Tag: Civil Resistance

  • مشكلات

    حديث المساء: مشكلات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ يناير ١٩٣٤

    نعم، ليست مشكلة واحدة ولا مشكلتين، وإنما هي مشكلات عدة تشغل الوزارة في هذه الأيام، أو قل:
    تشغل أبطال الوزارة. فلا يزال بين الوزراء قوم متواضعون لم يخلقوا لأنفسهم بعدُ مشكلاتٍ تعنيهم
    وتؤرق عليهم ليلهم.

    فلسنا نعلم أن لوزير الأشغال مشكلة ظاهرة، ولسنا نعلم أن لوزير المواصلات مشكلة صارخة، ولسنا
    نعلم أن لوزير الزراعة مشكلة تعلن نفسها إلى الناس. وقد تكون لهؤلاء السادة من الوزراء مشكلات
    لم تظهر بعد، وقد تظهر غدًا أو بعد غد، وقد تكون لوزير الأوقاف أيضًا مشكلة أو مشكلات لم نعلم
    بعد من أمرها شيئًا. ولكن هؤلاء السادة من الوزراء لا يزالون متواضعين إلى الآن لم يتحدثوا عن
    أنفسهم، ولم يدعوا الناس إلى أن يتحدثوا عنهم. أما أبطال الوزراء إلى الآن فلهم مشكلات خطيرة،
    وخطرها يأتي من أنهم هم الذين خلقوها لأنفسهم، وأرادوها على أن تظهر لهم وتنغص عليهم الحياة،
    ولو قد تركوها حيث كانت لمضوا أمامهم هادئين يصرفون أمورهم في فتور أو شيء يشبه الفتور، حتى
    يأذن لهم الله بما يأذن به عادة للوزراء من هذه الراحة التي ليس فيها نشاط.

    ولكنهم قوم جادون يحبون الكَدَّ، ويكرهون الراحة وفراغ البال؛ فهم ينشئون لأنفسهم المشكلات
    إذا لم تنشأ وحدها أو إذا لم تنشئها الظروف. ولست أدري ماذا يريد منهم المصريون بعد هذا، وهم
    يجعلون للسياسة طعمًا، ويأبون على السياسة أن تنام.

    أما رئيس الوزراء الرجل الطيب، فلا يَعْرِفُ الناس أنه استراح من المشكلات منذ أَلَّفَ
    الوزارة أو أُلِّفَتْ له الوزارة. كانت مشكلته الأولى صدقي باشا، ولم يفرغ منها إلا بعد مشقة
    طويلة وهم ثقيل، ومَنْ يدري؟ لعله لم يفرغ منها بعد؛ فإنا نقرأ في الصحف أحاديث تدل — إن صحت —
    على أن صدقي باشا لم ينم ولكنه يتكلف النوم. ثم نشأت للرجل الطيب مشكلة الوزراء المفوضين وخطبة
    قاضي القضاة، ثم نشأت له مشكلة المندوب السامي والتقاليد فيما بينه وبين المندوب السامي من
    صلات. ومَنْ يدري؟ لعل مشكلة أخرى أن تكون قد نشأت له اليوم أو أن تنشأ له غدًا؛ فالرجل الطيب
    لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كثرت حوله المشكلات.

    وأما وزير الداخلية فحسبه رئيس الوفد، وزيارات رئيس الوفد، مشكلة لا كالمشكلات، ومعضلة لا
    كالمعضلات. مراقبة دقيقة في القاهرة، وعنف لا حدَّ له في الأقاليم. نشاط لا يعرف الخمود، ويقظة
    لا تعرف النوم. أرصاد تُبَثُّ وجنود تُحْشَدُ، وطرق تقطع، ودور تحاصر، وأخرى تحتل، ولعب من هذا
    اللعب الذي إذا ابتدأ فليس له انتهاء.

    وأما وزير التقاليد فحسبه مشروع القرش، وحماية المروجين له، وعقاب الضيِّقين به؛ يفصل قومًا
    ويدرس أحوال قوم آخرين، ويحتاط لغدٍ فيلغي اتحادًا، وينشئ اتحادًا، ويغلق ناديًا ويفتح ناديًا.
    ثم لا يكفيه ذلك حتى يفكر في زي المعلمين؛ فيهيئ قانونًا أو مرسومًا لفرض العمامة وتحريم
    الطربوش، وهو في أثناء هذا كله يتهيأ لإلقاء خطبته الرائعة البارعة التي ستلقى يوم الثلاثاء حين
    يُفْتَتَحُ المجمع اللغوي في دار الأوبرا.

