Tag: coalition politics

  • شيخ البحر

    شيخ البحر
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٩ يوليو ١٩٤٥
    لا أكاد أذكر الظروف التي ألجأت السندباد البحري إلى تلك الجزيرة النائية في بحر الهند، ولا أكاد أدري أكان حب التجارة والكسب والاستزادة من المال هو الذي جشم ذلك الهول، أم كان حب السياحة والاستطلاع والتنقل في أقطار البر والبحر هو الذي عرَّضه لهذا الخطب.
    ولكن أراه وحيدًا في هذه الجزيرة لا يعرف كيف يُقِيم أَوَدَهُ ولا يدري كيف يحمي نفسه من الطوارق والحادثات، وهو يهيم أمامه يملك قلبه الحزن، ولا تخبو في نفسه نار الأمل، ويسيطر عليه الخوف ولكنه يجد شعورًا بشيء من الأمن، ويكاد يهلكه الجزع ولكنه على ذلك ينظر في الأرض والسماء ويريد أن يعرف ما حوله من الأشياء والأحياء، وهو ماضٍ أمامه يسلم نفسه إلى اليأس حينًا وإلى الأمل حينًا آخر. وقد أخذ شيء من الدعة وهدوء البال يثوب إليه؛ لأنه رأى أشجارًا وثمارًا وأزهارًا وأنهارًا، فحدَّث نفسه بجنة يستطيع أن يقيم فيها ما شاء الله له أن يقيم حتى تنكشف له الأيام عن فرج من حرج، وعن مخرج من ضيق، وحتى تُرفَع له في الأفق سفينة يراها من بعيد، ثم يراها من قريب، ثم ينفض عمامته ويُلوِّح بها في الهواء ويبعث صوته في الجو إلى أقصاه داعيًا مستغيثًا، فتقبل السفينة لتستنقذه من هذه الوحدة وترده آمنًا أو خائفًا إلى البصرة ثم إلى بغداد.
    وإنه ليسعى بين أشجاره وأزهاره وأثماره وأنهاره خائفًا يترقب، وإذا هو يرى شيخًا فانيًا، قد لبس الضر وألحَّتْ عليه السن بألوان البؤس والضعف والإخلال. وقد جلس هذا الشيخ على شاطئ نهر من الأنهار، أو قُلْ على شاطئ جدول من هذه الجداول، لا يستطيع أن يتحرك ولا أن ينتقل. رآه السندباد فرحمه ثم أطال النظر إليه فرقَّ له، وهمَّ أن يدنو منه ليواسيه، ولكنه وحيد لا يقدر على شيء، أثر لا يفكر إلَّا في نفسه، مشغول بوحدته، مغرق في هذا الانقطاع الذي اضطر إليه، فهو حر في أن يمضي لشأنه وأن يفرغ لهمه وأن يدع الشيخ لما هو فيه من شقاء وفناء، ومن ضعف وعجز، ومن تهالك وانحلال.
    ولكن الشيخ يشير إليه متهالكًا، ويلح عليه في الإشارة، ويدعوه بصوت حزين وكلام لا يبين. وإذا الرحمة قد استأثرت بقلب السندباد من دون الأثرة، وإذا هو يدنو من الشيخ البائس اليائس، رفيقًا به شفيقًا عليه، يسأله عن أمره، ولكن الشيخ لا يفهم عنه كما أنه هو لا يفهم عن الشيخ، وإذا الإشارة تقوم بينهما مقام العبارة، وإذا الشيخ يشير إلى السندباد أن احملني على كتفيك هاتين واعبر بي هذا الجدول الذي لا أطيق له عبورًا.
    وقد شكَّ السندباد غير طويل، ثم أَقْبَلَ على الشيخ ولَيْتَهُ لم يُقْبِلْ، واحتمله على كتفيه ولَيْتَهُ لم يحتمله، وعَبَرَ به الجدول ولَيْتَهُ لم يفعل، وهَمَّ أن يَرُدَّهُ إلى الأرض ولكن هيهات! ليس إلى ذلك من سبيل. فقد أدار الشيخ ساقَيْهِ حول عنق السندباد وتمكَّن من مجلسه واستقر على كتفيه وأبى أن يتحوَّل عنهما … وكلما حاول السندباد أن ينزله ضغط بساقيه على عنقه حتى كاد أن يخنقه، ثم ضرب برجله هذه أو تلك في جنبه هذا أو ذاك يدفعه إلى أن يمشي ويمضي أمامه، ويمنعه من أن يقف أو يستريح. وقد أصبح السندباد حطبة لهذا الشيخ، وأصبحت إرادة السندباد في يد هذا الشيخ يصنع بها ما يشاء ويصرفها كما يحب.
    فالسندباد يسعى حين يُؤمَر بالسعي ويقف حين يُطلَب إليه الوقوف، والأمر يصدر إليه بالسعي مرة وبالوقوف مرة، فلا يستطيع أن يرده أو يخالف عنه. والأمر لا يصدر إليه صوتًا مسموعًا أو كلامًا مفهومًا، وإنما يصدر إليه ضغطًا بالساقين على العنق أو ركلًا بالرجلين على الصدر والجنبين.
