Tag: Coercion

  • بين الجد واللعب

    بين الجد واللعب

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢ أبريل ١٩٥٥

    يظهر أن أصدقاءنا الترك ينسون أنفسهم شيئًا ما في هذه الأيام، ويُعرِّضون أنفسهم كذلك لما لا نحب أن يتعرضوا له، فقد كنا نتمنى أن يحتفظوا بخطة الأناة والوقار والعناية بمصالحهم الخاصة كما يفهمونها وكما يحبونها، غير حافلين برضى الناس عنها أو سخطهم عليها.

    فهم قد اصطنعوا هذه الخطة وفرضوها على أنفسهم منذ أتاحت لهم ثورتهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن يستردوا استقلالهم ويخلصوا لأنفسهم، لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد. وهم قد انتفعوا بهذه الخطة فثبَّتوا استقلالهم ووطدوا مكانتهم وجنوا ثمرات الحياد الذي التزموه في الحرب العالمية الثانية؛ فخرجوا منها موفورين لم يُكْلموا كَلْمًا ولم تتعرض مرافقهم المختلفة لخطر قليل أو كثير.

    فهم قد صادقوا الأعداء جميعًا أثناء الحرب العالمية الأخيرة، ولم يحفلوا بتلك الأحداث الجسام التي كانت تملأ العالم من حولهم شرًّا، والتي ملأت العالم العربي نفسه خوفًا وذعرًا، وهم أقاموا هادئين مطمئنين منتفعين حين شبت الحرب في جارتها سوريا بين الحلفاء وبين الفرنسيين المهادنين لألمانيا، وشقيت سوريا شقاء غير قليل بهذه الحرب، وجيرانها الترك آمنون وادعون لا يغضبون لها ولا يشفقون عليها ولا يمنحونها عونًا ولا يختصونها بتأييد.

    بل هم قد انتفعوا من هذه الحرب الأخيرة على حساب جارتهم سوريا؛ فأخذوا جزءًا منها ثمنًا لمساومة الحلفاء، ولم ينسَ العالم العربي بعد أن الإسكندرونة قد اقتُطعت من سوريا ورُدت إلى الترك ثمنًا لهذه المسالمة دون أن يُستأمر السوريون في ذلك أو يُستشاروا.

    في ذلك الوقت لم يكن الترك أصدقاء العالم العربي، ولم يكن العالم العربي يعنيهم قليلًا أو كثيرًا، وإنما كان يعنيهم أن يَسْلموا أولًا وإن دُمر العالم من حولهم، وأن يأمنوا ثانيًا وإن امتلأ العالم من حولهم هلعًا وفزعًا، وأن ينتفعوا ثالثًا وإن أوذي العرب في وطنهم وإن فُرق الإخوة ظلمًا وبغيًا وعدوانًا.

    كانت هذه الخطة الآثرة هي التي التزمتها تركيا منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها، وكانت تجد في هذه الخطة أمنها ومنفعتها، واستقرار الأمر فيها وتطور ثورتها في عافية من تدخل الأجنبي، وكان من الخير لها أن تحتفظ لمنقذها من العدوان الأجنبي؛ مصطفى كمال — أو كمال أتاتورك كما سمته — فرارًا من الصلة بينها وبين العرب؛ حتى حملها بغضها لقديمها وطموحها إلى التخلص من أوزار إمبراطوريتها والتخفف من أثقال الخلافة الإسلامية التي انتحلتها انتحالًا وأخذتها غلابًا، ولكنها خافت من جارتها روسيا وأمنت لصديقتها أمريكا. ووجدت عند صديقتها هذه فضلًا كثيرًا ومالًا غزيرًا، وأغراها الفضل بالفضل ورغَّبها المال في المال، وأرادت أن تستكثر من التقرب إلى الأمريكيين، فخرجت عن خطتها تلك، وظنت أنها أصبحت دولة عالمية تستطيع أن تشارك في تقرير مصير الدول الأخرى. وكان خروجها عن هذه الخطة حين شاركت حلفاءها فيما عرضوا على مصر سنين من حلف؛ يحفظ السِّلم في هذا من الشرق الأدنى، وقد رفضت هذا العرض في غير مناقشة ولا جدال، وكان الترك خليقين أن يحسوا لوم العرب لهم، وعتبهم عليهم؛ إنكارهم أن تعين دولة إسلامية كانت تزعم لنفسها حماية الإسلام على تدخل الأجنبي في شئون المسلمين، وتعريضهم للمشاركة في مغامرات ليس لهم فيها نفع قليل أو كثير.

