Tag: Cholera Epidemic

  • سخاء …

    سخاء …

    طه حسين

    النداء

    ٢ ديسمبر ١٩٤٧

    لست أدري أتصح هذه الأخبار كما أحب وكما أعتقد، أم لا تصح كما يحب المتشككون وكما يعتقدون.

    وهي — سواء صحَّتْ أو لم تصح — تثير في نفسي كثيرًا من الخواطر، وتثير في قلبي كثيرًا من العواطف، وتدفعني إلى كثيرٍ من التفكير، كما تدفعني إلى كثيرٍ من الأحلام الحسان العذاب، التي إنْ صدقت كانت أحسن المُنى، وإن لم تصدق كانت قد أتاحت لي أن أعيش ساعات حلوة كما يريد الشاعر القديم أن يقول.

    وهذه الأخبار هي التي تتصل بكرم الكرماء، وجود الأجواد، وتبرم الأغنياء بما يُتاح لهم من الغنى وما يُساق إليهم من الثراء، والحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على المال، بخلاء بما يملكون، لا ينالون من الغنى حظًّا إلَّا ليبتغوا حظًّا أوفر مما نالوا، ولا يحرزون من الثراء نصيبًا إلَّا ليطلبوا أكثر مما أدركوا.

    ثم هم على كثرة ما يملكون وكثرة ما يحصلون وكثرة ما يتراكم عندهم من الغنى، أشبه شيء بالصخرة المصمتة ذات القاع البعيد أو التي ليس لها قاع؛ فهي لا تجود بشيء مما يستقر فيها من الماء، مهما يكثر ومهما يركب بعضه بعضًا، وإنما هي مصمتة من جميع جوانبها، ليس فيها أمل لمن يطيف بها إلَّا أن يحطِّمها تحطيمًا.

    الحمد لله الذي لم يخلق الناس جميعًا حراصًا على هذا النحو من الحرص، بخلاء إلى هذا الحد من البخل، وإنما جعل منهم بين حين وحين من لا يكره الغنى، ولكنه على ذلك لا يفنى فيه ولا يتهالك عليه ولا يتخذه غاية، وإنما يتخذه وسيلة ينفع بها نفسه، وينفع بها أهله، وينفع به ذوي قرابته وذوي مودته، وينفع به أكثر عدد ممكن من الناس، حين يُتاح له أن ينفع أكثر عدد ممكن من الناس.

    هؤلاء الأجواد الأسخياء عزاء عن الحراص البخلاء، يُلْقون في روعك أن الإنسانية ليست شرًّا كلها، وأن حياة الناس قد تكون صحراء مقفرة مجدبة شديدة العقم، ولكنها على ذلك لا تخلو من الواحة التي تقوم فيها بين حين وحين، فتتيح للمسافر الذي عناه السفر وأضناه الجهد أن يجد فيها من الظل والماء، ومن الراحة والروح ما ينسيه بعض ما احتمل من المشقة، ويعينه على احتمال ما سيلقاه من الجهد، حين يستأنف السعي في صحرائه تلك المجدبة المقفرة، ولولا هؤلاء الأجواد الأسخياء لكانت الإنسانية خليقة أن نبغضها أشد البغض وأعظمه بشاعةً ونكرًا.

    والناس يلتمسون الواحة حيث يجدونها، وكما يستطيعون أن يجدوها، وهم لذلك يلتمسون العزاء حيث يجدونه وكما يستطيعون أن يجدوه. يلتمسونه من حولهم، فإذا لم يظفروا به أبعدوا في السعي والتمسوه في الأطراف النائية والأماكن المتباعدة، فإذا أعياهم أن يظفروا به في المعاصرين من قرب منهم ومن بعد، التمسوه فيما مضى من الأيام وفيما سلف من العصور.

    وقد يظن القارئ أني أتكثر أو أتزيد، ولكني أؤكد له أني لست من التكثر والتزيد في شيء، وإنما استقبلت هذه الأحداث التي تحدث، والنوائب التي تنوب، وهذا البؤس الذي يأخذ كثرة المصريين من جميع أقطارهم، ويسعى إليهم من كل وجه يعدهم للموت حتى يسلم بعضهم إليه، ثم يستأثر بمن بقيَ منهم فيمضي في إعدادهم للموت متمهلًا حينًا ومتعجلًا حينًا، وجعلت أنظر فيمن حولي من الأغنياء وأنظر في موقفهم من هذا الشقاء الملم، والبلاء المدلهم، والهول الهائل، والعذاب الشديد؛ فلم أرَ إلا حرصًا وبخلًا، وقسوةً في القلوب، وغلظًا في الأكباد، وجفوةً في الطباع، وكدرًا في الضمائر.

