Tag: Classical Literature

  • رسالة لم يكتبها الجاحظ

    رسالة لم يكتبها الجاحظ

    طه حسين

    مجلة المصور

    ١٢ مارس ١٩٤٨

    إلى …

    يسَّرَك الله للخير، ويسَّر الخير لك، وصرفك الله عن الشر، وصرف الشر عنك، ودلَّك الله على الحق، ودل الحق عليك، وساقك الله إلى الصواب، وساق الصواب إليك، وأشاع الله في قلبك الغبطة، وأسبغ على نفسك البهجة، وأنزل على ضميرك السكينة، ونقَّى دخيلتك من الموجدة والضغينة، وجعل ما ظهر من أمرك بشرًا ويمنًا، وما خفي من سرِّك دعة وأمنًا، ووطأ كنفك للصديق المقارب، ومهَّد عفوك للعدو المجانب، ورفع مكانك عن كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وخفض جناحك للَّائذين بك واللاجئين إليك، وثبَّتك على ما ركب في طبعك من إعطاء المحروم، وإغاثة الملهوف، وإعانة المحتاج، وتعزية الملتاع، والأخذ بيد الضعيف، والتجاوز عن إساءة المسيء، والإعراض عن جهل الجاهلين.

    ***

    بهذا كله أدعو لك حين ألقاك، وحين أنأى عنك، وبهذا كله أدعو لنفسي حين أخلص لها خاليًا إليها، وحين أشغل عنها نافرًا منها. فالله يشهد ما أحببت لنفسي شيئًا إلا أحببت لك مثله، أو خيرًا منه، وما كرهت لنفسي أو من نفسي شيئًا إلا تمنيت أن يعصمك الله منه، وينزهك عنه، ويجنبك التورط فيه. فأنت رفيق الصبا وصديق الشباب، وأنت شقيق نفسي وأليف قلبي، والشريك في النعمة حين تظل، والحليف على النائبة حين تنوب، والمعين على الخطب حين يَدْلَهِمُّ، والظهير على الأيام حين تحدث فيها الأحداث وتتعقد فيها المشكلات. فما نصحت لك قط ولا أشرت عليك ولا رفقت بك، إلا رأيتني لها ناصحًا وعليها مشيرًا وبها رفيقًا.

    وما أعلم أنَّك احتجت قَطُّ إلى نصح الصديق ومشورة الخليل كما تحتاج إليهما الآن حين ارتفعت منزلتك عند أصحاب الشأن، وأُلْقِيَ إليك الخطير من أَزِمَّةِ الحكم، فطمِع فيك الطامعون، وأشفق منك المُشفِقون، وانعقدت بك الآمال، ولاذت بك الأماني، وأصبحت من وفور النعمة وبسطة الجاه بحيث لا تستقبل النهار ولا تستقبل الليل، ولا تعبر ساعة من ساعاتهما أو لحظة من لحظاتهما إلا فكَّر فيك مفكِّر يريد أن يستظل بجناح من نعمتك أو يتقي طائفة من نقمتك؛ فأنت المرجو المَخوف، وأنت المحبب المبغض، وأنت المرموق المرموق، وأنت المغبوط المحسود. وإذا بلغ الإنسان مثل ما بلغت من ارتفاع المنزلة وعلو المكانة وانبساط السلطان وامتداد القوة؛ كان خليقًا أن ينأى بنفسه عن الغرور والتِّيهِ، ويبرئها من الصَّلَفِ والكبرياء، ويحميها من الاندفاع في الثقة، والاعتداد بالحول والطول، والاستغناء بالثراء والبأس، ويذكر أنَّه قد قوي بعد ضعف، وأثرى بعد فقر، واستغنى بعد احتياج، وأنَّ ضمائر الأيام تحفظ للناس من أسرار الغيب ما يُحبُّون وما يكرهون، وتدَّخر لهم من الأحداث ما يعرفون وما ينكرون. فمن أتيحت له القوة قد يُقدر له الضعف، ومن مُكِّنَ له في الأرض قد تنبو به الدار، ومن ابتسمت له الأيام قد يعبس له الدهر، النعمة وديعة في أيدي أصحابها قد يطلبها من استودعهم إياها، والقوة عارية في أيدي الأقوياء، قد تُؤخذ منهم لتُردَّ على الضعفاء، والله عز وجل يقول: ( وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) وقد قال الشاعر القديم:

    فيومٌ علينا ويومٌ لنا ويوم نُسَاءُ، ويوم نُسَرُّ

    فأحذرك أول ما أحذرك أيها الأخ الصديق والخليل الشفيق: الاعتداد بالنفس، والاغترار بالحول والطول، والانخداع بابتسامات الدهر؛ فإنَّها قد تصدقك اليوم لتكذبك غدًا. فاحذر نفسك أول ما تحذر، وأشفق عليها منها قبل أن تشفق عليها من الناس، واذكر قول الله عزل وجل في قصة يوسف عليه السلام: ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )؛ فلا تنفذ لنفسك أمرًا تتلقاه منها حتى تتدبره وتفكر فيه؛ فتطيل التفكير، ومهما يواتيك الحظ فاذكر حالك قبل أن يواتيك، وقدِّر أنَّك قد تعود إلى مثل ما كنت فيه، واذكر رأيك في أصحاب الرأي قبل أن تكون منهم، ونقدك لهم وحكمك عليهم قبل أن ترقى إلى مكانك بينهم. واعلم أنَّ النَّاس يقولون فيك مثل ما كنت تقول فيهم، ويحكمون عليك بمثل ما كنت تحكم عليهم، واذكر في أول ما تذكر أنَّ لك ضميرًا يرضى ويسخط، ويعرف وينكر، ويحمد ويذم، وأنَّ أعباء الحكم قد تشغلك عنه أو تشغله عنك، ما امتدت لك أسباب القوة. ولكن ستفرغ له كما أنَّه سيفرغ لك ذات يوم أو ذات ليل؛ فاحرص على ألَّا تسمع منه إلا خيرًا.

    ***

    وأنت بعد ذلك محتاج إلى نصح الصديق ومعونة الخليل فيما أحدث الحكم بينك وبين الناس من صلات، فأنت تدبر أمورهم وترعى مرافقهم، تسوسهم باللِّين حينًا، وتسوسهم بالشدة أحيانًا. فأنت تُطمِع وتُخيف، وأنت تُشيع الرغب وتُشيع الرهب، وأنت تمد أسباب الرجاء وتُرسل إلى القلوب صواعق اليأس. فالنَّاس بين مبتغٍ إليك الوسيلة، ومتربص بك الدائرة، ومنتهز فيك الفرصة. كلهم يظهر لك المودة، وأكثرهم يُضمر الموجدة عليك، ويطوي قلبه لك على شر ما تُطوى عليه القلوب.

    وأخوف ما أخاف عليك من الناس: سعيهم عندك بالنميمة، ومشيهم إليك بالوقيعة، وابتغاؤهم رضاك بالوشاية؛ فالنَّاس يبتغون إلى الحاكم كل وسيلة، ويتقربون إليه من كل سبيل، يتنافسون فيما عنده، ويغريهم ذلك بأن يكيد بعضهم لبعض، ويمكر بعضهم ببعض، ويتكذب بعضهم على بعض، كلهم يريد أنْ ينالَ منَ الحكومة أكثر ممَّا ينال غيره من النظراء، وهم من أجل ذلك في هَمٍّ مقيم وتحاسُد متصل وتباغُض ملح، يسعون إلى آمالهم بما يستقيم من الطرق وما يعوج، وبما يباح من السيرة وما يحظر، وبما يَحسُن من القول والعمل وما يقبح، يتبادلون المساءة فيما بينهم، ولكنَّهم يختصونك بشرِّ ما يتبادلون من النكر والسوء، ويفسدون قلبك على الناس، فيفسدون قلوب الناس عليك، ويسيئون رأيك فيهم فيسيئون رأيهم فيك. ثم ينتهون آخر الأمر إلى أن يُفسدوا عليك أمرك، ويسيئوا رأيك في نفسك، ويباعدوا بينك وبين ضميرك، وينغصوا عليك راحة الليل، ونشاط النهار.