    كان الترك خليقين أن يحسوا ما لم يُخْفِ العرب من لوم لهم وإنكار عليهم، وأن ينتفعوا بهذا الدرس الذي تلقوه من مصر حين أبت أن تستجيب لهم كما أبت أن تستجيب للأمريكيين والإنجليز والفرنسيين. لكن الترك لم يحسوا شيئًا ولم ينتفعوا بهذا الدرس، وإنما جعلوا أنفسهم عملاء للأقوياء من دول الغرب، وكلفوا أنفسهم أن يضموا الشرق العربي راضيًا أو كارهًا إلى ذلك الحلف الذي يدفع إلى المغامرات ويغري بالحرب ويعرض الناس لأخطار لا يعلم عواقبها إلا الله.

    وهم قد مضوا في ذلك حتى ضموا إليهم العراق في حيلة لم يستروها، ولم يخفوا ما فيها من الكيد، ولم يحتاطوا لها؛ فهم لا يكادون يتمون هذا الحلف حتى يسرع الإنجليز بالمشاركة فيه، وحتى يزمع الأمريكيون أن يشاركوا فيه أيضًا، وإن آثروا الانتظار بهذه المشاركة وقتًا طويلًا أو قصيرًا.

    وكذلك خرج الترك من حيرتهم تلك، ولكن خروج التابع الذي لا يعمل لنفسه وإنما يعمل لغيره، ولا يدبر الأمر ويتقن الحيلة لينتفع هو وحده، بل لينتفع غيره من الأقرباء وإن عرَّض نفسه لشر عظيم. فالترك يعلمون أنهم جيران الروس وأنهم جديرون أن يكونوا أول من يصطلي نار الحرب ويشقى بها حين تثار في يوم قريب أو بعيد، وكان ذلك جديرًا أن يحملهم على إيثار العافية والركون إلى الحياد الذي آمنهم من الخوف في الحرب الأخيرة، ولكنهم عادوا إلى المغامرة وأبوا أن يعودوا إليها وحدهم، ولم يحبوا أن تزلزَل بهم الأرض من دون جيرانهم، فجروا العراق وانجرَّ العراق لهم. وقد أغرتهم طاعة الحكومة العراقية القائمة بأن يجروا إليهم سوريا، ومن يدري لعلهم إن ظفروا من سوريا بما يحبون أن يعودوا إلى مصر ليعرضوا عليها مغامرتهم تلك مرة أخرى وليتموا لحلفائهم ما أرادوا من إخضاع العالم العربي كله لسلطانهم، وإشراكه في مغامرتهم وتعريضه لهذه الأهوال التي لا تنفعه وإنما تؤذيه كما تؤذي الناس جميعًا. ولكن سوريا أبت أن تنجر كما انجرَّت حكومة العراق القائمة. وهنا يستحيل الجد إلى لعب، وتستحيل المأساة إلى ملهاة، ويخرج الترك عن طورهم، فيغضبون وينذرون ثانيًا، ويحشدون جيشهم على الحدود السورية آخر الأمر، فيغرق العالم العربي في الضحك وإن كان ضحكًا مرًّا.

    ولكن الشيء المحقق هو أن الجيش التركي المظفر لم يرهب أحدًا، ولا يمكن أن يرهب أحدًا؛ لأنه لا يستطيع أن يجوز الحدود، ولأن تركيا لا تستطيع أن تُعلن الحرب على سوريا، لا لشيء إلا لأنها لا تريد أن تشترك في المغامرات، ولأن الحرب لا تُعلَن في هذه الأيام كما كانت تُعلَن فيما مضى، وإنما تقوم دون إعلانها مصاعب لا بد من تذليلها. وليس الترك وحدهم هم الذين يستطيعون أن يذللوها، فتركيا عضو في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن نفسه، وليست تملك أن تقحم حلفاءها في حرب لا يريدونها، وهي بعد هذا كله ليست حرة في إعلان الحرب؛ لأن لها جارة تتربص بها الدوائر ولا تنتظر إلا الفرصة التي تتيح لها أن تغير. فهذا النذير التركي بجارتها سوريا عبث من العبث، لا يخيف السوريين فضلًا عن أن يخيف غير السوريين، وإنما هو يعرِّض الترك أنفسهم لشيء من الرثاء كنا نحب ألا يعرضوا أنفسهم له، وكنا نحب لهم كذلك أن يقرروا فيما بينهم وبين أنفسهم أن الأحلاف لا تكون بالإكراه، وأنها إما أن تكون بالرضى وإما ألا تكون. وكنا نحب لهم كذلك أن يقدروا في أنفسهم أن الدنيا قد تغيرت، وأن أمور السلم والحرب لم تصبح خاضعة لأهواء الناس وشهواتهم، وكنا نحب لهم آخر الأمر أن يقدروا في أنفسهم أنهم يوشكون أن يسوءوا حلفاءهم من حيث أرادوا أن يسروهم، ويضروهم من حيث أرادوا لهم النفع، ويغضبوهم من حيث أرادوا أن يبتغوا لهم الوسيلة.

