شهرية السياسة الدولية ٢
طه حسين
الكاتب المصري
يناير ١٩٤٧
يقال إن السياسة العالمية في هذا الشهر قد أتيح لها شيء من الدَّعة والإسماح، وإن العالم سيستقبل العام الجديد هادئًا مطمئنًّا إلى حَدٍّ ما. ومصدر ذلك — فيما يقال — هو أن الاجتماع الأخير لهيئة الأمم المتحدة قد انتهى إلى نتائج رضي عنها واطمأنَّ إليها الساسة المنتصرون؛ فقد خفَّت حدة الخلاف بين الكتلتين المختصمتين: كتلة السكسونيين من ناحية، والروسيين من ناحية أخرى. فلم يكُن بين الخطباء في هيئة الأمم المتحدة ولجانها ذلك الصراع العنيف، الذي كان ملحوظًا حين اجتمعت هيئة الأمم المتحدة في لندن، أو حين اجتمع مؤتمر الصُّلح في باريس، بل كان الخلاف يشتد ويحتد أحيانًا حتى يُنذر بالخطر، ثم ينتهي آخر الأمر إلى نوع من التراضي يرتاح إليه المختصمون جميعًا، وهذا كله حق ليس فيه شك. وهناك حق آخر ليس فيه شك، وهو أن اجتماع هيئة الأمم المتحدة الأخير قد انتهى إلى الاتفاق على طائفة من المسائل، كان يظن أن ليس إلى الاتفاق عليها من سبيل. فقد تم الاتفاق مثلًا على شيء من التقدُّم نحو تخفيض التسلُّح، والإشراف على القنبلة الذرية وما يشبهها، أو يقاربها من الأسلحة الفتَّاكة، وعلى أن يكون هذا الإشراف غير خاضع لحق الاعتراض الذي تستمسك به الدول الكبرى. بل أتيح للهيئة التي ستشرف على تخفيض التسلُّح حق التفتيش والتثبيت داخل حدود الدول مهما تكُن. وما من شك في أن هذا الاتفاق خطوة قَيِّمَة في سبيل التراضي والتعاوُن بين الدول الكبرى. ولكن الاندفاع في التشاؤم شر، كما أن الاندفاع في التفاؤل ليس أقل منه خطرًا. فليسجل هذا الاتفاق الذي تم في شيء من الرضا، ولكن في كثير من الاحتياط. فاتفاق المختلفين في قاعة الاجتماع بهيئة الأمم المتحدة شيء، وتنظيم الإجراءات العملية لتنفيذ هذا الاتفاق، ثم تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل في أمانة وصدق وإخلاص شيء آخر. وكل ما يمكن أن نقرره، هو أن ساسة المنتصرين قد افترقوا على شيء من تقارُب وجهات النظر؛ فهم سيستقبلون العام الجديد في شيء من الأمن الموقوت. ولكن المسائل الكبرى التي هي مَثار الخلاف بين المنتصرين ما زالت قائمة لم تُمس إلى الآن؛ فأمريكا مستأثرة بالقنبلة الذرية لم تُفْضِ بأسرارها بعدُ، ولم تُبِحْ إعدام ما أنشئ منها، ولم تسلِّم بوقف المضي في إنتاجها. كل ذلك مرهون بتمام الاتفاق وتمام إنفاذه في دقة وأمانة وإخلاص.
وكذلك تقاربت وجهات النظر في قضيتين خطيرتين؛ إحداهما: القضية الإسبانية؛ فقد كانت روسيا وفرنسا تطالبان بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع إسبانيا، وكانت بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تأبَيَان هذا كل الإباء، فتم الاتفاق على أن تستدعي الدول سفراءها ووزراءها المفوَّضين من مدريد، وتبقى السفارات والمفوضيات يشرف عليها القائمون بالأعمال، ويراقب مجلس الأمن تطوُّر الأمور في إسبانيا. وقد يكون لهذا الإجراء أثره في إنقاذ الشعب الإسباني من نظام الجنرال فرانكو، وقد لا يكون. ولكن المهم هو أن الدول قد استطاعت أن تصل إلى صيغة يمكن الاتفاق عليها.