    ***

    وإذا وجب عليك أن تحذر نفسك، وأن تحذر الناس، فقد يستبين لك أنَّ الحكم نقمة لا نعمة، ومحنة تُبتلى بها النفوس، وتُفتن بها القلوب، وتُمحص بها الضمائر، فهو عناء لا راحة، وهو شقاء لا سعادة، وهو قلق لا هدوء، وهو خوف لا أمن. واذكر — أصلحك الله — أيام كنا نلتقي فنذكر فلانًا وفلانًا من الحكام الذين سبقوك، نعيبهم كثيرًا ونثني عليهم قليلًا، ونرثي لهم دائمًا، ونتمنى للصديق منهم أن يجلي الله عنه الغمرة ويُفرج عنه الكربة، ويحط عنه أعباء الحكم وأوزاره، ويرده إلى الحياة الحرة السمحة التي لا يحمل الإنسان فيها إلا أوزار نفسه، والتي لا يثقل الإنسان نفسه فيها بأوزار الناس، وما أكثر أوزار النَّاس!

    ولقد تبتسم راضيًا أو ساخطًا حين تعلم أني أكتب إليك هذه الرسالة، وفي نفسي من الحب لك والرفق بك والإشفاق عليك، ما يحملني على أنْ أسأل الله لك العافية، وأتمنى عليه أن يضع عنك إصر الحكم وأغلاله، وأن يردك إليَّ من هذه المحنة سالمًا موفورًا، وقانعًا من الغنيمة بالإياب؛ فخير غنيمة للحاكمين أن يخرجوا من الحكم أنقياء كما كانوا قبل أن يدخلوا فيه، لم يغنموا منه إلا سلامة الإياب!

  • مجامع اللغة العربية وطبيعتها رد الدكتور طه حسين بك على حديث الدكتور منصور فهمي بك

    مجامع اللغة العربية وطبيعتها: رد الدكتور طه حسين بك على حديث الدكتور منصور فهمي بك

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٦ مارس ١٩٣٧

    صديقي العزيز رئيس تحرير «الأهرام»:

    تحية طيبة. أما بعد … فقد قرأت اليوم الحديث القيم الذي نشرته «الأهرام» لصديقي الأستاذ الدكتور منصور فهمي بك؛ ردًّا على بعض رأيي في أمور المجمع اللغوي.

    فأرجو أن تأذن لي بمناقشة الصديق الكريم في بعض آرائه التي أذعتموها اليوم، وأحب أن أُقدِّم بين يدي هذه المناقشة بأني لم يخطر لي قط على بال أن اختلاف الرأي في مسألة من المسائل العلمية أو الأدبية أو السياسية يمكن أن يسوء أحدًا من المختلفين، ولو عرفت ذلك لما أذعت في الصحف حرفًا واحدًا منذ أخذت أتحدث فيها إلى الناس.

    فليطمئن صديقي؛ فإن حديثه سرَّني ولم يسؤني، وأرجو أن يكون حديثي أمس قد سرَّه ولم يَسؤه، وأرجو أن يَسرَّه ما أكتبه الآن، ولا يسوء في قليل أو كثير.

    وأول ما أخالف الصديق فيه: مسألة اختصاص المجمع اللغوي بوضع اصطلاحات العلوم والفنون؛ فقد كنت أقدر أن نختلف في أشياء كثيرة قبل أن نختلف في مسألة كهذه، أمرها واضح، وحظها من البداهة لا يحتمل الاختلاف.

    والدكتور منصور فهمي بك أعلم بشئون المجامع اللغوية من أن يحتاج إلى أن أنبهه إلى أن هذه المجامع ليس من شأنها، ولا ينبغي أن يكون من شأنها، ولم تزعم قط أن من شأنها وضع اصطلاحات العلوم والفنون، وإنما هي تسجل من ذلك ما يضعه العلماء وأصحاب الفن إذا لاءم اللغة وفرضه الاستعمال.

