Tag: Collective consciousness

  • القلق الخطر …!

    القلق الخطر …!
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ٢١ ديسمبر ١٩٤٧

    من القلق ما يدعو إلى الغبطة حين يشيع في النفوس، وحين يحول بين أصحابه وبين الرَّاحة والاطمئنان، ومن القلق ما يدعو إلى الخوف، ويدفع إلى الحذر، ويغري بالتشاؤم حين يدنو من النفوس، ويُحاول أن يُمازج القلوبَ فينَغِّص العَيش، ويَمْلَأ الحَيَاة بُؤسًا وشقاء. ولستُ أتحدث إلا عن القلق الذي يمس المُثقفين، والمُثقفين الذين يفرغون لنشر الثقافة وإذاعة التعليم وتربية الأجيال من الصبية والشباب؛ فقلق هؤلاء الناس نوعان:

    نوع نحبه ونحرص عليه ونثيره ما وجدنا إلى إثارته سبيلًا؛ لأنَّه قلق خَصْبٌ يدعو إلى الطموح، ويدفعُ إلى السعي في سبيل المثل العُليا، ويَعْصِمُ أصحابه من الرضا بالقليل، والاطمئنان إلى الحياة الرَّاكدة الراقدة.

    ووجود هذا القلق دليل على حياة الشعب، ومُبشر بحسن استعداده للرقي والنهوض بالأعباء، واحتمال التبعات في فروع الحياة كلها مهما تكن. وانعدام هذا القلق دليل على موت الشعب أو نومه، أو اطمئنانه إلى ما ينتهي به إلى النوم أو إلى الموت. وهذا القلق هو الذي يتصل بشئون المعرفة، وحُبِّ التَّزيُّد مِنْهَا والإمْعَانِ فيها، وبُغض الوقوف عند حد مُقَرَّرٍ من العِلْمِ تجمد عليه النفوس، وتستريح إليه القلوب؛ فيدفعها إلى الكسل، ويُغريها بالخمول والخمود، ويُزين فيها الغرور والكبرياء الفارغة الجوفاء.

    وقد تستطيع أن تَقِيسَ حَظَّ الشعب من الرقي والطموح وحُسن البلاء بحظه من القلق العقلي، فإذا رأيت في البيئات المثقفة نزوعًا إلى الرضا بهذه المعرفة التي قُرِّرت في الكتب، وألقاها الأساتذة في الدروس، وتحدَّث بها المُحاضرون في محاضراتهم، والمُذيعون في إذاعاتهم، فاعلم أنَّ هذه البيئات إنَّما تُصَوِّر شعبًا لا خيرَ فيه، شعبًا كلفًا بالصغائر، منصرفًا عن عظائم الأمور، رَاضيًا بما قُسم له من حظٍّ، وإذا رأيتَ في البيئات المُثقفة نُزوعًا إلى الاستزادة من العلم، والاستكثار من المعرفة، وبُغضًا للوقوف عند الحقائق المُقررة، والرضا بهذه الثقافة التي رُسِمَت لها الحدود، وقُدِّمت إلى الناس على أنَّها غِذاء مُشترك لا أمل في أنْ يزيد، ولا أمل في أن يبقى دونَ أن يسعى إليه الفساد، واحتياجًا إلى الحركة العقلية التي لا تسكن إلا لتستأنف النشاط، ولا تستقر إلا لتعود إلى الاضطراب، ورغبة في ألا يأتي يوم دون أن يُستَكشَف فيه شيء جديد يغزو العقل والقلب والضمير؛ فاعلم أن هذه البيئات تُصَوِّر شعبًا حيًّا، يقظًا، صادق العزم، بعيد الهم، قادرًا على أن يؤثر في الحضارة ويتأثر بها.

    هذا هو القلق الخصب الذي تتمايز به الأُمم، ويتمايز به الأفراد، والذي لا يكون الإنسان إنسانًا إلا به، والذي يصحب الإنسان الخليق بهذا الاسم منذ يعرف نفسه إلى أن يُفارقها.

    أما النوع الثاني من القلق: فمُميت للقلوب، مُفسد للضمائر، مُضيع للجهود، وهو هذا الذي يتَّصِلُ بالحياة اليومية، وما يُحيطُ بها من المَنافع العاجلة القريبة، ومن الضَّرورات المُلجئة المُلحة؛ فإذا رأيتَ البيئات المُثقفة قلقة على ما يُقيم أودها وأود عيالها من الرزق، وعلى ما يتيح لها حياة هادئة فيها شيء من اطمئنان ورضًا، فاعلم أنها تُصور شعبًا بائسًا يائسًا لا أمل له في الخير، ولا أمل فيه لترقية الحضارة أو النهوض بحظه من الأعباء الخصبة المُنتجة؛ لأنَّ قادة الرأي فيه مَصْرُوفون عن قلق العقول والقلوب إلى قلق الأجسام والبطون.

    والشعب الذي يشغله التفكير في غذائه وكسائه عن التفكير في شعوره وعقله، وفي شعور الناس وعقولهم، شعبٌ يحيا بغرائزه، كما تحيا الحيوانات بغرائزها، ليس له همٌّ إلا أنْ يَأكُل ويشربَ وينام، فأمَّا ما فوق ذلك من حقائق العلم، ودقائق المعرفة، وروائع الفن، وبدائع الجمال، وهذه المُثل العُليا التي تَطْمَحُ إليها النُّفوس الأبيَّة، والقلوب الزكية؛ فليس له بها عناية، وليس له فيها تفكير؛ تشغله عنها حاجاته العاجلة، ومنافعه القريبة، وآماله الصغيرة القصيرة التي لا تتعلق إلا بسقط المتاع وتوافه الأمور.