أما القضية الثانية: فهي قضية الخلاف بين الدولة اليونانية وجاراتها الموالية لروسيا. وقد انتهى مجلس الأمن فيها إلى اتفاق قد يجدي وقد لا يجدي، ولكنه اتفاق على كل حال. وخلاصته أن تنشأ لجنة دولية للتحقيق، تزور البلاد المختصمة، وترفع تقريرها إلى مجلس الأمن. وواضح أن كل هذه الألوان من الاتفاق تقوم على التراضي الذي ينزل فيه كل من المختصمين عن بعض ما يريد؛ فهي اتفاقات ليست حاسمة ولا مُلغِيَة للمشكلات القائمة. فكما أن مشكلة القنبلة الذرية لا تزال قائمة، فنظام فرانكو لا يزال قائمًا في إسبانيا، والاحتلال البريطاني لا يزال مستقرًّا في اليونان، والحرب الأهلية لا تزال مضطرمة في اليونان أيضًا. وهناك مشكلة شغلت العالم عامًا وأكثر من عام، وقد أخذت تنحل في هذه الأيام، دون تدخُّل من مجلس الأمن ولا من هيئة الأمم المتحدة؛ وهي مشكلة إيران. فقد اقتحمت جيوش السلطة المركزية أذربيجان، وقضت على استقلالها الذاتي، واستقرت على الحدود الروسية الإيرانية، واستردت سلطان الحكومة المركزية على الأرض الإيرانية كلها، لم تعترض على ذلك روسيا، ولم تؤيده بريطانيا العظمى تأييدًا ظاهرًا. ولكن من سَبْقِ الحوادث أن نقرر انتهاء المشكلة الإيرانية إلى غايتها؛ فالدول المنتصرة تنظر صامتة في ظاهر الأمر إلى تطور هذه المشكلة على هذا النحو، ولكننا سنرى بعد انتهاء الانتخابات الإيرانية، وقيام الحكومة الجديدة: كيف تلائم هذه الدول المنتصرة ذات المصالح المُعقَّدة، والمطامع التي ليست أقل تعقيدًا من مصالحها، بين مواقفها وبين النظام الجديد. والحقيقة الواقعة التي لا يختلف فيها اثنان، هو أن كل هذا الإسماح الذي طرأ على السياسة العالمية في هذه الأيام، مصدره تغيير في الخطة الروسية؛ فقد عمدت روسيا من غير شك إلى شيء من اللين والاعتدال، ونزلت عن كثير من تشدُّدها في كثير من المسائل، فما مصدر هذا التغيير؟ يقول المتعجلون: إن مصدره الحزم الإنجليزي الأمريكي الذي أشعر روسيا بأن تشدُّدها مُنْتَهٍ إلى الكارثة. ونعتقد نحن أن مصدره دهاء السياسة الروسية، فمن الخطل أن نظن أن روسيا كانت مصممة كل التصميم في تشدُّدها، وإصرارها على العنف، وإنما كانت تتشدد وتسرف في التشدد، وهي تعلم حق العلم أن خصومها لن يُسلِّموا لها بكل ما تريد؛ فهي تدافع عن وجهة نظرها ما وسعها الدفاع، وتطلب الكثير لتظفر بالقليل. ومن أخطأِ الخطأ أن يُظن أن السياسة الروسية قد انهزمت أمام السياسة السكسونية؛ فالبلقان ما زال خالصًا لروسيا، لا يستثنى منه إلا اليونان، ومطالب روسيا ما زالت قائمة فيما يتصل بالمضايق، وقد وافقت روسيا آخر الأمر على معاهدات الصلح المختلفة، بعد أن ظفرت بأقصى ما كان يُنتظر أن تظفر به. ويمكن أن يُقال إن المشكلات التي كانت تواجه المنتصرين لم تُحَلَّ إلى الآن حلًّا حاسمًا، وإنما موعد هذا الحل الحاسم هو اجتماع وزراء الدول الكبرى في موسكو بعد شهرين.
هنالك — وهنالك ليس غير — نستطيع أن نتبين أيمضي العالم حقًّا إلى التعاون والاتفاق؟ أم إلى التنابذ والاختلاف؟ ففي الاجتماع المقبل ستعالج المشكلة الكبرى التي تدفع أوروبا إلى سلم مستقرة، أو تهيئها للحرب العالمية الثالثة، وهي مشكلة الصلح الذي يراد أن يفرض على ألمانيا.
وبينما تجري السياسة العالمية العامة على هذا النحو من التقارُب الذي يدعو إلى الاطمئنان ولا يُعفي من القلق، تحدث في غرب أوروبا أحداث لها ما بعدها، ولعلها أن تكون أبعد أثرًا في المستقبل العالمي القريب من كل هذا اللغط الذي امتلأ العالم به أثناء اجتماع هيئة الأمم المتحدة. ففي بريطانيا العظمى لا يكاد ينتهي الخلاف الذي شجر في حزب العمال، واضطر الحكومة البريطانية إلى عرض الثقة، حتى يثار خلاف آخر بين العمال دائمًا، وحول السياسة الخارجية البريطانية دائمًا كذلك.
والخلاف في هذه المرة خطير؛ فالمتطرفون من العمال يرون أن حكومتهم لم تبرَّ بوعدها، ولم تيسر للديمقراطية سُبُلها في الخارج، ويرون أن حكومتهم اشتراكية في بريطانيا العظمى، مؤيِّدة للرجعية خارج بريطانيا العظمى، وضغطهم هذا يضطر الحكومة إلى ظاهر من التساهل، ولكنها لا تكاد تُقدِم على هذا التساهل الشكلي حتى يسخط المعارضون من المحافظين، ويصيح المستر تشرشل في مجلس العموم بأن حكومة العمال تدفع الإمبراطورية إلى الانحلال.
وكذلك تجد الحكومة البريطانية الاشتراكية نفسها بين نارين: نار تأتيها من اليسار من أتباعها المتطرفين، ونار أخرى تأتيها من اليمين من خصومها المحافظين. وقد يكون من الحمق أن نهمل نيرانًا أخرى تواجهها من خارج بريطانيا العظمى، وتأتيها من هذه المشكلات الكثيرة التي تتعقد في كل يوم، وتزداد تعقُّدًا من يوم إلى يوم في أكثر أرجاء الإمبراطورية: في الهند، وفي بورما، ثم في مناطق النفوذ كالشرق الأدنى، والشرق الأوسط مثلًا.