    وأما وزير المالية، وما أدراك ما وزير المالية! فمشكلاته لا تنقضي، ومعضلاته لا تنتهي،
    وأحاديث الناس عنه لا تفرغ، وإن قَلَّتْ أحاديثه هو عن نفسه، فمن مسألة الدَّين العام إلى مسألة
    الدَّين الخاص، ومن حكاية القطن الذي بِيْعَ إلى حكاية القطن الذي سيُبَاع، ومن خلاف مع الوكيل
    إلى خلاف مع المستشارين، ومن هذا كله إلى سماسرة البورصة يغضبهم ثم يرضيهم، ثم يغضبهم ثم
    يلاعبهم ويداعبهم، في هذا الظرف اللبق الذي لا يُحْسِنُه غيره من الوزراء.

    وتأبى الظروف إلا أن تكون لوزير الحقانية مشكلة، وأي مشكلة؟ مشكلة لم يكن في حاجة إليها، ولم
    تكن الوزارة كلها في حاجة إليها، لولا أن العدوى قد سَرَتْ إلى الوزراء؛ فأحبَّ كلُّ واحد منهم
    أن تكون له مشكلة، وأن يكون له شأن وإن كثر حوله الأخذ والرد، وأن تطول حوله الأحاديث. كان وزير
    الحقانية هادئًا، وكان المحامون هادئين، وكانت الأمور تجري بينهم وبينه مطمئنة، لا باسمة ولا
    عابسة، لا ثائرة ولا مستقرة. ولكن الظروف، وويل للناس من الظروف! أبت إلا أن تُغْرِيَه
    بالمحامين؛ فإذا هو يتحداهم، وإذا هو ينذرهم، ويأبى إلا أن يسمعوا له ويطيعوا فيما يتخذون من
    قرارات وما يعمدون إليه من انتخابات. وإذا المحامون يأبون عليه، ويخالفون عن أمره، وينتخبون
    مَكْرَمًا لهم نقيبًا، وإن كره الوزير أن يرى مكرمًا نقيبًا.

    هنالك غضب الوزير، ولم لا يغضب؟! وهل هو أقل من وزير التقاليد، أو من وزير المالية، أو من
    وزير الداخلية، أو من رئيس الوزراء؟ كلهم يغضب، وكلهم يبطش. وما له لا يغضب، وما له لا يبطش؟
    وهَبْهُ يكره الغضب ولا يحبه، فكيف يقبل أن يخطب معه مكرم باسم المحامين بين يدي جلالة الملك؟!
    وإذن، فليُهَيَّأ قانون، وليُعْرَضْ على البرلمان وليُصْدَرْ، ولينسحب على الماضي؛ وليُفْصَلْ
    مكرم وأصحابه من نقابة المحامين فصلًا، وليعلم المصريون أنهم جميعًا أمام إرادة الوزراء سواء،
    وليعلم وزير التقاليد أنه ليس هو وحده الذي يملك فصل الطلاب والأساتذة، وأن هناك وزيرًا آخر
    يملك فصل النقباء وأعضاء النقابة من نقابة المحامين.