    والصديق الكريم أستاذ فيلسوف، فهل يستطيع أن ينبئني عن المرجع الذي يرجع إليه حين يبحث عن اصطلاح فلسفي في المنطق، أو علم النفس، أو ما وراء الطبيعة: أهو المعجم الذي وضعه المجمع اللغوي الفرنسي؟ أم هو معجم من المعاجم الفلسفية الكثيرة، والتي أقربها إلينا وأيسرها علينا معجم أستاذنا وصديقنا «أندريه لالاند»؟

    وإذا احتاج الدكتور منصور بك إلى البحث عن اصطلاح في علم من العلوم الطبيعية أو في فن من فنون الطب: أيلتمسه في معجم المجمع اللغوي الفرنسي؟ أم يلتمسه في معجم من معاجم العلوم والفنون لا يضعه المجمع اللغوي، وإنما تضعه جماعة من جماعات العلماء وأصحاب الفن؟ وإذا احتاج الصديق إلى البحث عن اصطلاح عربي في المنطق أو في علم من علوم العرب على اختلافها: أيلتمس هذا الاصطلاح عند الفيروزآبادي وابن مكرم وابن سيده وأشباههم من علماء اللغة أو أصحاب المعاجم اللغوية؟ أم يلتمسه في كتاب من هذه الكتب التي وضعها العلماء الإخصائيون في الاصطلاحات؟

    إن الأمر — كما قلت — أوضح من أن يحتمل الخلاف، وما زلت أقول وسأقول دائمًا، وسيقول المثقفون الفرنسيون معي دائمًا: إن المجمع اللغوي الفرنسي يُضحك الناس من نفسه لو أنه انصرف إلى وضع الاصطلاحات عن العناية بصفاء اللغة ونقائها؛ فالعلماء وحدهم هم الذين يضعون اصطلاحاتهم وألفاظهم الخاصة، وما ينبغي لغيرهم أن يتطفل عليهم أو يشاركهم في تسمية ما لا يتقنه من صافى العلم واصطلاحاته.

    إن الأمور تقلب أوضاعها في مصر، فنحن نريد أن يذهب الأطباء إلى أعضاء المجمع اللغوي يلتمسون منهم الأسماء لمعاني الطب التي لا يحسنونها، ولعلهم لا يعرفون عنها قليلًا ولا كثيرًا، على حين يذهب أعضاء المجمع اللغوي الفرنسي إلى الأطباء يسألونهم عن معاني الكلمات الطبية التي يفرضها الاستعمال، والتي تحتاج إلى أن تأخذ مكانها في المجمع اللغوي.

    وما ينبغي أن تذكر استشارات المجمع للخبراء، فإنها إضاعة للوقت والجهد والمال معًا؛ ذلك أن الخبراء يحضرون لجان المجمع ليُعلِّموا أعضاءها ما لا يعلمون، وليسمعوا منهم ما لا يحسنون، وينتهي الأمر بأن تضيع الدولة وقت علمائها وخبرائها، وتضيع مع ذلك ما تنفق على أولئك وهؤلاء من مال.

    إن المجمع الفرنسي لا ينظم لجانه على هذا النحو المصري الطريف الذي يُفرَض فيه الخبراء فرضًا؛ لأن المجمع الفرنسي لا يكلف نفسه ولا يكلفه أحد ما لا يطيق من وضع الاصطلاحات العلمية، ولو قد كلفه أحد ذلك لرفضه؛ لأنه يرفع نفسه عن التعرض لما لا يحسن. لقد كان الأدباء والنقاد في عصورنا القديمة يضحكون من اللغويين وأصحاب النحو إن عرضوا للنقد الأدبي الخالص، وقدموا بعض الشعراء على بعض. فكيف بالأطباء وأصحاب الرياضة حين يدخل في أمرهم مَن لا يحسن الطب وعلم الرياضة؟! واللغة بعد ذلك لا تُشرَّع بقانون، ولا تَشيعُ بالقرارات، ولا تخلق خلقًا متكلفًا، وإنما هي ظاهرة طبيعية تخلقها الحاجة، ويصقلها الاستعمال، وتسجلها المجامع.

    كلا، ليس من اختصاص المجمع اللغوي أن يضع اصطلاحات العلوم، وقد أخطأ الذين طلبوا إلى مجمعنا ذلك. وإني لأرجو أن يجدوا طريقة إلى إصلاح هذا الخطأ، فهم إن لم يفعلوا يُشرِّعوا المحال، ويُضيعوا المال، ويعرضوا جماعة من علمائنا لما لا يحسن أن يتعرضوا له.

