Tag: colonial expectations

  • هل ذهب الخوف؟

    هل ذهب الخوف؟

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٣ مايو ١٩٤٥

    أمَّا أن العالم قد تلقَّى أيام النصر بالرضا والابتهاج، فذلك شيء لا شك فيه ولا غرابة فيه أيضًا. فقد حقن استسلام ألمانيا دماء غزيرة كانت تُراق، لا نقول في كل يوم، ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة من لحظات الليل والنهار، وأمن الآباء والأمهات على من بقي من أبنائهم بعض غوائل الحرب، وإن لم يأمنوا غوائل الحرب كلها؛ لأنها ما زالت قائمة مستعرة في الشرق الأقصى، فمن الطبيعي أن يبتهج الناس بانهيار ذلك الصرح الآثم الذي كان الموت يخرج منه ويأوي إليه، والذي كان مصدرًا للهول، وموردًا للهول في قلب أوروبا.

    ولكن هناك أشياء محققة لا معنى لإنكارها ولا للجدال فيها؛ فلم يكن ابتهاج الناس بالانتصار في أوروبا خالصًا من كل شائبة، ولا مطلقًا من كل قيد، ولا مُبرَّءًا مما يكدره وينغصه. فالخوف لم يذهب كله، وإنما بقي منه شيء غير قليل، مصدره هذه الحرب المتصلة في الشرق الأقصى، والتي اضطرت المستر تشرشل إلى أن يقول في بعض أحاديثه لمواطنيه إنهم سيستمتعون بوقت قصير من أوقات الراحة والابتهاج، ثم يستأنفون الجد والجهد والعمل؛ حتى يضطروا اليابان إلى مثل ما اضطرت إليه ألمانيا من الاستسلام.

    وقد سمعنا المذيعين يتحدثون في الراديو أمس من بريطانيا العظمى وأمريكا أن العالم سيشهد منذ الآن حركة نقل هائلة لا نظير لها في التاريخ، وذلك حين يُنقَل الجنود وأداة الحرب من أوروبا إلى الشرق الأقصى؛ فالأمريكيون وحدهم ثلاثة ملايين من الجند يُراد تحويلهم من الميدان الغربي إلى الميدان الشرقي، ومعهم عتادهم وأدواتهم المختلفة.

    فإذا أُضيف إلى ذلك ما سينقله البريطانيون ومن سينقلهم البريطانيون من أداة الحرب ورجالها إلى هذا الميدان، وما لا تزال أمريكا ترسله مباشرة من الوطن الأمريكي إلى الشرق الأقصى؛ عرفنا أن الإنسانية لم يُتَحْ لها بعد أن تطمئن وتستقر، وأن الناس لم يُتَحْ لهم بعد أن يثوبوا إلى أوطانهم، ويئوبوا إلى ديارهم، ويطمئنوا إلى أهلهم، ويستأنفوا العمل الذي يثمر وينتج في ظل الأمن والسلام.

    فهذا مصدر من مصادر الخوف، ولكن للخوف مصادر أخرى قد لا تكون أقل من هذا المصدر هولًا، فقد ألقت ألمانيا السلاح ولكن آثار الحرب لم تُلْقِ السلاح، ولن تلقيه قبل وقت طويل.

    وأظهر هذه الآثار هذا البؤس الشائع الذي يغمر المنتصرين والمنهزمين جميعًا، والذي يُعرِّض بعضهم للحرمان المؤلم، ويُعرِّض بعضهم الآخر للحرمان المميت.

    وقد تحدث إلينا الراديو أمس من بريطانيا العظمى بأن الإنجليز سيجدون مشقة غير قليلة في التموين، وستُخفَّض حظوظهم من بعض المواد الغذائية، وقيل مثل ذلك بالقياس إلى أمريكا. فأما البلاد المحررة، فالبؤس فيها أظهر من أن يحتاج إلى الوصف، وأما الشعب المغلوب فهو يعيش بين أنقاضه كما تعيش الجرذان. فقد بدأ الأمريكيون يشعرون بشيء من الرثاء له والعطف عليه، ويتصدقون عليه ببعض الغذاء. ولم تكد أنباء ذلك تذاع حتى سخطت الأمم المحررة، وقال قائلوها إن الأمريكيين يسرعون إلى نجدة العدو المغلوب أكثر مما أسرعوا إلى نجدة الصديق المنتصر.

    وإذن؛ فالخوف لم يذهب كله من هذه الجهة أيضًا، وما زال كل إنسان في أوروبا مشفقًا على نفسه وعلى ذويه من أعقاب الحرب، حتى حين يُتاح له أن يستقر في وطنه ويطمئن في داره وبين أهليه.

    وما نظن أن في أوروبا أسرة لم تفجعها الحرب في واحد أو غير واحد من أبنائها، وما نظن أن في أوروبا أسرة لا تجد شيئًا من القلق على واحد أو غير واحد من أبنائها قد أفلت من الموت، ولكنه لم يفلت من الجراحات أو من الأمراض التي اقتضتها الحرب.