    وما أظن أن المصريين يستطيعون أن يُبَرِّئوا أنفسهم في هذه الأعوام السُّود من هذا القلق البغيض، فيكفي أن ننظر إلى الطبقات المُثقفة على اختلافها — ولا سيما التي تتصل منها بالدولة اتصالًا قريبًا أو بعيدًا — فسنراها كلها قلقة أشد القلق، مُضطربة أعظم الاضطراب، لا تريح ولا تستريح، ولا تذوق للأمن والرضا طعمًا، لا لأنها مَشغُوفة بالكمال، مَعنيةً بالرُّقي، مُتطلعة إلى المُثل العليا، بل لأنها مشغولة بما يسدُّ الرَّمقَ، ويُقيم الأوَدَ، ويَحمي الأجسام من البرد والحَرِّ، ويُتيح لها شيئًا من هذه الراحة السخيفة التي تنتهي عندها آمال القانعين الخانعين، الذين سُخرت عقولهم وقُلوبهم لبُطونهم وجيوبهم لا أكثر ولا أقلَّ.

    وما أحب أن أُغضب أحدًا، ولا أن أسوء مُثقفًا، مهما تكن طبقته ومنزلته، وإنما أحب أن أسجل حقيقة لا يُجادل فيها إلا المُكَابرون، الذين يريدون أن يخدعوا أنفسهم وأن يخدعوا الناس، وهي: أن المُعَلِّم في مصر قلقٌ على رزقه ورزق عياله أكثر مما هو قلقٌ على حظه من العلم، ورغبته في الاستزادة منه، وحرْصِهِ على أن يشيع هذا القلق العقلي الممتاز في نفوس التلاميذ، وأنَّ الطالب المصري قلق على غذائه وعشائه وكسائه وأجر تعليمه أكثرَ مِمَّا هو قلقٌ على إساغة ما يسمع من الدرس، وتعمق ما يُتاح له من العلم، والتطلع إلى استكشاف الحقائق من غير طريق الأستاذ والكتاب.

    وأن القُضاة على اختلاف دَرَجاتهم، سواءٌ منهم القائم والقاعدُ، مشغولون بحياتهم اليومية، وحياةِ أُسرهم ومَن يعولون عن التفرغ الخالص لحقائق الفقه ودقائق العدل، فهم يؤدون واجباتهم حراصًا على تأديتها، وليس منهم إلا من يتمنى لو أُتيح له شيء من فراغ البال وراحة القلب؛ ليقرأ أكثر مما يقرأ، ويبحث أكثر مما يبحث، ويستقصي أكثر مما يُتَاحُ له من الاستقصاء.

    وقُل مثل ذلك في الطبقات الأخرى من المُثقفين الذين يعملون في خدمة الدولة، ويتقاضون أجورهم آخر الشهر، كلهم قلق على حياته المادية أكثر مما هو قلق على حياته الفنية؛ لأنَّ الأجر الذي يتقاضاه قليلٌ، أقلَّ من أنْ يقوم بحاجته وحاجة من يعول، وأيْسَرُ النظر فيما تنشر الصحف من الأخبار يُصور لك أبشع تصوير وأشنعه أن المثقفين في مصر يُوشكون أن يكون حظهم من الجوع والبؤس والحرمان هو بعينه حظ هذه الطبقات الشعبية البائسة التي يعبث بها الفقر والمرض والشقاء.

    فأنت تجد في الصحف أنَّ الشُّرطة تشكو، وأنَّ الجيش يشكو، وأنَّ القضاء يشكو، وأنَّ المُعلمين يشكون، وأنَّ المهندسين يشكون، ولو وقفَ الأمْرُ عند الشكوى لهان احتماله، ولكنها شكوى بغيضة مُنْكَرة خطرة لا تقوم على طلب الحق والتماس الرزق فحسب، وإنما تقوم على التنافس والتحاقد والتحاسد، فلا تكادُ الحكومة تُنْصِفُ أو تُحاول أن تنصفَ فريقًا من المُوظفين حتى ينهض سائر الموظفين يطلبون الإنصاف والمساواة، ويقولون: لماذا أنصف هؤلاء ولم ننصف نحن؟ ثم يكون التباغض والتكايد وتمني المكروه.

    وأكثر من هذا، أن التنافس يكون بين أفراد الطائفة الواحدة من الموظفين، فلا يكاد الخير يصيب هذا الموظف بالحق أو بالبَاطل، عن العدل أو عن المحاباة، حتى يثور زملاؤه، يطلبون من الخير مثل ما أصابه، أو أكثر مما أصابه، وكذلك تنظر فإذا المُوظَّفون طَبقات يُراقب بعضها بعضًا، ويغاضب بعضها بعضًا، وأفراد كل منهم رقيب على زملائه، مراقب منهم، فهم مشغولون إذن بهذه المُراقبة المتصلة، والمغاضبة المُلِحَّة، والتنافس الذي يُسقِطُ المروءة، والتحاسد الذي يأكل القلوب.