    فحلفاء الغرب يريدون أول ما يريدون أن تستقر الأمور في الشرق الأدنى، ويكرهون أشد الكره أن يضطرب هذا الجزء من الأرض، وإنذارهم هذا المُلِح لسوريا يوشك أن يملأ الشرق العربي اضطرابًا. وقد ينبغي أن يحسب الترك لجيرانهم شيئًا من الحساب، ومن حق العرب أن يغضبوا حين يُساء إليهم في غير ما يدعو إلى الإساءة، وأن يُستخف بهم دون ما يدعو هذا الاستخفاف. والعرب يحسنون اصطناع الحلم ويعرفون كيف يملكون أنفسهم، ولكنهم يعرفون أيضًا كيف يغضبون وكيف يثورون إذا أُثيروا. وإذا كان أصدقاؤنا الترك قد غفلوا عن هذا كله وخرجوا عن أطوارهم؛ فما أجدر حلفائهم من الإنجليز والأمريكيين أن يردوا عليهم فضل أحلامهم وأن يكفوهم عن الطيش ويعيدوهم إلى شيء من صواب، وأن يذكروا أن صغار الأمور قد تُهيج كبارها، وأن للأناة والصبر غاية ينتهيان إليها.

    وأن في نفوس العرب بقية من مودة للترك، فمن الخير ألَّا يُضيعوها بإصرارهم على ما هم فيه من حمق وطيش.