    ووجدت قومًا ينفقون على كره للإنفاق، وقومًا آخرين يترددون بين الكرم والبخل، ثم يؤثرون البخل بعد طول التردد واتصال التفكير، وقومًا آخرين لا ينفقون ولا يترددون ولا يفكرون، وإنما يجهلون من حولهم من الناس، ويجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت، يضعون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يروا، ويجعلون على قلوبهم أكنةً وأقفالًا حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئًا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق.

    أولئك وهؤلاء يقبلون على لذاتهم ومنافعهم وآمالهم كما يتصورونها، لا يعنيهم أن يلذوا والناس من حولهم يألمون، ولا يسوءهم أن ينعموا والناس من حولهم يتجرعون الشقاء والبؤس والعذاب غصصًا؛ فهم يرقصون على جثث المواطنين، ويسعدون بشقائهم، ولا يفرقون بين هذه الموسيقى البشعة المنكرة التي تأتي من شكاة الشاكين وبكاء الباكين وأنين المرضى وحشرجة المحتضرين، وهذه الموسيقى الأخرى التي تصل إليهم من عزف العازفين ونفخ النافخين ورقص الراقصين. ولا يجدون بأسًا حين يقبلون على كئوسهم المترعة المصفاة أن يكون مِزاجها من هذه الدموع الغزار التي لا تُرَى ولا تُحَس؛ لأنها لا تنزف من أعين الناس، وإنما تنزف من أعين مصر كلها.

    ودموع الناس قد تُرى وقد تُحَس، فيضيق بها الذين يرونها والذين يحسونها، ولكن دموع الأوطان والشعوب والأجيال لا يراها ولا يحسها إلَّا الذين أُتيح لهم شيءٌ من رقة القلوب وصفاء النفوس ونقاء الضمائر وتهذيب الطباع، وهؤلاء — مع الأسف — قليلون، بل هم أقل من القليل.

    استقبلت هذا كله ونظرت فيمن حولي من الناس لأرى كيف يرفق بعضهم ببعض، وكيف يعطف بعضهم على بعض، وكيف يسرع الموسرون منهم إلى معونة المعسرين، فلم أرَ شيئًا ذا خطر، وإنما رأيت كرمًا قليلًا وكلامًا كثيرًا واستباقًا إلى التفاخر الكاذب، وتهالكًا مع ذلك على اللذة الباطلة والنعيم السخيف.

    وما أعلم أن أغنياءنا على كثرة ما يملكون، وعلى كثرة ما يغل عليهم ما يملكون، قد استطاعوا أن يجمعوا لمعونة المنكوبين بوباء الكوليرا مائة ألف من الجنيهات، وأحسبهم ما زالوا بعيدين عن هذا المقدار أشد البعد، وما أرى أنهم سيبلغونه أو يقربون منه، وهم قد أخذوا ينسون الوباء بعد أن أمنوا على أنفسهم — إن جاز للناس أن يأمنوا على أنفسهم — وبعد أن زعمت لهم وزارة الصحة أن الوباء قد أوشك أن يزول.

    لم يقل أحدٌ منهم لنفسه — ولا يُرجى أن يقول أحدٌ منهم لنفسه — إن الوباء قد اختطف من أسر كثيرة رجالًا كانوا يَعُولونها، واضطرها إلى إعدام لا سبيل إلى تصوره، فضلًا عن وصفه، وإن من حق هذه الأسر أن تعيش أولًا، وأن تجد من عطف المواطنين عليها بعض العزاء عمَّا ألمَّ بها من الخطب ثانيًا، وأن تشعر بأنها أسر كريمة في وطنٍ كريمٍ ثالثًا.