فالذين يؤمنون بقول الإمبراطورية البريطانية وقدرتها على مواجهة المشكلات وقهر الصِّعاب — كما كانت تفعل من قبل — في حاجة إلى أن يعيدوا النظرة فيما كوَّنوا لأنفسهم من رأي؛ فقد خرجت الإمبراطورية البريطانية من الحرب منتصرة، ما في ذلك شك، ولكنها لم تنتصر وحدها، وإنما انتصر معها قوم آخرون، لعلهم أن يكونوا أعظم منها قوةً، وأشد منها بأسًا، وأكثر منها ثراءً، وأقدر منها على مواجهة الصِّعَاب. وقد بذلت الإمبراطورية البريطانية أثناء الحرب وُعُودًا أسرفت في بذلها، وآن أوان الوفاء بها، وكانت تظن أنها تستطيع أن تَعِدَ اليوم لتُخلِف غدًا. ولكن الشعوب التي تلقت هذه الوعود لم تكن عابثة، ولا هازلة، وإنما كانت جادة كل الجِد، وهي الآن تطالب بتحقيق ما بُذِل لها من الوعود.
وفي فرنسا تم الانتخاب للجمعية الوطنية، على النحو الذي عرَفه القراء، والذي لم يظفر فيه حزب بالكثرة المطلقة، وجرت انتخابات مجلس الجمهورية، وانتهت على النحو نفسه، فأصبح أمر الحكم في فرنسا من أشد الأمور عسرًا، لا يستطيع حزب أن يستقل بالحكم إلا أن تؤيده الأحزاب الأخرى. وقد طالب الشيوعيون — وحزبهم أعظم الأحزاب — برياسة الوزارة، فأبتها عليهم الأحزاب الأخرى. ثم طالب بها حزب الجمهوريين الشعبيين فرد عنها، واضطرت فرنسا إلى أن تلجأ إلى الحزب الاشتراكي — وهو من أحزاب الأقلية — ليعطيها رئيسًا للوزارة، فأعطاها زعيمها العظيم المسيو ليون بلوم. ولكن هذا الزعيم لم يستطِع أن يؤلِّف بين المختلفين، فاضطر إلى تأليف وزارة من حزبه الاشتراكي، وظهر في فرنسا هذا المظهر الغريب، حزب من أحزاب القلة يؤلف الوزارة، وتؤيده الجمعية الوطنية تأييدًا إجماعيًّا؛ لأنها لا ترى مخرجًا غير هذا من الحرج.
وهذه الوزارة موقوتة بالطبع، ستستقيل حين يُنتخب رئيس الجمهورية، وسنرى كيف تستقبل فرنسا أمرها، وكيف تتكون فيها الكثرة التي تلي الحكم: أتكون كثرة تميل إلى الشمال، أم تكون كثرة معتدلة متوسطة.
ولكل هذا أثره في توجيه أوروبا الغربية؛ فالأمر ليس إلا صراعًا بين اليساريين الذين يريدون أن يأخذوا من رأس المال أكثر ما يستطيعون، وأصحاب اليمين الذين يريدون أن يحتفظوا من نظام رأس المال، بأكثر ما يستطيعون أن يحتفظوا به.
Tag: Cold War tensions
-
شهرية السياسة الدولية٢
-
أزمتان
أزمتان
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٠ مارس ١٩٤٦
ليس من اليسير في هذا الطور الحديث من أطوار العالم أن تُحدَّد مواضع العلل التي تصيب السياسة الدولية، فأي أزمة تُثار في أي مكان، ولأي سبب من الأسباب تُحْدِث أثرها فورًا في الحياة السياسية لهذا العالم الجديد الذي أُلْغِي فيه الزمان والمكان، وأصبح على رغمه كائنًا واحدًا يتأثر كله بما يصيب أي جزء من أجزائه من العلل والآفات.
وليس من شك في أن إحدى الأزمتين اللتين أُرِيدُ أن أتحدث عنهما الآن قد نشأت في الشرق الآسيوي، وليس من شك كذلك في أن الأزمة الثانية قد نشأت في الغرب الأوروبي، ولكن من المحقق أن العالم كله متأثر بهاتين الأزمتين في هذه الأيام تأثرًا شديدًا، وأن مراكز هذا التأثر تقع في موسكو، ولندرة، وواشنطون، وباريس، وغيرها من العواصم التي يمكن أن يكون لها شأن في السياسة العالمية من قريب أو من بعيد.
أما الأزمة الأولى، فهي هذه التي أُثِيرَتْ في إيران منذ ظهرت الحركة الاستقلالية في أذربيجان، وقد كان من الطبيعي ألا تتجاوز الأزمة حدودها المعقولة، فهناك قسم من أقسام إيران يريد أن يحقق استقلاله الداخلي؛ لأنه ليس راضيًا عن النظام السياسي والاجتماعي في وطنه الخاص، وفي الوطن الإيراني كله، وقد همت الحكومة المركزية في طهران أن ترد هذا الإقليم إلى الطاعة، وطبيعة السيادة الإيرانية تقتضي أن يُترَك مثل هذا الأمر للإيرانيين يدبرونه كما يشاءون، أو كما يستطيعون … فإما أن تكون الحكومة المركزية عظيمة القوة شديدة البأس، فترد الأمر إلى نصابه وتُكْرِه الثائرين على الإذعان، وإما أن تكون هذه الحكومة ضعيفة متراخية فيظفر الثائرون بما يريدون.
هذه طبيعة الأشياء، ولكن إيران لم تكن خالصة لنفسها حين ثار الساخطون من أهل أذربيجان، وإنما كان الروسيون يحتلونها في الشمال، وكان البريطانيون والأمريكيون يحتلونها في الجنوب.
