Tag: colonial influence

  • نسج العنكبوت

    نسج العنكبوت
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ مارس ١٩٤٨

    هو الذي يظللنا الآن فلا يرد عنَّا شرًّا ولا يصرف عنَّا عادية؛ لأنه مهلهل، لأنه لا يقوى على صد أو رد أو مقاومة، وكل ما يستطيعه هو أن يبطئ حركتنا، ويحول بيننا وبين النشاط المُطَّرد المستقيم. له من السلطان الحكومي كل مظاهره، فوزراء يجتمعون في كل أسبوع، وقد يجتمعون غير مرة في الأسبوع، ووزراء يختلفون إلى البرلمان فيسمعون ويقولون، ووزارات ومصالح تفتح أبوابها مع الصبح، وتغلقها حين يتقدم النهار، وموظفون يغدون على مكاتبهم، ويروحون إلى دورهم، وعلى وجوه فريق منهم ابتسامات ساخرة لا تحفل بالمكاتب ولا بالدُّور، وعلى وجوه فريق آخر منهم ابتسامات حائرة لا تدري أتخلص للسخرية أم تخلص للكآبة والحزن، وفي وجوه فريق ثالث منهم شحوب عابس لا يشبهه إلا شحوب الذين يُقبِلون على الكوارث، أو تُقبِل عليهم الكوارث لا يملكون لها ردًّا، ولا يستطيعون منها خلاصًا. ولهؤلاء وهؤلاء وأولئك تُصرف في آخر كل شهر أجور خطيرة أو حقيرة لا تكاد تستقر في جيوبهم، وهي لا تصل إلى بيوتهم على كل حال.

    فكل شيء يدل على أن في مصر سلطانًا سياسيًّا منظمًا، كما أن في غيرها من البلاد المتحضِّرة سلطانًا سياسيًّا منظمًا. وكل شيء يدل على أن هذا السلطان السياسي المنظَّم في مصر من شأنه أن يصدر عن أهلها الأحداث والخطوب، وأن يحمي كرامتها من العدوان الخارجي، ويحمي لأهلها حياتهم وأموالهم وحقوقهم من العدوان الداخلي. ولكن انظر إلى ما تَعرِض عليك الصحف حين تصبح وحين تمسي في كل يوم، فسترى سواء رضيت عن ذلك أو كرهت أن هذا السلطان السياسي المنظم في مصر لا يرد عنها ولا عن أهلها، ولا يستطيع أن يرد عنها ولا عن أهلها شرًّا يهبط من السماء، أو ينجم لها من الأرض أو يأتيها من الأجنبي الخارجي، أو يأتيها من المواطن المقيم.

    جرائم تُقترف في النهار المبصر وفي الليل المظلم، وتنشر الصحف أنباءها المروعة، فلا يرتاع لها أحد؛ لأن الناس قد ألِفوا الرَّوْعَ حتى اطمأنُّوا إليه، وعاشوا فيه كما يطمئن غيرهم إلى الأمن ويعيشون فيه. وقنابل تنثر حيث يريد أصحابها أن ينثروها. يجدها الناس في وضح النهار، ويجدها الناس في غلَس الليل، وتُدعى الشرطة فتنظر إليها مكتئبة، وتنقلها متثاقلة، ويقرر المختصون من الفنيين أنها من هذا النوع أو ذاك، إلا أن تنفجر قبل أن تبلغها الشرطة فتزهق النفوس وتريق الدماء وتشيع الجراحات، ولا تكاد تشيع خوفًا أو ذُعرًا؛ لأن الناس قد ألِفوا ذلك واستسلموا له، فأصبحوا لا يخافون ولا يذعرون. وقد يعبث أصحاب القنابل أو يجِدُّون فيلاعبون الشرطة، ويداعبون الحكومة، ويكتبون على قنابلهم سائلين عن اليوم الخامس عشر من هذا الشهر أعيد هو أم غير عيد.

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يجِدُّون ويكِدُّون ويجوعون ويمرضون ويجاهدون ويكافحون؛ ليُخرِجوا للدولة هذه الأموال التي تؤدَّى منها الأجور والمكافآت.

    وقد يُقبِل هذا الوباء أو ذاك من حيث لا يدري أحد، بل من حيث لا تدري الوزارة التي خصصت لرد الوباء إن أقبل، ومحق الوباء إن نفذ إلى أهل الوطن. قد يُقبِل هذا الوباء من حيث لا تدري وزارة الصحة، فلا يجد من يَرُدُّهُ ولا من يصده، فينزل في مصر على الرحب والسعة، ويرتع في نفوس المصريين غير مدفوع ولا ممنوع، ثم ينصرف من حيث أقبل، وقد ملأ يديه موتًا ويتمًا وثكلًا وتأييمًا وترميلًا وفقرًا وجوعًا!

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون ويروحون، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تُصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يستخرجون من دماء قلوبهم، وعرق جبينهم هذه الأجور والمكافآت.

    وقد يخطر لحاكم السودان أن يعبث بمصر والمصريين، وأن يخطو الخطوات الأولى أو الأخيرة لا أدري ليضيف إلى الإمبراطورية البريطانية مستعمَرة جديدة أو قديمة هي السودان. وقد يستبيح السكرتير الإداري لنفسه أن يقول في المجلس الاستشاري إن الحاكم العام للسودان يعين أعضاء المجلس التنفيذي ويعزلهم، كما أن الملك في مصر يُعيِّن الوزراء ويقيلهم، وينشر هذا كله في الصحف، ويقرؤه الوزراء والشيوخ والنواب وسائر المواطنين، فلا يغيظهم ذلك ولا يُحفِظهم؛ لأنهم قد ألِفوا الغيظ والحفيظة حتى أصبحوا لا يغتاظون، ولا تبلغ الحفيظة من قلوبهم شيئًا.

    وقد يَخطُر للإنجليز أن يظفروا بموافقة الحكومة المصرية على ما يكيدون لمصر في السودان، فإذا أشفقت الحكومة من هذه الموافقة، ولم تُجِب الإنجليز إلى كل ما أرادوا، لم يتردد بعض المتكلمين بلسان وزارة الخارجية البريطانية في أن يقول إن الحكومة البريطانية قد احتملت في مصر أكثر مما ينبغي أن تحتمل، وأن مصر قد أسرفت في التجنِّي، وأَغرقت في الدل والتيه. وينشر هذا في الصحف فلا يغتاظ له أحد؛ لأن المصريين قد ألفوا الغيظ حتى أصبحوا لا يعرفون كيف يغتاظون!

    والمهم هو أن مظاهر السلطان السياسي المنظم قائمة في مصر كما تقوم في كل بلد متحضر، ولكنها في مصر مظاهر ليس وراءها شيء، فهي أشبه بنسج العنكبوت الذي لا يصد شرًّا ولا يدفع عادية، وإنما يبطئ من الحركة ويفسد النشاط، ويثقل الناس بما يكرهون. ولا يجلب عليهم شيئًا مما يحبون … وصدق الشاعر القديم حين قال لخصمه ذلك البيت الذي لم يلائم أحدًا قط كما يلائم المصريين الآن:

    ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل

    وصدق الله العظيم حين قال: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ )، ولكن أتدري لِمَ كان السلطان السياسي المنظم في مصر مشبهًا لنسج العنكبوت؟ لسبب يسير جدًّا، هو أن نيابة نُوَّابه وشيوخه، ووزارة وزرائه، وإدارة مديريه لم تقُم على أساس من حب الشعب وإرادته وثقته، وإذا بُنيت أمور الحكم على غير حب الشعب وإرادته وثقته، فلا يمكن أن تكون إلا مشبهة لنسج العنكبوت.

  • الثوب الضيق

    الثوب الضيق
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٩ يناير ١٩٤٨

    وحياتنا المصرية أشبه شيء بالثوب الضيق البالي، الذي لا يستر جسم صاحبه كله، ولا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط!

    يقال إنَّ الشاعر العربي القديم «دريد بن الصمة» مرَّ بالشاعرة العربية القديمة «الخنساء» فرآها متبذِّلة، قد قامت إلى بعض الإبل الجرباء تطليها بالقطران غير حافلة بتبذُّلها، وقد بدت محاسنها أثناء هذا التبذُّل ففُتِن بها فتونًا، وجُنَّ بها جنونًا، وقال هذه الأبيات:

    حَيُّوا تُمَاضِرَ وَارْبِعُوا صَحْبِيوَقِفُوا فَإِنَّ وُقُوفَكُمْ حَسْبِيمَا إِنْ رَأَيْتُ وَلَا سَمِعْتُ بِهِكَالْيَوْمِ طَالِي أَيْنُقٍ جُرْبِمُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحَاسِنُهُيَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبِ
    ولم ألقَ قطُّ أجنبيًّا زار مصر ملمًّا بها أو مقيمًا فيها، إلا تحدَّث إليَّ بجمال هذا البلد، وما فيه من فتنة للعقول والقلوب، وبفقر هذا البلد وما فيه من بؤس يملأ النفوس حزنًا وألمًا وإشفاقًا … ولم أسمع قطُّ هذا الحديث من الأجانب — وما أكثر ما أسمعه في مصر وفي خارج مصر! — إلا ذكرت هذه القصة، قصة الخنساء الحسناء التي أقبلت على إبلها تعالجها من الجرب، وقد تبذَّلَتْ فبَدَتْ محاسنها، وفتنت ذلك الشاعر العظيم القديم.

    فمصر هي الخنساء تُقبِل على عملها متبذلة فتبدو محاسنها، ولكن شيئًا آخَر يبدو مع هذه المحاسن، وهو ما يمس أهلها من الضر، وما يلح عليهم من البؤس والشقاء، والأجانب الذين يعجبون بمحاسن مصر، ويشفقون على أهلها من الضر والبؤس هم هذا الشاعر، إلا أنَّ الخنساء لم تُبْدِ إلا محاسنها، فلم تُثِرْ في نفس شاعرها إلا فتونًا وإعجابًا، فأما مصر فإنها تبدي المحاسن والمساوئ، فتسر وتسوء، وتثير الإعجاب والإشفاق معًا.

    وما أكثر ما يُخيَّل إليَّ في هذه الأيام أنَّ الحياة المصرية الحديثة أشبه شيء بالثوب الضيق البالي الذي لا يستر جسم صاحبه كله، والذي لا يقدر على أن يقاوم ما قد يكون لصاحبه من حركة أو نشاط، فصاحبه لا يبسط يدًا، ولا يمد ذراعًا، ولا يأتي حركة ما إلا تمزَّق من ثوبه هذا الجزء أو ذاك، وظهر من جسمه هذا الموضع أو ذاك.

    هذه هي الحياة المصرية الحديثة، مضيقة جدًّا، مهلهلة جدًّا، وقد فُرِضت على بلد عظيم كريم، موفور الحظ من الحركة والنشاط والطموح.

    وما رأيك في بلد لم يُخلَق للبؤس ولا للفقر، وإنما خُلِق للثراء والرخاء، يشهد بذلك نيله المتدفق، وتشهد بذلك أرضه الخصبة، وأهله مع ذلك جائعون عارون مرضى، لا يأمن شرَّ الجوع والعري والمرض منهم إلا الأقلون؟! أليس هذا يدل على أنَّ الثوب المادي لمصر ضيقٌ أضيق من أن يسعها، ومن أن يستر من جسمها ما ينبغي أن يظل مستورًا، ويخفي من ضرها ما ينبغي أن يظل خفيًّا؟!