    فابتهاج هؤلاء الناس بالانتصار لا يمكن أن يكون صفوًا ولا خالصًا من كل شائبة، وإنما هو ابتهاج إضافي هو أشبه شيء بتنفس المكروب الذي كان ينتظر أهوالًا تُصَبُّ عليه إلى غير حد، فرفعت عنه الأهوال بعد أن أخذ منها بحظ ثقيل بغيض.

    وليس هذا كل شيء فهذا الانتصار الذي يدعو الناس إلى الرضا والابتهاج لا يُقْبِل عليهم بوجه مشرق مضيء، وإنما يُقْبِل عليهم بوجه لا يخلو من بعض العبوس. فقد استقبل العالم الانتصار في أعقاب الحرب الماضية مع شيء من الأمن لا يعرفه في أعقاب هذه الحرب.

    لم يكن بين المنتصرين في الحرب الماضية ما نشهده الآن من هذه المظاهر العنيفة المخيفة للخلاف، وإنما أنفق العالم شهرًا أو شهرين مستمتعًا بالأمن والفوز، ولم تظهر الاختلافات السياسية بين المنتصرين إلا حين تقدمت المفاوضات شيئًا في مؤتمر الصلح، ثم لم تكن هذه الاختلافات مزعجة ولا مخيفة.

    أمَّا في هذه الحرب فقد ظهرت الاختلافات قبل أن يستسلم العدو، وظهرت مباعدة بين المختفين ومتخذة ألوانًا من العنف، كانت تشغل الناس أحيانًا عن شئون الحرب نفسها. فلما تم استسلام العدو خلا الميدان للجدل والخلاف، وأي شيء أظهر من أن النصر لم يُعْلَن في يوم واحد عند الحلفاء جميعًا، وإنما أُعلِن في الغرب يوم الثلاثاء، وأُعلِن في شرق أوروبا يوم الأربعاء.

    ولم يَرَ العالم في أعقاب الحرب الماضية ضحية خطيرة للاختلاف كهذه الضحية التي تُرى الآن. فالدولة البولندية التي أُعلِنَت الحرب من أجلها، والتي فقدت ثلث شعبها، والتي خسرت أكثر ثروتها الاقتصادية، والتي شاركت جيوشها في الانتصار الفعلي شرقًا وغربًا. هذه الدولة ضائعة بين الروسيين والسكسونيين، كلٌّ يؤكد أنه يريد بها الخير ويؤثرها بالعافية، ونتيجة هذا أنها غائبة عن مؤتمر سان فرانسيسكو؛ لأن الروسيين لا يقبلون حكومة لندن، ولأن السكسونيين لا يقبلون حكومة لوبلين.

    فأما البولنديون أنفسهم فلا يستطيعون أن يقولوا شيئًا؛ لأنهم خاضعون سواء رضوا أو كرهوا لسلطان أولئك أو لسلطان هؤلاء.

    ثم لا يقف الأمر عند المشكلة البولندية، وإنما المشكلات تنبت في كل مكان، وتظهر في كل يوم. فمشكلة النمسا، ومشكلة تريستا، ومشكلة الوصاية، ومشكلة مجلس الأمن، ومشكلة الترك والروس، وما شئت من المشكلات التي لا تدري متى تنقضي، ولا كيف تنقضي.

    والشيء الذي نرجو ألا يشك فيه القارئ، هو أن هذه المشكلات كلها على شدتها وحِدَّتها لن تصل من العنف إلى غايته، ولا بد من أن تجد لنفسها أو يجد المنتصرون لها حلولًا دائمة أو مؤقتة، ولكنها قائمة على كل حال. وقيامها واشتدادها واختلاف الناس في فهمها وفي حلها، كل ذلك يمنع الابتهاج بالنصر من أن يكون صفوًا خالصًا من كل شائبة، فهو ابتهاج حزين إن صح هذا التعبير، وهو ابتهاج قلق من غير شك.

    على أن هناك شعوبًا أخرى لا تشارك في هذه المشكلات من قرب أو بعد، وإنما تشهدها كما يشهد المحايد من الأمر ما يسوءه حينًا ويرضيه حينًا آخر. وهذه الشعوب قد شاركت في الحرب مشاركة قوية أو ضعيفة، وأعانت المنتصرين معونة إيجابية أو سلبية، وذاقت مرارة الحرب، واصطلت نارها على كل حال، وكان من حقها أن تستقبل النصر مبتهجة له مغتبطة به لا يشوب ابتهاجها حزن، ولا يشوب اغتباطها قلق أو خوف.