وكان هذا الاحتلال أثرًا من آثار الحرب قد نظمته معاهدة بين الحلفاء والإمبراطورية الإيرانية، وقد نُصَّ في هذه المعاهدة على أن هذا الاحتلال لا يمس السيادة الوطنية، كما نُصَّ فيها أيضًا على أن هذا الاحتلال ينتهي بعد أن تضع الحرب العالمية أوزارها بستة أشهر، فلما همَّتْ حكومة طهران أن ترسل قواتها لترد أهل الشمال إلى الطاعة أَبَتْ عليها روسيا هذا التصرف الذي هو من أخص مظاهر السيادة الوطنية، ثم تجاوزت الإباء إلى المنع المادي، فوقفت للقوات الإيرانية تريد أن تردها عن أذربيجان، واضطرت هذه القوات إلى أن تعود، كما اضطرت القوات المرابطة في أذربيجان إلى أن تستسلم، وكذلك خُولِفَتِ المعاهدة بأن أصبح الاحتلال الروسي مناقضًا للسياسة الوطنية، مانعًا لها من أن تظهر في أيسر مظاهرها، وهو إقرار النظام في أرض الوطن.
وقد اشتد الجدال في هذه المشكلة بين إيران وروسيا من جهة، وبين الحلفاء أنفسهم من جهة أخرى.
ولكن هذا الجدال لم يُغْنِ شيئًا، فقد استمسكت روسيا بموقفها مُحتجَّة بأن تدخُّل الحكومة المركزية قد ينشأ عنه إخلال بالأمن وسفك للدماء، وأنها تريد أن تمنع ذلك في الجزء الذي تحتله من إيران. وقد كانت أمريكا أسرع الدول المتحالفة إلى إيثار العافية، فنفضت يدها من احتلال إيران، واستردَّتْ قُوَّتَها قبل حلول الموعد المضروب لذلك، وأصبحت بذلك قادرة على أن تتكلم غير مهتمة ولا متعرضة للريب والشكوك.
أما بريطانيا العظمى فقد أيدت إيران في موقفها، واحتفظت بقُوَّتِها المحتلة في الجنوب، وظهر للناس في وضوح وجلاء أن في الأمر تنافسًا خطيرًا بين البريطانيين والروسيين، وأن أولئك لا يريدون أن يجلوا إلا إذا جلا هؤلاء.
وأسباب هذا التنافس أوضح من أن تحتاج إلى بيان، فالتنافس بين الدولتين قديم لمكان إيران بالقياس إلى الهند من جهة، وبالقياس إلى الشرق العربي من جهة أخرى، وبالقياس إلى تركيا وروسيا من جهة ثالثة، ولمكان منابع البترول في إيران أيضًا، ولأن الإنجليز والأمريكيين قد استأثروا بخط من البترول الإيراني، فمن الطبيعي أن يطمع الروس في أن يستأثروا منه بنصيب أيضًا.
وكذلك ظهر التنافس عنيفًا بين الدولتين الحليفتين في وقت كان يُظَنُّ فيه أن مثل هذا التنافس قد انقضى عهده، وجعل البريطانيون من جهة يتهمون الروسيين بالتوسع والجشع، كما جعل الروسيون يتهمون البريطانيين بالتسلط والقهر وتأييد النظم الرجعية في إيران وغير إيران.
ثم انعقدت جماعة الأمم المتحدة في لندرة، وانْتُخِب مجلس الأمن، فأثار الإيرانيون مشكلتهم في الهيئتين، وظن الروسيون أن الإنجليز هم الذين دفعوا إلى هذه الإثارة، فكالوا حلفاءهم صاعًا بصاع، وأثاروا بأنفسهم مشكلة اليونان ومشكلة إندونسيا.
والقراء يعلمون ما كان من الجدل حول هذه المشكلات، ويعلمون أن التجربة دلت على أن هاتين الهيئتين الدوليتين لم تبلغا سن الرشد بعد، ولم تستطيعا التغلب على ما يُثار أمامهما من المصاعب. وهما من أجل ذلك لم يقضيا في المشكلة الإيرانية، وإنما طلبا إلى الطرفين المختصمين أن يتفاوضا، وأن يظهرا مجلس الأمن على تطور المفاوضات.
وقد استقالت وزارة في إيران وقامت مقامها وزارة أخرى، وذهب رئيس الوزارة الجديدة إلى موسكو وأخذ في المفاوضات، ولكن الزمن لا يستقر ولا يحب الوقوف، وإنما هو ماضٍ في طريقه دائمًا يسبق الحوادث ولا تسبقه الحوادث، أو يسبق إرادة الناس ولا تسبقه إرادة الناس؛ ولذلك جاء اليوم الثاني من شهر مارس قبل أن تتم المفاوضات أو تنتهي إلى غايتها، وأصبح محتومًا على الحلفاء أن يوفوا بالعهد ويجلوا جنودهم عن إيران، فأما البريطانيون فقد جلوا بالفعل، وأما الروسيون فقد أظهروا استعدادهم للجلاء ثم قرروا البقاء.