    وكذلك غضب وزير الحقانية كما غضب غيره من الوزراء، وهَمَّ وزير الحقانية أن يبطش كما يبطش
    غيره من الوزراء، ولكن ماذا؟ وزير الحقانية يَهِمُّ، ولكنه لا يفعل؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل،
    لأنه لا يخاصم التلاميذ، ولا يخاصم الأساتذة، ولا يخاصم الموظفين، وإنما يخاصم المحامين.
    والمحامون رجال خصومة؛ فيجب أن يَحْسِبَ لهم حساب. أراد وزير الحقانية أن يتحدى المحامين؛ فقبل
    المحامون تحديه وثبتوا له؛ لم يدعُ نقيبهم إلى حفلة الأوبرا، فأبوا أن يشهدوا حفلة الأوبرا
    وأقاموا حفلتهم في هيليوبوليس. أصدر قانونه، فأبى المحامون أن يذعنوا له؛ لأنه مخالف للدستور
    وما ينبغي لرجال القانون أن يذعنوا لمخالفة الدستور. أعاد إنذارهم بعد صدور القانون كما أنذرهم
    قبل صدور القانون؛ فابتسموا لإنذاره الثاني كما ابتسموا لإنذاره الأول، وأقروا مكرمًا لهم
    نقيبًا بعد صدور القانون كما اختاروا مكرمًا لهم نقيبًا قبل صدور القانون. وأعلنوا إلى المصريين
    جميعًا أنه إذا كان بين الناس مَنْ يحب اللعب، فإنهم هم لا يلعبون. وأعلنوا إلى المصريين جميعًا
    أنه إذا كان بين الناس مَنْ لا يؤذيه أن يهون على نفسه وعلى غيره، فإنهم هم لا يرضون أن يهونوا
    على أنفسهم ولا على أحد. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا أن المحامين إن كانوا قد عجزوا عن
    إقناع الحكومة؛ فهم قد استطاعوا إقناع أنفسهم، وأن الرجل الخليق بهذا الاسم هو الذي لا يتجاوز
    موقفه الذي يفرضه عليه الاقتناع ورضا الضمير مهما تكن الظروف. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا
    أن عمل المحامين الخليقين بهذا الاسم إنما يعظم ويرتفع شأنه ويجل خطره، ويكون عمل رجال حقًّا
    حين يرفعون القانون إلى مستوى العدل، ولا يهبطون بالعدل إلى مستوى القانون. وأعلنت جمعيتهم
    العمومية إلى المصريين جميعًا أن القانون الذي أصدرته الحكومة لا يلائم العدل؛ لأنه لا يلائم
    الدستور، وأنهم لذلك لا يطيعونه، ولا ينزلون عند حكمه، ولا يختارون لأنفسهم نقيبًا آخر غير
    مكرم. وكلفوا نقيبهم مكرمًا بأن يبلغ ذلك إلى الجهات المختصة لينتهي إلى الحكومة التي أصدرت
    القانون.

    وكذلك تَمَّ لوزير الحقانية ما أراد وما تم لغيره من الوزراء؛ فكانت له مشكلة كما أن لزملائه
    مشكلات. وليس أمام وزير الحقانية للخروج من هذه المشكلة إلا إحدى اثنتين: فإما أن يرضى قرار
    المحامين ويسحب ما ينكره المحامون من قانونه، وفي هذا الموقف انتصار للحق والعدل والدستور
    وانخذال للوزارة. وإما أن يأبى على المحامين موقفهم ويهيئ لهم قانونًا آخر؛ وفي هذا الموقف
    إصرار على البطش، ومُضي في الطريق التي يمضي فيها زملاؤه من أصحاب المشكلات. والمحامون ومعهم
    المصريون جميعًا منتصرون على كل حال: منتصرون إذا نزلت الوزارة عند رأيهم، منتصرون إذا أبت
    الوزارة إلا أن تسلك معهم سبل البطش والعسف. فليس المظلوم ضعيفًا، وليس المظلوم منهزمًا مهما
    ينزل به من الظلم، وإنما يضعف المظلوم وينهزم حين يرضى الظلم ويذعن له ويستكين للظالمين.

    فلننظر أي الطريقين يسلك وزير الحقانية!

  • صدمة

    حديث المساء: صدمة
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٣ ديسمبر ١٩٣٣

    هي أهون الكلمات التي يمكن أن نُعبر بها عمَّا حدث أمس في المحكمة الشرعية، حيث اجتمع المحامون الشرعيون لينتخبوا لهم نقيبًا، ولينتخبوا من تحتاج النقابة إليهم من الأعضاء.

    فقد أصابت الوزارة من هؤلاء المحامين الشرعيين صدمة عنيفة لم تمضِ دون أن تترك في الوزارة ندوبًا وآثارًا. وكان عدد المحامين ضخمًا، وكان أمر المحامين حزمًا كله، وكانوا قد أقبلوا من أنحاء مصر القريبة والبعيدة مُصمِّمين على أن يُفهموا الوزارة، ويلقوا في روع أنصارها، أن من الناس من يستخذي ويستكين ويخاف السلطان حين يجور، ولكن منهم من يستشعر العزة والكرامة فلا يخاف جورًا مهما يعظم، ولا يرهب ظلمًا مهما يسرف، ولا يذعن للسلطان فيما لا طاعة للسلطان فيه.