    والسندباد يقتطف لنفسه وللشيخ من أثمار هذه الأشجار ما يغذوهما، فإذا أراد أن يجلس ليستريح لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له في جلوسه أرب، فإذا جاء الليل وأراد السندباد أن يغفي إغفاءة طويلة أو قصيرة لم يأذن له الشيخ في ذلك إلَّا أن يكون له فيه أرب.
    ثم هو إن أذن له في النوم لم يفارق كتفيه، ولم يُفرِّج بين ساقيه، وإنما يديرهما حول عنقه إدارة مُحْكَمة حتى إذا طال نوم السندباد ضغط على عنقه أو ضرب في صدره أو ركل جنبيه أحدهما أو كليهما.
    وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من رقص، وقد يحتاج الشيخ إلى شيءٍ من غناء، وليس عليه من ذلك بأس فإنما هي ركلة على الجنب ووكزة في الصدر أو ضغطة على العنق، وإذا السندباد يرقص فيمعن في الرقص، أو يُغنِّي فيجوِّد في الغناء!
    وقد أَلِفَ السندباد حياته هذه، واطمأنَّ إليها، ووطَّن نفسه على أن ينفق فيها ما بقي له من أيام إلَّا أن تنشق له الخطوب عن وميض من أمل فينجو، وقد كان يائسًا من النجاة.
    وفي ذات يوم أحسَّ السندباد شوقًا إلى خمر بغداد، فجنى عناقيد من عنب واعتصرها في إناء لست أذكر كيف وجده وكيف اتخذه، فقد طال عهدي بأسفار السندباد كما طال عهدك بها أيضًا، ولكنه اعتصر العنب على كل حال وادخره في مكان أمين، وجعل يطوف بالشيخ في أنحاء الجزيرة يقف ليمضي ويمضي ليقف، ومضى على ذلك يوم ويوم وأيام. ثم عاد إلى إنائه ذاك فإذا الخمر فيه ترغي وتزبد، وإذا هو يقبل عليها فيشرب منها حتى ينقع غلته، وما هي إلَّا لحظات حتى تتمشى في مفاصله كتمشِّي البرء في السقم في قول أبي نواس، وإذا هو يُحْدِث ألوانًا من الرقص لم يألفها الشيخ، ويأتي فنونًا من الغناء تقع في نفس الشيخ موقعًا حميدًا، والشيخ يستزيد مطيته من الرقص ويستزيد مطيته من الغناء، والسندباد يمضي في ذلك نشيطًا له حفيًّا به، وكلما آنس من نفسه فتورًا أو قصورًا عمد إلى إنائه ذلك فحسا منه شيئًا يرد إليه المرح والنشاط.
    قد أراد الشيخ أن يجرب هذا الشراب، وفهم عنه السندباد ذلك، ولو كان أمره إليه لضن عليه بالشراب ولكنها ركلة في الجنب أو وكزة في الصدر أو ضغطة على العنق. وإذا السندباد يُرْجِع الإناء إلى الشيخ، فيشرب منه ويشرب حتى يرتوي، وإذا السُّكْر قد دبَّ في مفاصله دبيب النمل في الكثيب، وجرى في أعطافه جريان الماء في الغصن الرطيب. وقد طرب الراكب والمركوب فلا تَسَلْ عن الرقص ولا تَسَلْ عن الغناء، ولكن الخطوب قد انشقت للسندباد عن وميض من أمل، فجعل يشرب قليلًا ويسقي الشيخ حتى استرخت المفاصل، وانحلَّت القوة، وتراخى الضغط على العنق، ولم تستمسك القدمان حول الجنبين.
    وقد ذهب ما كان في رأس الشيخ من عقل ضئيل، وأفلت من يده عنان السندباد، ومشى في جسم الشيخ وعقله نوم خفيف جعل يثقل شيئًا فشيئًا، حتى إذا استحكم للسندباد أمره جلس في رفق وألقى عن نفسه عبأه الثقيل البغيض في لباقة، ثم نهض وقد أحكم أمره، فنظر إلى الشيخ النائم نظرة عنيفة فيها بغض تملأه القسوة، ثم عمد إلى صخرة ضخمة فاحتملها بين ذراعيه في كثير من الجهد، ثم رمى بها على رأس الشيخ؛ فشدخه وأسلم نفسه للرب لا يلوي على شيء، حتى إذا بلغ مأمنه أقام ينتظر السفينة التي ستُرفَع له ذات يوم والتي سيدعوها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة ثم إلى بغداد.