    ومصر بلد لم يُخلَق للضعة ولا للصغار ولا للهوان … تشهد بذلك آثاره القائمة التي تصوِّر تاريخه مجيدًا، ويشهد بذلك ما تحدثت به الأجيال عن مصر على اختلاف العصور، ويشهد بذلك احتفاظها بشخصيتها منذ عرفت نفسها، ومنذ عرفها التاريخ إلى الآن، على كثرة ما أصابها من المحن والإحن والخطوب، وهي مع ذلك تعيش الآن عيشة كلها ضعة وصغار وهوان، يحتل الأجنبي أرضها، ويتحكم في مصيرها، ويُسَام أهلها الخسف في عقر دارهم، لا حظَّ لهم من حرية ولا نصيب لهم من كرامة، يُحكَمون بالعصي ويُخوَّفون بما شئت وما لم تشأ من فنون الخوف.

    ومصر بلد لم يُخلَق للفوضى ولا للاضطراب ولا للفساد، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار النُّظُم السياسية، وعاش في ظل هذه النُّظُم قرونًا وقرونًا وقرونًا، وتعلَّمت منه الشعوب في العصور القديمة نظم السياسة والاجتماع، وكان من أقل بلاد الأرض ميلًا إلى العنف والاضطراب الذي يُفسِد النظام … وهو الآن يحيا حياة أقل ما تُوصَف به أنها بعيدة كل البُعْد عن الاستقرار، أهله جميعًا ساخطون قلقون، بعضهم يُظهِر الشكوى، وأكثرهم يسرُّها ويخفيها. وانظر إلى المرافق العامة وإلى الموظفين الموكلين بها، ثم حدِّثني أترى نظامًا وهدوءًا واستقرارًا، أم ترى اختلاطًا واضطرابًا وفزعًا وجزعًا؟

    ومصر بلد لم يُخلَق للجهل، يشهد بذلك أنه سبق إلى ابتكار الفنون والعلوم، وأنه حمى الحضارة الإنسانية مرتين: مرة أيام البطالمة في العصر القديم، ومرة أيام المماليك في القرون الوسطى. فانظر إليه الآن وإلى عدد القارئين والكاتبين من أهله، وإلى هذه الألوف المؤلَّفة من الصبية والشباب الذين يُرَدُّون عن المدارس ومعاهد العلم؛ لأن هذه المدارس والمعاهد ضيقة من جهة، ولأن العلم يباع بالمال، وأكثر المصريين لا مال لهم من جهة أخرى.

    والتمس ما شئتَ من وجوه الحياة المصرية، فسترى بلدًا عظيمًا كريمًا له ماضٍ مجيد، وقد مُلِئت نفوس أهله بالآمال العراض التي تلائم هذا الماضي المجيد، وليس منهم إلا مَن يتصور المستقبل المصري على أنه يجب أن يكون مجيدًا كالماضي المصري، ولكنهم على ذلك لا يقومون إلا ليقعدوا، ولا ينشطون إلا ليخمدوا، ولا يستيقظون إلا ليناموا.

    فكيف تفسِّر هذا كله أولًا؟ وكيف تخرج مصر من هذا كله ثانيًا؟ أما تفسيره فيسير، وهو أنَّ مصر أكبر من أهلها، وأجدر أن يسكنها جيل من الناس يقدِّر حقها وأملها وتاريخها، ويلائم بين هذا كله وبين سيرته.

    مصر أكبر من أهلها وأكبر من هذا الثوب الضيق البالي الذي فُرِض عليها، والذي لا يستر من جسمها إلا أقله وأيسره، ثم لا يكاد يستر هذا الجزء القليل اليسير لشدة ما أصابه من البلى.

    وأما السبيل إلى إخراج مصر من هذا كله، وردها إلى ما يلائمها من الحياة التي تسعها، فيسيرٌ أيضًا. وأي شيء أيسر من أن تنزع ثوبًا باليًا ضيقًا لتلبس مكانه ثوبًا جديدًا فضفاضًا جميلًا!

    هذا شيء يسير، يسير كل اليسر، لا يحتاج لا إلى أن تجد هذا الثوب الجديد. فمتى أو كيف يتاح لمصر أن تجد هذا الثوب الجديد الفضفاض الجميل؟

  • زهرات

    حديث الوادي
    زهرات…
    رئيس وزرائنا، رجل طيب، هذا شيء لا يرقى إليه الشك، ولا يتأتى فيه الجدال. ولكن رئيس وزرائنا مع ذلك رجل مترف منعم دقيق الحس، رقيق المزاج، يؤذيه الكلام الغليظ ولا تنفذ إلى سمعه هذه اللغة التي تعود المعارضون السياسيون أن يتحدثوا بها إلى سلفه الدكتاتور العظيم صدقي باشا لأن في هذه اللغة خشونة وجفوة، وحدة لا تلائم سمع المترفين، ولا أذواقهم الحلوة المهذبة. وأكثر الظن أن هذا الخطأ النفسي إن صح هذا التعبير هو الذي حال بين المعارضة وبين أن تبلغ من رئيس الوزراء شيئًا أو تقنعه بشيء، أو تصرفه عن شيء، أو تحمله على شيء، فهي تتحدث إليه بلغة لا يفهمها، ولا يذوقها، وإذن فهي لا تجد إلى نفسه سبيلاً. تتحدث إليه بلغة الشعب وأبناء الشوارع، هؤلاء الذين يمشون في الأسواق ويجلسون في الأندية، ويتحاورون بلغة العامة أو بلغة الخاصة، ولكن بلغة ديمقراطية على كل حال. والخير كل الخير للمعترضين إن أرادوا أن تصل أصواتهم إلى رئيس الوزراء وأن تقع أحاديثهم من نفسه موقعًا حسنًا، أن يغيروا لهجتهم ويصطنعوا لغة حلوة عذبة رقيقة، رشيقة موفقة، تشبه ما يضطرب فيه الرئيس المترف العظيم من ألوان الترف والنعيم. ونحن نعلم أن هذا ليس شيئًا يسيرًا، ولا قريب المنال. فقد خُلقنا جميعًا شعبيين ديمقراطيين، نتحدث بلغة الشعب، ونصطنع لهجته الديمقراطية، وليس يتاح لنا في سهولة ويسر أن ننقلب مترفين أرستقراطيين نستعير في أحاديثنا لغة النسيم والأزهار، ولكن لنحاول مع ذلك، فقد يتاح لنا التوفيق، وقد يقرب الله ما بين رئيس الوزراء وبيننا من الآماد، فيسمع لنا، ويفهم عنا، ويعني بالتفكير المترف فيما نقول. وقد يخيل إلينا أن من أقرب الوسائل إلى رئيس الوزراء، أن تؤلف له من بعض أعمال الوزارة، طاقة من الزهر الجميل ننسقها تنسيقًا، وننمقها تنميقًا، ونقدمها إليه باسمين، ابتسامة الإعجاب به والإكبار له وابتغاء الوسيلة إليه. فقد يلقي على هذه الطاقة نظرة من نظراته المترفة فتروقه. ولعلها تروعه، ولعله يعيد النظر إليها، ولعله يطيل التفكير فيها، ولعله يستيقن بعد ذلك أن هذه الطاقة الجميلة البشعة، الرائعة المروعة، إنما ألفت من زهرات الشر، لا من زهرات الخير، ونسقت من هذا الجمال المنكر الذي تشمئز له النفوس وتهلع له القلوب، لا من ذلك الجمال الحلو، الذي تستريح إليه النفوس، وتمتلئ له الأفئدة بشرًا وغبطة وسرورًا.
    وقديمًا استطاع بعض الشعراء الفرنسيين الذين قرأهم رئيس الوزراء من غير شك، أن يجعل للشر أزهارًا، وأن يؤلف منها طاقة رائعة مخيفة خالدة على الدهر، ستنظر إليها الأجيال الإنسانية كلها، فلا ترى فيها إلا نكرًا وإثمًا. وربما كان الزهر العيسوي الذي يُعنَى به وزير التقاليد في وزارة المعارف أحق ألوان الزهر الوزاري بالعناية، وأجدرها أن نقصد إليه حين نريد تنسيق هذه الطاقة البديعة لنهديها إلى رئيس الوزراء.
    فنحن نستطيع اليوم أن نقتطف من هذه الحديقة الغناء، حديقة وزارة المعارف، زهرات ثلاثًا، لا نرى أجمل منها، ولا أروع، ولا أقدر منها على أن تعجب رئيس الوزراء. فأما أولى هذه الزهرات، فزهرة مدرسة الهندسة التي يتأرج عبيرها الحلو في الأجواء المصرية كلها، والتي أبت أن يرقى عالم مصري إلى منصب الأستاذ لأن هذا المنصب يجب أن يقدم هدية إلى الإنجليز والتي أبت أن يبقى هذا العالم المصري في مدرسة الهندسة، رفقًا به وإشفاقًا عليه من أن يتأذى بمنظر هذا الأستاذ الإنجليزي الذي اغتصب منصبه اغتصابًا واحتله قسرًا واقتدارًا. فنفته بإذن الله وبقوة التقاليد إلى أسيوط.
    والزهرة الثانية من زهرات هذه الحديقة الغناء، هذا الكتاب الذي صدر من وزارة التقاليد إلى مصلحة السكك الحديدية يطلب إليها إلغاء قطار الآثار لأن إظهار المصريين على آثار آبائهم يؤذي موظفي مصلحة الآثار، ويكلفهم مشقة لا يقدرون عليها. ثم لأن هذه الجماهير الشعبية تؤذي السائحين والسائحات من الأجانب الذين يجب أن يصفو لهم جو الصعيد فلا تكدره أنفاس المصريين ولا أشكال المصريين، ولا أي مظهر من مظاهر المصريين.
    والزهرة الثالثة هي هذه العناية القصوى التي تبذلها وزارة التقاليد لإرضاء البريطانيين، وتعيين البريطانيين وتقديمهم لا على المصريين وحدهم بل على الأجانب أيضًا. ولعلك قرأت ما نشرناه أمس من حاجة الوزارة إلى أستاذ في مدرسة الصناعات البحرية في السويس ومن حرص الوزارة على أن يكون هذا الأستاذ بريطانيًا ليس غير.
    فإذا قطفنا هذه الزهرات من حديقة وزير التقاليد، فعند وزير ماليتنا زهر كثير يحار الطرف فيه، وتعجز النفس عن الاختيار بينه، تستطيع أن تأخذ من زهر الاستبدالات في مصلحة الأملاك ما شئت، وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العام ومفاوضاته وقضيته ما أحببت. وتستطيع أن تأخذ من زهر الدين العقاري ما أردت، وتستطيع أن تأخذ فوق هذا كله وذاك من صمت الوزير وكلامه، ومن كره ووفره، ومن إقدامه وإحجامه، زهرًا لا يُحاكي وليس إلى تقليده من سبيل.
    فإذا جمعت الزهر الصبري إلى الزهر العيسوي، ففي الزهر القيسي ما يتمم الطاقة، ويجعلها فتنة للأبصار والنفوس. وأنت واجد في حديقة القيسي باشا ما شاء الله أن تجد مما يروعك ويروعُك بتسكين الواو في الفعل الأول، وتشديدها في الفعل الثاني. وأنت واجد من هذا الزهر في حديقة القيسي باشا ألوانًا مختلفة منها الأحمر القاني، والشاحب الممتقع، ومنها الأسود القاتم، ومنها الأبيض الناصع، ومنها غير هذا كله من الألوان.
    تستطيع أن تقتطف بعض هذا الزهر الذي ينبته الجند والشرطة، ويتعهدونه بدماء المصريين حين يحطمون الرؤوس ويهشمون العظام، ويشققون الجلود تشقيقًا. وتستطيع أن تقتطف من هذا الزهر الذي ينبته رجال الإدارة في الأقاليم، ويشقونه بدموع المصريين حين يسلكونهم في الأغلال، ويضعونهم في القيود، ويأخذونهم بالمشي الطويل المضني، ساعات وساعات، ويلقونهم في غيابات السجن، لا يذوقون طعامًا ولا شرابًا، ثم يردونهم بعد ذلك إلى الحرية والحياة. فإذا أخذت من زهرات القيسي باشا ما يزيد الطاقة جمالاً إلى جمال، وروعة إلى روعة، فلا تنسَ أن تمر بحديقة وزير الحقانية، فتقتطف زهرة أو زهرتين من زهرات المحاكم المختلطة، فقد نظن أن جمال الطاقة لا يتم إلا إذا أضفت إليها بعض هذا الزهر المونق البديع. ورئيس الوزراء كما قلت لك، رجل مترف يحسن أن تقدم إليه طاقات الزهر، ولكن يجب أن تكون هذه الطاقات رشيقة ليست مسرفة في الضخامة، كهذه الطاقات التي يحبها أمثالك وأمثالي، من أبناء الفلاحين. ولذلك أنصح لك ألا تقصد إلى حدائق الوزارات الأخرى، ولا إلى حديقة البرلمان، بل يكفي ما قطفت من هذه الحدائق التي مررت بها، ولكن قف على رئاسة الوزارة فخذ منها شريطًا ظريفًا جميل اللون كما يقولون واحزم به هذه الطاقة قبل أن ترفعها إلى الرئيس العظيم. وأنت واجد من الشرائط فنونًا وضروبًا وأشكالًا وألوانًا، فتستطيع مثلًا أن تختار لهذه الطاقة شريطًا متردد اللون لا يحزم بنحو من أنحاء اللون دون نحو آخر.
    خذ مثلًا هذا الشريط الذي رسمت عليه الأزمة الأولى بين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، وبين المندوب السامي الجديد. وهي التي يسمونها أزمة الزيارة، والتي قال الناس فيها فأطالوا القول وبحث الناس عن سرها، فأكثروا البحث، والتمس الناس نتائجها فأسرفوا في الالتماس.
    خذ هذا الشريط الجميل فأدره حول هذه الطاقة الجميلة، ثم اتخذ لنفسك زيًا جميلًا، وشكلًا جميلًا، وأفض على وجهك ابتسامة حلوة، واطبع على شخصك حركة رشيقة، واستأذن على رئيس الوزراء، فإذا ظفرت بالإذن، فادخل ظريفًا رشيقًا، وحيِّ تحية ملؤها الإكبار والإعجاب، وقدم الطاقة إلى الرجل العظيم وانصرف. لا تقل كلمة، ولا تنطق بحرف، فإن صوتك قد يؤذي الرئيس، وإن في هذه الطاقة الجميلة ما يغني عن الكلام. فقد ينظر إليها صاحب الدولة عبد الفتاح يحيى باشا فيرتاع لها ضميره الحي ويؤثر أن يدع الحكم على أن تُقدم له إذا كان الغد طاقة أخرى مثل هذه الطاقة أو أشد منها روعة وترويعًا. وما أكثر ما في حدائق الوزارة القائمة من أمثال هذه الزهرات الحسان.
    طه حسين
    حديث الوادي، ٢٥ يونية ١٩٣٤.

