فتنة
لم يكن من الخير أن تثار، ولم يثرها أحد من المصريين، وإنما أثارها قوم من هؤلاء الذين تغريهم المنفعة بالشر، ويفسد عليهم التعصب كل شيء، فلا يتحرجون من اقتراف الجرائم، ولا يترددون في اجتراح الآثام ما داموا يجدون في ذلك تحقيقًا لمنفعة أو إرضاء لحاجة، أو شفاء لغل. هؤلاء الذين أقبلوا إلى هذه البلاد ضيوفًا فلم يرعوا لها حرمة، ولم يحفظوا لها عهدًا، وإنما اعتدوا على أهلها جميعًا سواء منهم المسلمون وغير المسلمين، يفتنونهم في دينهم ويصرفونهم عنه بألوان الغواية وضروب الإكراه.
هؤلاء هم الذين أثاروا الفتنة، وقد أثاروها مرة ومرة. وقد ثبت المصريون لهم وصبروا عليهم، وطلبوا إلى حكومتهم أن تقر الأمر في نصابه وأن ترد هؤلاء الناس إلى حيث يجب أن يكونوا من رعاية القانون والخضوع للنظام. وكانت الصحف المصرية وما زالت لا تعرض لهذا الموضوع إلا محتاطة، ولا تتكلم فيه إلا متحفظة لأنها كانت وما زالت تقدر أن إثارة العواطف الدينية خطر يجب الاحتياط فيه والتحفظ منه، ولكن هؤلاء الناس مضوا فيما قصدوا إليه، وألحوا فيما عمدوا إليه من فساد، وقصرت الحكومة أو عجزت عن النهوض بواجبها فلم تحم دين المصريين ولا كرامتهم ولا عزتهم القومية حتى انتهى الشر إلى غايته وبلغ عدوان هؤلاء الناس أقصاه، فإذا الصبيان ينصرون جهرة، ويصرفون عن دينهم في وضح النهار، وإذا أحكام القضاء تعطل وتعجز الحكومة عن إنفاذها، وإذا أوامر الحكومة تهمل وتعجز الحكومة عن أخذ هؤلاء الناس باحترامها، وإذا ضروب الكيد للمصريين تكثر وتنتشر حتى تتناول كل شيء، فالفتيات يسلط عليهن الحب حتى إذا تورطن فيه دفعهن إلى الردة، وجعل لغير المسلمين سلطانًا عليهن. فلما انتهى الأمر إلى هذا النكر وضج الناس من شره، همت الحكومة بشيء من الحزم ولكنها لم تبلغ به شيئًا، فهذه مبشرة أخرى في بورسعيد سافرت ولكنها توشك أن تعود، وهذه مبشرة أخرى في بورسعيد تتحدى الحكومة فتأبى أن تسلم لها الفتيات المسلمات. وهذا حكم من أحكام القضاء بالفرقة بين مسلمة ومسيحي لا تجد الحكومة إلى إنفاذه سبيلًا. وأخبار هذا كله تنشر في الصحف مفصلة مطولة، والناس يستكشفون في كل يوم شرًّا، ويفضحون في كل يوم سرًّا، والرسائل تبلغ الصحف كثيرة متصلة ملحة مستنهضة للهمم، مستثيرة للعواطف، مستقلة ما تبذله الصحف من جهد، منكرة صمت الصحف الصامتة وفتور الصحف الفاترة. ونحن نلقى هذا كله صابرين متحفظين، مبالغين في الصبر والتحفظ، لأننا ما نزال نعتقد أن هذا الأمر فتنة لم يكن ينبغي أن تثار، وأن هذه الفتنة بعد أن أثيرت يجب أن تخمد وأن يرد شرها عن الناس.
لذلك لا نزال نلح على الحكومة في أن تبحث عن نصيب آخر من الشجاعة غير هذا النصيب الذي ظفرت به في الأسبوع الماضي، فقد ظهر أن شجاعة الأسبوع الماضي لا تكفي، وأن حزم الأسبوع الماضي أضعف من أن يفي بالحاجة ويبسط سلطان الحكومة، لا أقول على المبشرين، بل أقول على هؤلاء الفتيات المصريات اللاتي يغتصبهن المبشرون اغتصابًا.
