Tag: Civilizational Heritage

  • أمر ذو بال (حول تعليم اللغات القديمة في مصر)

    حديث الأربعاء: أمر ذو بال (حول تعليم اللغات القديمة في مصر)

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٢ سبتمبر ١٩٢٣

    لا أريد الآن أن أكتب في هذا الموضوع مقترحًا، فالموضوع كما سنراه أجلُّ خطرًا وأشدُّ تعقدًا
    من أن يكتب فيه كاتب واحد، أو يستقل بالاقتراح فيه باحثٌ واحدٌ. وإنما هو في حاجة إلى أن يتطلع
    الكتَّاب والباحثون على درسه والتفكير فيه، والبحث عما يلائم منفعة مصر فيه من حل. ولقد كنت أظن
    أن مثل هذا الموضوع خليقٌ أن يخطر ببال وزارة المعارف، فتدرسه درسًا منظمًا؛ نسأل الناس رأيهم
    فيه استعدادًا لما سنضع للتعليم من نظام جديد. ولكني أرى وزارة المعارف معرضة عن مثل هذه
    المباحث، أو هي تستقبلها على نحو غير الذي ينبغي أن تستقبل به المباحثُ ذات الخطر. ذلك لما قلته
    لك غير مرة من أن وزارة المعارف ليست لها سياسة معينة بينة في التعليم، وإنما هي تنهج في
    سياستها التعليمية منهج المصادمة — إن كان للمصادمة منهج — أو منهج التضييق الدنلوبي القديم
    الذي لم يبقَ بدٌّ من العدول عنه الآن.

    وأنا أريد أن أكتفي في هذه الكلمة بعرض المسألة وبسطها، وأن أرجو من الكتَّاب الذين يعنيهم
    مثل هذا الموضوع، ويستطيعون أن يكوِّنوا لأنفسهم رأيًا فيه أن يدرسوه درسًا دقيقًا، ويعرضوا على
    الناس نتيجة هذا الدرس.

    لهذا الموضوع خطرٌ في مصر، ليس له في غيرها من البلاد؛ ذلك لأن مصر، أو قل: لأن الحياة
    العلمية والتاريخية والسياسية في مصر، متصلة بطوائف ثلاث من طوائف الحضارة. فليس لمصر بدٌّ من
    أن تفهم هذه الحضارات فهمًا صحيحًا، ومن أن تتصل بها اتصالًا قويًّا.

    مصر متصلة بحضارة الفراعنة، ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال أو أقيم الدليل عليه. وهي
    متصلة بحضارة العرب، ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال أيضًا. وهي متصلة بحضارة أوروبا،
    ولستُ في حاجة إلى أن أصف هذا الاتصال، كما أني لست في حاجة إلى أن أصف اتصالها بالحضارتين
    السابقتين. وإذن، فحياة مصر القومية تضطرها إلى أن يشتد اتصالها بحضارة الفراعنة؛ أي إلى أن
    نفهم هذه الحضارة دون ترجمان، أي إلى أن نفهم اللغة الهيروغليفية واللغة القبطية. وما أحسب أن
    أحدًا ينازع في مثل هذه النظرية، وربما خشيت إسراف الناس في إكبار هذه النظرية؛ لأن الناس
    جميعًا مقتنعون باشتداد الحاجة إلى درس هاتين اللغتين. وحياة مصر القومية تضطرها إلى أن نتصل
    بالحضارة العربية اتصالًا متينًا؛ أي إلى أن نحسن فهم اللغة العربية وكتابتها وتكلمها. وليس هذا
    الأمر من اليسر بحيث تظن، فقد نعرض في يوم من الأيام لإثبات أننا لا نفهم العربية ولا نحسن
    كتابتها ولا تكلمها. ولكن الأمر لا يقف عند درس اللغة العربية وحدها، فإن اللغة العربية وحدها
    لا تفهم حقًّا، ولا بدَّ من أن تدرس معها لغات أخرى يتوقف عليها فهمها، لا بدَّ من أن ندرس معها
    اللغات السامية. وإذن، فهذه طائفة أخرى من اللغات ليست أيسر من الطائفة الأولى درسًا، وليست
    حاجتنا إلى درسها أقل من حاجتنا إلى درس الطائفة الأولى، بل أزعم أنها أشد، وأشد جدًّا. فاللغة
    العربية هي لغتنا القومية بالفعل.