    فكيف تُريد أن يُفَكِّر هؤلاء في علم أو معرفة أو ثقافة؟ وكيف تُرِيدُ أن يطمح هؤلاء إلى رُقي، أو أن يطمعوا في كمال؟ بل كيف تريد أن يستمتع هؤلاء بحياة لها حظ من هدوء؟! ولو قد أُتيح لك أن تراهم حين يروحون إلى أهلهم لرأيت الكدر والنكد والنغص، والوجوه المُظلمة، والشفاه الممتدة، والحياة التي لا تُطاق.

    ولستَ في حَاجَةٍ إلى أنْ تَدْخُل عليهم دُورهم لترى هذا أو بعضه؛ فانظر إلى القهوات والأندية فستراها مُكتظة بهؤلاء الموظفين، يفرون إليها من أهلهم ومن دُورهم، ومن كتبهم ومن أنفسهم، يَفِرُّون إليها ليخلصوا قليلًا أو كثيرًا من هذا القلق الذي أفسد عليهم كل شيء، يفرون إليها بهذا القلق نفسه، فهم لا يكادون يلتقون حتى يتحدث بعضهم إلى بعض، وفيما أصاب هذه الطبقة من الإنصاف دون طبقتهم، وفيما أصاب هذا الزميل من الترقية أو العلاوة دون أن يصيبهم مثل ما أصابه، وفيما يحَظُّ به هذا الزميل من عطف الوزير لأسباب يُفصِّلونها، وأخرى يبتكرونها، منها ما يُقال ومنها ما لا يُقال، وكلها تُصَوِّر سخطًا عميقًا، وقلقًا خطرًا، واستخفافًا بما تقوم عليه الحياة الاجتماعية من القيم التي تتصل بالأخلاق والنظام، وما يكون بين الناس من صِلَاتِ التَّضَامُن والتَّعاون والود والائتلاف.

    وكذلك فرض اللهُ على هذا البلد أن يقلق أهله أشد القلق وأخطره وأبعده عن ملاءمة ما يحتاج إليه من الرقي والسمو، والتغلب على الصعاب، والظفر بالكرامة والاستقلال، وكيف تريد أن يرقى بلد أو يسمو أو يظفر بكرامة أو استقلال، وأهله جياع يريدون أن يشبعوا، عطاش يريدون أن يرتووا، عراة يريدون أن يكتسوا، قد شغلهم هذا كله عما تُفَكِّر فيه الشعوب الحية الحرة مما يلائم الكرامة والعزة والاستقلال؟!

    والشر كل الشر أننا نرى هذه الآفة المُنكرة الخَطِرَة ولا نستطيع أن نُغير منها شيئًا. وإنما نضرع إلى الله أن يُجنبنا هذا القلق الوضيع، ويتيح لنا مكانه ذلك القلق الرَّفيع.

  • ضمائر الشعوب

    ضمائر الشعوب

    طه حسين

    المجلد

    ٩ ديسمبر ١٩٤٥

    أمستيقظة هي أم نائمة؟! أواضحة هي أم غامضة؟! أمؤثِّرة هي في أعمال الحكومات أم ليس لها في هذه الأعمال تأثير قليل أو كثير؟ هذه أسئلة يلقيها الذين يتتبعون الحياة العالمية في هذه الأيام على أنفسهم إذا خلوا إليها، ويلقيها بعضهم على بعض إذا لقي بعضهم بعضًا، ومن الطبيعي أن تكون الأجوبة على هذه الأسئلة مختلفة فيما بينها أشد الاختلاف؛ لأن الشعوب نفسها متغايرة فيما بينها أشد التغاير.

    ولكن من الممكن مع ذلك — بل من المؤكد — أن هناك مقدارًا مشتركًا تتفق فيه الشعوب المتحضرة جميعها، مهما يكن حظها من الرقي، ومهما يكن بينها من التفاوت في هذا الرقي؛ فليس من شك في أن كل شعب متحضر من شعوب الأرض الآن قد اكتسب حاسة جديدة لم تكن موجودة من قبل، وإن تفاوتت حظوظ هذه الشعوب من هذه الحاسة؛ وهي حاسة الطموح الملحوظ إلى تحقيق مقدار من العدل في النظم السياسية والاجتماعية لا تستطيع الشعوب أن تعيش بدونه.

    وكان رقي الحضارة، وانتشار الثقافة، وتغلغل التعليم في طبقات الأمم، كان هذا كله مصدرًا لنشوء هذه الحاسة الجديدة وما أدت إليه من تطور خطير في حياة الأفراد والجماعات، ومع أن هناك مقاييس مختلفة للصلة بين الحضارة وبين هذا الحس الجديد، ونحن نستطيع أن نثق بهذا المقياس الخاص، مقياس انتشار الثقافة، وتغلغل التعليم؛ فهو الذي أثار فكرة المساواة بين الغالبين والمغلوبين في القرن الثاني للهجرة، وأدال من بني أمية لبني العباس، وهو الذي أثار حركة الزنج في البصرة أثناء القرن الثالث للهجرة، وحركة القرامطة في العالم الإسلامي الشرقي آخر القرن الثالث، وأثناء القرن الرابع للهجرة.

    فلولا نقل العلوم والآداب والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية، ولولا انتشار هذه العلوم والآداب والفنون، ونزولها من الطبقات الممتازة إلى الطبقات الوسطى وإلى الطبقات المستضعفة؛ لما طمعت هذه الطبقات في العدل، ولما طمحت إلى المساواة، ولما كانت هذه الثورات.