    لم يخطر لأحد منهم — ولا يُرجى أن يخطر لأحد منهم — شيءٌ من ذلك؛ لأنهم مشغولون عن هذه الخواطر بجمع المال إلى المال، وضم الثراء إلى الثراء، وباللذات التي لا يفرغون من بعضها إلَّا ليقبلوا على بعضها الآخر، ولا يستريحون منها إلَّا ليستأنفوا العكوف عليها والإمعان فيها.

    ثم لم يخطر لأحدٍ منهم — وليس يُرجى أن يخطر لأحد منهم — أن بؤس البائسين وإعدام المعدمين لا يجر الخزي عليهم بمقدار ما يجر الخزي على وطنهم كله، وعلى الذين أتاحت لهم الظروف أن يكونوا عنوانًا لهذا الوطن، يلقون الأجنبي حين يَفِد على مصر ويسعون إلى الأجنبي إذا لم يَفِد على مصر، ويسمعون منه — راضين أو كارهين — حديث الوباء والمنكوبين، فلا يستحون لأنفسهم، ولا يستحون لوطنهم، ولا يستحون لهذا الجيل من المصريين أن يُوصَم في أعين الأجنبي بالأثرة المنكرة التي تغض من صاحبها وتجعله خليقًا أن يُزدرَى ويُحتقَر، ولا يكرمه من يكرمه إلَّا بمقدار ما يتخذه وسيلة إلى تحقيق منافعه وقضاء آرابه.

    أي بأس على هذا؟! رأيت هذا كله، وضقت بهذا كله؛ فوجدتني بين اثنتين: إمَّا أن أبغض الحياة والأحياء وأنكر الوطن والمواطنين، وإمَّا أن ألتمس العزاء حيث أستطيع أن ألتمسه وكما أستطيع أن ألتمسه، لعل الغمرة أن تنجلي، ولعلي أستطيع — بعد وقت قصير أو طويل — أن أعود إلى هذا الجيل من المصريين المعاصرين، ومن أغنيائهم خاصةً فأقول لهم وأسمع منهم، دون أن أجد في نفسي هذا الألم الممض، وهذا الاشمئزاز البغيض.

    إلى التاريخ إذن وإلى أحاديث القدماء! فقد ملأ المعاصرون قلوبنا يأسًا ونفوسنا قنوطًا لنهجرهم ولنهاجر في الزمان إذا لم تُتَح لنا الهجرة في المكان، ولننظر في أخبار تلك العصور القديمة — سواء أصحَّتْ أم لم تصح — فهي إن صحَّتْ كانت لنا عزاء، وهي إن لم تصح أتاحت لنا أن نحلم بجيل من الناس، لا يكون الرجل فيه عبدًا للمال ولا مرقوقًا للثورة، وإنما يكون المال فيه عبدًا لمالكه، وتكون الثروة فيه وسيلة إلى إعانة المنكوب وإغاثة الملهوف وإنقاذ المحزوب، ثم إلى إيثاره هذه العاطفة الحلوة التي يجدها الرجل الكريم حين يحس أنه قد أعان منكوبًا، وأغاث ملهوفًا، وأنقذ محرومًا، وبرَّ صديقًا، وتصرف في ماله، ولم يدع ماله يتصرف فيه.

    إلى التاريخ إذن لننسى العصر الذي نعيش فيه، وإلى أحاديث القدماء لنتسلى عن سيرة المحدثين.

    وتستطيع أن تصدقني أو لا تصدقني، فما يعنيني من ذلك شيء، ولكنك تستطيع أن تقرأ — على كل حال — أني وقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند بعض هذه الأحاديث التي تُروَى لنا عن القدماء من أصحاب الجود والسخاء، عند هذه القصة التي تُروَى عن عثمان — رحمه الله — حين أجدب أهل المدينة أيام أبي بكر حتى ارتفعت الأسعار، ولم يجد الفقراء وأوساط الناس ما يأكلون، وأقبلت في أثناء ذلك عِيرٌ لعثمان تحمل من الشام خيرًا كثيرًا، فأسرع التجار إليه يريدون أن يشتروا منه بضاعته لييسروا بها على الناس، وجعل يساومهم حتى عرضوا عليه ما يعدل أربعة أضعاف أثمانها، ولكنه أبى أن يبيع إلَّا إن استطاعوا أن يدفعوا إليه عشرة أمثال أثمانها، فلما أظهروا العجز أنبأهم بأن الله قد وعد عشرة أمثالها إن تصدَّق بها، ثم أعلن إليهم أنه يؤثر هذه التجارة على تجارتهم، ويؤثر ثواب الله على أموالهم، وأن بضاعته هذه صدقة للمسلمين.