  • غرور

    غرور
    إذا رأيت في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي شرًّا، واقتنعت بأن إزالته واجبة، وبأن إقرار الخير مكانه أمر محتوم، كان من حقك أن تدعو إلى ما ترى، وكان من الواجب عليك أن تلحّ في الدعوة لما ترى. وكنت آثمًا في حق نفسك إن كتمت رأيك وأخفيته على الناس، وكنت آثمًا في حق الناس إن لم تدلّهم على مواطن الشر في حياتهم، ولم ترشدهم إلى ما فيه المنفعة والخير.
    هذه أوليات يخيل إلى من يقولها أنه لا يقول شيئًا جديدًا، ويخيل إلى من يسمعها أنه لا يسمع شيئًا طريفًا، لأن ترديدها قد كثر بين الناس في جميع العصور، وفي جميع البيئات، حتى سئمها القائلون والسامعون. لكنها على ذلك ما زالت غامضة، وما زال غموضها مصدر الشر الكثير في حياة الأمم والشعوب، ولعل غموضها مصدر ما نحن فيه الآن من فساد واضطراب.
    فقد نخطئ في الخلط بين الحق والواجب، وقد نغلو في تقدير هذا الحق وهذا الواجب، وقد يضطرنا هذا الخطأ، وهذا الإسراف، إلى أن نريد الإصلاح فنسيء، ونقصد إلى الهداية فنضل، ونتعمد الإرشاد فنتورط في الاعتداء.
    نقتنع بالرأي فيغرّنا هذا الاقتناع، ويخيل إلينا أننا نحن وحدنا المصيبون، وأن غيرنا جميعًا مخطئون. ثم لا نلبث أن يملكنا هذا الغرور ويدفعنا إلى إهدار الحرية، وإذا نحن نحاول أن نفرض آراءنا على الناس فرضًا، وأن نكرههم على ما نحب لهم من الخير إكراهًا، وإذا نحن نزعم لأنفسنا العصمة ونبرئها من الخطأ، ونقدّس آراءنا تقديسًا، ونتخذ الذين لا يشاركوننا فيها ولا يظاهروننا عليها أعداء، ونسير فيهم سيرة الأعداء.
    ولعلك حين تريد أن تفهم الأزمة التي اضطرنا إليها رئيس الوزراء والذين يؤيدونه، لم تجد لها تفسيرًا غير هذا الغرور الذي يتورط فيه أصحاب الآراء في السياسة والاقتصاد والاجتماع.
    ظن رئيس الوزراء وأصحابه أن نظامنا السياسي القديم شرٌّ، لأنه لم يكن يلائم آمالهم وأطماعهم ومثلهم العليا في الحكم وتصريف الأمور. ورأوا أن في هذا النظام أصولًا يجب أن تزال، وأن تقرّ مكانها أصول أخرى. رأوا أن الانتخاب العام المباشر لا يوصلهم إلى الحكم، ولا يضمن لهم كثرة الشعب، ورأوا أن سلطة البرلمان إذا اتسعت وبعدت حدودها لا تمكن من البقاء في الحكم إن أوصلتهم إليه المصادفات ورفعتهم إليه الظروف، فأرادوا تخصيص الانتخاب وتضييقه، وأرادوا تقييد سلطان البرلمان والقصّ من جناحه. وحاولوا أن يدعوا إلى ذلك فلم يفلحوا، وألحّوا في المحاولة فلم يستجب لهم أحد، ولم يؤمن لهم إنسان.
    وكان الإعراض عن معاونتهم والانصراف عن دعوتهم مثيرين لسخطهم على هؤلاء الذين يُدعون فلا يستجيبون، ويُلَحّ عليهم في الدعاء فلا يحفلون. وزادهم هذا السخط إيمانًا بآرائهم وثقة بها، فألحّوا فيها وأصرّوا عليها. وما هي إلا أن أُغروا بهذه الآراء وأسرفوا في الغرور، فاعتقدوا أنها وحدها الحق، وأنها وحدها الخير، وأن غيرها باطل، وأن غيرها شر. ثم أخذوا يفكرون ويقدّرون، وجعلوا يجيئون ويذهبون ليفرضوا آراءهم هذه على الناس فرضًا، وليدفعوا الناس إلى آرائهم هذه كرهًا، بعد أن أعياهم الإقناع ولم يواسهم الدعاء الهادئ المطمئن.
    هنالك أُحكم التدبير، ووثب رئيس الوزراء إلى الحكم، فثار بالدستور القديم، وفرّق البرلمان القديم، واستحدث ما استحدث من نظام، وأجرى ما أجرى من انتخاب، وصرف أمور مصر كما يصرفها منذ نهض بالحكم، في قوة وعنف، وفي إكراه للشعب على ما يريد هو، وإرغام للشعب على ما يحب هو.
    وكانت في أوربا حركات إصلاحية ظاهرها القوة والشدة، فما أسرع ما وجد رئيس الوزراء لنفسه الأشباه والأنداد، وما أسرع ما قارنه أنصاره بموسوليني في إيطاليا، وهم الآن يقيسونه بهتلر في ألمانيا. ومع ذلك فلم يكن رئيس الوزارة يوم ألغى الدستور إلا خارجًا على النظام، مسيئًا إلى القانون، ومسيئًا إلى الأمة كلها. ذلك أن الإصلاح السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي لا ينبغي أن يُفرض على الناس فرضًا، ولا أن تؤخذ به الجماعات وهي كارهة له معرضة عنه، ولا أن تُرغم عليه الشعوب بقوة الحديد والنار. بل لا ينبغي للمصلح أن يمسّ الذين يريد إصلاحهم بشيء من الأذى، قليل أو كثير، حين يعرضون عما يحمل إليهم من إصلاح. وإذا لم يكن بد من أن يصيب الأذى في سبيل الإصلاح أحدًا من الناس، فإنما يجب أن يصيب المصلحين أنفسهم، ويجب على هؤلاء المصلحين أن يوطّنوا أنفسهم على احتمال الأذى والتعرض للمكروه، بل للموت أحيانًا، في سبيل ما يدعون إليه من إصلاح.