    واللهجات … إن حديثها لعجب، ماذا يريد من مجمعنا اللغوي أن يصنع؟ بل وكيف يكون درسه لها وقوله فيها؟ قلت: إن هذا من شأن الجامعات والمعاهد الخاصة. ويوافقني صديقي الدكتور منصور بك على ذلك، ولكنه يريد أن يكون من شأن المجمع اللغوي أيضًا، فإني أسأله سؤالين اثنين: أيعرف مجمعًا لغويًّا يعنى عناية رسمية بدراسة اللهجات في قطر من أقطار الأرض غير مصر؟ وكيف تكون هذه العناية الرسمية؟

    إني أحقق أن الذين يفرضون على مجمعنا درس اللهجات لم يصوروا لأنفسهم هذا الموضوع تصويرًا واضحًا، فهل يراد أن ينشئ المجمع معهدًا تسجل فيه أصوات الناس على اختلاف لهجاتهم؟ وأن تكون في هذا المعهد أنواع من الفونوغراف تسمع الناس هذه الأصوات وهذه اللهجات؟ وأن يجتمع الأعضاء المحترمون حول الفونوغراف ليسمعوا منه اللهجات المختلفة باختلاف الأقطار العربية، ثم يأخذ كل منهم في تسجيل ملاحظاته على هذه اللهجات؟ أم يريدون أن ينفرد من أراد منهم درس لهجة من اللهجات بالبحث والدرس والملاحظة والتسجيل، ثم يعرض خلاصة هذا كله على أصحابه ليقروه بعد المناقشة والجدال؟

    فإن تكن الأولى فسينقلب مجمعنا إلى مدرسة لعلها قد تستحيل دارًا للتسلية والضحك، يختلف الناس إليها ليسمعوا لهجات الصعيد والشرقية وشمال الشام وأقصى الغرب، وما أحسب أن أحدًا فكر في ذلك، وإن كان كل شيء جائزًا.

    وإن تكن الثانية فهل يستطيع أحد أن ينبئني: لماذا يخص هذا العمل بنص في القانون؟ وهل غاب عن الذين وضعوا القانون وشرَّعوا أن معنى هذا النص أن مجمعنا يجب أن يكون بين أعضائه دائمًا إخصائيون في اللهجات. ولست أجحد قيمة العلم الذي يتخذ اللهجات موضوعًا لدرسه؛ فهو علم أساسي من علوم النحو والعروض. وبأي اللهجات يريد مجمعنا أن يشتغل؟ باللهجات القديمة، فأمرها متصل باللغة والنحو والصرف، أم باللهجات الحديثة؟ وإذن فلماذا؟ ليقتلها أم ليبعث فيها الحياة؟ ومن الذي قال إن من عمل المجمع اللغوي أن يحيي اللهجات العامية، أو أن يجرد عليها حملة في كل عام؟ ومتى عقد المجمع اللغوي الفرنسي جلسة لإحياء لهجات الجنوب مثلًا، أو لنصب الحرب لها وإرسال البعوث والجيوش لغزوها؟

    كلا، أيها الصديق الكريم، إن لعلم اللهجات خطره وقيمته، ولكن مكانه في الجامعة لا في المجمع، وإذا عرض المجمع له فإنما يعرض له مصادفة حين يحتاج إلى ذلك بين حين وحين. فأما أن يفرض درسه والعناية الخاصة به على المجمع، فشيء لا يفهم ولا يستقيم، وأخشى كل الخشية أن يكون النواب المحترمون قد خدعوا عنه، وأرجو كل الرجاء ألا يندموا على ما اتخذوا بشأنه من قرار، وأيسر ما يقال فيه: إن تسجيله في القانون عبث لا يغني ولا يفيد، والله المسئول أن يجنبنا ضرره الذي لا أريد أن أعرض له في هذا المقال.