    ومن قبل ذلك كان نذير الوزارة قد انتهى إلى المحامين الأهليين، فلما اجتمعوا قرءوه ثم أنكروه، ثم طرحوه ومضوا أمامهم لا يحفلون إلا بالحق، ولا يحتفظون إلا بالكرامة، ولا يقفون إلا عند العزة والإباء.

    نعم، ومن قبل ذلك انتخب المحامون الأهليون نقيبهم وأعضاءهم مُعرِضين عن وعيد الوزارة، مُنكِرين لهذا الوعيد، ولم يكد نبأ انتخابهم يصل إلى الوزارة حتى جدت وكدت وحملت غيرها ألوانًا من الجد والكد لتنفذ الوعيد، وترد الصدمة، فصنعت هذا التشريع الغريب وأذاعته بين الناس، ونظرت تلتمس آثار هذا الإبراق والإرعاد والإنذار والإبعاد، فلم تر إلا هزًّا للرءوس، ورفعًا للأكتاف، وإغراقًا في الضحك، وإصرارًا على الإعراض.

    لأن الناس مهما تلح عليهم الفتنة، وتثقل عليهم المحنة لا يستطيعون أن ينظروا إلى المزاح كما ينظرون إلى الجد، ولا يستطيعون أن ينظروا إلى السياسة التي تصدر عن أشخاص لتصيب أشخاصًا، كما ينظرون إلى السياسة التي تصدر عن الوزارة لتصلح أمور شعب من الشعوب، ولأن الناس أعلم بالوزارة، وأنصار الوزارة، وميول الوزارة من أن تقنعهم هذه الحجج الواهية، وهذه البراهين المفككة التي اشتملت عليها المذكرة الإيضاحية لهذا التشريع.

    قرأ الناس إنذار الوزارة فعرفوا أنها مُحنِقة على مكرم تريد أن تبعده عن النقابة، فضحكوا ثم أعرضوا، وقرأ الناس تشريع الوزارة وما قدمت بين يديه من مذكرة توضحه وتحل ألغازه؛ فعرفوا أن الوزارة محنقة على مكرم تريد إخراجه من النقابة فضحكوا ثم أعرضوا.

    وكانت الوزارة قد أرادت أن تجعل عدلها شاملًا كاملًا، فلا تحول بين مكرم وحده وبين النقابة، بل تشرك معه نفرًا من أصحابه، فرفضت نصًّا كان قد وضع لها، ووضعت مكانه نصًّا جديدًا ليكون حبها للمحامين الأهليين شائعًا بينهم جميعًا، مقسومًا عليهم جميعًا، ثم اشتد في نفس الوزارة حب العدل، وقوي في نفس الوزارة إيثار المساواة، فرفقت بالمحامين الشرعيين، وعطفت عليهم، وسوت بينهم وبين المحامين الأهليين فيما تفضلت به من بر وإحسان؛ فلم تكتف بتهيئة قانون واحد، بل هيَّأت قانونين، ولم تكتف بإصدار مذكرة واحدة، بل أصدرت مذكرتين.

    وهؤلاء المحامون الشرعيون قد اجتمعوا أمس فقرءوا إنذار الوزارة، وقرءوا القانونين والمذكرتين، ثم ضحكوا وأعرضوا ومضوا في انتخاباتهم كأنهم لم يقرءوا شيئًا، وكأن الوزارة لم تصنع شيئًا. نستغفر الله، بل مضوا في انتخاباتهم لأنهم قرءوا، وأرادوا أن ينكروا على الوزارة ما قرءوا، وأن يقولوا للوزارة إنها تستطيع أن تصدر الإنذارات، وتهيئ القوانين، وتبدع في كتابة المذكرات، ولكنها لن تستطيع أن تحمل كرام الناس على أن يذلوا، وأحرار الناس على أن يذعنوا، وأُباة الناس على أن يقبلوا الضيم.