    وأمر أوروبا في ذلك يشبه أمر المسلمين، مع ملاحظة الفروق التي تنشأ عن الزمان والمكان، فخروج العلم والأدب والفن من أديرة الرهبان وقصور الأشراف وانتشارها بفضل المطبعة في المدن والقرى، وإباحتها لكل من استطاع أن يقرأ ويتثقف، هذا كله أذاع في أوروبا شعور الفرد بنفسه، وطموحه إلى تحقيق شخصيته، وطمعه في العدل والمساواة، وكل هذا دفع الأفراد والجماعات إلى التنكر للنظم القديمة، والتفكر في نظم جديدة تُرضي حاجة الناس قليلًا أو كثيرًا إلى العدل والحرية والمساواة.

    وليس تاريخ أوروبا في العصور الحديثة إلَّا تصويرًا دقيقًا لهذه الصلة بين انتشار الثقافة والتعليم من جهة، وانتشار الشعور بالحاجة إلى العدل والحرية والمساواة من جهة أخرى. وليست الأحداث الخطيرة التي حدثت في أوروبا إلا صورًا لهذه الصلات، نشأت عنها وأثرت فيها، وقوَّت من جهة رقي العلم والأدب والفن، وقوَّت من جهة أخرى الشعور بالحاجة إلى العدل والحرية والمساواة؛ فأحداث الثورة الفرنسية، وأحداث الاستقلال الأمريكي، وحروب نابليون، واضطرابات أوروبا، وظهور الاشتراكية، والحربان العالميتان، وانتصار الشيوعية بينهما، كل هذه الأحداث وأحداث أخرى كثيرة لا تُحصى، نتائج طبيعية لهذه الصلة بين انتشار التعليم والثقافة، ووجود الشخصية الإنسانية الشاعرة بحقها، والطامحة إلى حقها في العدل والحرية والمساواة.

    وما أريد أن أكتب فصلًا من فصول التاريخ، وإنما أريد أن أقف عند هذه الأحداث التي تضطرب لها الأرض الآن بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ لأبيِّن أن هذه الأحداث ليست غريبة ولا طريفة ولا شاذة، وإنما هي ظواهر طبيعية لا سبيل إلى ردها، ولا أمل في اتقائها، بل يجب أن تبلغ آمادها، وتنتهي إلى غايتها، مهما يقاومها المقاومون، ويعارضها المعارضون.

    وما أروع ذلك الرمز اليوناني القديم الذي ما زالت الإنسانية تجدُّ في فهمه وفقهه، وتستخرج منه روائع العبر والعظات! رمز ذلك المارد أو ذلك الإله الذي سرق النار من السماء وقدَّمها هدية لأهل الأرض، فأتاح لهم بذلك أن يعملوا ويجدوا ويكسبوا لأنفسهم حرية وكرامة تمكِّنهم حتى من أن يثوروا بآلهة الأولمب.

    وقد عُذِّب ذلك المارد أو ذلك الإله أشد العذاب، ولكن الناس كانوا قد تلقوا عنه جذوة النار وأشاعوها فيما بينهم، وكسبوا لأنفسهم بها ما كسبوا من الحرية والعلم والأدب والفن، وبلغوا بها ما بلغوا من الرقي ومن الطموح الذي لا ينقضي إلى العدل والحرية والمساواة.

    فهذه الجذوة التي سرقها ذلك المارد أو ذلك الإله قد أصبحت الآن نارًا عظيمةً هائلةً، يتوهج لهبها في أوروبا وأمريكا، ويتطاير شررها في كل مكان، ولا يكاد هذا الشرر يبلغ قطرًا من أقطار الأرض أو جيلًا من أجيال الناس حتى يثبت فيه ويستقر، ثم ينمو فيه ويضطرم، ثم يبعث حياة ونشاطًا وحرارة. وإذا الناس يتعلمون ويتثقفون ويشعرون بأنفسهم الفردية والاجتماعية، ويطالبون لهذه الأنفس بحقها الطبيعي في العدل والحرية والمساواة.

    هذه الجذوة التي سرقها ذلك المارد هي التي كشفت للإنسان عن ضميره، وهي التي تنشر في الأمم والشعوب فتكشف لها عن ضمائرها. وإذا استكشف الإنسان ضميره، فليس إلى قهره ولا إلى إذلاله سبيل؛ لأن هذا الضمير مرآة صافية جدًّا ذات وجهين؛ أحدهما: يصور الظلم الذي لا يُطاق، والثاني: يصور العدل الذي لا يمكن الصبر عنه ولا الزهد فيه.

    فالذين يريدون أن يردُّوا الشعوب عن طموحها إلى العدل والحرية والمساواة لن يبلغوا من ذلك شيئًا، إلَّا إذا استطاعوا أن يُطفئوا هذه الجذوة الخالدة، وأن يردُّوا مياه الأنهار إلى ينابيعها، ويمنعوا الكواكب والنجوم من أن ترسل ضوءها في الفضاء.

    وإذا دلَّت حوادث الصراع بين الظلم والعدل، وبين الرق والحرية، وبين التفوق والمساواة على شيء، فإنما تدل على أن الإنسان كائن عجيب حقًّا، يجمع بين الرشد الذي ينشئ الحضارة ويرقيها، والحمق الذي يهدم هذه الحضارة ويلغيها. والرشد هو المنتصر آخر الأمر؛ لأنه انتصر دائمًا منذ سرق ذلك المارد تلك النار من السماء.