    وحياة مصر القومية ومستقبلها ورقيها، كل ذلك يضطرها إلى أن تتصل بالحضارة الأوروبية؛ أي إلى
    أن تقيم لغات أوروبا. وليس فهم لغات أوروبا وحضارتها مقصورًا على فهم الإنجليزية والفرنسية
    والألمانية، وما إليها من اللغات الأوروبية. بل لا بدَّ مع ذلك من درس اللغات أو اللغتين
    القديمتين، والحضارات أو الحضارتين القديمتين اللتين ترجع إليها أوروبا وحضارتها الحديثة. أريد
    اللغة اللاتينية واليونانية والحضارة اللاتينية واليونانية. وإذن، فهذه طائفة ثالثة من اللغات
    القديمة تضطرنا إلى درسها حياتنا القومية نفسها إذا كنَّا نريد أن نكون أصليين في الحضارة
    الحديثة، نصطنعها عن فهم وبصيرة لا مقلدين ولا متكلفين.

    هذه هي الطوائف الثلاث التي لا بدَّ لنا من أن ندرسها من طوائف اللغات. ومن الواضح أن من
    المستحيل أن يدرس المصري مهما يكن نابهًا، ومهما يكن ذكيًّا هذه اللغات جميعًا. وأن من السخف أن
    يطلب إلى كل مصري متعلم تعليمًا عاليًا أو ثانويًّا درس هذه اللغات جميعًا. ولكن من الواضح
    أيضًا أن من الحمق وسوء الرأي والخطر على الحياة القومية أن يهمل المصريون جميعًا هذه اللغات
    كلها أو بعضها، فلا بدَّ إذن من أن يكون فينا قوم يحسنون العربية واللغات السامية، وآخرون
    يحسنون اليونانية واللاتينية.

    لا بدَّ من أن توضع في مصر سياسة تعليمية تكفل توزيع هذه اللغات — إن صح هذا التعبير — على
    المصريين المتعلمين، بحيث يستطيع هؤلاء المصريون المتعلمين بحكم التعاون الاجتماعي العلمي أن
    يمدَّ بعضهم بعضًا، ويكملَ بعضهم نقص بعض. فما عسى أن تكون هذه السياسة التعليمية، وما عسى أن
    تكون الطريقة التي يمكن اتخاذها لدرس هذه اللغات وتعميم هذا الدرس على القدر المستطاع؟

    لا ينبغي أن يعتمد في ذلك على المدارس العالية وحدها، فإن المدارس العالية لا تنشأ لدرس
    اللغات، وإنما تنشأ للتخصص في هذه اللغات. وأعترف بأني لا أتصور طالبًا قد نال الشهادة
    الثانوية، ثم أخذ يدرس مبادئ اللاتينية أو اليونانية في مدرسة عالية؛ لأن ذلك على صعوبته ليس
    عظيم الفائدة، فهو يضطر الطالب أن يضيع وقته في درس مبادئ اللغة حين كان يجب أن ينفق هذا الوقت
    في درس آداب هذه اللغة وما اشتملت عليه من آيات البيان.

    ولا ينبغي أن يُعتمد في درس هذه اللغات على مدارس خاصة تنشأ له، فإن هذه المدارس الخاصة
    بطبيعتها لن يقصد إليها إلَّا عدد قليل من الطلاب، ذلك بحكم أنها مدارس خاصة، وبحكم أن شهادتها
    لن تكون ذات قيمة مالية تحمل على الرغبة فيها أو التهالك عليها.

    ولا ينبغي أن يعتمد في درس هذه اللغات على المدارس الأولية، فحسب الطفل أن يحسن الكتابة
    والقراءة باللغة العربية، وما إلى ذلك مما يدرس في المدارس الأولية. وإذن، فلم يبقَ أمامك إلا
    المدرسة الابتدائية والمدرسة الثانوية. ولكن أخذ الدرس في هاتين المدرستين محدود، وهو أضيق من
    أن يسع درس هذه اللغات كلها أو بعضها مع ما يجب أن يدرس في هذه المدارس من المواد العلمية
    والأدبية والعملية الأخرى التي لا يمكن أن يُستغنى عنها في هذا النوع من التعليم. وإذن، فقد
    وصلنا إلى نتيجة واحدة، وهي أن المدرسة الابتدائية والثانوية هما اللتان تستطيعان أن تدرسا هذه
    اللغات، وأن الوقت في هذه المدارس أضيق من هذا الدرس. فلا بدَّ إذن من التقسيم، ولا بدَّ إذن من
    التوزيع. فكيف يكون هذا التقسيم وكيف يكون هذا التوزيع؟

    هذه هي المسألة ذات الخطر التي أودُّ لو عُنيَ بها المفكرون، والذين لهم رأي في مثل هذه
    المسائل التعليمية. وأعتقد أنها أجلُّ خطرًا وأشدُّ نفعًا من كثيرٍ جدًّا من هذه المسائل التي
    يتكلف خوض غمارها الكتَّاب والمفكرون في هذه الأيام.