  • عيسويات١

    حديث الوادي
    عيسويات …
    ولم يكن بد من أن تكون لوزير التقاليد عظائم تنسب إليه، وتوسم بسمته، وتضاف إلى اسمه الكريم، كما أن لوزير المالية أعمالا جساما، وأمورا عظاما، تبقى على الدهر وتنبت في ذاكرة الزمان مضافة إلى اسمه العظيم. فما ينبغي لوزير التقاليد أن يكون أيسر خطراً، ولا أهون شأنا، ولا أقل شجاعة وجرأة من وزير المالية. وقد يجوز لوزير المالية أن يسبق زملاءه جميعاً ويتفوق عليهم جميعاً، إلا وزير التقاليد، فما ينبغي لأحد أن يسبقه أو يتفوق عليه. هو مبرز دائما، مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحداث. ولعل وزير المالية وزملاءه جميعاً، وعلى رأسهم صاحب الدولة الرجل الطيب، يعترفون في غير تردد ولا تحفظ، بأن زميلهم وزير التقاليد قد سبقهم وبرز عليهم في هذه المرة، وقد استحق رضى الإنجليز، وتقدير المندوب السامي، وأصبح خليقا أن يظفر من التأييد الكامل الشامل المطلق، بما لا بد منه، ليكون رئيسا للوزراء في يوم قريب أو بعيد، فما أظن أن لوزير المالية، أو لواحد من زملائه، آية كهذه الآية الخالدة التي سجلها وزير التقاليد لنفسه، في كتابه التاريخي العظيم، الذي أرسله إلى مدرسة الهندسة، ونشرناه في الوادي منذ يومين. ما نظن أن واحداً من هؤلاء الوزراء، يستطيع أن يزعم أنه سجل لنفسه آية كهذه الآية، أو اصطنع عند الإنجليز يدا كهذه اليد، أو أقام للمندوب السامي دليلا على أنه يعرف كيف يسبق الإنجليز إلى إجابة مطالبهم، قبل أن يطلبوها، بل دون أن يطلبوها، إلا أن تكون هناك أسرار خطيرة تخفى علينا ولا تظهر لنا كما ظهر لنا هذا السر الخطير من أسرار وزير التقاليد. ومهما يكن من شيء فنحن مضطرون إلى أن نسجل السبق إلى رضى الإنجليز، وغضب المصريين لوزير التقاليد حتى تتكشف الأيام، وما نظنها تتكشف عما يثبت أن له من زملائه شبيها أو نظيرا.

    وقد يكون من الخير، أو من الشر لا أدري، أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الفذة، فهي قد تغضب عليه المصريين، ولكن المصريين ليسوا شيئا، وغضبهم لا ينبغي أن يحفل به كبار الناس، وعظماء الرجال، وهي ترضي الإنجليز من غير شك، والإنجليز كل شيء، ورضاهم خير ما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ويعمل له العاملون، ويفوز به الفائزون. والدليل على ذلك أن صدقي باشا قد أغضب المصريين، وأذاقهم من العذاب أشكالا وألوانا، ومن الحرمان ضروباً وفنوناً، ومن الإذلال ما لم يذوقوا أمثلة في هذا العصر الحديث، فلم يمنعه ذلك من أن يحتفظ برياسة الوزارة وسلطانها أكثر من ثلاثة أعوام، ولم يمنعه ذلك بعد أن هوى عن منصبه، أن يظل فوق القانون، وفوق الدستور، لا يسأل عما عمل، ولا يسأل عما قال، وإنما يستمتع بالحرية والنعيم، على حين لم يفق المصريون من آثار ما سلط عليهم من الذلة والشقاء. والدليل على ذلك أيضا أن صدقي باشا أرضى الإنجليز، فظفر بتأييدهم له في الحكم ومعونتهم له على إذلال الشعب، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم ما يزال ظافرا بحبهم له وعطفهم عليه، وقيامهم دونه أن يصيبه مكروه، أو يمسه سوء، وإن كانوا زاهدين في حكمه، راغبين عن نهوضه بتصريف الأمور.

    فغضب المصريين لا يخيف مهما يعظم، ورضى الإنجليز لا يزهد فيه مهما يهن، فنستطيع إذن أن نهنئ وزير التقاليد بهذه الآية العيسوية الخالدة التي ستسجل له عند الإنجليز، وستجعل له من نفوسهم مكانا محمودا، وستسوق إليه الوسام، أو ما هو خير من الوسام، في يوم من الأيام. وأظنك توافقني على أن الإنجليز ليسوا حمقا ولا بلها، ولا أغمارا ولا أغرارا، وإنما هم قوم يعرفون أين يضعون ثقتهم، وكيف يحبون أنصارهم، وما لهم لا يثقون الثقة كلها بهذا الوزير الخطير الذي يعرض عليه مجلس مدرسة الهندسة تعيين مصري كفء مكان إنجليزي، فيأبى كل الإباء، ويرفض كل الرفض، ويصدر من مكتبه كتابا يمضيه بيده، ويأمر فيه بأن يعين مكان الأستاذ المصري أستاذ بريطاني.

    والأستاذ المصري كفء من غير شك، ظفر بأعلى الشهادات من مصر، ثم ظفر بأعلى الشهادات من أوروبا، ولو لم يكن كفؤا حقا لما اختاره مجلس المدرسة لهذا المنصب، وفي هذا المجلس الفنيون من الأجانب، وفيه كبار الدولة من المصريين. ولكن ذنب هذا المصري الكفء أنه ليس إنجليزيا، أو قل إنه ليس بريطانيا كما يقول وزير التقاليد. أو قل إن ذنبه أنه مصري كفء يزاحم البريطانيين، وأنت تعرف ظروف السياسة، وحاجة الذين يحبون السلطان إلى رضى الإنجليز في هذه الأيام. فليبعد المصري إذن عن هذا المنصب، وليصبر المصري إذن على الضيم، وليرض المصري بما قضي عليه من الذل، وليسجل الأجانب علينا أننا قوم تراد بنا الكرامة فنأبى إلا الهوان، ويؤدى إلينا الحق فندفعه بأيدينا دفعا، ليظفر وزير من وزرائنا برضى الإنجليز وليحظى وزير من وزرائنا بابتسامة من ابتسامات المندوب السامي.