    هذه الشعوب التي تضطرب في أوروبا لتظفر بالعدل الاجتماعي بعد أن ظفرت بالحرية السياسية، إنما ترى نفسها في مرآة ضمائرها، ترى بؤسًا لا يُطاق، ونعيمًا ممكنا لا بدَّ من بلوغه، فتنفر من البؤس البغيض، وتسعى إلى النعيم الأثير عند النفوس. وهي من أجل ذلك تغير نظم الحكم؛ لأن نظم الحكم ليست غايات في أنفسها، وإنما هي وسائل إلى إسعاد الأفراد والجماعات.

    فإذا أعرض البريطانيون عن حكم رأس المال المحافظ إلى حكم الاشتراكية العاملة، فليس لذلك مصدر إلَّا أن ضمير الشعب البريطاني قد صوَّر له بؤسًا بغيضًا في ظل رأس المال، ونعيمًا ممكنًا في ظل الاشتراكية. وقل مثل ذلك بالقياس إلى فرنسا التي أرادت أن تستبقي شيئًا من المحافظة، فاستبقت في الحزب الجمهوري الشعبي محافظة اشتراكية — إن صح هذا التعبير — لأن ضمير الشعب الفرنسي قد صوَّر له بؤسًا منكرًا في نظام رأس المال، وأملًا باسمًا في النظام الاشتراكي.

    وليس ما يحدث في أوروبا كلها الآن إلَّا صراعًا بين هاتين الصورتين اللتين تعكسهما ضمائر الشعوب: صورة اليأس القاتم من ناحية، والأمل الباسم من ناحية أخرى. وبمقدار ما يتاح لهذه الشعوب من القوة ومواتاة الظروف تنأى عن اليأس وتدنو من الأمل. وقد يطول هذا الصراع أو يقصر، ولكنه منتهٍ آخر الأمر إلى النتيجة التي ينتهي إليها دائمًا، وهي أن شمس الأمل ستمحو ظلمة اليأس.

    وكان هذا الصراع يحدث في أوروبا وأمريكا وحدهما إلى أواخر القرن الماضي، بل إلى أول هذا القرن، ولكن الحربين العالميتين زادتا تلك النار تلظيًا والتهابًا، فانتثر منها الشرر انتشارًا، وتساقط في أقطار الأرض كلها، وجعل يستقر في كل مكان منها، ثم يذكو وينمو ويملأ النفوس حرارة، والقلوب نشاطًا، وإذا أقطار الأرض المتحضرة كلها تعرف نفسها، وتستكشف ضمائرها، وترى هاتين الصورتين: صورة البؤس الذي يجب التخلص منه، وصور النعيم الذي يجب السعي إليه.

    هذه الشعوب التي تطالب بالاستقلال، وهذه الشعوب التي تطالب بالإصلاح الداخلي، وهذه الشعوب التي تذود الأجنبي عن أرض الوطن، وهذه الشعوب التي تحاول أن تغير نظم الحكم فيها؛ هذه الشعوب كلها كانت غافلة جاهلة، ثم بلغها العلم والثقافة، والعلم والثقافة لا يأتيان من الكتب وحدها، ولا يُلتمسان في المدارس وحدها، ولكنهما الآن يأتيان من كل وجه، ويُلتمسان في كل سبيل، ويُنالان بكل وسيلة. هذه الشعوب قد أدركها العلم والثقافة، فاستكشفت ضمائرها، ورأت ظلمًا يجب أن يُرفع، فهي تحاول أن ترفعه، وعدلًا يجب أن يُنال، فهي تحاول أن تناله.

    والظالمون يقاومون ويشتدون في المقاومة، ولكن المظلومين يهاجمون ويشتدون في المهاجمة. وقد علمنا التاريخ — منذ كان التاريخ — أن المظلومين كانوا دائمًا أقوى من الظالمين، وأن أبواب السماء لا تُفتح لهم وحدها، وإنما تُفتح لهم في الوقت نفسه أبواب هذا الأمل الهادئ الذي يشيع في الجو فيُعلِّم المظلومين كيف يصبرون، وكيف يحتملون، وكيف يدورون حول المشكلات إلى أن ينفذوا من المشكلات.

    هذا الذي يحدث في الشرق الأقصى بين الأمم المنتصرة المتفوقة، والأمم التي كانت خاضعة للاستعمار وتريد ألَّا تعود إلى هذا الخضوع ليس إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن هذه الأمم قد استكشفت ضمائرها، فرأت ذلًّا يجب أن يُمحى، وعزًّا يجب أن يتبقى، وهي تجاهد لتمحو الذل وتبلغ ما ينبغي لها من العزة.

    ما هذا الذي يضطرب به الشرق الأوسط، والذي تُنقل إلينا أخباره مختلطة مشوهة، لا نتبين منها حقًّا ولا صوابًا؟!

    ما الذي يحدث في إيران؟ أهو الصراع بين المنتصرين من الروسيين والسكسونيين؟ أهو صراع بينهم وبين الإيرانيين الذين يريدون أن يخلصوا لأنفسهم، وأن يستردوا حريتهم في وطنهم؟ أم هو صراع في الوقت نفسه بين الإيرانيين أنفسهم؛ لأن الأقوياء منهم يبغون على الضعفاء؟! كل هذا ممكن، وأكبر الظن أن كل هذا حق. ولكن هناك شيئًا آخر ليس فيه شك، وهو أن الشعب الإيراني على اختلاف طبقاته قد أخذ يستكشف ضميره، ويرى تسلُّطًا من الأجنبي لا ينبغي أن يبقى، ويرى ظلمًا داخليًّا يجب أن يُزال.

