Tag: civil servants

  • جنون!

    جنون!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٣ مايو ١٩٤٧

    تحدثتُ في غير هذا المَوضع عن قصة لكاتبٍ عظيم من كُتَّاب تشكوسلوفاكيا هو «فرانز كفكا»، وهي قصة «القصر». وكنتُ أظنُّ كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والبَاحثين أنَّ الكاتب قد اتَّخَذَ قِصَّتَهُ رَمْزًا لمُشكلة من المُشكلات العُلْيَا؛ هي مُشكلة الاتصال بين الإنسان وخَالِقِه. فالقصر قائم على ربوة مُرتفعة تنبسِط تحتها قرية مُنتشرة في أسفل الأرض، وليس من سبيل إلى أنْ يَصِلَ عامَّة الناسِ إلى هذا القصر، وإنَّما يَهبِط إلى القرية بعض الموظفين بين حينٍ وحين، ويصعب لقاء هؤلاء الموظفين على أهل القرية، ولا يرقى إلى القصر من أهل القرية إلا رُسُلٌ قليلون لا يزيد عملهم على نقل الأوامر بين القصر والقرية. وقد أقبل رجل من مكان بعيد على أنه قد عين مَسَّاحًا في هذه القَرية، ولكنه يُنفق خلاصة عمره دون أن يتسلَّم عمله، ويَبْذُل جهودًا لا تنقضي دونَ أنْ يَرْقى إلى القَصْر ليَتَسَلَّم عَمَله، أو دُون أن يَتَّصِلَ بأحد الموظفين الذين يهبطون بين حين وحين من القصر، لعله يجد عند هذا الموظف معونة على تسلُّم عمله!

    وكنت أظن كما يظنُّ غيري من النُقَّاد والباحثين أنَّ هؤلاء الموظفين الذين يستقرون في القَصر أو يهبطون إلى القرية بين حين وحين، إنَّما هُمْ رُموز للوسطاء الذين يُحاولون أنْ يَصِلُوا بين المَخْلُوق وخَالقه دون أن يبلغوا من ذلك شيئًا، ولكنَّ نظرة يسيرة إلى بعض الشئون في حياتنا المِصرية قد لفتني إلى أنه وإن يكن من الجائز أنَّ الكاتب قد أراد بقصته إلى الرَّمز، ولكن من المُحقق أنه قد صوَّر في قصته ألوانًا من حقائق الحياة في بعض البلاد التي تتعقَّد فيها البيروقراطية، وتختلط فيها شئون الإدارة، وتتسلَّط فيها جماعة قليلة من كبار الموظفين على جماعة ضخمة من صغار الموظفين، ويتسلَّط فيها أولئك وهؤلاء على شعب كامل، يُرُونَهُ النجوم في الظهر، ويذيقونه من العذاب فنونًا وألوانًا!

    ويَكْفِي أنْ تَذْهَب إلى دِيوان من دواوين الحُكومة في يومٍ منَ الأَيَّام العَادِيَّة؛ لترى ازدحام الديوان بطلاب الحاجات وأصحاب المصالح، وتجمعهم على أبواب الغُرُفات والحُجُرات، ولتَرَى من وراء أبواب هذه الغُرُفات والحجرات مُوظفين هادئين مُطْمَئنين، يُداعب بعضُهم بعضًا، ويتحدث بعضهم إلى بعض في أمورٍ ليس بينها وبين هذه الجماعات المُزدحمة صلة قريبة أو بعيدة.