    ثم يتحدث الإنجليز بعد ذلك، بأنهم قد أحسنوا إلينا ورقونا، ووصلوا الأسباب بيننا وبين الحضارة الحديثة. ومن ذا الذي يستطيع أن يشك في ذلك؟ أليس الإنجليز يتحدثون باللورد كرومر، وأيام اللورد كرومر وما أسبغ من نعمة على المصريين؟ أليس الإنجليز يتمنون أن تعود إلى مصر وإليهم تلك الأيام الغر التي كان كرومر يفيض فيها الخير والبركة على مصر، ويحفظ فيها للدولة البريطانية كرامة الآمر المسيطر الذي لا يرد له أمر، ولا يخرج عن طاعته خارج؟ أليس الإنجليز يمنون علينا بأن اللورد كرومر قد رد إلى أرضنا الخصب بعد الجدب، وأصلح إدارتنا بعد الفساد، ونظم ماليتنا بعد الاضطراب؟ بلى. ولكن الإنجليز ينسون، نستغفر الله، بل يتناسون أن عهد كرومر قد محا القومية المصرية محوا، وأفنى الشخصية المصرية إفناء، وأخرج لنا وزراء وموظفين يعرض عليهم تعيين المصري الكفء، مكان الإنجليزي في مدرسة مصرية، وفي عهد نهضة واستقلال فيأبون، ويرفضون، ثم يداورون، ويناورون، ثم يطلبون بعد التفهيم أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني. يطلبون ذلك إلى مدرسة الهندسة، وعلى رأسها رجل أجنبي كان يظننا أباة، فإذا نحن نفضل رضى الإنجليز على الإباء، كان يظننا حراصا على الحق فإذا نحن نحرص على رضى الإنجليز، أكثر مما نحرص على الحق. يطلبون ذلك إلى هذا الأستاذ الأجنبي مدير مدرسة الهندسة، لا يخشون انتقادا منه، ولا من زملائه الأجانب، ولا يخشون اعتراضا من أنفسهم، ولا من مواطنيهم، لأن رضى الإنجليز آثر عندهم من رضى أولئك جميعا. هذه هي الآثار الباقية في نفوسنا من عهد اللورد كرومر. ينساها الإنجليز، ويتناسونها، أما نحن فلن ننساها، ولن نتناساها، ولكننا سنضعها دائما بإزاء هذا الإحسان المادي الذي أهداه إلينا اللورد كرومر، وسنوازن بين قوميتنا التي قتلها، وعزتنا التي أفناها، وشخصيتنا التي محاها، وبين أرضنا التي أخصبها، وإدارتنا التي نظمها، وماليتنا التي أصلحها، وستمتلئ قلوبنا حزناً وحسرة وأسى بأننا نؤثر ألف مرة ومرة، قوميتنا وعزتنا وشخصيتنا على الأرض والإدارة والمالية، ولأننا نود ألف مرة ومرة أن نعيش رجالا لهم حظهم من القومية والعزة على أرض جدبة وفي ظل إدارة مضطربة ومالية فاسدة، نؤثر هذا، ونفضله على أن نعيش كالأنعام في أرض خصبة كثيرة العشب، وتحت سلطان راع يعرف كيف يخضعنا للسوط والعصي.

    إن الذين يثنون على عهد كرومر ويودون لو يعود، خليقون أن ينظروا في هذه الآية العيسوية الخالدة، ليروا آثار هذا العهد، وليسألوا أنفسهم بعد ذلك: ماذا يريدون؟ أما الإنجليز فهم يعرفون ماذا يريدون. هم يريدون في مصر أرضاً خصبة، وأنعاما يستغلون بها هذه الأرض، فهم لذلك يحبون عهد كرومر، ويحنون إليه. وأما نحن فنريد في مصر رجالا كراما مستقلين يعيشون في وطن حر عزيز، ونحن لذلك نكره عهد كرومر، ولن نرضى أن يعود.

    طه حسين
    الوادي، ١٥ يونية ١٩٣٤.

  • فضيحة

    حديث الوادي
    فضيحة . . .
    وإذا لم تسمها فضيحة، فلست أدرى ماذا تجد لها من الأسماء، أما أنا فأقسم أني لا أتحدث عنها خجلا كأشد ما يخجل الناس، ولولا أن من الحق علينا أن نحاول جهد المطبق إصلاح الفاسد، وتقويم المعوج، وإظهار الناس على ما ينبغي أن يظهروا عليه من أمورهم العامة، وما يتصل بمواقفهم، وحقوقهم، وكرامتهم، لأعرضت عن هذه القصة المخزية إعراضا. فليس في ذكرها أو الحديث عنها، ما يرضى المصري أو يشرفه، ويمكنه من أن يرفع رأسه أمام الأجانب عامة، وأمام الإنجليز بوجه خاص.

    ولكن مهنة الكتابة في الأمور العامة ثقيلة مؤلمة، تكلف أصحابها شططا، وتدفعهم إلى ما لا يحبون. فلنحتمل هذا التكليف ولنقدم على ما نكره، ولنؤد واجبنا، مذعنين لقضاء الله، محتسبين ما نلقى في سبيله من المشقة عند الله عز وجل، فهو الذي لا يضيع عنده الحساب. ولست أدرى إلى من أتحدث أول الأمر في هذه القصة المخزية المؤلمة. أتحدث فيها إلى وزير التقاليد، ففي وزارته دبرت، وفي مكتبه تم تكوينها، ومن مكتبه خرجت حتى انتهت إلى الناس، أم أتحدث فيها إلى رئيس الوزراء، فهو المسؤول الأول عن منافع المصريين ومرافقهم، وعن حقوق المصريين وكرامتهم، وعن تنفيذ القانون واحترام الدستور، وعن إشعار المصريين بأن مصر لهم، قبل أن تكون لغيرهم، وبأن المناصب المصرية يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء للنهوض بأثقالها. أم إلى وزير المالية، فإن هذه القصة ستنتهي إليه آخر الأمر إن أراد الله أن تتم، وسيؤخذ رأيه فيها وستطلب موافقته عليها وسيصيح به ضميره: ألا تفعل. فإن من الإثم أن تمنح أموال المصريين، لغير المصريين، إلا حين لا يكون من ذلك بد؟ أم أتحدث فيها إلى البرلمان، فقد يقال إن من حق البرلمان، ومن الواجب عليه أن يسأل الوزارة عما تجور فيه عن القصد، وتتجاوز فيه حدود الحق والعدل. وأن يبطل من أعمالها ما لا يلائم المنفعة، ولا يوافق القانون والدستور. أم إلى المندوب السامي البريطاني، فإن الأمر يمس الإنجليز من قريب، ويمس الصلة التي يجب أن تكون بينهم وبيننا، ويمس ما يظهر الإنجليز الحرص عليه، من أن يقوم الود بيننا مقام الخصام، ومن أن لا نشعر بأنهم يعتدون علينا في دارنا، وينتزعون منا حقوقنا وأرزاقنا انتزاعا.

    إلى هؤلاء جميعا فيما يظهر يجب أن أسوق هذه القصة، فإنها خليقة بتفكير هؤلاء جميعا، وبرجوعهم إلى ضمائرهم، واستفتائهم هذه الضمائر، ليعرفوا منها: أتجوز هذه القصة في قضية العقل، والحق، والكرامة أم لا تجوز؟ وقد كنت أحب أن أتحدث في هذه القصة إلى الشعب، ولكن من ذا الذي يحفل بالشعب، أو يحسب له حسابا؟ ومتى استطاع الشعب أن يرفع عن نفسه ظلما، أو يكشف عن أبنائه ضرا، أو يكفل لأبنائه ما ينبغي لهم من رعاية الحرمات وحفظ الحقوق؟

    فلأسق هذه القصة إذن إلى الذين يستطيعون تغييرها، فقد يخيل إلي أن تغييرها واجب، وإن إقرارها إثم، وإنها لو وقعت في بلد ديمقراطي حقا، لأنزلت الوزير الذي ألفها وأقرّها عن منصبه، ولردّته إلى داره، ولوقفته من البرلمان موقفا لا يُحسد عليه الوزراء، بل لا يُحسد عليه الوطنيون، الذين يُحسنون النهوض بأمانة الوطن، واحتمال عبئها الثقيل.

    لمدرسة الهندسة الملكية مجلس إدارة يرأسه وزير من وزراء الدولة، ويشترك فيه جماعة من كبار الدولة المصريين، وجماعة آخرون من الأجانب. وقد عرض على هذا المجلس في أبريل الماضي بناء على طلب وزارة المعارف أن ينظر في عقود الأساتذة الذين تنتهي خدمتهم هذا العام، ليقترح أن يجدد منها ما يجب تجديده، وأن يعدل عن تجديد ما لا حاجة إلى تجديده منها، وقد نظر المجلس في هذه العقود. واتخذ قرارا بتجديدها كلها، إلا عقد الأستاذ سميث، أستاذ الطبيعة، وهو إنجليزي، لم يرد المجلس أن يجدد عقده، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا يراه المجلس كفؤا لشغل منصب الأستاذ، والدستور صريح في أن مناصب المصريين يجب أن يشغلها المصريون، إلا إذا لم يوجد بينهم الكفء، وحينئذ، وحينئذ ليس غير. يُختار الأجنبي لشغل المنصب، حتى يتم إعداد المصريين له. وقد حرص مجلس المدرسة على احترام هذا النص الدستوري، ومراعاة هذا الحق الصريح من حقوق الوطنيين، فصرّح في قراره تصريحا بأنه إنما اقترح تجديد العقود التي طلب تجديدها، لأنه لا يوجد في المدرسة من المصريين من يستطيع أن يشغل هذه المناصب منذ الآن إلى سنة ١٩٣٧، وهي السنة التي تنتهي إليها آماد العقود الجديدة. وصرح المجلس في قراره تصريحا بأنه لا يريد أن يجدد عقد الأستاذ سميث، لأن في المدرسة أستاذا مساعدا مصريا هو الأستاذ مصطفى نظيف، يستطيع أن ينهض بعمله، فيجب أن يؤول المنصب إليه. وهذا المجلس كما قلت مؤلف من المصريين والأجانب، فرأيه لا تحيز فيه ولا محاباة، وإنما هو الإنصاف كله، الإنصاف الذي يصدر عن قوم يقدرون الحق والواجب والمنفعة، ولا يقدرون غيرها من الظروف، ومن الظروف السياسية خاصة. وانتهى قرار المجلس إلى وزارة المعارف، فلقي فيها شرا، لقي فيها شر ما تلقى القرارات. عرض على السكرتير العام للوزارة فوافق عليه كله، ولكنه اقترح أن يعرض تعيين الذي يخلف الأستاذ سميث عرضا مستقلا. اقتراح ظريف لبق، يضع تعيين الأستاذ المصري موضع الأخذ والرد، ولكنه لا صراحة فيه، ورفع القرار إلى وكيل الوزارة صبري باشا، فوافق على اقتراح السكرتير العام عشماوي بك بكلمة واحدة «أوافق». وأي شيء أيسر من هذه الكلمة؟ وأي شيء أملأ من هذه الكلمة وأحفل بالمعاني؟ ثم رفع القرار إلى الوزير فلم يكن كالوكيل، ولا كالسكرتير العام، ولكنه كان صريحا غامضا في وقت واحد، فوافق، ولكنه أضاف هذه الجملة البديعة «ويكتب الرد حسب التفهيم». أي تفهيم؟ عمن صدر؟ وإلى من انتهى؟ وما خلاصته؟ وما غايته؟ الجواب على هذا كله يسير. تجده في الكتاب الذي صدر من الوزير إلى مدرسة الهندسة. تجده في الرد الذي كتب حسب التفهيم، فهذا الرد يوافق على كل ما اقترحه المجلس إلا شيئا واحدا، هو، تعيين المصري في منصب الأستاذ، فالوزير لا يقر ذلك، ولا يرضاه، ولا يعلل رفضه لذلك، ونفوره منه، وإنما يطلب إلى المدرسة أن تتخذ الإجراءات لتعيين أستاذ بريطاني في هذا المنصب. أسمعت؟ أفهمت؟ لا يريد الوزير أن يعين مصريا وإن اقترح مجلس المدرسة تعيين هذا المصري، وإنما يريد الوزير أن يعين أستاذا بريطانيا، وواضح أن مصدر هذا ليس هو الشك في كفاية المصري، فقد رضي الفنيون عن هذا المصري. وإنما هو الرغبة في إيثار البريطاني بهذا المنصب دون المصري. لماذا؟ سل عن ذلك وزير التقاليد وسل عن ذلك ظروف السياسة، وسل عن ذلك حاجة الوزارة إلى رضى الإنجليز أو زهد الوزارة في رضى الإنجليز. ثم سل عن ذلك رغبة الإنجليز في شغل المناصب، أو رغبتهم عن شغل المناصب ثم سل عن ذلك ضمير الوزير، وضمير رئيس الوزراء، وضمير الوزراء جميعا، وضمير البرلمان، ولا تبخل بأن تسأل عن ذلك ضمير المندوب السامي أيضا. سل هذه الضمائر كلها، أتقبل هذا أم تأباه؟ أتسخط على هذا أم ترضى عنه؟ أتقر هذا أم تنكره؟ فإن تكن الأولى، فليعلن هؤلاء جميعا إلى المصريين في صراحة لا تحتمل شكا ولا لبسا، أنهم عبيد مستضعفون في بلادهم، لا حق لهم ولا حرمة ولا كرامة، وإن تكن الثانية، فليعيَّن المصري في المنصب الذي اقترحت المدرسة أن يعين فيه، وليسأل وزير التقاليد وأعوانه سؤالا دقيقا عسيرا، كيف؟ ولم؟ وفيم أقدموا على ما أقدموا عليه فأهدروا حق المصري وكرامته وحرمته؟

