه هذه صلة الجنس ولا صلة اللغة؟ وكانت خطتي للوصول إلى هذه الغاية أن تعنى الجامعة باللغات الأجنبية عناية خاصة، ثم ترسل المتفوقين في هذه اللغات إلى أوروبا بعد أن يتموا دراستهم هنا، ليقيموا فيها حينًا يتزيدون فيه من الدرس والمران والتحصيل. ولكن هذا الكلام كله كان يلقى في وزارة المعارف مقاومة عنيفة جدًّا؛ لأنه غير مفهوم، فهو فيما يظهر واضح جلي. ولكن لأن قبوله يغضب بعض النواحي التي لا ينبغي أن تغضب حين تنهض بعض الحكومات بالأمر في هذا البلد المستقل.

    وقد قام الدليل على هذا في السنة الماضية، فقد استطعت إقناع وزير المعارف السابق بتقوية قسم اللغات الأجنبية في الجامعة، واتخذنا لهذه التقوية كل عدة، وقبل رئيس الوزراء غايتنا ووسائلنا، وأذن بأن يرصد في الميزانية ما تحتاج إليه هذه الخطة الجديدة، وسجل بخطه شكره لوزير المعارف على هذا النحو من التفكير والتدبير. وأقر مجلس الجامعة خطتنا، وأيدها أحمد عبد الوهاب باشا كل التأييد، وسافرت إلى أوروبا مطمئنًّا، ولكني عدت فإذا كل شيء قد تغير؛ لأن وزير المعارف السابق نقل إلى بروكسل، ولأن وكيل المعارف أقنع رئيس الوزراء بأن هذا التدبير شر لا خير فيه، فاقتنع. وقد بذل عبد الوهاب باشا جهدًا عنيفًا ليغير رأي رئيس الوزراء فلم يفلح؛ وقيل لي بعد هذا إن بعض النواحي سخطت على هذا التدبير لأمرين: أحدهما أنه يضع المصريين موضع الإنجليز في المدارس المصرية. والثاني أنه يقوي دراسة اللغة الفرنسية في الجامعة. وتقوية اللغة الفرنسية في الجامعة أمر غير مرغوب فيه.

    هي إذن سياسة معينة تريد أن تقصر تعليم الإنجليزية على الإنجليز، وأن ترفع مرتبات هؤلاء الإنجليز وتضمن لهم معاشاتهم في مصر أو في إنجلترا.

    ولست أرتاب في أن هذه السياسة ستنتهي إلى غايتها إن مد الله للحكومة القائمة أسباب الحياة، فإن مما يدعو إلى الريب الشديد أن تلاحظ وزارة المعارف الآن، والآن فحسب، رداءة تعليم اللغة الإنجليزية في المدارس المصرية. وهذه الرداءة معروفة منذ زمن طويل؛ نددت بها الجامعة في تقارير خاصة سرية وأخرى عامة علنية. فما تنبه الوزارة الآن ووكيلها بنوع خاص لهذا الموضوع؟ وما هذه المذكرة التي يكتبها وكيل الوزارة ثم يذيعها في الصحف، ثم يلقى رئيس الوزراء ويتحدث إليه في رداءة تعليم اللغة الإنجليزية، ثم يسافر إلى لندرة، ثم تنشر التيمس ما نشرت منذ يومين؟ أهي وسيلة جديدة لطرق باب المفاوضات؟ أهي لون جديد من ألوان التقرب إلى الإنجليز في هذه الأيام التي تصد فيها لندرة بخد، وتجلو عن خد، كما يقول بشار؟ وهل تستطيع هذه السياسة أن تحمل لندرة على أن تنثني كالنفس المرتد، كما يقول بشار أيضًا؟ كل شيء ممكن. ولكني أعتقد أن هذه السياسة التي كانت تسلكها وزارة المعارف على استحياء، ثم أخذت تجاهر بها في هذه الأيام، أضعف جدًا من أن تفتح باب المفاوضات؛ لأنه فيما يظهر محكم الإغلاق.

    طه حسين
    السياسة، ٢٠ يولية ١٩٣٢.