وكذلك ظهر أن إحدى الحليفتين قد احترمت المعاهدة، وهي بريطانيا العظمى، وأن الأخرى لم تحترمها، وهي روسيا. ونشأ عن ذلك ما يسميه البريطانيون أخطر أزمة أُثِيرَتْ بعد الحرب، وهذا واضح؛ فقد كان الناس يعتقدون أن المنتصرين لن يُقْدِموا على نقض المعاهدات، ولا نكث العهود المبرمة؛ فإقدام روسيا على ما أقدمت عليه يلغي كل ثقة لا في الوعود المبذولة، فقد ضاعت الثقة في الوعود منذ زمن بعيد، بل في المعاهدات المبرمة، وإذا ضاعت الثقة في المعاهدات فقد أصبح النظام الدولي كله عبثًا.
ولذلك طلب البريطانيون والأمريكيون إلى موسكو أن توضح لهم حقيقة الموقف الروسي ومداه، وما زالت وزارة الخارجية البريطانية والأمريكية تنتظران هذا التوضيح، فلننتظر معهما، فقد يكون لروسيا ما تقوله، وقد يكون من سبق الحوادث أن نقضي في الأمر بغير علم.
ولكن هذه القصة الإيرانية وغيرها من القصص قد أظهرت في وضوح أن الأمور لا تجري سلسة هينة بين الحلفاء الثلاثة، وليس أدل على هذا من ذلك التهديد الذي صرح به وزير الخارجية الأمريكية منذ أيام حين أعلن أن أمريكا لن تقر العدوان ولن تسمح به، ومن هذا التهديد الذي صرح به المسيو تشرشل حين خطب في أمريكا يوم الثلاثاء، فطلب تحالفًا سياسيًّا وعسكريًّا بين الإمبراطورية البريطانية والولايات المتحدة الأمريكية لصيانة العالم المسيحي من خطر الشيوعية الدولية.
وخطاب المستر تشرشل خطير حقًّا، وهو في الوقت نفسه متهافت حقًّا … خطير؛ لأن هذا التحالف موجه ضد روسيا، ما في ذلك شك، ومتهافت ضعيف؛ لأن مستر تشرشل يريد أن تقوى جماعة الأمم المتحدة، وأن يكون لها جيش مشترك يكفل الأمن العالمي، ويريد في الوقت نفسه أن يطوي عن جماعة الأمم المتحدة أسرار القنبلة الذرية، فكأنه يريد أن تصبح هذه الجماعة أداة في أيدي السكسونيين يسيطرون بها على العالم.
وواضح أن روسيا لن تقر شيئًا كهذا، وأن أوروبا قد تكون لها كلمتها وإن كانت ضعيفة، وأن الأمم الأخرى غير الأوروبية مضطرة إلى أن تقف موقف الارتياب من هذا كله، ومن جماعة الأمم المتحدة نفسها التي تذكرنا بالعصور القديمة حين كانت الشعوب المتأخرة تصنع آلهتها بأيديها. فجماعة الأمم المتحدة لا قيمة لها إذا لم تستمد قوتها من إخلاص القلوب في حب الحق، والعدل، والمساواة …
هذه إحدى الأزمتين، أما الأزمة الثانية فتقع كما قلت في غرب أوروبا، حيث يقوم النظام الفاشي في إسبانيا، والناس جميعًا يعلمون أن الثورة الفاشية في إسبانيا هي التي دفعت أوروبا إلى الحرب الثانية. وقد انتهت الحرب، وكان من الطبيعي أن ينهار النظام الفاشي في إسبانيا كما انهار في كل مكان. ولكن الجنرال فرانكو ما زال مسيطرًا على أمر الشعب الإسباني العظيم، وصفوة هذا الشعب مفرقة في أقطار الأرض … يريد أكثرها العودة إلى النظام الديمقراطي الجمهوري، ويريد أقلها العودة إلى النظام الديمقراطي الملكي.
وقد حاول الحلفاء أن يُغيِّروا هذا النظام بالحسنى فلم ينجحوا، وهمت فرنسا الآن أن تصطنع شيئًا من الحزم، وأن تَحْمِل بريطانيا العظمى وأمريكا على مشاركتها في ذلك، ولكنها لم تظفر منها إلا بأيسر المشاركة في الرأي. فأما روسيا فبغضها لفرانكو معروف، وليس بينها وبينه صلات سياسية، وكل ما وصلت إليه الديمقراطية في غرب أوروبا وفي أمريكا هو أنها أنذرت الشعب الإسباني بأنها لا تقر نظامه القائم، وطلبت إليه أن ينشئ لنفسه حكومة ديمقراطية، وإلى هذا الحد يقف التدخل البريطاني الأمريكي.
أما فرنسا، فحكومتها متأثرة بالرأي العام، وهي من أجل ذاك أغلقت الحدود بينها وبين إسبانيا، وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى قطع العلاقات السياسية.
أما هذا التردد البريطاني الأمريكي فتعليله بسيط جدًّا، يرجع إلى المنافع المادية من جهة، وإلى الإشفاق من إسراع الديمقراطية الإسبانية نحو الشمال، ومن تكوُّن كتلة شيوعية خطيرة في غرب أوروبا.
وكذلك نلاحظ أن حب المنتصرين للديمقراطية مهما يكن قويًّا شديد الحرارة، فإن المنافع الاقتصادية وخوف التطرف من جهة أخرى يعرفان كيف يُلطِّفان هذه الحرارة، ويَرُدَّانها إلى القصد والاعتدال. -
هنا وهناك
هنا وهناك
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٧ فبراير ١٩٤٦
ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.
وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.
وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!
وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.
وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.
ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.
النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.
ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.
ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.
وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.
وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.
وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.
هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.
وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.
ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.
والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.
ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.
ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.
ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام! -
بعد اجتماع واشنجطون
بعد اجتماع واشنجطون
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢ ديسمبر ١٩٤٥
لم يُتِح الاجتماعُ الذي تمَّ في واشنجِطُون بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ورئيس الوزارة البريطانية ورئيس وزارة كندا لطلَّاب الأمن وأنصار السلام الدائم أن يتنفسوا تنفس الراضي المطمئن؛ لأن هذا الاجتماع لم يَخْطُ بالعالم خطوة بعيدة أو قريبة نحو الثقة والاستقرار، وإنما أمسك العالم في حيث هو من القلق، والخوف، وسوء الظن. ولعله أن يكون قد زاد حظ العالم من القلق والخوف وسوء الظن، فهو من غير شك قد وثَّق الصلات بين أعضاء العصبة السكسونية توثيقًا متينًا، ولكنه لم يقرب الأمد بين هذه العصبة وبين الاتحاد السوفييتي. وكل قوة تستمتع بها إحدى العصبتين مدعاة إلى القلق والخوف وسوء الظن إلَّا أن يتحقق التقارب بينهما، وتوجد الثقة التي ليس إلى التقارب من دونها سبيل.
واختلاف المصالح وتباينها هو مصدر ما بين العصبتين من الشك وسوء الظن، فإحدى العصبتين تسيطر على العالم الخارجي بما لها من إمبراطورية واسعة في أقطار الأرض كلها، وبما لها من سيطرة على البحار كلها أيضًا، وبما تتيح لها هذه السيطرة وتلك الإمبراطورية من اتخاذ القواعد البرية والجوية والبحرية حيث تشاء.
ثم إن هذه العصبة لا تسيطر على العالم الخارجي لاتساع الإمبراطورية والتسلط على البحار فحسب، ولكنها تسيطر عليه كذلك في هذا السلطان الاقتصادي المالي الهائل الذي تكتسبه من ثروة أمريكا التي لا تنضب، وغنى الإمبراطورية البريطانية الذي لا حدَّ له.
أمَّا العصبة الأخرى، وهي عصبة الاتحاد السوفييتي والدول التي تدور حوله، فلها قوتها الهائلة التي تأتيها من سعة الجزء الذي تحتله من الأرض في القارتين. ومن ثراء هذه الأرض الزراعي والمعدني، ومن قدرة أهل الأرض على العمل والإنتاج، ومن براعتهم في تنظيم هذا العمل، ومضاعفة هذا الإنتاج، ومن قدرتهم الرائعة على البحث والاستقصاء، ثم على الاستنباط والاستكشاف، ومن إيمانهم بأنفسهم، وثقتهم بمستقبلهم، وطموحهم إلى أن يكون لهم في العالم مكان ممتاز يلائم كل هذه الخصال.
وإمبراطورية الاتحاد السوفييتي هائلة في طولها وعرضها وكثرة سكانها، ولكنها مجتمعة قد انضم بعضها إلى بعض، محصورة أو كالمحصورة، لا تكاد تنفذ إلى العالم الخارجي؛ لأنها لا تسيطر على البحار، بل لا تكاد تنفذ إلى هذه البحار.
وقد انتهت الحرب، ولم يتردد الرفيق مولوتوف في أن يعلن صادقًا أن روسيا هي التي أسرعت بالحرب إلى الانتهاء، فهي التي سبقت إلى قهر ألمانيا، بعد أن استنفذت قوتها، وهي التي أعلنت الحرب على اليابان فاضطرتها إلى الاستسلام. وما دامت قد احتملت من أهوال الحرب أكثر مما احتمل غيرها، وما دامت قد كسبت من النصر أكثر مما كسب غيرها، فمن حقها أن تطمع في أن يكون لها في العالم مكان يلائم ما بذلت من جهد وما لقيت من هول وما كسبت من نصر. وهي من أجل ذلك لا تقنع بمكانها التقليدي المحصور من كل وجه، وإنما تريد أن تتنفس كما يتنفس حلفاؤها، وأن تضع قدمها حيث شاءت من أجزاء الأرض الخالية، وأن تجري سفنها التجارية والحربية في حيث شاءت من البحر والمحيط. وهي لا تحب الاستعمار، ولكنها لا تكره أن تكون وصية على هذا الجزء أو ذاك من أجزاء الأرض.
وهي لا تريد أن تخضع الشعوب لسلطانها ولكنها لا تكره أن تتخذ الانتداب وسيلة إلى تحرير الشعوب، وهي من أجل ذلك لا تكره أن تضع قدمها في شمال أفريقيا منتدبة على ليبيا، مجاورة لحليفتها فرنسا، مطلة على غرب البحر الأبيض المتوسط. ولا تكره أن تضع قدمها على ساحل البحر الأحمر في مستعمرة من المستعمرات الإيطالية، تطل منها على هذا البحر، وتنظر منها إلى المحيط الهندي، وتجاور فيها حليفتها بريطانيا العظمى.
وليس من الضروري أن تُعقَد المحالفات في أثناء الحرب والكرب والضيق، حتى إذا كان الفوز أدار كل حليف ظهره إلى حليفه الآخر! بل من الممكن ومن المعقول أيضًا أن تبقى المحالفات في أثناء السلم كما كانت في أثناء الحرب، وأن يتفق المنتصرون على اقتسام الغنائم فيما بينهم بالعدل، أو بشيء يشبه العدل، وعلى استغلال الانتصار بالقسط، أو بشيء يشبه القسط.