    نعم لا بد من أن يتخذ سادتنا وحكامنا من المصريين، وأصدقاؤهم من الإنجليز، موقفا صريحا إزاء هذه القصة. فإما أقروها، فعرفنا أين نحن، وماذا يراد بنا؟ وإما أنكروها، فرد الحق إلى أهله، وقيل لوزير التقاليد ما ينبغي لك، بعد اليوم، أن تنهض بأمانة المصريين.

    أما المدرسة التي يرأسها أجنبي سويسري، فقد يقال إنها ما تزال مستمسكة بقرار مجلسها، حريصة على أن يشغل المصري منصب الأستاذ وإن كره الوزير.

    فالكلمة الآن للوزارة، فإن لم تقلها، فللبرلمان، وما أشد شوق المصريين إلى أن يسمعوها. . .
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٢ يونية ١٩٣٤.

  • امتحان (٢)

    امتحان (٢)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٣ مارس ١٩٣٤

    أما أداؤه فقد تم في شيء من الطول، والمشقة، والعسر، وأما نتيجته فلم تظهر بعدُ، وقد كان من الخير للممتحَنين أن تظهر في هذه الأيام ليستطيعوا أن يستقبلوا العيد باسِمين له ولِما يحمل من الرجاء، أو ضيقين به وبما يحمل من اليأس والقنوط.

    ولكن الأستاذ الذي نهض بهذا الامتحان فألقى الأسئلة، واستمع للأجوبة، رجلٌ مُترفٌ لا يحب العجلة، ولا يميل إلى السرعة، وإنما يحب التريُّث ويكلف بالأناة، ولعله كغيره من الأساتذة يستعذب هذه اللذة القاسية، لذة الإبطاء في إظهار النتيجة، والشعور بأن الذين أدَّوْا الامتحان ينتظرونها على قلق واضطراب.

    والناس يحسنون الظن عادة بالأساتذة، ويرونهم مُثُلًا عليا للسذاجة واليسر والرفق، ولكن الناس يخطئون، فمن الأساتذة قساة، ومن الأساتذة من ذاقوا مرارة الامتحان وانتظار النتائج، وضاقوا بأساتذتهم حين كانوا طلابًا، فهم يجدون لذة، مترفة غريبة، قاسية في أن يذيقوا طلابهم ما ذاقوه هم حين كانوا طلابًا يؤدون الامتحانات.

    ولسنا ندري أذاق المندوب السامي مرارة الامتحان وانتظار النتيجة في يوم من الأيام، ولسنا ندري أيجد المندوب السامي ما يجده الأساتذة القساة من هذه اللذة المترفة الغريبة القاسية؟ ولكن الذي لا شك فيه هو أن المندوب السامي قد امتَحن فأطال الامتحان، فلما فرغ من الامتحان، لم يتعجل بإظهار النتيجة، ولم يفكر في أن يهيئ للطلاب عيدًا سعيدًا، أو عيدًا هادئًا مطمئنًّا، مريحًا على أقل تقدير.

    ولعلك قد فهمت أن الذين أدَّوْا الامتحان هم وزراء مصر والمشرفون على أمورها، والمسيطرون على حياتها العامة. ولا بد من أن نلاحظ مع شيء من التقدير غير قليل أن المندوب السامي على قسوته كان رفيقًا شفيقًا؛ فهو قد أقبل إلى مصر فأقام فيها أسابيع، ثم رحل عن مصر فغاب عنها أسابيع، تاركًا للذين سيؤدون الامتحان فرصة واسعة يهيئون فيها أنفسهم لليوم العظيم؛ يدرسون، ويتذاكرون، ويبحثون ويستظهرون، ويستعد كل واحد منهم أحسن استعداد ليؤدي أحسن امتحان على أجمل وجه وأكمله!

    قل ما شئت أيها القارئ العزيز وليقُل الوزراء ما يشاءون، وليقل المندوب السامي ما يشاء أيضًا؛ فليس من شك في أن هذه المقابلات الفردية التي كانت بين المندوب السامي والوزراء، مبتدئة بالرئيس منتهية بوزير الزراعة أو بغيره، لا أدري تركت في نفوس الناس هذا الشعور الطريف المؤلم بأن سادتنا الوزراء كانوا يؤدون امتحانًا شفويًّا أمام المندوب السامي الجديد. والمحقَّق أن الممثلين السياسيين للدول الأجنبية يقبلون إلى مصر وينصرفون عنها، ويتعرفون إلى الوزراء ويتعرف الوزراء إليهم، فلا يجد المصريون في ذلك شعورًا غريبًا، أو شيئًا يشبه الشعور الغريب. ومن المحقق أيضًا أن المندوب السامي كان يستطيع لو أراد أن يلقى الوزراء ليتعرف إليهم وليتعرفوا إليه ليس غير، مجتمعين مرةً واحدةً في يومٍ واحدٍ وفي مكان واحد، حول كئوس من القهوة، أو كئوس من الشاي، أو حول مائدة فارغة من القهوة والشاي، فيتحدث إليهم ويسمع منهم، ثم يتفرق القوم، وتتصل المقابلات بعد ذلك، إن كان هناك ما يدعو إلى اتصال المقابلات. ولكن المندوب السامي لم يؤثِر هذا النحو من التعرف إلى الوزراء، وإنما أخذ يدعوهم إليه واحدًا واحدًا. يستقبل واحدًا منهم في يوم، ثم ينتظر أيامًا ليستقبل منهم واحدًا آخر، وقد يستقبل أحدهم اليوم، ويستقبل زميله غدًا. وقد ينشط، فيستقبل أحدهم في الصباح، ويستقبل زميله في المساء، قد يشتد النشاط للامتحان أو الضجر من الامتحان، فيستقبل وزيرين في صباح واحد.

    وكانت هذه المقابلات تُذاع مواعيدها قبل أن تتم، وتذاع أنباؤها بعد أن تتم، وكان المصريون يقرءون ما كانت تذيع الصحف فيشفقون ويألمون؛ يشفقون على الوزراء، وكل من يتقدم للامتحان فهو خليق بالإشفاق، ويألمون لمصر ولأنفسهم، فقد كانوا يظنون أنهم مستقلون، وأن وزراءهم إذا لم يكُن لهم بُدٌّ من أن يؤدوا الامتحان فإنما يجب أن يؤدوه أمام البرلمان المصري. ووزراؤنا قد أَدَّوْا هذا الامتحان أمام البرلمان، ونالوا فيه أقصى الدرجات.

    بهذا كله كان المصريون يُشفقون، ولهذا كله كان المصريون يألَمون، وقد انتهى الإشفاق بانتهاء الامتحان، ولكن الألم لم ينتهِ، ولا ينبغي أن ينتهي قبل أن يرى المصريون لبلادهم وزراء لا يؤدون الامتحان إلا أمام البرلمان.

    نظن أن حديث الصحف يجب أن يمَس هذا الموضوع، بل نظن أن حديث الصحف يجب أن يطول في هذا الموضوع، فهو أحق بالعناية والدرس، وهو أحق بالتعليل والتأويل والتحليل، من حفلة الشاي التي دُعِيَ إليها الزعماء ورجال السياسة وكبار الموظفين في دار المندوب السامي مساء الثلاثاء، فلم يكُن في هذه الحفلة ما يدعو أن تكتب الأهرام فصلين أو أكثر من فصلين، إنما هي حفلة من هذه الحفلات، تنشأ للمجاملة، وتقوم على المجاملة، وتنتهي إلى ما تنتهي إليه حفلات المجاملة من التعارف وإنشاء الصلات بين رجل له مكانته وخطره في السياسة المصرية، وقوم لهم مكانتهم وأخطارهم في هذه السياسة؛ فلم يكُن المصريون في يوم من الأيام جفاة ولا مقصرين في آداب المجاملة وأوضاع الحياة الاجتماعية؟ ولم يكن المندوب السامي أقل منهم عناية بهذه الأوضاع وتلك الآداب، فكان من الطبيعي أن يزوروه، وكان من الطبيعي أن يدعوهم إلى الشاي فيستجيبوا لدعوته، ولم يأبَ المصريون في يوم من الأيام أن يستجيبوا لدعوة مخافة أن يلقى بعضهم بعضًا على ما بينهم من اختلاف الميول والنزعات؛ لأنهم يعرفون كيف يَحْيَوْنَ حياة القوم المتحضرين. فمن الإطالة التي لا تُجدي، أو من التماس الظهر في الساعة الرابعة عشرة كما يقول الفرنسيون أن يكثر الكلام حول هذا الشاي الذي لا غرابة فيه. إنما الموضوع الذي يستحق التفكير، والذي يستحق التفسير والذي يستحق التساؤل وانتظار الجواب، هو هذه المقابلات الانفرادية التي كانت بين وزرائنا جميعًا وبين المندوب السامي، على نحو لم يُعرف من قبلُ، ولم تجرِ به التقاليد، والتي ألقت في رُوع المصريين جميعًا أنهم كانوا يَسْعَوْنَ إلى هذه المقابلة، كأنما كانوا يسعون إلى أداء الامتحان، وأن الأحاديث إنما اتصلت بينهم وبين المندوب السامي أثناء هذه المقابلات، في أمور لا تشبه الجو والمطر، واعتدال الإقليم، وجمال النيل، وإنما تشبه ما يعنى به الوزراء من شئون الحكم وتصريف الأمور.

    هذا هو الذي يستحق أن تكتب فيه «الفصول» وأن تعنى به «الأهرام» وغير «الأهرام» من الصحف التي عنيت بحفلة يوم الثلاثاء، ومهما يكُن من شيء فليس من سبيل إلى استدراك ما فات، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو أن يمنع أن الوزراء قد سَعَوْا متفرقين إلى دار المندوب السامي كما يسعى الطلاب إلى غرفة الامتحان، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن هذا السعي كان مؤلمًا مؤذيًا، ولن يستطيع أحد أن ينكر أو يمنع أن لهذا السعي المؤلم نتائجَ كنتائج الامتحان إن لم تظهر اليوم فستظهر بعد العيد بوقت قد يكون طويلًا، وقد يكون قصيرًا، ولكنه في أكبر الظن قريب على كل حال.