    وقد تحدَّث الناس أن الوزارة لم تكد تهيئ قانونيها وتصدر مذكرتيها حتى استشرعت قوة وبأسًا، وابتسم لها الأمل، وغمرها ضوءُه المشرق، واستيقنت أنها ستبلغ من إخضاع المحامين الشرعيين ما لم تبلغ من المحامين الأهليين، وستمحو بانتصارها على أولئك آثار هزيمتها أمام هؤلاء، فانتظرت واثقة، ولكنها لم تظفر بعد الانتظار إلا بما حدث أمس.

    وفيما حدث أمس ما يثير الحزن، ويدعو إلى اليأس، ويحمل على الإذعان للقضاء لو أن الناس يعقلون، وفيما حدث أمس ما يغيظ ويحفظ ويثير الغضب، ويدفع إلى الحدة، ويطلق الألسنة بنذير جديد، ويلقي في القلوب التفكير في قانون جديد. لو عقل أنصار الوزارة لنصحوا لها أن تذعن لحكم الله فيها؛ فهي لن تبلغ بضعفها من مصر ما عجز صدقي باشا عن أن يبلغه بقوته وبأسه، ولكن الذين يعقلون قليلون.

    وأكبر الظن أن قومًا سيشيرون على الوزارة بأن تلتمس وسيلة لإلغاء انتخابات أمس، ولا وسيلة إلا أن تضيف نصًّا جديدًا إلى المشروع الجديد؛ فقد وقع انتخاب أمس بعد أن هيئ القانون وقبل أن يصدر؛ فهو إذن انتخاب صحيح تُجرى عليه أحكام القوانين القائمة، ولا بد للوزارة إن أرادت إلغاء هذا الانتخاب من أن تغير مشروعها فتسحبه على الماضي سحبًا، وتجره إلى الماضي جرًّا، كما فعلت بقانون المحامين الأهليين.

    وليس ما يمنع الوزارة من ذلك، بل ليس شيء يستطيع أن يمنع الوزارة من شيء؛ فما دامت تستطيع أن تلغي ما تريد إلغاءه بقانون تهيئه لا يعنيها في ذلك أن يكون قانونها عامًّا أو خاصًّا، معقولًا أو غير معقول، إنما يعنيها أن تحقق ما تريد وخلاص، كما يقول وزير التقاليد، أو أن تحقق ما تريد وبلاش دوشة، كما يقول وزير التقاليد أيضًا.

    فكل شيء مباح لها، وكل شيء يسير عليها، ولا تطلب إلى الوزارة أن تلغي هذا الانتخاب إن أرادت إلغاءه بالطرق القانونية المألوفة، فترفع أمره إلى القضاء إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. لا تطلب إلى الوزارة هذا؛ فهذا شيء لا تحبه ولا تميل إليه. ألست ترى أنها لم تفكر في إلغاء انتخاب المحامين الأهليين بهذه الطريقة لتفكر في رفعه إلى القضاء؛ لأنها لم تجد إلى ذلك سبيلًا؟ وهي مع ذلك تريد إلغاءه، فلْتُلْغِه بقانون.

    وهي مع ذلك تحترم القضاء وتكبره وتجله وتغار عليه، وتريد أن تصون قدسه وتحمي أحكامه من تجريح المحامين! ويحكم، أيها الناس، متى تفهمون أنفسكم؟ ومتى تلائمون بين أعمالكم وأقوالكم؟ ومتى تعرفون أن إكبار القضاء لا يأتي من هذا النحو الذي تسلكونه، وإنما يأتي من الاحترام الخالص الصادق للقانون، ولكن ماذا تقول؟ ولمن تقول؟

    إنك في وادٍ والوزراء في وادٍ آخر، إنك تريد العدل والحق والحياة الهادئة المطمئنة في ظل العدل والحق، والوزراء يريدون أن يظفروا، وأن ينتصروا، وأن يظهروا أنهم وزراء، وأنهم ظافرون منتصرون، وأنهم يستطيعون أن يعاقبوا من لم يدن لهم بالطاعة والإذعان.

    أما أنا فأُهنِّئ الوزارة بصدمة أمس بعد صدمة ١٥ ديسمبر؛ فإن هذه الصدمات المتصلة سترد الوزارة إلى شيء من الرشد، فيأمن الناس بعض إسرافها، أو هي ستدفع الوزارة إلى الغضب والإسراف فيه فتضاعف أغلاطها، ولا تصيبها صدمة حتى تتعرض لصدمة أخرى، وما تزال تمضي من غلطة إلى غلطة، ومن ورطة إلى ورطة حتى يتم فيها قضاء الله، وينفذ فيها أمر الله؛ فتريح وتستريح.