    نعم؛ ووقفت وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند رجل آخر من أصحاب النبي، هو طلحة بن عبيد الله — رحمه الله — وقد دخلت عليه امرأته فرأته مغتمًّا حزينًا، فلما سألته عن ذلك رفيقةً به عطوفًا عليه، أنبأها أن قد جاءه مال كثير، فهو مهتم له لا يدري ما يصنع به، فلم تزد امرأته على أن قالت له مبتسمة: اقسمه! قال: نعم؛ ثم قسَّم هذا المال بين ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، واستقبل بعد ذلك ليله سعيدًا، وكان هذا المال أربعمائة ألف درهم!

    نعم؛ وأقف وقفات طويلة، طويلة جدًّا، عند طلحة نفسه حين باع أرضًا له وأُدِّيَ إليه ثمنها — سبعمائة ألف درهم — فلما حصَّل المال في داره، فكر غير طويل ثم قال: إن رجلًا يمسي وعنده هذا المال لا يدري ما ادخر له القضاء من أمر الله لمغرور! ثم أمر؛ فقُسِّم هذا المال على ذوي قرابته وذوي مودته وذوي الحاجة من المسلمين، ولم يَنَمْ حتى أنفقه عن آخره.

    والغريب أن هذا الإنفاق على كثرته وعلى اتصاله لم يَنْتَهِ بطلحة إلى الفقر، ولا إلى شيء يشبه الفقر؛ لأن الله قد وعد الأغنياء إذا أنفقوا في سبيل البر مخلصين لا يبتغون رياءً ولا شهرةً ولا نفاقًا أن يخلف عليهم ما أنفقوا، وقد قُتِل يوم الجمل وتعرضت ثروته بعد موته لخطوب كثيرة، ولكن ورثته على رغم ذلك اقتسموا فيما بينهم ثلاثين مليونًا من الدراهم!

    فليت أغنياءنا يفكرون في أنهم يستطيعون أن ينفقوا من فضول أموالهم مخلصين، غير منافقين ولا مرائين، دون أن يرزأهم هذا الإنفاق شيئًا ذا خطر! وليت أغنياءنا يصدِّقون وعد الله أو يمتحنون هذا الوعد! ليتهم ينفقون مخلصين غير مرائين؛ ليتبينوا أيخلف الله عليهم ما أنفقوا!

    ولكن هيهات! … ليس إلى ذلك من سبيل؛ لأن أغنياءنا لا يقرءون، وهم إذا قرءوا لا يؤمنون، وهم إذا آمنوا لا يغامرون، وأهون عليهم أن يغامروا بالألوف في نادٍ من أندية الميسر وميدان من ميادين السباق، من أن يغامروا بالألوف في سبيلٍ من سبل البر؛ ليتبينوا أيصدقهم الله ما وعدهم أم لا!

    والشيء الذي يملأ القلوب غيظًا والنفوس كمدًا هو أن الحكومات ترى من حرص الأغنياء وبخلهم ومن تقصيرهم ما ترى، ثم لا تبيح لنفسها من فرض الضرائب ما يتيح لها أن تعين المنكوب، وتغيث الملهوف، وتنقذ المحزوب، وإذا أراد الله بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له.

    صدِّقْني، إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأديب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل، فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى، فلا أقل من أن يفر إلى زمانٍ آخر من أزمنة التاريخ.

  • نذير!

    نذير!