    وهذه الأنباء التي أخذت تصل إلينا من تركيا، هذا الخوف من ثورة كردية أو أرمنية هنا أو هناك، هذا الخوف من ضغط أجنبي، هذه المحاولة لإنشاء معارض، هذا الاصطدام بين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال؛ لا يدلُّ هذا كله إلَّا على أن الشعب التركي قد أخذ يستكشف أعماق ضميره، ويطمح هو أيضًا إلى شيء أكثر من الاستقلال القوي المنيع؛ إلى العدل والحرية والمساواة.

    وهذا الشرق العربي الذي يحاول أن يجمع كلمته، وأن ينفي التسلط الأجنبي عن وطنه، يُصلح من حياته فيُطعم الجائع، ويسقي الظمآن، ويكسو العريان، إنما يستكشف ضميره شيئًا فشيئًا، ويرى صورًا منكرة يجب أن تُهجر، وصورًا رائعة يجب أن تحب وتطلب.

    وليس ما ترى في جميع أقطار الأرض من هذه الاضطرابات التي تعنف حينًا حتى تبلغ الحرب، وتلطف حينًا حتى لا تتجاوز الكلام؛ ليست هذه الاضطرابات إلا آثارًا قوية أو ضعيفة لهذه الضمائر التي كانت مدفونة في أعماق النفوس الإنسانية، فأخذ الإنسان يستكشفها شيئًا فشيئًا كما يستكشف الباحث في الأرض ما تضمر الأرض من الكنوز …

    والإنسان مستكشف ضميره، وبالغ أعماق هذا الضمير يومًا من الأيام، والشعوب ظافرةٌ بحقوقها، وبالغةٌ غاياتها يومًا من الأيام، ولكن يجب أن تقرأ دائمًا هذه الآية الكريمة، وأن تتدبرها وتُحسن تدبيرها: ( أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ).

  • حديث المساء والآن (٥)

    حديث المساء: والآن (٥)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أبريل ١٩٣٤

    نعم، والآن نحب أن نعرف أين يكون الرضا، وأين يكون السخط، ونحب أن نعرف أين يكون الأمل، وأين يكون اليأس، ونحب أن نعرف آخر الأمر لمن تُحْكَمُ مصر الآن. فأما أين يكون الرضا عن الحياة المصرية الآن، فسؤال تستطيع أن تلقيه متى شئت، وحيث شئت، وعلى مَن شئت، وأنت واثق كل الثقة بأنك ستظفر بجواب سلبي واحد مهما تكن الظروف، ومهما تكن البيئات، ومهما يكن المسئولون، وهو أن هذا الرضا الذي تبحث عنه ليس في قلوب المصريين، ولا يمكن أن يكون في قلوب المصريين على اختلاف طبقاتهم، وتباين منازلهم، وتفاوت حظوظهم من الثقافة والتعليم، لا نستثني من ذلك إلا الوزراء، وأشباه الوزراء، وأنصار الوزراء.

    وهم جماعة تستطيع أن تحصيهم، وأن تحقق في إحصائهم، حتى إذا فرغت من التحقيق والإحصاء الدقيق تستطيع أن تضيف إليهم مثلهم أو مثليهم هبة منك وتبرعًا، وأنت بعد هذا كله لن تبلغ بهم الألف، ولن تتجاوز بهم المئات. وهؤلاء قد يخبرونك بأنهم راضون، وقد يؤكدون لك أنهم راضون، وقد يُقسمون لك جهد أيمانهم أنهم راضون، ولكنك مع هذا تستطيع أن تشك، وتستطيع أن ترتاب، بل تستطيع أن توقن أنهم ساخطون، ساخطون على خصومهم الذين ينكرون الحياة المصرية الحاضرة، ساخطون على مخالفيهم الذين لا يطمئنون إلى أساليب الحكم في هذه الأيام، ساخطون في أقل تقدير على الشعب المصري إذا لم يكونوا ساخطين على فنون الحكم في مصر.

    فأما المصريون أنفسهم إذا استثنيت منهم هؤلاء الناس فسَلْهم متى شئت، وكيف شئت، وحيثما شئت: هل للرضا في قلوبهم مكان، وهل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فسيجمعون على جواب واحد، لا يختلفون فيه، وستنطلق ألسنتهم بكلمة واحدة لا يترددون فيها، وهي: لا. سل الموظفين فستعلم أنهم ساخطون؛ لأنهم لا يطمئنون إلى العدل؛ ولأنهم لا يستريحون إلى ما يستريح إليه الموظف في البلاد المتحضرة من أنه: آخذ بحقه من الإنصاف والمساواة، واثق بنصيبه من العدل والقسط، آمن من أن تفسد عليه حياته المحاباة.