    لست أدري أيذكر السعديون هذه القصة أم لا يذكرونها، فكثيرٌ منهم قرأها من غير شك أيام الصبا، وكلنا يقرأ ألف وليلة أيام الصبا وينساه في طور الكهولة والشباب. ولكن قصة السندباد هذه هي المثل الصادق لسيرة الحزب السعدي مع حزب آخر يشاركه في البرلمان ويشاركه في الحكم، كما كان شيخ البحر يشارك السندباد في جزيرته تلك، وفيما كان فيها من أشجار، وأزهار، وأثمار، وأنهار.
    وقد كان الحزب السعدي مطوفًا في بعض آفاقه، يلتمس الانتخاب ويلتمس النيابة ويلتمس الحكم. وانتهى به التطواف إلى تلك الجزيرة في يوم من أيام العام الماضي، ونظر فإذا هو وحيد، فمضى في الجزيرة يطوف فيها كما كان يطوف في البحر، في نفسه كثير من خوف ألَّا يبلغ الحكم ولا يقدر عليه، وفي نفسه كثير من جزع إن فاته الحكم بعد طول السعي وثقل الجهد، وفي نفسه شيء من أمل أن تُرفَع له السفينة في بعض الآفاق، وإنه ليسعى بين الأشجار والأنهار وإذا حزب ضئيل نحيل لولا صوته لما رآه أحد — كما يقول المتنبي — قد جلس على شاطئ الجدول متهالكًا، قد لبس الضر والتحف والبؤس، وغمره الشقاء، وقد رقَّ له الحزب السعدي فأقبل عليه حتى احتمله على كتفيه وعبر به الجدول خفيفًا نشيطًا، ثم لم يُتَح له أن يتخلص منه إلى الآن، فقد أدار ساقيه حول العنق، وأعد قدميه لوكز الصدر وركل الجنبين.
    وسندبادنا العصري ماضٍ أمامه وعلى كتفيه حمله الثقيل، يقف ليسعى ويسعى ليقف، ويتكلف من الرقص ألوانًا ومن الغناء فنونًا، والشيخ مستقر في مكانه على هاتين الكتفين الوثيرتين، لا يريد عنهما تحولًا ولا نزولًا، وسندبادنا العصري ضيق بحمله وضيق بحياته وضيق بكل شيء، ولكنه لا يستطيع أن يخلص من شيخ البحر؛ فالساقان ملتفتان حول العنق التفافًا محكمًا، والقدمان مستعدتان استعدادًا حسنًا للركل والوكز، والدنيا تُظْلِم مرة حتى كأن الليل الفاحم قد غمرها، وتشرق مرة أخرى حتى كأن الشمس قد صبَّت عليها كل ما فيها من ضياء، ولكن السندباد مثقل بعبئه لا يعرف كيف يتخفف منه ولا يجد لنفسه من ضغطه وركله ووخذه نجاة.
    وليس بين السندباد العصري والسندباد البحري فرق إلَّا من ناحيتين اثنتين؛ الأولى: أن السندباد البحري كان خاليًا إلى شيخ البحر، شقيًّا بحمله وحيدًا فريدًا، لا يضحك منه ولا يرثي له إلَّا أشجار الجزيرة وأثمارها وأزهارها وأنهارها، أمَّا السندباد العصري فمن حوله ملايين من المصريين وملايين من الشرقيين ينظرون إليه ويشفقون عليه، وقد يضحكون منه ضحكًا مرًّا. الثانية: أن السندباد البحري كان صاحب مجون وطرب، وصاحب حيلة واسعة وافتنان في الخروج من المآزق، فاشتاقت نفسه إلى خمر بغداد، وعرف كيف يعتِّقها وكيف يستعين بها أول الأمر على احتمال المكروه، وكيف يخلص بها بعد ذلك من هذا المكروه، وكيف يلقي الشيخ عن كتفيه ويعود إلى بغداد سالمًا موفورًا.
    أمَّا السندباد العصري فمتحرج متزمت، لا يحب خمر القاهرة ولا خمر بغداد، وإنما يحب شراب الخروب والعرق سوس، ثم هو ليس واسع الحيلة ولا ماهرًا في تذليل العقاب وقهر الصعاب والنفوذ من المشكلات.
    وإذن؛ فسيبقى الشيخ على كتفيه وسيشبع عنقه ضغطًا وصدره وكزًا وجنبيه ركلًا حتى يفتح الله له بابًا من أبواب الفرج، ويخف غيره من هؤلاء الذين يرمقونه مشفقين حينًا وساخرين حينًا آخر، فينقذه من هذا المكروه ويضع على كتفيه هذا الحمل الثقيل، ويرد إليه حريته في أن يذهب إلى ساحل البحر ينتظر السفينة التي ترتفع في الأفق والتي يدنيها بصوته وعمامته لتحمله إلى البصرة، ثم إلى بغداد.
    أيتم إنقاذه اليوم؟! أيتم إنقاذه غدًا؟! أيطول قضاء الله عليه بهذا العذاب أم يقصر؟! علم هذا عند الله وعند الراسخين في العلم، وهم كما تعلمون قليلون.