  • لقاء

    حديث المساء: لقاء

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ مارس ١٩٣٤

    لقاء تعارف من غير شك هذا الذي بدأ منذ أيام بين المندوب السامي والوزراء، وأخص ما يمتاز به أنه يسيرٌ ساذَج، لم يُحْدِثْ أزمة، ولا شيئًا يشبه الأزمة، رُوعِيَتْ فيه التقاليد من الألف إلى الياء. بدأ الوزراء فتركوا بطاقتهم في قصر الدوبارة، وكلَّف المندوب السامي بعد ذلك من رجال داره مَن ترك بطاقته للوزراء. ثم كانت المصادفة، فلقي المندوب السامي وزراءنا في حفلة من الحفلات فقُدِّمَ إليهم — نستغفر الله — بل قُدِّمُوا إليه، ثم ظهر أنَّ هذا القدر يكفي لتحقيق الصلة بين المندوب السامي وأعضاء الوزارة، وأنَّ من الممكن أن تكون الخطوة الثانية، فيُدعى الوزراء واحدًا إثر واحد إلى لقاء المندوب السامي. حتى إذا لَقِيَهُ أحدُهم كان الحديث بطبيعة الحال في الجو والمطر أول الأمر، ثم انتقل شيئًا فشيئًا من هذا الموضوع العام إلى موضوعات خاصة من بعض الوجوه، ثم إلى موضوعات خاصة من كل الوجوه، ثم ينظر المتحدثان، فإذا هما يخوضان في صميم الموضوع الذي يَحسُن فيه الحديث.

    وكان وزير المالية بالنسبة للتنظيم — فيما يظهر وفيما يُقال — أول من دُعِيَ إلى دار المندوب السامي من الوزراء، وقد تحدَّثت الصحف بأنه لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، وحديث الجو والمطر مهما يطُل فهو قصير. فأكبر الظن أنَّ المتحادِثَيْن دُفِعَا إلى المسائل الجِسام فتحدثَا فيها أحاديث جسامًا، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان يريد قبل أن يَلِيَ الحُكم أن يقلب أمور الاقتصاد رأسًا على عقب. وأن يُحدِث في وزارة المالية ثورة لم يسبقه إليها أحد من وزراء المال، ولكنه لم يكَد يستقر في الوزارة حتى تَبَيَّنَ أنَّ الاعتدال خيرٌ من الجموح، وأنَّ التطوُّر خير من الثورة، وأن ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أنه كان مصمِّمًا حين تولَّى الحكم على أن يقِف من الدول الدائنة لمصر موقف الحزم والعزم؛ فلا يفاوضها لأن المفاوضة ضعف، ولا يقاضيها لأن الأمر ليس من اختصاص القضاء، وإنما يدفع إليها دَيْنَها وفوائده ورقًا، فإن رضيت فذاك، وإن غضبت فأمرها يسير. وإنه أعلن ذلك في الصحف وتحدث به إلى الناس، ثم ظهر له ولزملائه الوزراء أنَّ الصلح خير، وأنَّ المفاوضة لا بأس بها، وأنَّ المقاضاة قد تُفيد. فسار سيرة صدقي باشا، وفاوض أو انتظر المفاوضة من ناحية، وقاضى أو انتظر حكم القضاء من ناحية أخرى، وعرَف المندوب السامي من وزير المالية أمورًا كثيرة، منها ما يمَس الدَّيْن العقاري، ومنها ما يمَس مصلحة الأملاك، ومنها ما يمَس هؤلاء الموظفين الذين لم يكونوا يعلمون أنَّ على رأسهم وزيرًا، حتى أُنبِئوا بذلك فعلموه. ولعل المندوب السامي أن يكون قد عرَف من وزير المالية أن له في مجلس النواب مواقف أقل ما تُوصَف به أنها مواقف الأبطال وعظماء الرجال، وأنها تكشف عن نظريات جديدة في الفقه الدُّستوري، يعجز عن فهمها وزير الحربية، فيسميها تورُّطًا في الكلام. ومن المرجح — إن لم يكن من المُحقَّق — أنَّ وزير المالية قد انصرف من عند المندوب السامي مغتبطًا بما سمع، مبتهجًا لما قال، متسائلًا في أعماق نفسه: ماذا عسى أن يكون رأي المندوب السامي بالضبط فيما جرى بينهما من حديث؟!

    وإذا أقبل مساء اليوم كان بين المندوب السامي وبعض الوزراء المصريين لقاءٌ آخر ليس أقل خطرًا، ولا أيسر أمرًا، ولا أهون شأنًا من ذلك اللقاء الذي كان منذ يوم أو يومين. فالضيف الذي سيشرف قصر الدوبارة بزيارته، وسيتشرف بزيارة قصر الدوبارة مساء اليوم — فيما تقول الصحف — هو وزير التقاليد. وحسبك بهذا العنوان دليلًا على أنَّ هذا اللقاء خليق أن يكون من أعظم حوادث التاريخ؛ فقد كان المصريون يختلفون منذ أسابيع في الوزيرين الخطيرين، وزير المالية ووزير التقاليد: أيهما أعظم شأنًا وأَجَلُّ خطرًا، وأعظم من القوة حظًّا، وأبعد في حياة الناس أثرًا، ثم اتَّفق المصريون على أنَّ التفوق لوزير التقاليد لا لوزير المال والاقتصاد.

    فوزير التقاليد ينتمي إلى حزب، أو يشرف على حزب، ووزير المال لا حزب له، ووزير التقاليد يبلغ من وزارة المالية ما يريد باللين مرة، وبالعنف مرة أخرى، يؤجر للمجمع اللغوي داره في الجيزة وإنْ كره وزير المالية، ويحتفظ بدرجة الوكيل المساعد في ميزانية وزارته وإنْ مانع وزير المالية، ولوزير التقاليد أثر عميق في حياة الناس من جميع أنحائها، حتى من نواحيها الاقتصادية، فهو يهز الأسر المصريَّة كلها هزًّا، مرات في العام بنفقات التعليم التي يطلبها إليهم ويتقاضاها منهم عنيفًا حينًا، ورفيقًا حينًا آخر، وهو يفرض العمة ويحرم الطربوش على جيل من الناس، فيؤثر بذلك في حياتهم العقليَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة أيضًا، ثم هو قائد الشباب يتصرف فيهم كما يحب ويرضى، وهو لا يحب إلَّا الخير، ولا يرضى إلَّا المعروف، وهو من هذه الناحية خليق أنْ يكون أثر الوزراء عند المندوب السامي وأقاربهم إليه، ذلك أنه يسيطر على أمور الشباب، ومن يسيطر على أمور الشباب، فهو رجل عظيم المكانة في حياة مصر السياسيَّة والعلميَّة والأدبيَّة من كل وجه، وهذا النحو من الحياة يعني الإنجليز عناية خاصَّة، فقد كان الشباب — فيما مضى — غلاة مسرفين، يعنون بالأمور السياسيَّة، ويسرفون في عنايتهم بها، وينغصون على الحكومة المصريَّة وعلى الإنجليز حياتهم تنغيصًا، فإذا استطاع وزير أنْ يردهم عن هذا الغلو، ويكلفهم عن هذا الإسراف، ويأخذهم بالاعتدال والتواضع والاقتصاد في المثل الوطنية العليا، فهو حرى أنْ يرضي الإنجليز، وأنْ يظفر من المندوب السامي بحديث ممتع كله تأييد وتشجيع.

    ولست أخفي أني أرجو أن يقرأ وزير التقاليد هذا الفصل قبل أن يبلغ دار المندوب السامي مساء اليوم؛ فقد يكون في قراءته قبل اللقاء شيء من النفع، ولعلَّ من الأشياء التي يحسن لوزير التقاليد أن يجتهد في توجيه الحديث إليها أمر الحياة الجامعية؛ فإن للوزير فيها بلاءً حسنًا، لا ينبغي أن يخفى على أحد، ولا ينبغي أن يخفى على المندوب السامي الجديد بوجه خاص؛ فقد كانت الجامعة في أيام الفوضى حين كان المعارضون يتولَّوْن الحكم بيئة خطرة حقًّا، كان اللاتينيون فيها كثيرين، وكان فيها ممثلون للألمان أيضًا، وكانت الثقافة اللاتينية ظاهرة في كلية الآداب، وكان الإنجليز يَضِيقون بذلك ويشكون منه، وكانت الحرية تُفهم في هذه الجامعة فهمًا واسعًا خاطئًا خطرًا، فتحسن الصلات بين الأساتذة والطلاب، بل يشترك أولئك وهؤلاء في أعمال الجِد والراحة، كأنهم متساوون. وكانت الجامعة تسرع في هذه الحرية إسراعًا مخيفًا، كاد يشرف بها على الفوضى، فلما جاء وزير التقاليد عرَف كيف يرد الأمر إلى نصابه، فيقصي عن الجامعة عناصر الفوضى، ويؤيد فيها عناصر النظام، ويرد الجامعة إلى شيء من التواضع الذي يلائم مكانة المصريين، وما ينبغي أن يكون لهم من المطامع المعتدلة، ويضع للجامعة قوانين صارمة حازمة، تُعَلِّم الجامعيين كيف يُكبِرون السلطة، ويذعنون لأمرها، وينفذون ما تريد، وأخذ العنصر الإنجليزي يقوى، وأخذ العنصر الأوروبي يضعُف، حتى أصبح من المنتظر أن تكون الجامعة — إن شاء الله — صورة حسنة لبعض هذه الجامعات الراقية الممتازة في أجزاء الإمبراطورية البريطانية غير بريطانيا العظمى بالطبع، ثم لعل أحسن ما ينبغي أن يكون فيه الحديث بين المندوب السامي ووزير التقاليد، هذا النظام الجديد الذي وُضِعَ لاتحاد الجامعة فقيَّد أرجل الطلاب، وغَلَّ أيديهم وأعناقهم، وخرم أنوفهم وآذانهم، وعلمهم كيف تكون الحرية الناعمة والرجولة المنتجة، التي لا تقوم إلَّا على الطاعة والإذعان والخضوع لأمر الرؤساء والمشرفين، فإذا استطاع الوزير أن يحدث المندوب السامي بأن الذي دعاه إلى إحداث هذا النظام الجديد هو أنَّ طلاب الجامعة رأَوْا فريقًا منه يشتغلون بالسياسة في شيء يقال له مشروع القرش فقاوموهم، وأنكرت الوزارة عليهم هذه المقاومة، فعاقبتهم بهذا النظام. إذا استطاع وزير التقاليد أن ينبئ المندوب السامي بهذا الحديث، كان قد انتهى إلى أقصى ما يطمع فيه الوزراء من التوفيق. وإذا كان وزير المالية قد لبث عند المندوب السامي وقتًا طويلًا، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيلبث عنده وقتًا أطول، وإذا كان وزير المالية قد خرج راضيًا عمَّا سمع وما قال، متسائلًا عن رأي المندوب السامي فيما كان بينهما من حديث، فليس من شك في أنَّ وزير التقاليد سيخرج وهو أشد اغتباطًا وأعظم ابتهاجًا بما قال أولًا، وبما سمع ثانيًا، وسيعود إلى أصحابه راضيًا كل الرضى، واثقًا كل الثقة بأن الحديث بينه وبين المندوب السامي الجديد كان دليلًا قاطعًا ساطعًا على أنه ليس في الإمكان أبدع ممَّا كان، وعلى أنَّ الذين ينتظرون تغييرًا في السياسة المصريَّة الإنجليزيَّة قوم يحلُمون، إلَّا أن يحدث تغيير يسير يجعل رياسة الوزراء إلى وزير التقاليد.