فليس من الطبيعي إذن أن تستأثر العصبة السكسونية بالسلطان على الأرض في الشرق والغرب، وتظل العصبة الروسية حيث هي، لا تجد لها متقدمًا ولا متأخرًا.
والحلفاء لم ينتصروا ليبقى العالم بعد الحرب — كما كان قبل الحرب — مصدرًا للثروة يستأثر به فريق من المنتصرين دون الفريق الآخر.
أضف إلى ذلك أن بعض الأمم المحررة لها إمبراطوريات واسعة خارج أوروبا، فلفرنسا إمبراطوريتها، ولهولندا إمبراطوريتها، ولبلجيكا إمبراطوريتها أيضًا. فكيف يستقيم في حكم العقل أن تكون لهذه الدول المحررة مستعمرات في أفريقيا وآسيا، وألَّا تكون لروسيا المستعمرة — لا نقول مستعمرات، فروسيا لا تحب الاستعمار — بل وصاية على جزء هنا وجزء هناك؟!
هذا غريب، وأغرب منه أنه لا يخطر للبريطانيين والأمريكيين أن من حق روسيا أن تشاركهم في استغلال العالم والتسلط عليه. ولا ينبغي أن نكون من السذاجة وسلامة القلب بحيث نظن أن من حق المستعمرات أن تسترد حريتها وتنال استقلالها. فكل هذا كلام كان يقال أثناء ورطة الحرب، فأمَّا وقد انتهت الورطة وخرج الحلفاء منها منتصرين، فيجب أن تبقى المستعمرات كما كانت، وأن تُضاف إليها مستعمرات أخرى يُؤخَذ بعضها من أسلاب المنهزمين، ويُؤخَذ بعضها من الشعوب الصغيرة على أن يُسمَّى استعمارها باسم جديد لا يؤذي النفوس؛ كالمشاركة التي تقوم على المساواة، وكالتعاون على رفع مستوى المعيشة للأفراد والجماعات.
وآية ذلك أن المنتصرين لم يعلنوا استقلال مستعمرة من المستعمرات، ولم يردوا إلى شعب من الشعوب حقه في الاستقلال كاملًا أو منقوصًا، ولم يعلنوا استقلال المستعمرات التي انتُزِعَتْ من يد الأعداء.
وآية ذلك أيضًا أن بعض هذه المستعمرات صدَّقَت الحلفاء وهمَّت أن تستقل، فهي تلقى الآن عذابًا أليمًا.
وأظن أن ما يحدث في أندونيسيا يكفي كل الكفاية للدلالة على أن الحلفاء المنتصرين لا يريدون أن يغيروا من أمر العالم شيئًا جوهريًّا، فستحتفظ الدول بمستعمراتها وبمناطق نفوذها، وستزيد في هذه المستعمرات ومناطق النفوذ إن وجدت إلى ذلك سبيلًا. وإذن؛ فما بال روسيا لا يكون لها مستعمرات ومناطق نفوذ خارج أوروبا؟! وهل يُعقَل أن تكون روسيا أقل تسلطًا على العالم من هولندا وبلجيكا، بل من إسبانيا والبرتغال؟!
هذه هي المسألة التي تختلف حولها قلوب المنتصرين، ولا تكاد ألسنتهم تذكرها إلَّا قليلًا. وهناك مسألة أخرى تختلف فيها القلوب والنيات، ولا تذكرها الألسنة إلَّا بالتحفظ والاحتياط؛ وهي تسلط المنتصرين من الطبقة الأولى على المنتصرين من الطبقة الثانية. فأوروبا مثلًا أرقى وأكرم عنصرًا من أن تخضع للاستعمار؛ لأن الاستعمار نقص في الكرامة الإنسانية، وهذا النقص جائز على أهل آسيا وأفريقيا، ولكنه لا يجوز بالقياس إلى الأوروبيين.
غير أن أوروبا ضعيفة قد أنهكتها الحرب، وهي محتاجة إلى معونة المنتصرين، وإذا كانت أوروبا فوق الاستعمار والانتداب والوصاية لامتيازها وكرم عنصرها، فإنها ليست فوق الخضوع لبسط النفوذ؛ ولذلك يمكن أن يبسط بعض المنتصرين نفوذهم المعنوي والاقتصادي على غرب أوروبا، وأن يبسط بعضهم الآخر هذا النفوذ المعنوي والاقتصادي على شرق أوروبا. وهنا تنشأ مشكلة ليست أقل تعقيدًا من مشكلة الاستعمار؛ لأن المنتصرين جميعًا يريدوا أن يبسطوا نفوذهم على أوروبا كلها.