    وربما كانت هذه الأيام التي تبتدئ العام الهجري الجديد، وتذكر المسلمين بتاريخهم، حافلة بالعبر والعظات لمن أنساهم الغرور، فوجب عليهم أن يتذكروا. فإن الداعي إلى الإسلام، والمؤسس لهذه الدولة الإسلامية، لم يؤذِ أحدًا، ولم يفرض على الناس دينه فرضًا، ولم يأخذهم بهذا الدين كرهًا، وإنما دعا الناس إليه رفيقًا بهم، محبًّا لهم، شفيقًا عليهم. ولقيَ منهم في سبيل هذا الرفق عنفًا، وفي سبيل هذا الحب بغضًا، وفي سبيل الإشفاق قسوة وعنتًا. وما زال يدعوهم إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، فيستجيب له خيارهم، ويلقاه شرارهم بالبغي والعدوان، حتى ظهرت كلمة اللّٰه، وانتشر نوره، وعزّ دينه، فآمن به الثائرون عليه والمتنكرون له.
    والذين يتمدح رئيس الوزراء بأنه يشبههم ويسير سيرتهم لم يثوروا بنظم بلادهم كما ثار رئيس الوزراء بنظام بلاده. فلم يصل موسوليني إلى الحكم في إيطاليا إلا بعد أن وصل إلى زعامتها، ولم يصل موسوليني إلى زعامة إيطاليا إلا بعد أن جاهد جهادًا سلميًا رفيقًا، قوامه الدعوة إلى الخير، والإلحاح في النصح، حتى استجاب له من استجاب، واقتنع برأيه من اقتنع، والتفّت حوله كثرة إيطالية مكنته من أن يطلب الحكم ويظفر به، ويخلق لإيطاليا خلقًا جديدًا.
    ولم يصل هتلر نفسه إلى حكم ألمانيا إلا بعد أن دعا إلى رأيه، وأقنع به، والتفّت حوله هذه الكثرة التي أظفرته بالانتخاب، فاضطر رئيس الجمهورية الألمانية إلى أن يلقي إليه أزمة الحكم، وكان يأباها عليه ويذود عنها في شدة وإصرار.
    بعيدٌ جدًّا ما بين رئيس وزرائنا وبين المصلحين الذين يستحقون أن يوصفوا بهذا الوصف. فهو لم يجاهد في نشر رأيه، ولم يُلحّ في الدعوة إليه، ولم يلقَ في ذلك شيئًا من الأذى، ولم يتعرض في ذلك لشيء من المكروه. وإنما هيئت له الأسباب، ودُبّرت له الأمور، ثم أُجلس على كرسي، وأُعطي أعنّة الحكم، وقيل له: انطلق، فانطلق، لا يأتي على شيء إلا عصف به عصفًا، وعبث به ألوان العبث. وهو على هذا كله لم يكتفِ بأن تهيّأت له الأمور من غير جهد ولا مشقة، بل أخضع أمته لضروب الجهد وألوان المشقة، فعكس الآية، وآثر نفسه بالراحة في سبيل الإصلاح، وآثر أمته بالشقاء والعناء في سبيل ما يراه إصلاحًا.
    ولهذا لم يوفَّق رئيس وزرائنا إلى شيء، ولم يصلح رئيس وزرائنا شيئًا، وسينزل رئيس وزرائنا عن الحكم فلا يبقى له في هذه الأمة أثر إلا هذه الذكريات المؤلمة التي تصور ما صبّ على أمته من عذاب، وما أنزل بأمته من شر. فأما السياسة التي فرضها فلن تستقر بعد أن ينزل هو عن السلطان، ذلك لأنه وصل إلى الحكم قبل أن تكون لنفسه هذه القوة الشعبية الصادقة، وصل إلى الحكم قبل أن يقنع الناس بآرائه في الإصلاح، وكان يجب أن يكون وصوله إلى الحكم نتيجة لسعيه لا مقدمة له.
    سيستقيل صدقي باشا أو سيقال، فينحل من حوله كل شيء، ويتفرق من حوله كل إنسان، وتعود الأمور بعده كما كانت قبله.
    أما المصلحون حقًّا فقد اعتزلوا الحكم، بل فارقوا الحياة وبقي إصلاحهم قويًّا بعدهم واتسع سلطانه، لأنهم لم يسلكوا إلى إصلاحهم هذه الطريق التي سلكها رئيس الوزراء، ولم يؤثروا أنفسهم بهذا الخير الذي آثر به رئيس الوزراء نفسه.
    فما أجدر الذين يفكرون في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي أن يتعظوا بهذا الدرس القاسي الذي تلقيه الأيام على رئيس الوزراء، وأن يعلموا أن الأمم لا تُكره على الخير إكراهًا، وإنما تُقنع به إقناعًا، وتُرغّب فيه ترغيبًا. وإن اللّٰه — وقد استأثر وحده بالكمال، واستأثر وحده بالقوة والسلطان — لم يُكره الناس على الخير، ولم يدفعهم إليه بالشدة والعنف، وإنما أمر نبيه أن يدعوهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يدفعهم إليه بالحجة والعبرة، وأن يحتمل في سبيل ذلك ما احتمل من الأذى، ويصبر في سبيل ذلك على ما صبر عليه من مكروه.
    أفيؤثر اللّٰه الرحمة واللين، والدعوة إلى الخير بالتي هي أحسن، ويأبى الناس إلا أن يكرهوا الأمم والشعوب على ما لا تريد؟
    كوكب الشرق ٨ – ٤ – ١٩٣٣