  • السفينة الجانحة

    السفينة الجانحة
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٢ يوليو ١٩٤٥

    هل يعلم رئيس الوزراء أن سفينته جانحة، لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، وإنما اضطرت إلى موقف لا تعدوه، كهذا الموقف الذي اضطر إليه شاعر قديم، فقال:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
    ولست أدري أكان الهوى هو الذي وقف بسفينة رئيس الوزراء حيث هي فأصبحت لا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر، أم كان الذي وقف بها شيءٌ آخر؟ ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن السفينة جانحة لا تستطيع أن تمضي أمامها، ولا تستطيع أن تدور لتعود أدراجها، وتستقر حيث كانت قبل أن يدفعها رئيس الوزراء إلى بحر الحكم العجاج، الملتطم الأمواج، كما يقال في ألف ليلة وليلة.

    وليس رئيس الوزراء في حاجة إلى أن تقيم له الدليل على أن سفينته جانحة لا تستطيع أن تمضي ولا أن تعود، فقد افتتحت الدورة البرلمانية في يناير الماضي. ويخيل إلي أننا في شهر يوليو، وأن البرلمان لم يكد يصنع شيئًا؛ لأن الحكومة لم تقدم إليه شيئًا، وهو الآن يدرس الميزانية متعجلًا مستأنيًا، إن صح أن يجتمع العجل والريث في وقت واحد. فمجلس النواب يكر الميزانية كرًّا، ومجلس الشيوخ يجتمع مرة في الأسبوع، حتى يتاح له أن يكر الميزانية كرًّا. فقد تقدم الصيف واشتد القيظ وظهر هلال شعبان وجعل رمضان يسعى إلى الناس، أو جعل الناس يسعون إلى رمضان، وإذا أقبل شهر الصوم فمن الخير للبرلمان أن يريح أو يستريح.

    ومعنى هذا أن عامًا تشريعيًّا قد ضاع على مصر، فلم تخطُ فيه نحو الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي أو الإداري خطوة واسعة أو ضيقة، وإنما ظلَّت مصر حيث كانت حين تركتها وزارة الوفد تنتظر أن تشرع لها القوانين التي تكفل التقدم الاقتصادي والاجتماعي والإداري دون أن تظفر من هذه القوانين بشيء.

    وقد كان يقال: إن النظام القائم قد أنشئ ليطعم الجائع ويكسو العاري، ويؤمن الخائف ويعلم الجاهل ويداوي المريض ويغيث الملهوف. وما زال يقال: إن المصريين يشكون الجوع، ويشكون العري، ويشكون الخوف، ويشكون الجهل، ويشكون المرض، ويشكون كل هذه الأشياء التي تدفعهم إلى اللهفة والاستغاثة، دون أن يجدوا لأنفسهم من هذا كله منقذًا أو مغيثًا.

    ما زال هذا يقال في مجلس النواب أحيانًا، وفي الصحف أحيانًا، وفي أندية الناس وبيوتهم ومدنهم وقراهم دائمًا. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن النظام القائم إنما أنشئ ليصلح أدوات الحكم بعد أن أخذها الفساد من جميع أقطارها. وما زال يقال في البرلمان وفي الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن في أدوات الحكم كثيرًا من الفساد، فتُهم تهدى إلى بعض الوزراء وإلى بعض كبار الموظفين، وبلاغات يقدمها الوزراء إلى النيابة لتحقق ما يهدى إليهم من التهم، وبيانات تنشرها الوزارات فتثبتها الصحف ثم تشك في بعضها شكًّا ظاهرًا، وتكذب بعضها تكذيبًا صريحًا تقيم عليها الأدلة والبراهين. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن الوزارة الوفدية قد أسرفت في الاستثناء حتى أفسدت قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم، وإن الوزارة الجديدة ستصلح من ذلك ما أفسدت وزارة الوفد. وما زال يقال في الصحف وفي الأندية وفي الشوارع: إن الوزارة القائمة تستثني كما كان يستثني غيرها، وإن قلوب الموظفين وعقولهم وأهواءهم قد أصابها كثيرٌ جدًّا من الشك، وتعرضت لكثيرٍ جدًّا من الاضطراب، وشاع فيها كثيرٌ جدًّا من اليأس والقنوط. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن الوزارة القائمة سترد إلى الناس حريتهم كاملة شاملة، وستتيح لهم أن يقولوا ويكتبوا ويخطبوا ويجتمعوا ويتنقلوا، وأعلن رئيس الوزراء نفسه ذلك في مجلس الشيوخ في الحادي عشر من شهر يونيو الماضي، وما زال يقال: إن النيابة قد قامت مقام الرقابة، وإن الناس لا يستطيعون أن يجتمعوا لأن الشرطة تمنعهم من الاجتماع، ولا أن يخطبوا لأن الشرطة تمنعهم من الخطابة، ولا أن ينتقلوا لأن الأوامر العسكرية تصدر بمنعهم من الانتقال، ولا أن يستقبلوا في دورهم وأنديتهم من يشاءون؛ لأن الشرطة تحاصر بعض الأندية وتحاصر بعض الدور وترافق بعض الناس حين يغدون وحين يروحون. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارة وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن وزارة الوفد قد ضيَّعت حقوق الوطن وقصرت في ذاته، فلم تتم الاستقلال ولم تحرر السودان، ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة. وما زال يقال: إن الوزارة القائمة لم تتم الاستقلال ولم تُحرر السودان ولم تحقق الجلاء، ولم تغير المعاهدة، وإنما هي توشك أن تضيف إلى قيود المعاهدة البريطانية المصرية أغلالًا أخرى قبلتها الوزارة في سان فرانسيسكو، ويريد البرلمان أن يطوقنا بها في القاهرة. وإذن، ففيمَ ألغي نظام وأقيم مكانه نظام آخر؟! وفيمَ أقيلت وزارت وأقيمت مكانها وزارة أخرى؟!