  • عيد (١)

    حديث المساء: عيد (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٣ نوفمبر ١٩٣٣

    نعم عيد، سواء أرادت الوزارة ذلك أم لم ترد؛ فقد تبسط الوزارة سلطانها على الشوارع والطرق، وعلى المعاهد والدور، ولكن الوزارة لن تستطيع أن تبسُط سلطانها على النفوس والقلوب؛ لأن النفوس لا تُكْسَبُ بالشرطة؛ ولأن القلوب لا تُنَال بقوة الجند، إنما تُكْسَبُ النفوس بالحب، وتنال القلوب بالرضا، والمودة الخالصة، والثقة التي لا يبعثها خوف، ولا يُثِيرها رجاء. والوزارة تعلم حقَّ العلم، تعلم أكثر مما نعلم نحن، نصيبها من حب النفوس لها، ورضا القلوب عنها، وثقة الأمة بها، واطمئنان الشعب إليها.

    نعم عيد هذا اليوم، الذي أشرقت شمسه الجميلة على نفوس جميلة يضيئها الأمل، رغم ما يحيط بها من ظلمات اليأس، ويحييها الإيمان رغم ما يطيف بها من أسباب الشك.

    عيد إن لم يستطع الشعب أن يجهر باستقباله كما تُسْتَقْبَلُ الأعياد؛ فيفرح به حرًّا كريمًا ويحزن له حرًّا كريمًا، فإن قلوب الشعب قد استقبلته كما ينبغي أن يُسْتَقْبَلَ؛ قد استقبلته مغتبطة لأنه يذكرها بيقظة مصر التي لا نَوْمَ بعدها، وبعزة مصر التي لا ذُلَّ بعدها، وبحرية مصر التي لا سبيل إلى أن يُمْحَى حبها من النفوس، واستقبلته محزونة لأنه يذكرها بضحايا مصر في سبيل اليقظة التي يزيلها النوم، وفي سبيل العزة التي لن يمسها الذل، وفي سبيل الحرية التي لن يفسدها الطغيان.

    يذكرها بهذه النفوس الكريمة التي فارقت الأرض لتقيم صرح الكرامة بين أهل الأرض، وبهذه الدماء الزكية التي سقت الأرض لتنبت فيها هذا النبت النضر الذي لا يذبل، المزهر الذي لا يذوي، نبت الحرية والاستقلال، استقبلته مبتهجة؛ لأنه ينبهها إلى أن الخطوب قد تختلف عليها، وتحدِّق بها، حتى تأخذ عليها السبل، وتقطع عليها الطرق، ولكنها على ذلك ثابتة قوية، تغلب الخطوب وتقتحم الأهوال، وتنفذ إلى ما تريد، واستقبلته مبتئسة لأنه يذكرها بأن من أبناء مصر مَنْ ضعفوا عن حمل الأمانة، فسقطوا في منتصف الطريق، والْتَوَتْ بهم الأهواء والمنافع، ولَمَّا يبلغوا الغاية، ولما يحققوا الأمل؛ فانقلبوا حربًا على أمتهم، يكيدون لها، ويتخذونها وسيلة إلى تحقيق المآرب والأطماع.

    نعم عيد هذا اليوم، الذي استقبلته قلوب المصريين جميعًا، بما تُسْتَقْبَلُ به الأعياد القيمة الخصبة من الرضا والسخط، ومن السرور والحزن، ومن هذه الذكرى، التي تُحْيِي الأمل، وتجدد المُنَى، وتقوي الرجاء، وتَعِظُ من يحتاج إلى العظة، وتثير العِبْرَةَ في قلوب الذين يحتاجون إلى الاعتبار.

    عيد هذا اليوم السعيد قد أدى رسالته إلى المصريين، وإن حاولت الوزارة أن تكم فمه وتعقد لسانه؛ لأن الوزارة إن استطاعت أن تكمَّ أفواه الناس وتعقد ألسنة الناس؛ فلن تستطيع أن تكمَّ أفواه الحوادث، وتعقد ألسنة الأيام.