  • حماية (٣)

    حديث المساء: حماية (٣)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣ مارس ١٩٣٤

    إذا كان مُكَاتِب التيمس صَادقًا فيما بينه وبين نفسه، فإنَّ رَأي الإنجليز في المصريين سيئ حقًّا، لا يدعو إلى التفاؤل ولا يحيي الأمل، ولا يقرب مَسافة الخُلْف بين البلدين المُخْتَلِفَينِ؛ فقَدَ زَعَمَ مُكاتِب التيمس في مقاله الذي نشر منذ أسبوع وكثر الحديث عنه في مصر، والذي يعيد الكوكب نشره بنصه اليوم، أنَّ المصريين ينظرون إلى أيسر كلمة يُلقيها المندوب السامي إلى وزير مصري كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    وزعم مكاتب التيمس أن المصريين يُعْنَونَ أَشَدَّ العِنَايَةِ وأعظمها بأيسر عمل يأتيه المندوب السامي، وزَعَمَ مكاتب التيمس أنَّ المَنْدُوب السامي الجديد لنْ يَجِدَ مَشَقَّةً ولا عُسرًا في تحقيق ما تنظره منه مصر من الخدمة والإنقاذ، ثُمَّ زَعَمَ مكاتب التيمس آخر الأمر أن المندوب السامي يستطيع أن يدبِّر شئون مصر بخنصره.

    فإذا كان هذا رأي مكاتب التيمس حقًّا، وإذا كان كثيرٌ من الإنجليز يُشاركونه في هذا الرأي، ويُؤمنون فيما بينهم وما بين أنفسهم بأن المصريين قد بلغوا من الهوان إلى هذا الحد، فأصبحوا لا يثبتون لكلمة يقولها المندوب السامي في حديث يلقيه إلى أحد الوزراء، وأَصْبَحَ المندوب السامي قَادرًا على أن يُدِير أمورهم بخنصره، فلسنا نَدْرِي في حَقِيقة الأَمْرِ لماذا يحفل بنا الإنجليز، ويظهرون من العِنَايَةِ بالاتفاق معنا وعقد معاهدة بينهم وبيننا مثل ما يظهرون، ويضمرون من ذلك أكثر مما يظهرون؟! فإنَّ الأُمَّة الهيِّنة اللينة التي تخاف من الكلمة اليسيرة، والتي تدار أمورها بالخنصر لا بالسبابة ولا بالإبهام، ليست خليقة أن يحفل بها أحد، أو يفكر فيها أحد، أو يُعْنَى بالاتفاق معها أحد، وإنَّما هي خليقة أن تُحْكَم وتُسْتَذَلَّ كما يحكم أضعف الأمم وأهون الشعوب.

    ومن المُحَقَّق أنَّ مكاتب التيمس يخدع نفسه ويخدع شعبه حين يكتب هذا الكلام وحين يذيعه في صحيفته الكبرى، ومن المُحَقَّق أيضًا أن مكاتب التيمس معذور في أن يضلل نفسه وشعبه هذا التضليل، فلولا أنَّ في مصر رِجالًا مُستضعفين يؤمنون للمندوب السامي بهذه القوة الخارقة، وينظرون إلى كلمته اليسيرة كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى، ويعقدون بالمندوب السامي آمالهم، ويسخِّرون للمندوب السامي ما يملكون من قوة وجهد، ويخيلون إلى المندوب السامي أنهم قادرون على أن ينفذوا أمره ويذعنوا لرأيه ويكونوا له أداة في تصريف الأمور، لولا أن بين المصريين رجالًا مستضعفين تَهُونُ عليهم نفوسهم وأمتهم إلى هذا الحد المُهين، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظنَّ ما ظن، ولا أن يقول ما قال.

    نعم، ولولا أنَّ بين المصريين رجالًا مُستضعفين يبلغ بهم الصَّغَارُ والذِّلَّةُ أنْ يَتَحَدَّثُوا إلى مكاتب التيمس وأشباهه بمثل هذا الحديث الذي يصور أمتهم من الضعف والهوان بحيث ينبغي أن يطمع فيها الطامعون، ويهزأ بها الهازئون، ويَعْبَثَ بمصالحها العَابثون، لما استطاع مكاتب التيمس أن يظن ما ظن، أو يقول ما قال.

    ولكن لكل شعب مهما تكن عزته وقوته، ومهما يكن حرصه على الكرامة وإباؤه للضيم، نقمة من بعض أبنائه يُمْتَحَنُ بها في حياته الخاصة كما يُمتحن بها في حياته العامة.

    وإن الإنجليز ليعلمون من ذلك مثل ما نعلم، وإن الإنجليز ليشقون من ذلك بمثل ما نشقى به، فأين الشعب الأوروبي الذي لا يوجد بين أبنائه الجواسيس الذين يتصلون بالأجنبي في أثناء السلم، ويُعينون العدو في أثناء الحرب، والذين تعرف الشعوب الرَّاقية الحرة كيف تجزيهم جزاء العدل على ما يرتكبون من الإثم، وما يقترفون من السيئات؟ ولو أنَّ الإنجليز يخضعون لمِثْلِ مَا نَخْضَعُ نحن له من الاحتلال الأجنبي لرأوا بينهم أفرادًا ينظرون إلى الكلمة اليسيرة يُلقيها ممثل الدولة المُحْتَلَّة إلى وزير من وزرائهم كأنها بلاغ نهائي من هذه الدولة المُحتلة.

    ولكن الإنجليز لا يشقون بالاحتلال الأجنبي، وإنما يفرضون الشقاء باحتلالهم على أمم لا ينبغي لها هذا الشقاء … فليس عند الإنجليز إذن أفراد كهؤلاء الذين صورهم مكاتب التيمس، ولكنهم لا يعدمون من حين إلى حين أفرادًا آخرين يخدمون الأجنبي أثناء السلم، ويخدمون العدو أثناء الحرب، وهم يحتاطون لهؤلاء الأفراد كما تحتاط لهم كل الأمم الحية الراقية.

    والفرق بيننا وبين الإنجليز وأشباه الإنجليز من الشعوب المستقلة أنهم مستقلون حقًّا؛ فهم لا يجدون من القوة الأجنبية ما يحمي منهم أمثال هؤلاء الأفراد، وهم لذلك يستطيعون أنْ يَقِفُوهم أمام القضاء المدني أو العسكري، وأن ينزلوا بهم ما يستحقون من العِقَاب. أَمَّا نَحْنُ فلسنا مُسْتَقِلِّين حقًّا، والإنجليز هم الذين يغصبون استقلالنا، والإنجليز هم الذين يحمون منا ومن قوانيننا هؤلاء الأفراد الآثمين الذين يرون كلمة المندوب السامي مهما تكن يسيرة بلاغًا نهائيًّا من بريطانيا العظمى، والذين يخيلون إلى المندوب السامي وإلى غيره من الإنجليز أن أمور أمتهم يسيرة هينة يمكن أن تُدار بالخنصر ولا بالسبابة ولا بالإبهام.

    كل هذا شيء لا شك فيه، وهو مُؤلم حقًّا، ولكن العزاء عنه يسير؛ فإنَّ الله قد أبى أن تكون السيادة للإثم أو أن يكون الانتصار للذلة أو أن يكون الشذاذ مِنَ الشَّعب هم الذين يمثلون الشعب. وهُنَا يَظْهَرُ ما قُلْنَاه ونقُولُه مِنْ أَنَّ الإنجليز يَخْدَعُون أنفسهم إنْ صَدَّقُوا مثل هذا الكلام الذي يكتبه لهم مكاتب التيمس، والذي قد يُلْقِيه إلى مكاتب التيمس بعض الشذاذ من المصريين، يخدعون أنفسهم حقًّا؛ فهم يعلمون حق العلم أن بين المصريين وزراء ثبتوا وسيثبتون دائمًا لكلمة المندوب السامي يسيرة كانت أو عسيرة، وقد أبوا — وسيأبون دائمًا — أن يذعنوا لأمر المندوب السامي أو يسلموا للإنجليز على قوتهم وبأسهم بما لا يلائم حقَّ المصريين ولا منافع المصريين، هم يعلمون ذلك حق العلم، وهم يُؤْمِنُون بذلك أشدَّ الإيمان، ولولا هذا لما وجد الخلاف بينهم وبين مصر، ولولا هذا لما اتصل الجهاد، ولولا هذا لما كانت الأزمة العنيفة القائمة بينهم وبينا، ولولا هذا لما أُلغي دستور وأصدر دستور، ولولا هذا لما حُوربت مصر هذه الحرب المُنكرة في حقوقها ومرافقها، وفي كراماتها وحرماتها، ولولا هذا لما قُسِّم المصريون إلى فريقين؛ فريق ضئيل يُصْطَفَى منه الحكام والمتسلِّطون، وفريق عظيم لا ينبغي أن يصل إلى الحكم ولا أن يطمع فيه.

    لو أنَّ أُمُور مِصْرَ هينة حقًّا على الإنجليز لما كانَتْ كثرة ولا قلة، ولما كانت هناك أحزابٌ تُصْطَفَى وتُخْتَار، أو تُنْشَأ وتُخْلَقُ خَلقًا، وشعبٌ يتقي ويخاف وتنزع أموره منه نزعًا، والغريبُ أنَّ هؤلاء المصريين الذين يصورهم مكاتب التيمس بهذه الجمل المهينة لا يستحون من أنفسهم ولا يستحون من الناس، ولا يتحرَّجون من أن يلقوا مكاتب التيمس، حين تسنح لهم الفرصة أو يخلقوا الفرصة للقائه ولقاء أمثاله، فيلقوا إليهم بمثل هذا الحديث.

    والغريب مع هذا أنَّ الوزراء الذين يقرءون مثل هذا الكلام لا يبذلون ما يملكون وما لا يملكون من الجهد، ليثبتوا لأنفسهم ولأمتهم وللإنجليز أنَّ هذا الكلام الذي يكتبه مكاتب التيمس سخيف فارغ لا يصور أحدًا ولا يدل على شيء، ولا يمثِّل الصلات التي تكون بالفعل بين المندوب السامي والوزراء. ومع ذلك فأَوَّلُ ما يَجِبُ على الوزراء المصريين مهما يكونوا هو أنْ يَرْفَعُوا أنفسهم أمام أنفسهم بالقول والعَمَلِ على أن تظن بهم الظنون أو يقول فيهم القائلون أنهم ينظرون إلى كلمات المندوب السامي كأنها بلاغ نهائي من بريطانيا العظمى.