    وكان يقال: إن وزارة الوفد قد عرضت نزاهة الحكم لخطر عظيم، وإن الوزارة القائمة قد جاءت لترد إلى الحكم نزاهته ونقاءه، ولتجعله ناصعًا كأنه ضوء الشمس حين تبسطه على العالم نقيًّا صافيًا رائعًا في أول النهار. ولكن أيسر قراءة للصحف وأيسر استماع لأحاديث الناس وأيسر علم بما تديره النيابة من تحقيق؛ كل هذا يدل على أننا بعيدون عن هذه السمعة النقية الرائعة أشدَّ البعد.

    وما أعرف أن وزيرًا أحيط بمثل ما يحاط به بعض وزرائنا في هذه الأيام من الريب والشكوك التي أرجو مخلصًا أن يكذبها التحقيق؛ لأني آخر الأمر مصري، لا أحب لمصر أن يقال في وزرائها بعض ما يقال في هؤلاء الوزراء.

    ولست أعرف أن الناس ألحوا كما يلحون الآن على بعض الوزراء جهرة، وفي غير تحفظ طالبين إليهم أن يستقيلوا لا لأن المصلحة السياسية تقتضي أن يستقيلوا فحسب؛ بل لأن خصومهم يضيفون إليهم أشياء لا ينبغي أن يبقوا معها في الحكم، وإنما ينبغي أن يستقيلوا حتى يبرئوا أنفسهم منها، وحتى يتم التحقيق فيما ينبغي له من الأمل والدعة والهدوء.

    أفيريد رئيس الوزراء بعد هذا كله دليلًا على أن سفينته جانحة، قد وقفت بها الأحداث حيث هي، فلا تستطيع أن تتقدم ولا أن تتأخر كما وقف الهوى بالشاعر العربي القديم الذي قال:

    وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخر عنه ولا متقدم؟
    وهل يعرف رئيس الوزراء الأسباب التي اضطرت سفينته إلى الجنوح، أم هل هو في حاجة إلى أن ندله على بعض هذه الأسباب إن لم ندله عليها كلها؟ هل يعلم رئيس الوزراء أن أشد هذه الأسباب خطرًا وأبعدها أثرًا هو تكوين الوزارة نفسها؟ فهذا الائتلاف الظاهر بين قلوب لا يمكن أن تأتلف، وهذا الاتفاق الظاهر بين ميول لا يمكن أن تتفق، وهذا التكلف الظاهر للتعاون بين قوم لا يتفقون في فهم الأشياء ولا في تقديرها، ولا في التأثر بها ولا في الحكم عليها. كل هذا ليس من شأنه أن يمكن السفينة من أن تجري جريًا سهلًا يسيرًا حتى حين يواتيها الريح.

    هذه الأحزاب المؤتلفة قد كانت وستكون مختلفة أشد الاختلاف في الطبيعة والمزاج وفي الميول والأهواء، لم يجمعها إلَّا شيء واحد، هو: أن تلي الحكم لتهدم الوفد هدمًا. وولاية الحكم ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى الإصلاح والخدمة العامة، وهدم الوفد ليس من الغايات التي يسعى المصلحون؛ لأن إضعافه إضعاف للروح المصري، وليس إضعاف الروح المصري إصلاحًا، وإنما هو شيء آخر غير الإصلاح.

    هذه الأحزاب المؤتلفة في ظاهر الأمر المختلفة فيما بينها وبين أنفسها، وفيما بينها وبين الله، لا تستطيع أن تسير بالسفينة سيرًا رفيقًا، وإنما يدفعها بعض هذه الأحزاب إلى أمام ويردها بعض هذه الأحزاب إلى وراء، وينحرف بها هذا الحزب إلى يمين، ويندفع بها هذا الحزب إلى شمال؛ فتضطرب وترتبك وتضطر آخر الأمر إلى الغرق أو إلى الجنوح.

    وهل يعلم رئيس الوزراء أن غدو الوزراء على دواوينهم ورواحهم إلى دورهم وإمضاءهم بعض الأوراق وتصريفهم بعض الأعمال اليومية، ليس معناه أن السفينة تسير سيرًا رفيقًا، ولا أن الريح تجري لها رخاءً؟ وإنما معناه أن الكلمة القديمة: ليس في الإمكان أبدع مما كان، هي الحقيقة المؤقتة التي إن صدقت أمس واليوم فقد لا تصدق غدًا أو بعض غد.

    وليس المهم هو أن تجري السفينة أو لا تجري السفينة من حيث هي ليست بذات خطر، وإنما المهم أن أمور مصر موكولة إلى هذه السفينة، وإلى الذين يجرونها. فإذا ارتبكت السفينة واضطربت واضطرت إلى الجنوح. فأمور مصر متأثرة بهذا الارتباك والاضطراب والجنوح، ورئيس الوزراء أصدق وطنية وأشد لمصر حبًّا من أن يعرضها لهذا الخطر العظيم.