    سل المثقفين الذين لا يعملون في دواوين الدولة؛ فسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأن كل شيء من حولهم رديء، وسينبئونك بأنهم ساخطون؛ لأنهم لا يشعرون بما يشعر به الرجل المثقف في بلده من أنه: حر، عزيز الجانب، مرعي الحرمة، محفوظ الكرامة، لا يُقَدَّمُ عليه الأجنبي، ولا يُفَضَّلُ عليه الجاهل، ولا يُنْظَرُ إليه كما ينظر إلى المهملات التي لا تغني ولا يرجى منها غناء. سل الفلاحين، وويل للفلاحين! وويل لعواطف الرحمة والإشفاق في نفسك حين تسأل الفلاحين! بل حين ترى الفلاحين، بل حين تسمع أخبار الفلاحين؛ فهناك البؤس والضيق، وهناك الشقاء والضنك، وهناك الذلة والمسكنة، وهناك ما شئت وما لم تشأ مما لم يكن ينتظر أن يُلِمَّ بالناس في القرن العشرين من ألوان الجهد وضروب العناء.

    سل العمال، بل سل العاطلين، سل مَنْ شئت من المصريين عن حاله، وعن حال غيره من المصريين؛ فلن تسمع إلا الشكوى، ولن ترى إلا السخط، ولن تستيقن إلا اضطراب النفوس والقلوب، ثم سل من شئت من هؤلاء المصريين عن أسباب هذا السخط الذي يملأ نفوس المصريين؛ فسيعيدون عليك من شئونهم العامة والخاصة ما أجملناه في الفصول السابقة، ولا تسل السياسيين الذين يخاصمون رجال هذا العهد فآراؤهم معروفة، ومذاهبهم واضحة.

    ولعلك إن كنت تحب القضاء الذي لا جور فيه، ولا تأثر بالميول والأهواء أن تكره سؤال الساسة بعدما ظهر من موقفهم، وما تبين من إنكارهم لكل شيء في هذا العهد السعيد، فإذا أرضيت حاجتك من سؤال المصريين، وعلمت علمهم، واستيقنت أنهم أبعد الناس عن الرضا، وأقرب الناس إلى السخط؛ فدعهم إلى الأجانب، فسل هؤلاء الأجانب أين يكون موقع الرضا من قلوبهم؟ وأين يكون منزل الاطمئنان من نفوسهم؟ فستسمع منهم جوابًا تدهش له أول الأمر، ولكنك لا تنكره بعد التفكير، ستسمع منهم جوابًا يشبه جواب المصريين؛ فهم غير راضين، وهم غير مطمئنين.

    ومع ذلك فقد كانوا يعلنون الرضا منذ حين، ومع ذلك فقد كانوا يسرفون في الثناء على صدقي باشا وأصحابه منذ حين، ومع ذلك فقد كان كل ما يظهر من أمرهم يدل على الرضا، بل على الغبطة والابتهاج، ولكنهم برغم هذا ليسوا راضين الآن، ولا مطمئنين، وإنما هم ساخطون أشد السخط، قلقون أعظم القلق. لماذا؟ لأن المصريين أنفسهم ساخطون قلقون؛ لأن الحياة كلها في مصر ساخطة قلقة مضطربة؛ ولأن الأجنبي لا يستطيع أن يرضى ولا أن يطمئن إلا إذا رضي من حوله، واطمأن الناس الذين يعيش معهم ويعاملهم في كل يوم؛ ولأن سوء الظن بالأجنبي قد وجد السبل إلى نفوس المصريين لما ظهر من إسراف الرجال الرسميين في هذا العهد في: إرضائهم، ومحاباتهم، وإيثارهم بالخير والبر دون أبناء الوطن.

    وإذا وصل سوء الظن بالأجانب إلى قلوب المواطنين؛ فلا بد من أن يصل إلى قلوب الأجانب أنفسهم، ولا بد أن تقوم الصلات بين الوطنيين والأجانب على الشك والريبة، وعلى الحذر والاحتياط، وعلى الخوف وانتظار المكروه، وليس هذا كله مما يقر الرضا في القلوب، ويذود السخط عن النفوس.

    ثم دع المصريين ودع الأجانب أيضًا، واعمد إلى صدقي نفسه مؤسس النظام الحاضر، ومقيم هذا العهد الجديد السعيد، وإلى من بقي له من الأصدقاء والأولياء مهما يكونوا قليلين، فسلهم هل هم راضون؟ بل سلهم هل للرضا إلى نفوسهم سبيل؟ فستظفر منهم بنفس الجواب الذي ظفرت به من المصريين والأجانب، وهو لا، وستعلم منهم ما علمته من المصريين والأجانب من أن الرضا لا يعرف إلى نفوسهم سبيلًا، وليس من شك في أن الأسباب التي تدفعهم إلى السخط وتحرمهم لذة الرضا والاطمئنان، مخالفة كل المخالفة للأسباب التي تحول بين المصريين والأجانب وبين الرضا والاطمئنان، ولكنهم ساخطون قلقون على كل حال، ولكنهم منكرون للعهد الذي أقاموه، كانوا ينتظرون منه شيئًا فجنوا منه أشياء، لم يكونوا ينتظرونها ولا يقدرونها، وهَبْ رئيس الوزراء وأصحابه صُرِفُوا عن الحكم كما صُرِفَ عنه صدقي باشا؛ فسيسخطون كما سخط عنه صدقي باشا، وكما كان رئيس الوزراء نفسه ساخطًا في تلك الأشهر التي قضاها بين خروجه من الوزارة وعودته إلى الرياسة، وإذن فأين يكون الرضا ما دام لا يوجد في نفوس المصريين، ولا في نفوس الأجانب، ولا في نفوس الذين أقاموا هذا العهد؟