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢ نوفمبر ١٩٤٧

    صنع الله للشعب المصري، فقد أخذته الكوارث من كل وجه، وجاءته النوائب من كل صوب؛ حتى أصبح لا يدري كيف يتَّقيها ولا كيف يثبُت لها ولا كيف يخلص منها. كان إلى أمس القريب شقيًّا بهذه الآفات التي تصيب الشعوب حين لا تأخذ بحظها الموفور من الحضارة، فيفتك بها البؤس على اختلاف مظاهره البشعة من فقر وجهل ومرض. وكان من أجل ذلك يشقى في سياسته وحريته واقتصاده أبشع الشقاء وأشنعه. وكانت الأمم المتحضرة تتخذه مثلًا يُضرب لسوء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي جميعًا. ولكن الأيام لم تَقنَع بما صُبَّ عليه من هذا البلاء العظيم المتصل، فصَبَّت عليه في هذه الأشهر الأخيرة ألوانًا أخرى من الشرِّ، وامتحنته ضروبًا أخرى من الامتحان. خذلان في السياسة، وإخفاق في الاقتصاد يوشِك أن يَبلُغ الإفلاس، وفتنة في الحرية توشِك أن تبلغ الاستعباد. ثم لم تكتفِ الأيام بهذا كله فسلطت عليه الوباء، يشيع في مدنه وقراه، ويلتهم أبناءه التهامًا، لا بالعشرات بل بالمئات في كل يوم وبالألوف في كل أسبوع؛ حتى أصبحت حياته كلها معرَّضة للخطر المنكر الذي لا يشبهه خطر، والذي لا يَعرِف الآن كيف يدفعه أو يرفعه أو يجِد لنفسه منه مخرجًا.

    ثم لا تكتفي الأيام بهذا كله، وإنما تَصُب عليه نكرًا آخر لعله أن يكون أشد من آلامه جميعًا إيذاءً للنفوس وتمزيقًا للقلوب وتفطيرًا للأكباد. فالشعب فيما يظهر هو المسئول عن كل هذه الآلام التي تُصَبُّ عليه، وعن كل هذه الآثام التي تُساق إليه، وعن كل هذه المنكرات التي تُفسِد عليه حياته إفسادًا، وتجعله بين الشعوب الحية مضرِب المثل فيما يجب أن يتقي من الشر ويتجنب من العدوى. فلبنان يقطع المواصلات بينه وبين الشعب المصري مخافةَ أن تصيبه العدوى ويلم به الوباء. والعراق يصنع صنيع لبنان أو ما يشبه هذا الصنيع. واليونان تصنع صنيع العراق ولبنان أو ما يشبه صنيعهما. والدول الكبرى تضيق ما بينها وبين مصر من أسباب الاتصال، وتحتاط في إرسال أبنائها إلى مصر، وفي تلقي أبناء مصر في بلادها مخافة أن يصيبها الوباء.

    وما من شك في أن هذه الدول كلها معذورة في كل ما تفعل. فحياة الناس أقوم من أن يضحَّى بها في سبيل المجاملات الدولية. ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن الشعب المصري قد أصبح شعبًا أجرب، لا ينبغي أن تتصل الأسباب بينه وبين الشعوب الأخرى؛ مخافة أن ينتقل إليها الجرب أو تنتقل إليها الكوليرا التي هي شرٌّ من الجرب وأسوأ منه عاقبةً وأبغض منه أثرًا.

    وقد أصبحت مصر الجميلة التي كانت تروق الشعوب وتشوقها سجنًا يُحصر فيه أبناؤها جميعها، فلا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن، ولا يطرأ عليهم أحدٌ إلا بإذن. ثم قُسِّم هذا السجن الكبير إلى سجون صغار، لا يجوز لأهلها أن يتواصَلُوا أو أن يلتقوا إلا بعد كثير من التحرُّج والتشدُّد، وفي كثير من الإشفاق والخوف. والظاهر أن الشعب المصري هو المسئول عن هذا كله. فلولا جهله وإمعانُه في الجهل لما ألمَّت به المحن ولا نزلت بساحته الخطوب. هؤلاء الذين يَفِرُّونَ بمرضهم من الطبيب، ويفلتون من الحصار المضروب حول مدنهم وقُرَاهُم، وينقلون الوباء إلى غيرهم من المواطنين؛ مسئولون بالطبع عن هذا الفرار وعن آثاره المنكَرة، فلو لم يكونوا جُهَّالًا مُمْعِنِين في الجهل لما فرُّوا من الطب ولما أشاعوا الوباء في الأصحاء.