يجب أن تبحث الحكومة عن نصيب جديد من الشجاعة والحزم لعل الله أن يفتح به عليها، فتشعر هؤلاء المبشرين بأنهم يقيمون في بلد متحضر، فيه دولة قائمة، ولهذه الدولة نظم يجب أن تحترم، وحرمات يجب أن ترعى، وقوة يجب أن تطاع. فمن تعدى حدود هذه النظم وهذه الحرمات وهذه القوة فإن هذه الدولة قادرة على أن تأخذه بالحق في ذلك أخذًا عنيفًا.
ومن الأشياء التي لا تقبل شكًّا ولا نزاعًا أن لمصر دستورًا، فمن أنكر ذلك عاقبه القانون، وأن هذا الدستور قد أنشأ في مصر برلمانًا، فمن أنكر ذلك ساقته النيابة إلى القضاء، وأن في هذا البرلمان شيوخًا ونوابًا قد رزقهم الله قوة وبأسًا، وآتاهم بسطة من العلم والجسم، ومنحهم ألسنة تقول فتكثر القول، ومنحهم أيديًا لا تمتنع عن الحركة ولا تتردد في الامتداد بالبطش أحيانًا. ومن المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا أن هذا البرلمان قد أظهر غير مرة حرصًا على الدين وغضبًا للإسلام، وطالب الحكومة غير مرة بحماية هذا الدين والذود عن الإسلام. ومن الحق الذي لا شك فيه أن من أعضاء هذا البرلمان من ثار وفار، وقر ثم دار، وسكن ثم طار، وأسرف في التبشير والإنذار، ولم يتحرج من التجني على المسلمين واتهامهم بغير الحق وإثارة الحفائظ عليهم وإغراء العامة بهم، وما زال بزملائه النواب حتى كان الاستجواب، وكثر فيه الكلام، واشتد فيه الخصام، وانتصر فيه الإسلام، وأصبح رئيس الوزراء له راعيًا، ولحوزته حاميًا، واضطربت له الأرض وزلزلت زلزالها. كل هذا محقق لا شك فيه، وكل هذا يفرض على البرلمان اليوم حقوقًا إن قصر فيها أو نكل عنها أثبت على نفسه أنه لم يكن مخلصًا لله ولا للدين يوم ثار تلك الثورة ويوم هاج وماج وأثار ذلك العجاج.
ومن المحقق أن في هذا البرلمان شيخًا يسميه الناس شيخ الإسلام، وإن لم يكن للإسلام شيخ. ومن المحقق أن شيخ الإسلام هذا قد أظهر الغضب للأمة في غير حاجة إلى هذا الغضب، وقد اتهم المسلمين بالكفر، وأغرى بهم سلطان الدولة، وقد اعتدى على كتب المسلمين السابقين وطلب إلى الدولة مصادرتها، وأذعنت له الدولة فصادرتها وقتًا ما. فعلى هذا الشيخ الذي يغضب في غير موضع للغضب، ويثور في غير داعٍ إلى الثورة، ويظهر الآن غيرته على الدين وذوده عنه وقيامه دونه، أن يطالب البرلمان الذي هو عضو من أعضائه بأن يتخذ في هذا الأمر موقفًا حازمًا أشد حزمًا من موقف الحكومة، حتى لا يقال إنه لم يغضب للإسلام يوم غضب، وإنما غضب للسياسة ومنافعها العاجلة، ولم يثر للإسلام يوم ثار، وإنما ثار للمنصب والمرتب.