    ومن المحقق أن رئيس الوزراء يعلم من أمر وزارته أكثر مما نعلم، ويعرف حق المعرفة أجانحة سفينته أم جارية؟ ولكن من المحقق أن رئيس الوزراء إن قرأ من الصحف مثل ما نقرأ، فهو لا يسمع من حديث الناس مثل ما نسمع، وهو لا يعلم من خاصة أفراد الشعب ودخائل نفوسهم وضمائرهم مثل ما نعلم؛ لأنه لا يرى الناس كما نراهم، ولا يسمع منهم ولا يتحدث إليهم كما نسمع نحن منهم وكما نتحدث نحن إليهم. والذي نستطيع أن نؤكده لرئيس الوزراء مخلصين أن الناس ليسوا راضين ولا مطمئنين ولا متفائلين، وأنهم إلى السخط والقلق والتشاؤم أقرب منهم إلى أي شيء آخر. فإن لم يصدقها رئيس الوزراء فليتنكر، وليندس بين الناس وليسمع منهم وليتحدث إليهم كما كان يفعل هارون الرشيد فيما ينبئنا به القصاص. إذن، يرى رئيس الوزراء ما لم يكن ينتظر أن يرى، ويسمع ما لم يكن ينتظر أن يسمع، ويروح إلى داره وقد كوَّن لنفسه في وزارته وفي الشعب رأيًا جديدًا.

    إذن، يسمع رئيس الوزراء من الناس أنهم كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يقر بعض الوزراء على بعض ما يأتون من الأمر فيما يقال، لا يلائم بحال من الأحوال طبيعة رئيس الوزراء، ولا مزاجه، ولا مثله العليا في الحكم وفي الأخلاق.

    وإذن، يسمع رئيس الوزراء أن الناس كانوا ينتظرون منه كل شيء إلَّا أن يسكت على ما يهدى إلى بعض زملائه من النقد الخطير؛ لأن سكوته لا يمكن أن يفسَّر إلَّا بإحدى اثنتين: إمَّا أنه يقر هذه التصرفات، وقد كان الناس يعتقدون أنه آخر من يقرها أو يصبر عليها، وإمَّا لأنه لا يستطيع أن يخلص من بعض الزملاء على رغم ما يضاف إليهم ويقال فيهم، وقد كان الناس ينتظرون منه أن يكون آخر من يصبر على الضيم ويحتمل في سبيل الحكم ما لا يجب.

    ونؤكد لرئيس الوزراء أننا لا نكتب له هذا الحديث ناقدين ولا مُشهرين، ولا نقصد به إلى المعارضة بمعناها المألوف. وإنما نكتبه ناصحين له أصدق النصح، مخلصين له أشد الإخلاص، وقد كانت بينه وبيننا صلات لم ننسها، ولعلها تفرض علينا أن ننصح له ونخلص هذا النصح، وإن اضطره الإخلاص إلى شيء من الصراحة والقسوة فقد يقسو الصديق على الصديق، وقد يعنف الخليل بالخليل.

    فليقرأ رئيس الوزراء هذا الحديث خاليًا إلى نفسه مخلصًا في قراءته، كما نكتبه نحن مخلصين في كتابته، وليستقبل رئيس الوزراء من أمره ما استدبر، وليستعرض رئيس الوزراء ما جرى من الحوادث والخطوب منذ نهض بأعباء الحكم، ولينظر بعد ذلك أيرضى أن يكون ربَّانًا لسفينة قد اضطرت إلى الجنوح اضطرارًا؟ وهل يستطيع أن يحتمل تبعات ما يصيب مصر من آثار هذا الجنوح؟

  • خذلان (١)

    حديث المساء: خذلان (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢ نوفمبر ١٩٣٣

    يستطيع رئيس الوزراء أن يقول ما يشاء، سواء أحب الكلام أو ضاق به، ويستطيع زملاؤه وأنصاره أن يقولوا ما يشاءون، فلن يستطيع رئيس الوزراء، ولن يستطيع زملاؤه وأنصاره أن يزعموا أن ذلك الحفل العظيم الذي أقيم في الكونتننتال أول أمس لم يكن لامعًا ولا رائعًا، ولم يكن باهرًا ولا فاخرًا، ولم يكن من هذه المجامع التي ترتفع لها رءوس الزعماء السياسيين، أو تقوم بها حجج الرؤساء الذين يصرفون أمور الحكم على أنهم مؤيدون مظفرون، تمدهم الأمة بما يريدون من تأييد، وتضمن لهم الأمة ما يبتغون من فوز.

    يستطيع رئيس الوزراء وأصحابه أن يصطنعوا إيجاز الموجزين، وأطناب المطنبين في وصف ذلك الحفل، ولكنهم لن يستطيعوا بحالٍ من الأحوال أن يثبتوا أنه كان حفلًا يدل على ثقة الشعب، أو يصور حب الشعب، أو يشير ولو من طرف خفي جدًّا إلى أن الشعب ينظر إلى هذه الوزارة القائمة في شيء من العطف، أو فضل من الاكتراث، إنما كانت حفلة وزارة للوزارة، وترحيب الوزارة بالوزارة، وتكريم الوزارة للوزارة.