    ولتراهم ينفقون اللحظات الطوال والقصار يقولون للتليفون ويسمعون منه، وهم في أثناء هذا كله يُقْبِلون على البارد والحار من شرابهم، ويستعينون على قطع أوقاتهم بتدخين السيجارة أو تدخين السيجار، والجماعات مُزدحمة مُصطخبة يشكو بعضها إلى بعض، والحُجَّاب يحولون بينها وبين الأبواب، بحيث تشهد في هذا الديوان عالمين يختلفان فيما بينهما أشد الاختلاف: عالم الموظفين الذي يأتلف من الآلهة وأنصاف الآلهة وأثلاثهم وأرباعهم، بل من أخماسهم وأسداسهم؛ وعالم الرعية الذي يأتلف من عباد الله البائسين؛ أولئك الذين يُؤدون الضرائب ويرزُقُون هؤلاء الموظفين جميعًا من جر أموالهم وثمرة أعمالهم، دون أن يستطيعوا أن يصلوا إليهم ليعرضوا عليهم ما يهمهم من المآرب والحَاجَات، فإذا ذهبت إلى هذا الدِّيوان في بعض المَواسم الخَاصَّة التي تظهر فيها حاجات الناس عنيفة مُلِحَّة كمواسِمِ دخول المَدارس مَثلًا لرَأيتَ الفَرْقَ بين هذين العالمين مروعًا خطيرًا حقًّا!

    وهذا وحده يكفي لتصوير لونٍ من ألوان الفساد في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين؛ ولتصوير ما نستطيعُ أنْ نُسَمِّيه قلب الأوضاع، وتبديل قيم الأشياء؛ فالرَّعية هي التي تعمل وتجدُّ وتنتج وتملأ خزانة الدولة بما تؤدي إليها من الضرائب المُباشرة وغير المباشرة، وتتيح للدولة في أن ترزق الموظفين في آخر كل شهر. والرَّعية هي التي أنشأت الدولة إنشاءً، وجعلت لها حُكُومة ومُوظفين، وقَصَدَتْ بإنشاء الدَّولة وتكون الحكومة وترتيب الموظفين، إلى أنْ يكون الحُكَّام والموظفون عامة خدامًا لها، يُدَبِّرون أَمْرَها، ويَقْضُون مَصَالحها، ويُحققون منافعها، ويَسْمَعون لها إذا تكلَّمت، ويأتمرون بأمرها إذا أمرت، في حدود ما وضع من نظم وقوانين … ولكن الأوضاع تُقلب، والقيم تبدَّل، فيُصبح الموظفون سادة، وتُصبح الرَّعية عَبيدًا، ويتَحَكَّمُ المُوظفون في الشعب تَحَكُّمًا لا يصدر إلا عن السيد في تلك العصور القديمة التي كان النظام فيها يقوم على أنَّ الدولة لا تستَمِدُّ سُلطانها من الشعب، وإنَّما تستمده من الله.

    ولكن في الأمر ما هو أغرب من هذا كله، وأدنى إلى الطرافة التي لا أدري أتسر هي أم تسوء! فطبقة الموظفين لا تقسو على الشعب وحده، ولا تسخر من الشعب وحده، وإنما يقسو بعضها على بعض، ويسخر بعضها من بعض، ويهمل بعضها أمر بعض، وتنظر فإذا بعض الموظفين سادة وبعضهم الآخر عبيد، وإذا السادة من الموظفين يتحكَّمون في العبيد منهم كما يتحكَّم أولئك وهؤلاء في طبقة ثالثة مُستعبدة لأولئك وهؤلاء؛ وهي طبقة الشعب!

    هذه الطائفة من كبار الرؤساء لم يجعل القانون إليها أمور الشعب وحده، وإنما جعل إليها أمور المرءوسين الذين يُعاونونها على خدمة الشعب؛ فهِي التي تَخْتَارُهم وتضَعهم في مواضعهم، وتَكِلُ إليهم أعمالهم المُختلفة، وتكافئهم إن أحسنوا وتُعاقبهم إن أساءوا. وهي من أجل ذلك تَتَحكم فيهم كما تتحكم في الشعب، وتُغريهم بالتحكم فيمن دونهم من المُوظفين كما تتحكم هي فيمن دونها من الموظفين.

    ويَكفي أن تتحدث إلى هذا المُوظف أو ذاك، أو أنْ تَسْتَمع للموظفين وهم يتحدثون في مَكاتبهم وأنديتهم وقهواتهم؛ لتتبيَّن مقدار ما يكون من التحكم بين طبقات الموظفين، ولتتبين أنْ لا غرابة مُطلقًا في إهمال مصالح الشعب، وإنما الغرابة كل الغرابة في العناية بمصالح الشعب؛ لأنَّ كبار الموظفين وصغارهم مُشغولون بأنفسهم عن الشعب، ولأنَّ الوسائل أصبحت غايات، فلم يبقَ الموظف خادمًا للشعب، وإنما أصبحَ خَادمًا لرئيسه أولًا، ومعنيًّا بنفسه ثانيًا، ومُستخدِمًا لمن دونه ثالثًا!