    هؤلاء الشرطة يذهبون ويجيئون، يأخذون هذا ويرسلون ذاك، يلقون بهذا في غيابة السجن، ويَرُدُّون هذا إلى أهله موفورًا. هؤلاء الأساتذة والمعلمون قد أذعنوا لأمر الوزارة؛ فحشدوا أنفسهم جميعًا في المدارس والمعاهد حشدًا، سواء منهم من لم يكن له بد من الذهاب إلى المعاهد والمدارس، ومن كان حرًّا طليقًا في هذا اليوم.

    هؤلاء الأساتذة والمعلمون قد أذعنوا لأمر الوزارة منذ أيام؛ فغدوا على مدارسهم ومعاهدهم مبكرين قبل أن يأتي وقت الدرس، وهؤلاء الطلاب والتلاميذ قد أذعنوا لأمر الوزارة، فاختلفوا إلى مدارسهم، واستمعوا لدروسهم، وأجابوا على ما وُجِّهَ إليهم من سؤال، وهؤلاء الناس قد أشفقوا من بطش الوزارة، فانصرفوا إلى أعمالهم، لم يعلنوا سرورًا؛ لأن الوزارة تعاقب على إعلان السرور، ولم يعلنوا حزنًا؛ لأن الوزارة تعاقب على إعلان الحزن، ولم يعلنوا أملًا؛ لأن الوزارة تكره إعلان الأمل، ولم يظهروا يأسًا؛ لأن الوزارة تكره إظهار اليأس.

    ولكنَّا نؤكد للوزارة صادقين، ولكن الوزارة تؤكد لنفسها صادقة، ولكن كل شيء يؤكد للوزارة، ويؤكد لغير الوزارة أن مظاهر البأس والبطش، وألوان التحكم والعنف، لم تبلغ من نفوس الناس شيئًا؛ فهؤلاء الأساتذة والمعلمون يذعنون لأمر الوزارة، ولكنهم يحفلون بالعيد، وهؤلاء الطلاب والتلاميذ يذعنون لبأس الوزارة ولكنهم يحفلون بالعيد، وهؤلاء الناس يجتنبون بطش الوزارة، ولكنهم يحفلون بالعيد.

    ولو قد أتيح للوزارة أن تنفذ إلى القلوب لرَاعَهَا ما تجد، ولو قد أتيح للوزارة أن تبلغ أعماق الضمائر والنفوس لهالها ما ترى، ولكن الوزارة قانعة متواضعة، ترضى بالقليل، تكفيها القوة المادية، ويرضيها أن تُسَلِّط بأسها على الأجسام، ولا يعنيها بعد ذلك أن تَرْضَى القلوب أو تسخط، وتأمن النفوس أو تخاف، والوزارة قانعة متواضعة لا تحب أن تسأل التاريخ، ولا تحب أن تنظر في عواقب الأمور، ولا تستطيع أن تقيس مصر إلى غيرها من البلاد، ولا أن تقيس الشعب المصري إلى غيره من الشعوب، ولا أن تفكر في أن ضفاف النيل ليست بدعًا من أقطار الأرض، وفي أن أبناء النيل ليسوا بدعًا من الناس، وفي أن ما كان في غير مصر من انتصار الحرية لا بد من أن يكون في مصر، وما كان في غير مصر من ظفر الشعوب بعزتها واستقلالها لا بد من أن يكون في مصر، ومن أن انتصار العنف موقوت مهما يطل محدود مهما يعظم، ومن أن العدل كائن من غير شك؛ لأن الله أراد أن يكون، وإذا أراد الله أمرًا فلا راد له.

    الوزارة قانعة متواضعة لا تحفل بهذا، ولا تفكر في بعض هذا، وهي ليست بدعًا من أمثالها من الوزارات التي أخذت الشعوب بما لا تريد الشعوب، فلم تجنِ من ذلك خيرًا، ولم تظفر من ذلك بشيء.

    إن الذين يريدون أن يشفقوا لأنهم يحبون الإشفاق، وأن يرحموا لأنهم يؤثرون الرحمة؛ خليقون أن يشفقوا على الوزارة، وأن يرحموها؛ لأنها لم تسئ بهذا العنف الذي اصطنعته وغلت فيه إلى الناس، ساءت ما أساءت إلى نفسها، فهي قد دلَّت على نفسها أقوى الأدلة وأسطع البراهين، وأنصع الحجج، وهي قد أثبتت للأغبياء، قبل أن تثبت للأذكياء، أنها تمضي في طريق والأمة تمضي في طريق آخر، وأنها تريد شيئًا والأمة تريد شيئًا آخر، وأنها إن بلغت بصنيعها رضا الإنجليز فقد بلغت بصنيعها سخط المصريين.