فإذا استأثرت روسيا بالنفوذ في شرق أوروبا غضب السكسونيون، وإذا استأثر السكسونيون بالنفوذ في غرب أوروبا غضب الروسيون. وليس المهم أن يُعرَف رأي أوروبا نفسها، ولا أن تستمتع أوروبا بحريتها في اختبار حلفائها إذا احتاجت إلى المحالفات؛ فإرادة الشعوب ليست شيئًا ذا خطر، وإنما الشيء ذو الخطر هو هذه الدول المنتصرة والجيوش القائمة التي لا تسرح إلَّا في بطء شديد، وتريد المصادفات الصرفة أن تستكشف القنبلة الذرية في آخر لحظة، وأن يستكشفها ويحتفظ بأسرارها ودقائقها الحلفاء السكسونيون. والقنبلة الذرية قوة مروعة تخيف من لا يخاف، وتخضع من لا يريد الخضوع، فالذين يحتفظون بأسرارها متفوقون ما في ذلك شك، وإذن فلا بد لروسيا من أن تقلق، ولا بد للعهود والمواثيق من أن تُمتحَن، ولا بدَّ للقلوب من أن تظهر على دخائل القلوب. فإذا كان الحلفاء المنتصرون صادقين فيما يظهر بعضهم لبعض من حب، أوفياء بما أعطى بعضهم لبعض من عهد، فلا ينبغي أن يُحجَب سر القنبلة الذرية على الروسيين، ولا ينبغي أن تُحجَب أسلحة الروس السرية على الحلفاء السكسونيين.
وكان الناس يظنون أن اجتماع واشنجطون قد يُقرِّب مسافة الخلف بين العصبتين، فتفضي كل منهما إلى الأخرى بذات النفس ودخيلة الضمير، وأصبح للأسلحة السرية هنا وهناك شركة تقوم على المساواة بين المنتصرين من الطبقة الأولى. ولكن الحوادث تكشف عن غير ما كان الناس ينتظرون، فسيظل أمر القنبلة الذرية سرًّا سكسونيًّا حصينًا إلى أن تعلن روسيا مطالبها واضحة صريحة، فإن قُبِلَتْ هذه المطالب جُعِل أمر القنبلة الذرية إلى الأمم المتحدة، وأقول أمر القنبلة الذرية ولا أقول سرها، فقد يظهر أن سرها شيء، وأمر استخدامها لإقرار الأمن والنظام شيء آخر.
وكذلك تم اجتماع واشنجطون، وتفرَّق المجتمعون، وظل العالم حيث كان من القلق والخوف وسوء الظن، بل حدث من القول والفعل ما يزيد العالم قلقًا وخوفًا. فقد يُقال إن في بريطانيا العظمى ميلًا إلى تعديل ميثاق سان فرنسسكو، بحيث يلغي حق الاعتراض الذي احتفظ به للدول الخمس الكبرى، ويعود الأمر سواء كما كان في عصبة الأمم أو قريبًا مما كان في عصبة الأمم. ويومئذ تُستأنَف المساعي الدبلوماسية القديمة، فتُعزَل روسيا كما عُزِلَتْ ألمانيا إلى آخر ما أشار إليه الأستاذ محمود عزمي في بعض أحاديثه منذ أيام.
وفي أثناء ذلك يحدث في إيران ما يحدث من الخطوب، ويُنسَب إلى روسيا ما يُنسَب من الكيد، ويلح السكسونيون في تعجل الجلاء عن إيران، وتضع روسيا أصابعها في آذانها، وتمضي في سياستها الصامتة التي تملأ قلوب الديمقراطيين شكًّا وخوفًا، على أن روسيا ليست وحدها التي تعمل في صمت، فقد يظهر أن أمريكا تعمل في صمت أيضًا، ولكنها تعمل في الصين لا في إيران، ويظهر أنها لا تحسن الصمت كما تحسنه روسيا، فهذا سفيرها في الصين يستقيل في عنف، ويتهم وزارة الخارجية الأمريكية بأنها تتدخل في شئون الصين بما ينافي الديمقراطية فتقبل استقالته، ويُعيَّن خلفه في أقصر وقت ممكن.
أمَّا في غرب أوروبا فالأمر لا يخلو من تعقيد خفي، فلا بد لفرنسا من أن تحالف بريطانيا، ولا بد لبريطانيا العظمى من أن تحالف فرنسا؛ لِمَا بينهما من الجوار واشتراك المصالح في الشرق القريب والبعيد، ولكن لا بد لفرنسا من أن تحالف روسيا أيضًا، وهي قد حالفتها بالفعل، ولا بد من توثيق هذه المحالفة التقليدية؛ لتحقيق التوازن بين شرق أوروبا وغربها، ولاتقاء الخطر الألماني في المستقبل.
ولذلك ينظر وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة ويفاوضها، وفي الوقت نفسه تستعد بعثة فرنسية للسفر إلى روسيا لتفاوض في شئون المال والتجارة والاقتصاد. فقد يظهر أن البلدين في حاجة إلى التعاون الوثيق على هذه الشئون كلها.
وكذلك أخفق المؤتمر الذي عقده وزراء الخارجية في آخر الصيف، وظن الناس أن زعماء الحلفاء سيقهرون المصاعب، ويذللون العقبات، ويقربون آماد الخلاف. فلما كان اجتماع واشنجطون ظن الناس أنه الخطوة الحاسمة في إزالة الخوف وسوء الظن، ثم تبين للناس أنه لم يُزِل خوفًا وإنما أضاف قلقًا إلى قلق، وشكًّا إلى شك.
ومع ذلك، فما أيسر التقارب والتعاون وإقامة العالم الجديد على أسس من الحق والعدل والإنصاف، لو خلصت نيات الحكومات كما خلصت نيات الشعوب؛ فالشعوب لا تريد جورًا ولا ظلمًا ولا استئثارًا.
ولكن يظهر أن طبيعة الحياة الإنسانية تقضي أن تريد الشعوب شيئًا وتريد الحكومات شيئًا آخر، وأن تخضع الشعوب لما تريده الحكومات؛ لأن الشعوب لم تعرف بَعْدُ كيف تحكم نفسها.