    وكبار الموظفين يترضَّوْنَ الوزراء، وأوساط الموظفين يترضون كبارهم، وصغار الموظفين يترضون أوساطهم، والحُجَّاب والخدام يترضون الصغار والأوساط والكبار جميعًا.

    فإذا بقي لهؤلاء الموظفين شيء من وقت رَفَّهوا فيه عن أنفسهم، وتَحَدَّثوا فيه بما يهمهم من الأمر، وقد يتَفَضَّل بعضُهُم فيُعْنَى بمصلحة الشعب من حين إلى حين!

    وإذا كانت هذه الحال؛ فأي غرابة في أنْ تُوجد بين الموظفين طبقة المنسيين، وأي غرابة في أن تقرأ في الصحف منذ أيام أن مُوظفًا في وزارة الزراعة قد وقف عن عمله منذ ست سنين، وكُفَّ عنه مُرتبه منذ ست سنين أيضًا، ولم يُقْضَ في أمره إلى الآن، على ما كان من تَعاقُب الوزارات، وعلى أنَّ لهذا الموظف أُسرة يَجبُ أن تعيش، وأبناء يجب أن يتلعموا، وحياة يجب أن تحتمل؟!

    وأي غرابة في أن يعود موظف من مُهِمَّة كان يُؤديها خارج مصر، وينتظر منذ أكتوبر إلى الآن دون أنْ يُقال له أين أنت أو ماذا تصنع، ودون أن يكلَّف عملًا من الأعمال على كثرة إلحاحه في أن يكلَّف بعض العمل، وعلى كثرة تردده على مكاتب الكبار والأوساط والصغار من الموظفين؟!

    قوم لا يعملون، ولكنهم يترددون إلى المكاتب، ويقبضون المرتبات، ويُشغَلون بأنفسهم عن مصالح الشعب، وقوم لا يعملون، ولكنهم يقبضون مرتباتهم آخر الشهر … ومنهم من يرضى بذلك ويحمد الله على هذا الرزق الذي يُساق إليه في غير جهد، ومِنْهُم من يَذُوب قلبه حَسْرَةً لأنَّه يريد أن يعمل بمقدار ما يأخذ من أجْرٍ فلا يجد عَمَلًا! وقومٌ آخرون لا يَعْملون ولا يقبضون المُرتبات ولا يجدون ما ينفقون ولا يُخلى بينهم وبين التماس العمل؛ لأنهم موقوفون، قد علقوا بين الولاية والعزل تعليقًا!

    وهذا كله يقع، تراه الأعين وتسمعه الآذان، وتلمسه الأيدي، وتفكر فيه العقول، وتتحدث به الألسنة، وفي مصر مع ذلك برلمان يُهيمن على شئون الدولة، ويُراقب السلطة التنفيذية فيما تأتي وما تدع!

    فإذا كان هذا كله لا يدلُّ على أنَّ مصر قد جُنَّ جُنونها، وأصبحتْ في حاجة إلى البيمارستان، فلستُ أدري ماذا عسى أن يكون الجنون؟!

  • ظلم

    حديث المساء: ظلم

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٨ أكتوبر ١٩٣٣

    الذي أعلمه ويعلمه رئيس الوزراء وزملاؤه من الوزراء، وأعوانه من الموظفين، ويعلمه الناس
    جميعًا علم يقين، هو أن في مصر نظامًا دستوريًّا ينص في صراحة لا تحتمل اللبس على أن الأمة مصدر
    السلطات.