    وما رأيك في حفل يشرف عليه محافظ القاهرة، ويستقبل المدعوين إليه محافظ القاهرة، ويخطب لرئيس الوزراء فيه نقيب الأشراف؟ نقيب الأشراف يخطب في السياسة. هذه آية من آيات العصر الحديث، ومعجزة من معجزات العهد السعيد، ثم يزعم رئيس الوزراء بعد ذلك لمكاتب «الديبا» أن الناس لا ينبغي أن ينتظروا من وزارته أن تأتي بالمعجزات. كلا، بل ينبغي أن ينتظر الناس من هذه الوزارة أن تأتي بالمعجزات؛ لأنها قد أتت بمعجزة أول أمس، فجعلت نقيب الأشراف خطيبًا سياسيًّا، يؤيد الوزارة ويبارك عليها، ويذكر الأزمة ويدور حولها، ويقول ما تعود أن يقول الخطباء السياسيون، وماذا يريد رئيس الوزراء من المعجزات فوق هذه المعجزة الباهرة، والآية الظاهرة، والبرهان القاطع على أن الوزارة تستطيع أن تستغني عن تأييد المؤيدين، وتشجيع المشجعين، لا من كثرة الأمة؛ فكثرة الأمة ميئوس منها، بل من هؤلاء الخطباء المبرزين في هذه القلة القليلة الضئيلة التي تسمي نفسها حزب الشعب، وتسمي نفسها حزب الاتحاد، ويقودها إلى ميدان الفوز والانتصار صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.

    تستطيع الوزارة أن تستغني عن هؤلاء المؤيدين، أو يستطيع هؤلاء المؤيدون المبرزون أن يبخلوا عليها بما يملكون من سحر البيان؛ فهي قادرة على أن تخلق زعيمًا من لا زعيم، وخطيبًا من لا خطيب، وتجعل نقيب الأشراف لا ممثل الأشراف وحدهم، ولا ممثل رجال الدين وحدهم، بل ممثل الأمة كلها في تكريمها والترحيب بها، وتطويق أجيادها بعقود الثناء، فمن طلب من الوزارة معجزة أبهر من هذه المعجزة، وآية أبرع من هذه الآية، فهو مكابر عنيد، ومن استكثر على الوزارة أن تأتي بالمعجزات بعد معجزة الكونتننتال، فهو حاسد مغيظ، ولكن رئيس الوزراء قلنا أمس: متواضع يأتي بالمعجزات، ويطلب إلى الناس ألا ينتظروا منه المعجزات، وأنت تعلم أن من تواضع لله رفعه، فثق بأن الله — عز وجل — قد يرفع رئيس الوزراء، وقد يجري على يديه معجزات أبهر وأبرع من معجزة الكونتننتال، فإذا سمعت بعد اليوم أن حفلًا آخر أقامه وزير الداخلية مثلًا، وخطب فيه من شئت ومن لم تشأ، ممن يستطيعون أو لا يستطيعون أن يخطبوا، فلا تنكر شيئًا، ولا تعجب لشيء، فإنما هي المعجزات يأتي بها رئيس الوزراء، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء.

    ولكن الأمر الذي يستحق التفكير هو موقف الخطباء المبرزين من زعماء الحزبين الشقيقين، ومن مصاقع البرلمان، ما بالهم لم يكثروا في هذا الحفل؟ وما بالهم لم يخطبوا فيه والحزبان يشتركان في الوزارة، والحزبان يعلنان تأييد الوزارة؟!

    فقد زعم الناس أن الذين اشتركوا في الحفل من حزب الشعب لم يبلغوا العشرين. ولسنا ندري كم اشترك في الحفل من حزب الاتحاد، ولكن الذي لا شك فيه هو أن أحدًا من الحزبين الشقيقين لم يرفع صوته العذب الخلاب بقليلٍ من الكلام أو كثير.

    وكيف نستطيع أن نفسر إعراض الحزبين عن هذا الحفل، وعن الكلام فيه؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن حزب الشعب يؤيد ولكن في فتور، ويناصر ولكن على دخل؟ أحقٌّ إذن ما يقول الناس من أن ما تم من الصلح بين رئيس الحزب ورئيس الوزراء، إنما كان صلحًا ظاهره فيه الوفاق، وباطنه فيه الخلاف؟ وإذن فهدنةٌ ما عُقد بين رئيس الحزب ورئيس الوزارة تنقضي أو تُستأنف بعد وقت قصير أو طويل، وإذن فالوزارة مخذولة حتى من أنصارها، منبوذة حتى من أوليائها الأقربين.

    كل هذا ممكن، ولكن هذا كله لا يضر الوزارة شيئًا، ما دامت قادرة على أن يخطب لها نقيب الأشراف، وما يضر الوزارة أو ينفعها أن تلقى من الحزبين الشقيقين تأييدًا أو خذلانًا، وأي فرق بين تأييد الحزبين الشقيقين وتأييد نقيب الأشراف؟ إلا أن في تأييد نقيب الأشراف بركة ليست في تأييد الرئيسين العظيمين: صدقي باشا ويحيى باشا إبراهيم.

    رئيس الوزراء عاجزٌ إذن عن أن يظفر بتأييد الأولياء رغم ما يملك من قوة وبأس، وما يطلق لسانه به من وعيد ونذير، ورئيس الوزراء عاجز بالطبع عن أن يظفر بتأييد الشعب؛ فالشعب لا يؤخذ بوعيد ولا نذير، والشعب لا تغريه الوعود، وإن صدرت عن وزير المالية، والشعب لا تطمعه الأماني، وإن أفعمت بها الصحف، وامتلأت بها الأفواه، والشعب يعلم أين يضع حبه، ولمن يبذل تشجيعه وتأييده.