    سل عنه الإنجليز؛ فهم الذين يمكن أن يكونوا راضين، وهم الذين يمكن أن يكونوا مطمئنين؛ هم يرضون لأن إليهم القوة والبأس؛ ولأن لهم السطوة والسلطان؛ ولأنهم لا يكرهون اضطراب المصريين وفساد أمورهم، فقد ينتفعون من الاضطراب وفساد الأمور، ومع ذلك فهل من الحق أن الإنجليز راضون؟ وهل من الحق أن مواهبهم السياسية قد قصرت حتى عن أن تفهم هذه الأوليات التي تقضي بأن اضطراب الأحزاب قد يفيدهم، ولكن اضطراب الشعب كله لا يمكن أن يفيدهم ولا أن ينفعهم؛ لأن اضطراب الشعب كله خليق أن يفسد عليهم وعلى الشعب نفسه كل شيء.

    ما نظن أن الإنجليز قد وطنوا أنفسهم على أن يحكموا مصر كما تحكم المستعمرات؛ فهم أذكى من ذلك وأمهر، وهم أضعف من ذلك وأعجز إن طمعوا فيه؛ وإذن فليس هناك موقف بين موقفين، وإنما هناك موقف من موقفين: فإما أن تقوم الصلة بين مصر وإنجلترا على المودة والحق، وما أبعدها الآن من القيام على المودة والحق، وإما أن تقوم على السلطان والبطش، وعلى القهر والعسف، وعلى الإخضاع والإذلال، والإنجليز يعلمون حق العلم؛ لأنهم مجربون أن هذا لا سبيل إليه، وأنه إن نجح الآن في ظاهر الأمر فهو مخفق من غير شك غدًا، وأنه إن خُيِّلَ إليهم أنهم مسيطرون على الأمر، فهو يزرع لهم في قلوب المصريين — نستغفر الله — بل في أرض مصر وسمائها، وفي ماء مصر وهوائها بغضًا قويًّا عميقًا بعيد الأثر لا طاقة لهم به مهما يكونوا أقوياء، ولا قدرة لهم عليه مهما يسيطروا على البر والبحر.

    لا يمكن أن تقوم الصلة بين المصريين والإنجليز إلا على إحدى هاتين القاعدتين، فأما الموقف المُذبذب بينهما، فأما الاضطراب بين الشدة واللين، فأما التردد بين الحق والباطل، فأما إظهار الحياد وإضمار التدخل؛ فالإنجليز يرون آثاره الآن، وهم يرونها يسيرة في ظاهر الأمر، ولكنهم قادرون على أن يمضوا في التجربة؛ فسيرون يومئذ أن نتائجها ليست مما يسر، ولا مما يرضي، ولا مما يلائم كرامة الشعوب المتحضرة، ولا مطامع الشعوب القوية المتسلطة.

    وهنا تستطيع أن تلقي السؤال الثاني من هذه الأسئلة التي بدأنا بها هذا الفصل، وهو: أين يكون الأمل؟ وأين يكون اليأس؟ ولن تشقى في انتظار الجواب على هذا السؤال؛ فالمصريون ساخطون كل السخط، ولكنهم بعيدون كل البعيد عن اليأس والقنوط؛ لأن هذا الظلم الذي يلقونه ليس أول ظلم عرفوه؛ ولأن هذه المحنة التي يشقون بها ليست أول محنة بلوها، هم جربوا كما جرب غيرهم من الأمم، وهم عرفوا كما عرف غيرهم من الأمم أن ليس إلى اليأس سبيل إلى نفوس الشعوب الحية، وإن وجد اليأس سبيلًا إلى نفوس الضعفاء من الأفراد.

    هم ساخطون لكن سخطهم هذا دليل على الحياة، وآية على الأمل، فلو قد كانوا يائسين أو قريبين من اليأس لرضوا بما ينكرون، ولقبلوا ما يرفضون، ولسعدوا بما يرونه شقاء وبؤسًا.

    ليس اليأس في قلوب المصريين، فابحث عنه إن شئت في قلوب أخرى فلعلك تجده، أو تجد شيئًا يشبهه.

    ثم ألقِ السؤال الثالث الذي قدَّمناه بين يدي هذا المقال، لمن تُحْكَمُ مصر الآن؟ ليست تحكم للمصريين، وإلا لما سخطوا ولا شكوا ولا ضاقوا بالحياة؛ وإذن فلمن تحكم مصر الآن؟ سَلْ عن ذلك الإنجليز، وسَلْ عن ذلك هذه المئات التي تُظْهِرُ الرضا والاغتباط، فلعلَّ الإنجليز ولعلَّ هذه المئات يستطيعون أن يجيبوك على هذا السؤال.

    ثم ألقِ بعد هذه الأسئلة كلها سؤالًا رابعًا أخيرًا لمَنْ ينبغي أن تُحْكَمُ مصر؟ فإذا أردت جوابًا على هذا السؤال، فالتمسه عند الحق، والتمسه عند العدل، والتمسه عند الضمائر الحية في الأمم الحية، ولا تنسَ بعد هذا كله أن تلتمسه في قلوب المصريين وضمائرهم، وفي آمال المصريين، وفي تاريخهم أيضًا؛ فأنت واثق بأنك ستجد هناك الجواب الصريح الجلي القاطع الذي لا لبس فيه ولا غموض.