    وجد هذا النص في الدستور الذي ألغاه صدقي باشا، ووجد هذا النص في الدستور الذي استصدره صدقي
    باشا، والذي نهضت الوزارة القائمة لتحميه وتصونه، وتنفذ أحكامه بالعدل — فيما تقول — بين الناس
    جميعًا، لا تفرق بين أحد منهم. وهذه السلطات التي تصدر عن الأمة بنص هذين الدستورين الصريحين هي
    سلطة النواب والشيوخ حين يشرعون، وسلطة الوزراء والموظفين حين ينفذون، وسلطة القضاة حين يقضون.
    معنى ذلك أن النواب والشيوخ والوزراء والموظفين ورجال النيابة والقضاء لم يُسلطوا على الأمة
    تسليطًا، ولم يفرضوا على الأمة فرضًا، ولم يستمدوا سلطانهم من قوة أجنبية بعيدة عن الأمة، مسلطة
    عليها، ليصبوه عليها صبًّا، وإنما أقامتهم الأمة نفسها، ومنحت بعضهم من الحق والقوة ما يمكن من
    التشريع، ومنحت بعضهم الآخر من الحق والقوة ما يمكنهم من التنفيذ، ومنحت فريقًا ثالثًا من الحق
    والقوة ما يمكنهم من الفصل في الخصومات، وأرصدت لهم جميعًا من مالها ما يهيئ لهم تأدية هذه
    الواجبات على أحسن وجه وأكمله.

    فأيهم تجاوز هذه الحدود، أو أعان على تجاوزها، وأيهم خرج عن هذا الوضع الذي حدده الدستور
    تحديدًا صريحًا، أو أعان على الخروج عنه، فهو ظالم جائر، وهو معتدٍ على الحق، مُسرفٌ في إهدار
    العدل. هذا شيء لا يمكن أن يشك فيه أحد، ولا أن يماري فيه إنسان، ولعل مصدر ما نحن فيه من الشر
    هو أن كثيرًا من الناس يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون إلى ما تدل عليه من المعاني، ولا يتمثلون كما
    ينبغي حقوقهم الخالصة التي لا سبيل إلى أن تمس إلا بالظلم والجور، والبغي على النظام
    والدستور.

    ولو أن أعضاء الوزارات وأعوانهم من الموظفين آمنوا بهذا النص وأمثاله من نصوص الدستور إيمانًا
    لا تجري به الألسنة وحدها، وإنما تطمئن به القلوب أيضًا، كما تطمئن قلوب المؤمنين بذكر الله،
    لتجنبوا كثيرًا من الشطط، ولتنكبوا فنونًا من الإرهاق.

    ولو أن المصريين على اختلافهم، وتباين منازلهم وطبقاتهم الاجتماعية تمثلوا هذا النص وأمثاله
    من نصوص الدستور، فجرت به ألسنتهم عن إيمان واعتقاد، لا عن ترديد ظاهر كما تردد الببغاء ما تحفظ
    من الكلمات، لما أباحوا لوزير أن يشط عليهم، ولا قبلوا من موظف أن يُحمِّلهم من الظلم ما لا
    ينبغي له أن يحملهم، ولا ينبغي لهم أن يحتملوه، ولكن الناس عادةً يكتفون بالألفاظ، ولا يصلون
    إلى المعاني، فيعجزهم فهم ما لهم من حقوق، ويعجزهم فهم ما عليهم من واجبات، وقد أحب أن أفهم بعد
    هذا الذي لا سبيل إلى الشك فيه: كيف يُباح لموظف من الموظفين أن يشتم جماعة من أبناء الشعب الذي
    منحه ما بيده من السلطان، وخوله ما بيده من القوة، وكيف يُباح لموظف من الموظفين — مهما يكن،
    وليكن رئيس الوزراء — أن يقول لجماعة من المصريين — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر أبناء مصر
    وأدناهم إلى البؤس والضعف والإعدام: إنهم أبناء كلاب؟!