    والشعب يعلم فيمن يكون الأمل، وممن يكون اليأس، والشعب يعلم أنه إن ذهب صدقي، ففي مصر صدقي آخر، وأن رضاه لا يُشترى بتغيير الأشخاص، وإنما يشترى بشيءٍ آخر أغلى وأعلى، وآثر في القلوب، وأحب إلى النفوس، وهو تغيير السياسة، والشعب ينظر إلى الرئيس الجديد كما كان ينظر إلى الرئيس القديم، والشعب واثق بأن الرئيس الجديد سيسلك طريقه متمهلًا أو متعجلًا، ولكنه سينتهي في غير شك إلى حيث انتهى الرئيس القديم.

    ورئيس الوزراء ليس عاجزًا عن أن يحمل الحزبين الشقيقين على تأييده الظاهر الباطن الذي لا مرية فيه، أو أن يحمل الشعب على تأييده، أو تكلُّف تأييده فحسب، بل هو عاجز حتى عن أن يحمل زملاءه الوزراء على أن يؤيدوه. وقد يظهر هذا غريبًا، ولكنه — فيما يظهر — الواقع الذي لا شك فيه؛ فليس من تأييد الوزراء لرئيسهم أن يسيروا معه كما يسير وزير الداخلية ووزير المعارف مع عبد الفتاح يحيى باشا.

    رجل يعلن أن وزارته ستُوزِّع العدل بين الناس لا مُتأثِّرة بالهوى ولا مُذْعِنة لميول الأحزاب، ووزير الداخلية يرى ويسمع ما ينزل بخصومه وخصوم وزارته من الظلم في أبي جرج، وفي غير أبي جرج، فلا يُصلحه ولا يرفعه، ولا يحاول له تغييرًا أو تبديلًا. أمُتَحَدٍّ هو لرئيس الوزراء؟ أم مُتَّفق هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

    رجل يعلن أن المصريين جميعًا سيَظفرون بالعدل، وستُنفَّذ فيهم أحكام القانون بالنزاهة والقسط، ثم تأتي مديرية من مديريات الأقاليم فتُخضِع عددًا ضخمًا من المصريين لحكم «قره قوش»، ولظلمٍ صارخٍ لا يُقرُّه قانون ولا يرضاه دين: تتحكم في أزيائهم، وتُسلِّط عليهم العمد والخفراء، ويُكرِههم المفتشون على أن يقولوا غير ما يعتقدون، وتأخذهم بأن يكرهوا ويقولوا: إنهم راضون، ويبتئسوا ويقولوا: إنهم مبتهجون، ويشكوا ويقولوا: إنهم يستزيدون من الظلم ويطمئنون إليه، ووزير الداخلية لا يغير من هذا شيئًا، ولا يقول في هذا شيئًا، كأنما أصبح إقليم الدقهلية دولة مستقلة تقف عند أحكام الدستور المصري والقانون المصري. أمُتَحَدٍّ وزير الداخلية لرئيس الوزراء، أم متفقٌ هو مع رئيس الوزراء على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

    رجلٌ يعلن إلى الناس أن وزارته ستكون وزارة العدل والإنصاف واحترام القانون، ثم يأتي وزير المعارف فيتجاوز القانون في أمر معهد هو أحق المعاهد أن تحترم فيه القوانين. ولا يكتفي بتجاوز القانون وحده، بل يريد أن يشرك فيه اللجنة المالية ومجلس الوزراء، ويكتب إليهما في ذلك كلامًا أقل ما يوصف به أنه محتاج أشد الاحتياج إلى كثيرٍ من النزاهة، وإلى كثير من تصوير الحق وملاءمة العدل. فإذا نشر هذا الكلام في الناس سكت الوزير، وسكت رئيس الوزراء، أمُتَحَدٍّ وزير التقاليد لرئيس الوزراء أم متفقٌ معه على أن الكلام شيءٌ والعمل شيءٌ آخر؟

    كلا، ليس هناك تحدٍّ، وليس هناك اتفاق، وإنما هي الأمور تجري كما تستطيع، وهم الوزراء يجرون مع الأمور كما يستطيعون، فهل رئيس الوزراء عاجز عن ضبط الأمور، عاجز عن ضبط الوزراء، كما أنه عاجز عن كسب التأييد من الحزبين الشقيقين، وكما أنه عاجز عن كسب التأييد من الشعب؟

    رئيس الوزراء رجلٌ طيبٌ تخذله الظروف، ويخذله الناس، والناس والظروف يتواطئون على خذلانه، وهو راضٍ بذلك، مطمئنٌّ إليه، يسكت حينًا، ويعلن حينًا آخر أن للحكومة جهدًا، ولكنه محدود، وأن الناس لا ينبغي أن ينتظروا منه ولا من وزارته المعجزات. وقد تسألني بعد ذلك ما بقاء الرئيس في الحكم وهو مخذول إلى هذا الحدِّ، عاجزٌ إلى هذا الحدِّ، ولكني لا أدري لِمَ تُوجِّه إليَّ أنا هذا السؤال. وجِّهْهُ إن شئتَ إلى رئيس الوزراء.