    وأنت تستطيع أن تقرأ أحاديث الوزراء والمشرفين على شئون الصحة، فسترى أن نصيب الشعب من التبِعة أعظم جدًّا من نصيب الحكومة ومن نصيب الأطباء، حتى حين يُقصِّر رجال الشرطة أو الجيش في أداء واجبهم؛ ففي هذه الظروف لا يقع اللوم على الحكومة ولا على قادة الشرطة والجيش، وإنما يقع على هذا الشعب الجاهل الذي أفسد الجهلُ خُلُقَه وضميره، وألغى من نفسه كل شعور بالواجب وكل تقدير للتبِعة، وحبب إليه أن يُحصِّل المال من أي طريق، وألَّا يتردد في تمكين الهاربين من الهرب ما دام ذلك يغل عليه كثيرًا أو قليلًا من المال.

    فالشعب هو المسئول أولًا، والشعب هو المسئول آخرًا، والشعب هو الآثم قبل كل شيء وبعد كل شيء. وهذا العذاب الذي يصب على الشعب إنما يصب عليه جزاء لما اقترف من سيئات وما قارف من آثام. لقد أحب الجهل فليذُقْ عاقبة الجهل. ولقد آثر الفقر فليستمتع بمغبة الفقر. ولقد رضِيَ المرض فلينعم بفنون المرض التي تفتنَّ في إرساله إلى الموت، تبطئ بذلك حينًا وتسرع به أحيانًا. والله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم. فليس على هذا الشعب المصري إلا أن يَظَلَّ في شقائه وبلائه ووبائه، أو يغير ما هو فيه من جهل وفقر ومرض؛ ليُكشف عنه الضر، ويُذاد عنه الشقاء والبلاء والوباء.

    نعم، كذلك يتحدث المثقفون وأشباه المثقفين، وكذلك يتحدث الساسة وأشباه الساسة. وأولئك وهؤلاء يعتقدون أنهم أشقياء بهذا الشعب الجاهل الغافل الفقير المريض. وبأنهم يائسون يبذلون ما يملكون من جهد، ويحتملون أكثر ممَّا يطيقون من المشقة والعناء لحماية هذا الشعب من نفسه، ولكنهم لا يبلغون ما يريدون ولا بعض ما يريدون؛ لأن الله قد امتحنهم بهذه المحنة المنكرة البغيضة، وهي أن يسوسوا شعبًا جاهلًا فقيرًا مريضًا، لا يريد أن يخلص من جهله وفقره ومرضه، كأن بينه وبينه هذه الآفات أسبابًا من المَوَدَّةِ والحب ليس إلى قطعها من سبيل.

    فالمثقَّفُون وأشباه المثقفين والساسة وأشباه الساسة والسادة وأشباه السادة؛ جديرون بالرحمة خليقون بالرثاء لأن الله ابتلاهم بهذا الشعب الذي لا سبيل إلى إصلاحه … لا يحب الإصلاح ولا يبتغيه.

    نعم، بهذه الأحاديث الآثمة تجري الألسنة، وإلى هذه الأحاديث الآثمة تُصغي الآذان، وفي هذه الأحاديث الآثمة تجد القلوب والضمائر والنفوس كثيرًا من الراحة والرَّوْح والعزاء. والغريب أن شيئًا من الحياء ولو قليلًا لا يصِل إلى نفوس هؤلاء المثقفين وأشباه المثقفين، ولا إلى قلوب الساسة وأشباه الساسة، وإلى ضمائر السادة وأشباه السادة. فالحياء فيما يظهر ليس من الخصال التي تُتاح للممتازين وأشباه الممتازين، وإنما هو من الخصال التي تُتاح للدهماء، وأين الخاصة من الدهماء.

    ويُخيَّل إليَّ أن مصر البائسة قد شبعت من البؤس حتى أصابتها التخمة التي ليس وراءها إلا ما نرى من هذا الوباء الذي أخذ يريحها من آلامها وآثامها، ويريح صرعاه من آلام وطنهم وآثامه. ويخيل إليَّ كذلك أن قد آنَ لمصر أن تأخذ أمرهم بالجِدِّ والحزم، وأن تراجع نفسها وضميرها عمَّا قدَّمتْ، وأن تسأل نفسها وضميرها عمَّا أعدت لمستقبل أيامها. أمستعدة هي للانتحار؟ فليس عليها إذن إلا أن تمضي فيما مضت فيه إلى الآن، فقد بلغ الكتاب أجلَه، وأخذ المنتحر يعالج سكرات الموت. فليس تهافُت أبناء مصر في الموت الآن كما تتهافت الفراش في النار إلا أول الانتحار العام. أم حريصة هي على أن تحيا وعلى أن تحيا حياة لها حظٌّ من قوة وصحة وعافية، فسبيلها إلى هذه الحياة هي أن تغيِّر ما في نفسها ليغيِّر الله ما بها.