    أحب أن أفهم كيف يباح لموظف من الموظفين المصريين في ظل حكم دستوري متحضر أن يجري لسانه بهذا
    الكلام، وأن يوجهه إلى إخوانه في الوطنية — مهما يكونوا — وأين يوجد النص الدستوري أو القانون،
    بل أين يوجد العرف الدستوري أو القانون الذي يبيح لموظف مصري أن يسمي إخوانه في الوطنية أبناء
    كلاب؟

    وأحب أن أفهم أيضًا كيف يباح لموظف مصري — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يكلف عمدة من
    العمد بأن يمتص دماء المصريين، وفي أي معجم من معاجم الفقه الدستوري أو من معاجم النظام الإداري
    يوجد هذا اللفظ؟! لفظ امتصاص الدماء، دماء أبناء الشعب الذين هم مصدر السلطات بنص
    الدستور!

    وأحب أن أفهم كيف يتاح لموظف من الموظفين المصريين — مهما يكن، وليكن رئيس الوزراء — أن يعلن
    إلى جماعة من مواطنيه — مهما يكونوا، وليكونوا من أفقر الناس وأضعفهم وأدناهم إلى البؤس
    والإعدام — أنه مكلف خراب بيوتهم. وأين توجد هذه القوة التي تكلف الموظفين تخريب بيوت الشعب،
    وأين يوجد النص الدستوري أو القانوني الذي يخول الموظفين تخريب بيوت الشعب، ويأذن لهم في أن
    يجهروا بذلك ويعلنوه إلى الناس في غير حرج ولا حياءٍ؟

    أحب أن أفهم هذا كله، أو على أقل تقدير، أحب أن يؤكد رئيس الوزراء للناس أن شيئًا من هذا كله
    لم يقل، وأن شيئًا من هذا كله لم يكن، وأن شيئًا من هذا كله لا يمكن أن يقال، ولا أن يكون. وأحب
    أن يكون تأكيد رئيس الوزراء لهذا صريحًا قاطعًا لا يعتمد على القول وحده، وإنما يعتمد على القول
    والعمل؛ فقد ذكرت السياسة صباح اليوم أن مأمورًا من مأموري المراكز قال هذا الكلام لجماعة من
    أهل الريف بمحضر من قوم آخرين سمعوه. فهل روت السياسة حقًّا، أم هل روت السياسة شيئًا غير الحق؟
    فإن تكن الأولى فإن واجب رئيس الوزراء واضح لا غموض فيه، قاطع لا يحتمل الرد؛ وهو أن يسأل زميله
    وزير الداخلية كيف كان هذا، وأن يكلف زميله وزير الداخلية إحالة هذا المأمور على مجلس التأديب،
    فإن فعل وزير الداخلية فذاك، وإن لم يفعل؛ فواجب رئيس الوزراء واضح أيضًا، وهو أن يختار بين
    إقرار وزير الداخلية وموظفيه على شتم الشعب وتكليف العمد أن يمتصوا دماءه، وتكليف الموظفين أن
    يخربوا بيوته. فيعلم الشعب أن الوزارة القائمة تعترف في صراحة بأنها لا تستمد سلطانها من الشعب،
    وبأنها قد جاءت لإذلال هذا الشعب، وبين أن يخرج وزير الداخلية من وزارته إخراجًا.

    وظلم آخر بشع لا يتناول فردًا من الناس، وإنما يتناول مئات وألوفًا، ولا يتناول قرية من
    القرى، وإنما يتناول جماعات ضخمة من المصريين، منبثة في أقطار مصر كلها. ونحب أن يُعنى به رئيس
    الوزراء، وأن يتبين جلية الأمر فيه، فإن كان حقًّا واقعًا لام فيه وزير التقاليد، وكلفه إصلاحه
    ومحو آثاره السيئة. وإن لم يكن حقًّا أعلن إلى الناس أنه شيء يختلق اختلاقًا، ويخلق من لا شيء.
    وهذا الظلم هو الذي تراه مفصلًا في غير هذا المكان من الكوكب، وهو الذي يقال أنه يصب على رجال
    التعليم الأولى منذ حين.

    فقد عرض بعض النواب برجال التعليم الأولى في بعض جلسات المجلس أول الصيف، ولم يدفع عنهم
    الوزير — وأول واجباته أن يدفع عنهم إن كانوا مظلومين، وأن يفصلهم من العمل إن كان النائب قد
    وصفهم ببعض ما فيهم.