    إن الذين يشفقون لأنهم يحبون الإشفاق، ويرحمون لأنهم يؤثرون الرحمة؛ خليقون أن يشفقوا على الوزارة وأن يرحموها، فهي خليقة حقًّا بالإشفاق والرحمة، وما رأيك في وزارة تحارب هذا اليوم ولولا هذا اليوم لما كان أعضاؤها وزراء، ولما استمتع أعضاؤها بما يستمتعون به من القوة والسلطان؟! وما رأيك في وزير من أبناء الثورة يشترك في إعلان الحرب على يوم الثورة؟! وما رأيك في قوم أحياهم الجهاد الوطني، الذي يذكره المصريون اليوم، فإذا هم ينصبون لهذا الجهاد الوطني، وإذا هم يريدون أن يُنْسَى، وأن يعود المجاهدون كعهدهم قبل أن يبعث الله فيهم حب الجهاد؟! وما رأيك في قوم كان ينبغي لهم أن ينافسوا في إحياء هذا اليوم ويسبقوا إلى تكريمه وتمجيده؛ ليثبتوا للأمة أنهم ليسوا أقلَّ من خصومهم حبًّا لمصر وفخارًا بمصر، وحرصًا على عزة مصر، وسعيًا إلى استقلال مصر، فإذا هم يُشْهِدُونَ الليل والنهار، والأرض والسماء، على أنهم لا يحبون، ولا يستطيعون أن يروا مصر تُحْيِي يوم الجهاد، أو تذكر سابقتها في الجهاد، أو تدعو أبناءها إلى المضي في الجهاد؟!

    هؤلاء السادة خليقون بالإشفاق حقًّا، خليقون بالرحمة حقًّا؛ لأنهم يقضون على أنفسهم بأنفسهم، ويعلنون إلى الناس في صراحة لا تقبل شكًّا، ولا تحتمل لبسًا ولا غموضًا أن الطريق قد طالت عليهم فهم يقفون، وأن الأعباء قد ثقلت عليهم فهم يتخففون منها، وأن الجهاد قد شقَّ عليهم فهم يؤثرون العافية ويبتغون الراحة، ويُكْرِهون الناس على أن يكونوا مثلهم قانعين متواضعين.

    ليهن هؤلاء السادة تواضعهم هذا؛ فإن مصر لا ترضاه، ولتهن هؤلاء السادة قناعتهم هذه؛ فإن مصر لا تحبها، وليسترح هؤلاء السادة؛ فإن مصر لا تريد أن تستريح، وليجتنب هؤلاء السادة طول الطريق وما فيها من مصاعب وعقاب؛ فإن مصر لا تكره طول الطريق، ولا تهاب المصاعب والعقاب.

    لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه الأقدمين، وإلى أصدقائه المحدثين، لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه أولئك يذكرون الجهاد الوطني ويسعون إلى قبر سعد؛ ليجددوا له ولمصر عهد المضي في الجهاد، ولينظر إلى أصدقائه هؤلاء يرصدون الشرطة والجند، ويبثون الأرصاد والعيون، ويبذلون ما يمكن وما لا يمكن ليَخْفُتَ صوت الجهاد، وليخفى حب الأمة للجهاد، وليخبو هذا المصباح الذي شَبَّ في مثل هذا اليوم، منذ خمسة عشر عامًا.

    لينظر وزير الأوقاف إلى أصدقائه أولئك حول قبر سعد، وإلى أصدقائه هؤلاء في رياسة الوزراء، لينظر إلى نفسه بين أولئك وهؤلاء؛ ليرى وليتبين كيف اختار؟ وماذا اختار؟ وأين أراد لنفسه أن تكون؟!

    ليذكر وزير الأوقاف إن كان قرأ، وليقرأ وزير الأوقاف إن لم يكن قد قرأ، قصيدة لشاعر فرنسي حذر، يسأل نفسه فيها هذا السؤال:

    «ماذا صنعت، قل لي ماذا صنعت، بأيام الشباب؟»