    ولا يظن صديقي الدكتور منصور بك أني أنكر عناية العلماء الأوروبيين باللهجات، فأنا أعرف أنهم يعنون بها أشد العناية، وقد دعوت منذ أسابيع أستاذًا من كبار الأساتذة السويسريين ليلقي على الطلاب في كلية الآداب بعض المحاضرات في معجم يوضع لبعض اللهجات العامية في سويسرا، ولكن الذي أنكره أشد الإنكار هو عناية المجامع اللغوية بهذه اللهجات؛ فليدلني الأستاذ الصديق على مَظْهرٍ من مظاهر هذه العناية في مجمع من المجامع اللغوية التي تعنى بالمحافظة على صفاء اللغة ونقائها.

    وإحياء الأدب العربي … إن قصته لطريفة، فالأمر فيه كالأمر في كل شئون مجمعنا اللغوي، يقوم على الخطأ في التصوير معنا، فالذين يريدون أن يشغلوا المجمع بإحياء الأدب العربي يظنون أن معنى هذا أن يفرض على مجمعنا ألا يدع كتابًا ينشر، ولا سفرًا يبغى إلا إذا أقر نشره، وأشرف عليه. والذين ينكرون على مجمعنا العناية بإحياء هذا الأدب يظنون أن معنى هذا الإحياء أن مجمعنا سيفرض عليه الكتب، وستقصر جهوده على هذا وأولئك. وهؤلاء يخطئون، فكل بيئة علمية تعنى باللغة العربية لا قيمة لها ولا نفع منها إذا لم يكن من أول أعمالها نشر الأدب العربي القديم؛ لأنه أساس اللغة، ومن خالف في ذلك فقد أنكر الأوليات، أو تعمد أن يكون لهذه اللغة عدوًّا.

    ستنشر الجامعة المصرية كتبًا عربية قديمة ما بقيت كلية الآداب، وسينشر الأزهر الشريف كذلك كتبًا عربية قديمة، وستنشر دار الكتب أيضًا ولجنة التأليف والأفراد في الشرق والغرب كتبًا عربية قديمة، وكل هذا لا يمنع المجمع اللغوي من أن يقوم بواجبه الأول، وهو دراسة اللغة العربية، ومن هذه الدراسة نشر أدبها القديم.

    وأعوذ بالله أن يخطر لي أن أتهم أساتذتي وأصدقائي من العلماء المستشرقين في مجمعنا اللغوي بالتقصير في العلم بأدبنا القديم، أو القصور عن قراءته وفهمه، وعنهم أخذت العلم، وبذلك أفاخر، وإليهم أرجع، ومنهم أستفيد كلما لقيتهم. ولكن الذي أعلمه أن هؤلاء الأساتذة المستشرقين أحرص الناس على نشر الأدب العربي القديم، وعلى أن يكون لمصر من هذا النشر أعظم الحظ، وعلى أن تساهم البيئات المصرية كلها في ذلك، ومنها المجمع اللغوي.

    ولقد سمعت في مجلس النواب من كان يقول: إن وزارة المعارف لم تخصص في ميزانية المجمع إلا ألفي جنيه لإحياء الأدب العربي. فكان هذا دليلًا على أن حرصها على هذا الإحياء ليس شديدًا، وهذا غريب؛ فقد كان ينبغي أن يقال لوزارة المعارف: ارفعي هذا المقدار من المال واجعليه خمسة آلاف؛ ليستطيع المجمع أن يبلي في هذه الناحية من نواحي النشاط فيحسن البلاء، لا أن يقال لها: أريحي نفسك وأريحي المجمع من هذا العناء، وأنفقي هذا المال فيما شئت من وجوه الإنفاق.

    أما بعد، فقد أدللت مع أني أكرهت نفسي على الإيجاز، وما زلت مستيقنًا بأن القوانين ليست ضربة لازب، وبأنها قابلة للإصلاح، وبأن المجمع نفسه سيطلب إصلاح قانونه، فيريح نفسه من وضع اصطلاحات العلوم، ومن أمر اللهجات، ويعنى بإحياء الأدب العربي، ووضع المعاجم اللغوية النافعة. ومن يدري لعل الله أن يوفق مجلس الشيوخ إلى ما لم يوفق إليه مجلس النواب، وإذا لم يكن بد من أن يكون لمصر مجمع لغوي، فليكن مجمعًا لغويًّا نافعًا معقولًا.