    وقد أنكر المعلمون تعريض النائب وصمت الوزير، وكتبوا في ذلك إلى الوزارة، فعدَّ إنكارهم هذا
    ذنبًا لا بد له من عقاب، وعدَّ دفاعهم عن أنفسهم إثمًا لا بد له من كفارة، ودافع كاتب من الكتاب
    عن هؤلاء الناس، فشكروا له دفاعه عنهم، فعدَّ شكرهم هذا سيئة لا بد من أن يُؤخذوا بها، وجريمة
    لا بد من أن يُطهَّروا منها، ثم صب عليهم لونًا من العذاب غريبًا، فيه تشريد في أقطار الأرض:
    يكون بعضهم في القاهرة، فإذا هو في أقصى الصعيد، ويكون بعضهم في الصعيد فإذا هو في أقصى
    الواحات، ويكون بعضهم في إدفو فإذا هو في الحدود، ويكون بعضهم رئيسًا فإذا هو معلم، ويصبح بعضهم
    فإذا مرتبه قد خصمت منه أيام.

    ويكون بعضهم آمنًا فإذا هو موضوع التحقيق، وإذا هو يتوقع الشر، وينتظر أن يأتيه به الصبح إذا
    أشرق، أو الليل إذا أظلم، ويكون بعضهم مطربشًا فإذا هو مخير بين العمة وبين الفصل من العمل،
    ويكون بعضهم في مدرسة فإذا العمدة يزوره، ثم يزوره شيخ الخفراء، ثم يزوره بعض الشرطة؛ ليتبينوا
    أنه قد غير الزي أثناء التعليم. ويخرج بعضهم من المدرسة فإذا هو مراقب تنتظره الشرطة الظاهرة
    والخفية في الطريق؛ لتتبين أنه لا يعود إلى الطربوش بعد أن يخرج من المدرسة.

    يقول رجال التعليم الأولى: إن هذا كله قد وقع، وما يزال بعضه واقعًا، وما يزال شيء يشبهه
    منتظرًا أن يقع مساء اليوم أو صباح الغد، أو بعد ذلك بوقت قصير أو طويل. فنحب أن يعنى رئيس
    الوزراء بهذا؛ لينفيه نفيًا صريحًا إن لم يكن حقًّا، وليرفعه رفعًا صريحًا إن كان حقًّا، ويعاقب
    الذين يسلطون شره على الناس.

    ورئيس الوزراء يعلم من غير شك أن وزارة المعارف لم تنشأ لتظلم المعلمين وترهقهم، وتأخذهم
    بقبول الإهانة والصبر على الضيم، وتصادرهم في أبسط حقوقهم من الحرية، وإنما خلقت لشيءٍ آخر بعيد
    عن هذا كل البعد، كما أن رجال الإدارة لم يُبثُّوا في الأقاليم ليقولوا للناس: إنهم أبناء كلاب،
    وليكلفوا العمد أن يمتصوا دماء الشعب، وليعلنوا إلى الناس أنهم قد كلفوا تخريب البيوت.

    هذا كله ظلم يجب على رئيس الوزراء أن يرفعه فورًا، ويعاقب مقترفيه، أو أن ينفيه فورًا، ويثبت
    للناس أنه غير صحيح، فإن أعياه هذا أو ذاك؛ فبقاؤه في منصبه لا معنى له، وواجبه الأول أن
    يستقيل.

    أما بعد، فيجب أن يتنبه الحاكمون والمحكومون جميعًا إلى أن نصوص الدستور لم توضع لتكون زينة
    أو حلية، وإنما وضعت لتكون أساسًا للحياة المصرية، وقوامًا للصلة بين الشعب والسلطان. إن أظهر
    هذه النصوص وأحقها بالفهم والاحترام إنما هو هذا النص الذي يسجل أن الأمة مصدر السلطات، ويبين
    بهذا أن رجال الحكم ليسوا سادة الشعب، وإنما هم خدَّامه، وأول ما يجب على خادم الشعب أن يكون
    مخلصًا، ناصحًا، أمينًا.