    ولكنها مع ذلك لم تظفر بهذا الابتهاج الصفو، ولم تنعم بهذه الغبطة الخالصة، وإنما تلقَّتْ أنباء الفوز، فابتسمت لها ابتسامة سريعة مرت على الثغور مر السحاب، ثم مضت هذه الشعوب في حياتها جادة محزونة قلقة، أقل ما تُوصَف به أنها ليست راضية عن يومها، ولا مطمئنة لغدها، وأنها لا تحفظ من أمسها إلا ذكريات مؤلمة تبعث في النفوس شيئًا غير قليل من الأسى والشك وخيبة الأمل.

    وهذه الشعوب هي التي سمعت الوعود فصدقتها، ووثقت بها وعاشت معها، على أنها حقائق واقعة تخفيها الحرب العنيفة المخيفة، ولا تلبث أن تظهر حين تنجلي غمرات الحرب.

    وقد نظرت هذه الشعوب ذات يوم فإذا الوعود التي كانت ناطقة في الصباح والمساء، وفي الليل والنهار، تؤثر الصمت ثم تستخفي شيئًا، ثم تغيب عن القلوب، وتحتجب عن العيون، وتقوم مقامها مظاهر السياسة القديمة التي ألفها الناس قبل هذه الحرب، وضاقوا بها وظنوا أنهم لن يعودوا إليها، أو أنها لن تعود إليهم، ثم أصبحوا فإذا هم غارقون فيها لا إلى الأذقان، بل إلى الآذان. فيكف تريد من هذه الشعوب أن تفرغ للفرح والابتهاج، وتذود عن نفسها القلق والخوف، والأمور من حولهما تجري كأن الحرب لم تَثُرْ، وكأن الحرب لم تنتهِ إلى هذا الفوز العظيم؟!

    هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا كاملًا شاملًا لا يشوبه قلق، ولا يكدره خوف؟! أم هل ابتهجت مصر بهذا الفوز العظيم ابتهاجًا رسميًّا نظر إليه الشعب باسمًا، ثم مضى في عمله كما يمضي في كل يوم يملأ قلبه الجد، ويملأ قلبه القلق، ويملأ قلبه أمل لا يدري متى يتحقق، وإن كان واثقًا بأنه سيتحقق في يوم من الأيام.

    وأما استسلام ألمانيا فقد كانوا ينتظرون منه لأنفسهم خيرًا كثيرًا عاجلًا، ولكنهم نظروا فإذا ألمانيا تنهار، وهتلر ينتحر، والديمقراطية تنتصر. وهم في أثناء ذلك كما كانوا قبل ذلك، وكما كانوا قبل إعلان الحرب يتمنون أشياء يرونها حقًّا لهم، فلا يُجابون إليها، ولا يُرَدُّون عنها، وإنما يعلَّقون بين كلمات نعم ولا.

    ولم يأتِ الوقت بعد. وقد يأتي الوقت بعد انتظار يقصر أو يطول، وهم يرون أن الانتصار لم يكد يُعلَن حتى رُدَّت الحرية إلى الناس في بلاد الإنجليز، وأُلْغِيَت القيود وزالت رقابة الصحف، واستطاع الناس أن يعيشوا أحرارًا كما كانوا يعيشون قبل الحرب مع أن الحرب لم تنتهِ بَعْدُ بالقياس إليهم، وما زالت تكلفهم جهودًا هائلة، وتُعرِّضهم لأخطار هائلة، وتصب عليهم أهوالًا مُروِّعة.

    فرءوا هذا كله وفكروا فيه ورضوا عنه، ثم نظروا إلى أنفسهم، فإذا هم بعد إعلان الفوز كما كانوا قبل إعلان الفوز لم تُرَدَّ إليهم حرية، ولم يُرفَع عنهم قيد، ولم يخلصوا حتى من رقابة الصحف، وهم مع ذلك لا يحاربون إلا حربًا نظرية.

    كانوا يأملون أن يُقال لهم يوم النصر: ابتهجوا معنا؛ فستخلص لكم حريتكم كاملة، ستجلو عن وطنكم جيوش الحلفاء، وسيستمتع وادي النيل باستقلاله شاملًا كاملًا موفورًا. ابتهجوا معنا؛ فأنتم منذ اليوم أحرار قد رُفِعَتْ عنكم القيود التي فرضتها طوارئ الحرب كلها أو أكثرها، وستستأنفون حياتكم كما كنتم تحيونها قبل الحرب، لا يحد من حريتكم في القول والعمل إلا القانون العام.

    كانوا ينتظرون أن يُقال لهم ذلك، فلم يُقَل لهم منه شيء، وإنما سمعوا المدافع تُطلَق، وسمعوا الراديو يذيع أنباء النصر فابتسموا ومضوا لشأنهم ينظرون إلى الأعلام المرفوعة يعبث بها النسيم عبث المداعب، ولكنهم لا يكادون يلقون إلى شيء من ذلك بالًا.

    أَتُراهم يُلامون؟!