ومهما يكن من شيء فقد أظهرت سيرة المبشرين أن تصريح وزير الداخلية لم يصنع شيئًا، ولم يكفهم عن إثمهم، بل أغراهم به وحببه إليهم، فلا بد إذن من أن يجد وزير الداخلية لنفسه وسيلة أخرى تجعل تصريحه قاطعًا مقنعًا محدثًا لأثره عند المبشرين. لا بد من أن يعلم البرلمان إن كان حريصًا على العلم من أين يعلم المسلمون أن هذه المبشرة التي تكايد الحكومة في بورسعيد قد أذعنت للحكومة وأسلمت إليها الفتيات، وأن حكم القضاء قد أنفذ. ولا بد من أن يصبح هذا المقدار الذي تريد الوزارة أن ترصده للملاجئ والمدارس شيئًا مقررًا، ومن أن يصدر القانون بإقراره قبل أن تنتهي الدورة البرلمانية. ونحن نؤكد للوزارة والبرلمان أن أمر هذه المدارس والملاجئ أنفع للأمة وأجدى عليها من هذه المشروعات التي تعجلتها الحكومة فأصدرت لها الملايين ومئات الألوف وعشرات الألوف. ونحن نؤكد أنه قد تنقضي الدورة ولم يصبح أمر هذا الاعتماد حقيقة لا سبيل إلى الشك فيها أو الالتواء بها. ولو أنا نستطيع أن نطمئن إلى أن البرلمان سيسمع لدعوة الداعين وسيصور حقًّا رغبة الأمة في الدفاع عن كرامتها والذود عن دينها لطلبنا إليه ألا ينفض حتى يصدر من القوانين ما تقتضيه حياتنا في هذه الأيام مع هؤلاء المبشرين الذين لا تزيدهم هذه الفتنة إلا إلحاحًا في الشر وإسرافًا في الطغيان.
لو أننا نعلم أن البرلمان سيحرص حقًّا على أن يصور ميول الأمة ويرضي حاجاتها لطمعنا منه في استجواب كذلك الاستجواب الذي أثير في العام الماضي حول أكذوبة من الأكاذيب، وضلالة من الأضاليل، ومكيدة من هذا الكيد السياسي الذي أفسد في مصر كل شيء.
نعم، من الحق على البرلمان لنفسه ولدين الدولة ولكرامة حامي الإسلام وراعيه، ذلك الذي يقيم الآن في فرساي، من الحق على البرلمان أن لا يختم دورته هذه دون استجواب تظهر فيه الحكومة ما تريد أن تفعل، وتأخذ فيه الحكومة عهدًا على نفسها بالسعي الملح في إصدار القانون الذي يمكنها من مراقبة التعليم الحر كله.
هذا الاستجواب — إن كان — يزيل عن البرلمان وصمة لا نحب أن يوصم بها، وهي أنه لا يستجوب إلا حين لا يكون على الحكومة من الاستجواب بأس.
فليتوكل البرلمان على الله، وليسع خطيبه الفذ وبطله المغوار إلى شيخ الأزهر حيث يقال إنه سعى في العام الماضي، وليكتب أو ليستكتب فيها استجوابًا كذلك الاستجواب الذي كتبه أو استكتبه في العام الماضي كما يقال، وليخطب فيبدع فإن الموضوع خليق بالخطابة والإبداع. وهو لن يحتاج في هذه المرة إلى من يختلق له الأكاذيب ويلفق له الأباطيل كما احتاج في العام الماضي، وسيسعى الناس إلى مجلس النواب ليسمعوه طائعين لا كارهين، ومختارين لا مدفوعين؛ فقد كان يقال في العام الماضي إنهم كانوا يجذبون جذبًا إلى مجلس النواب، وكانوا يدفعون دفعًا إلى مجلس النواب ليسمعوا ثم يهتفوا. وقد سمعوا وهتفوا، ونحن نؤكد للخطيب البطل أنهم في هذه المرة لن يترددوا في الذهاب إلى المجلس، ولن يترددوا في الإعجاب بالمجلس والوزارة إن استطاعا أن يدفعا عنهم شر المبشرين.
أما بعد، فلسنا نحب هزلًا، ولا نقصد إلى دعابة، وإنما ننبه الوزارة والبرلمان إلى أن أمر المبشرين إن ترك كما هو فسينتهي بالبلاد إلى فتنة منكرة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، ولكنها تصيب الآثم والبريء، وإن أول واجب على الوزارة والبرلمان اللذين يحرصان على إقرار النظام وتثبيت الأمن أن يدفعا شر هذه الفتنة عن الناس، ويدفعاها في أسرع وقت.
كوكب الشرق ١٨ – ٦ – ١٩٣٣
Tag: children
-
فتنة