    وقد آنَ للمثقَّفِين وأشباه المثقفين وللساسة وأشباه الساسة وللسادة وأشباه السادة أن يجِدُّوا منذ الآن؛ فإن الهزل قد أشرف بهم وبوطنهم على الموت والفَنَاء. ولست أستعمل هاتين الكلمتين استعمالًا مجازيًّا كما كُنَّا كلنا نصنع إلى وقت قريب، وإنما أدلُّ بهما على معناهما الحقيقي الذي نشهده في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. فالمصريون يموتون مئات في اليوم وألوفًا في الأسبوع وعشرات من الألوف في الشهر، ولم يستطِع المثقَّفُون والساسة والسادة أن يقِفوا الوباء إلى الآن.

    فليسأل المثقفون والساسة والسادة أنفسَهم عن جهل الشعب وفقره ومرضه؛ فالشعب لم يلتمِسْ لنفسه الفقر والجهل والمرض، وإنما تركه سادته وقادته وساسته يتورط في هذه الآفات. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أنهم قد نعِموا بالكلام الفارغ أعوامًا وأعوامًا، وأن لهم أن يعملوا ولا يتكلموا. وليعلم المثقفون والساسة والسادة أن الاستقلال والدستور والحكم كلها وسائل لا غايات، وهي وسائل إلى تمكين الشعب من أن يحيا حياةً سعيدة فيها شيء من النعمة والعزة والرخاء. ولتعلم الأحزاب السياسية كلها أن ظروف الحياة قد تغيَّرت، وأن الواجب يُحَتِّم عليها أن تسلك طريقًا غير الطرق التي سلكتها إلى الآن، وأن تأخذ نفسها قبل كل شيء حين تحكم وحين تعمل، بعيدة عن الحكم بإنقاذ الشعب من الجهل والفقر والمرض. بإنقاذه إنقاذًا محقَّقًا لا بكلام تجري به الألسنة وتنشره الصحف ويُخدع به المغرورون، كل حزب يتولَّى الحكم أو يريد أن يتولى الحكم، ثم لا يجعل من أغراضه الأولى تعميم التعليم في جميع طبقات الشعب بغير أجر قليل أو كثير؛ فهو حزب آثم لا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يطمع فيه ولا أن يُعان عليه. وكل حزب يتولى الحكم أو يريد أن يتولاه يجب أن يجعل من أغراضه الأساسية محاربة البؤس بالعمل لا بالقول ومحاربة المرض بالعمل لا بالقول، فإن لم يفعل فلا ينبغي أن يتولى الحكم ولا أن يُعان على الوصول إليه.

    إن الصحف الأجنبية تتحدث الآن في جميع أقطار الأرض بأن هذا الوباء سيلفت المصريين إلى الإصلاح الاجتماعي الذي أهملوه، فيجب أن نلقي هذا الدرس على أنفسنا قبل أن تلقيه علينا الأمم الأخرى. فصحة مصر لا تعني وحدها ولكنها تعني العالم كله لمكان مصر بين الشرق والغرب.

    فليفكر المثقفون والساسة والقادة والسادة، وليستقبلوا أمرهم في حزم وفي كثير من الإسراع والجد؛ فإنهم إن أبطَئوا أو تهاونوا لم يُتَحْ لهم التفكير، وهم خليقون أن ينظروا ذات يوم، فإذا العالم الخارجي يفرض على مصر سلطانه لينقذها من الوباء مخلِّصًا في ذلك أو متكلِّفًا. أليس العالم الخارجي قد فرض سلطانه على مصر لينقذها فيما زعم من الألمان والإيطاليين … فما يمنعه إن قصَّرنا أن يتدخل لينقذ مصر ولينقذ نفسه من الوباء الذي ليس هو أقل شرًّا ونكرًا من هتلرية الألمان وفاشية الإيطاليين!