    لقد نشرت المُقطمُ منذ أيام أن المندوب السامي تخلَّف في باريس ليتحدث مع الفرنسيين في مسألة الدين العام، فأنكرنا ذلك أشدَّ الإنكار وعبناه؛ لأنَّ المندوب السامي حين مَرَّ بباريس لم يكن قد أوجد الصلات الأولى بينه وبين الوزارة المصرية؛ ولأنَّ وزارة الخارجية المِصْرِيَّة لم تنشأ عبثًا، وإِنَّما أنشئت لمثل مسألة الدين؛ ولأن توسط الإنجليز بين مصر وبين فرنسا شيء وتولي الإنجليز الشئون المصرية فيما يتصل بفرنسا شيء آخر.

    وكنا نظن أن الوزارة المصرية ستقول أو ستعمل شيئًا يَدُلُّ على أنها لا ترضى عما نشرت المُقطم إن كان قد وقع بالفعل، أو تُكَذِّب ما نشرت المُقطم إن لم يكن قد وقع بالفعل. ولكن الوزارة لم تقل شيئًا، ولم تعمل شيئًا، وعادت المقطم فنشرت مساء أمس ما نشرته منذ أيام، ثم زعمتْ أَنَّ الحُكومة الإنجليزية ستفاوض الحكومة المصرية في مسألة الدين بعد أن تحدَّث فيها المندوب السامي إلى الفرنسيين حين مَرَّ بباريس.

    ومعنى هذا إن كنا نفهم اللغة العربية التي تتحدث بها المُقطم أنَّ الإنجليز يُريدون أنْ يتولوا بأنفسهم مسألة الدين، وأنْ يَتَحَدَّثوا فيها إلى المصريين عن الفرنسيين وإلى الفرنسيين عن المصريين، ومعنى هذا أن المفاوضات في هذه المسألة لن تكون مُباشرة بين المصريين والفرنسيين، ولكنها تُريد أن تكون بواسطة دار المندوب السامي. ففيم أنشئت إذن وزارة الخارجية المصرية؟ وهل عدنا إلى مثل ما كنا عليه أيام الحماية؟ لقد كان صدقي باشا نفسه يفاوض الفرنسيين والإيطاليين، ويستعين في ذلك بتوسط الإنجليز، فهل يُرَادُ أَنْ نفهم أنَّ الوزارة القائمة قد تأخرت عن وزارة صدقي باشا خطوتين أو خطوات فهي لا ترى بأسًا بأن تنتظر حتى يحلَّ لها الإنجليز مسألة الدين.

    إن هذا التصرف وأمثاله إن صح ما نشرت المقطم — ونرجو أن لا يكون صحيحًا — هو الذي يطوع لمُكاتِب التيمس أن يقول إن المندوب السامي يستطيع أن يدبر أمور مصر بخنصره، فليُفِق النائم ولينتبه الغافل، وليعلم المصريون أن الاستقلال ليس كلامًا يُقال ولا فصولًا تُكتب في الصحف، وإنما هو أعمال تأتيها الأمم وأعمال تأتيها الوزارات؛ فتثبت أنها حرة حقًّا، وقُل ما شئت؛ فلست أدري لِمَ أجمع دائمًا في نفسي بين هذين الخاطرين: المندوب السامي يتحدث إلى الفرنسيين في مسألة الدين ويُريد أن يفاوض فيها المصريين، والمندوب السامي يصيد البط ثم يوزع صيده على الفقراء.

    ما أجدر المصريين أن تستغني وزارتهم عن معونة المندوب السامي في مسألة الدين، وأن يستغني فقراؤهم عن البط الذي يصيده لهم المندوب السامي في أكياد أو غير أكياد، وأن تستحي صحفهم من نشر مثل هذا الكلام.

  • تجارب …

    حديث المساء: تجارب …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٥ فبراير ١٩٣٤

    زَعَمُوا أنَّ وزارتنا قوية، شديدة القُوَّةِ، مُستقرة مُمْعِنَة في الاستقرار، تأمن الناس
    جميعًا ويأمنها الناس جميعًا، ليس بينها وبين الشعب الأخير ما يكون بين الحاكم والمحكوم من
    الصلات. وزعموا أنها مُسَيْطِرَةٌ على الأَمْرِ كُلِّه في مِصْرَ، حَافِظَةٌ على الناس أمنهم
    كله وما يحتاجون إليه من الدعة والطمأنينة في ظل النظام، وأنها إنما وفقت إلى هذا لأنها مُسيطرة
    على القلوب، مُتَسَلِّطَةٌ على النفوس، مُسْتَأْثِرَةٌ بالعواطف، مُصَرِّفة للأهواء، لا تأمر
    الناس إلا ائتمروا، ولا تنهى الناس إلا انتهوا، ولا تريد إلا أسرع الناس إلى تحقيق ما
    تريد.

    وزعموا مع ذلك أنَّ لِهَذِهِ الوَزَارَة خُصومًا ضِعَافًا، لا يَمْلِكُون من أمرهم شيئًا،
    فَضْلًا عن أن يملكوا شيئًا من أمور الناس، لا سلطان لهم على أنفسهم فضلًا عن أن يكون لهم سلطان
    على الناس. وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاء الخصوم يُسْرِفُون على أَنْفُسِهِم فيَزْعُمون أنهم أقوياء،
    ويُعْلِنُون أنَّ الوزارة تخافهم، وتخشى بأسهم، وأن الوزارة تغلو في خوفهم فتراقبهم من قريب،
    وتراقبهم من بعيد، وتبذل المباح وغير المُبَاح لتَحُول بينهم وبين الشعب، ثم زَعَمُوا أنَّ
    الوزارة أَرَادَتْ أَنْ تقضي على وهم هؤلاء الخصوم، وأن تمحق حجتهم محقًا، وأن توئسهم حتى من
    التعلق بأهداب الوهم، والاستمتاع بلذات الخيال؛ فأذنت لهم، وأعلنت إلى الناس جميعًا أنها تأذن
    لهم في أن يذهبوا ويجيئوا أو في أن يغدوا ويروحوا، وفي أنْ ينتقلوا كما يُحِبُّون لا في القاهرة
    وحدها بل فيها وفي غيرها من المُدن، وفي أعماق الرِّيف أيضًا، فأَبَى هؤلاء الخُصوم أنْ يقبلوا
    هذا التحدي، وأنْ يتنقلوا بين المدن والقرى؛ لِأَنَّهُم أَشْفَقُوا إِنْ فَعَلُوا أَنْ تَقُوم
    عليهم الحجة، حتى أَمَامَ أَنْفُسهم، وأَنْ تقطع عليهم هذه اللذات التي يتعللون بها، ويتعزون
    بها عما أصابهم من الإخفاق والخذلان.

    ولكنَّ قومًا آخرين لا ندري من أين أقبلوا ولا ندري من أين نجموا، ولا ندري من أين هبطوا، قد
    ظهروا فجأة، فإذا الناس يُحِبُّونهم حبًّا شديدًا، قد صرفهم عن الوزارة صرفًا، وإذا هُمْ
    مَصْدَرُ قلق للوزارة إذا كان النهارُ، ومصدر أرق للوزارة إذا كان الليل، وإذا الوزارة تنظر
    فتَرَى أَنَّها لا تَسْتَطِيعُ بقاءً أمام هؤلاء الناس الذين أقبلوا من حيث لم يكن أحد ينتظر
    إقبالهم إلا إذا خاصمتهم أشد الخصومة، وحاربتهم أعنف الحرب، وأخذتهم من ألوان الكيد والبأس،
    ونَصَبَتْ لَهُم من فنون المكر والحيلة أضعاف ما كانت تُهَيِّئ في الزَّمَان القديم لتلك الهيئة
    السياسية التي كانت تُسَمَّى الوفد، والتي كانت خطرًا فزال، وخوفًا فرفع.

    وأخذت الوزارة تستأنف مع هؤلاء الخصوم الجدد، أضعافَ ما كانت تفعل مع أولئك الخصوم القدماء،
    وإذا الناس ينظرون ثم يسألون أنفسهم: أَمُحِيَ الوفد أم ما يزال قائمًا؟ أمات الوفد أم يزال
    حيًّا؟ أمُحِقَ أُولئك الخصوم أم ما يزالون مُحتفظين بكل ما كان لهم من قُوَّةٍ عَنِيفَةٍ
    وَبَأْسٍ شَدِيدٍ؟

    ينظر الناس فإذا إقليم مجاور للقاهرة تفرض عليه الأحكام العرفية فرضًا، ويفصل من الأقاليم
    التي كانت تجاوره فصلًا؛ لأن رجلًا يريد أن يزوره ولا ينبغي لهذا الرجل أن يزوره. وينظر الناس
    إلى هذا الرجل، فيرون بينه وبين رئيس الوفد الذي زال ومحي شَبَهًا قويًّا، حتى لكأنه هو لم
    يتغير، ولم يتبدل، له شكله وصورته، له صوته ومنطقه، له حركاته وأعماله، فيقولُ النَّاسُ
    لِأَنْفُسِهِم أَين نَحْنُ؟ وماذا نرى؟ لقد كنا نظن أن عصر المعجزات قد انقضى، وأنَّ الموتى لا
    ينشرون في هذه الحياة. فإذا الوفد الذي مات لا يزال حيًّا، وإذا رئيس الوفد الذي أخفق وانصرفت
    عنه القلوب لا يزال منتصرًا، تلتف حوله القلوب، وإذا الوزارة ما تزال تعالج ما كانت تشكو منه من
    هذا الوفد الذي كان أذًى في الأجواف، وشجى في الحلوق.

    ولا يكاد الناس يفرغون من هذا الحديث حتى يروا سيدة تهم بالسفر إلى طرف من أطراف الصعيد، وإذا
    الشعب من حَولِهَا قد خفَّتْ إليها نفسه وخفق لها قَلْبُه، وانْدَفَعَ إليها حُبُّه، يَغْمُرها
    بما فيه من المَوَدَّة والإِكْبَار، والإجلال، والوفاء، وإذا الوزارة تقاوم وتخاصم، فتحصر
    المحطات، وتُعَبِّئ القوى، وتحشد الجند، وتعتقل الناس، وإذا كل هذا يذكر بسيدة كان المصريون
    يُحِبُّونها وكانت الوزارات تُقَاوِمُها، حتى ضَعُفَ أَمْرُها كلَّ الضعف، وحتى نسيها الناس
    وأعرضوا عنها، وحتى مُحِيتْ صورتها من قلوبهم. وكانوا يُسَمُّونها أمَّ المصريين، فينظر الناس
    إلى هذه السيدة ويسأل بعضهم بعضًا ماذا نرى؟ ما أشد ما بين هذه السيدة وتلك من الشبه! وما أشد
    ما بين صنيع الوزارة معها الآن وصنيع الوزارات مع تلك من قبل!

    ثم يقول بعضهم لبعض: من يدري؟ لعلها هي أم المصريين! لم ينسها أحد، ولم ينصرف عنها أحد، لم
    يُصِبْ أمرها ضعف ولا وهن، وإنما خُيِّل إلى الوزارة أن أمرها قد ضعف، وأنَّ سُلطانها على
    القلوب قد زال.

    وكذلك يُفِيق المُجربون من نوم عميق، ويخلص المجربون من أحلام لذيذة، ويستيقن المجربون أنَّ
    ما أَنْفَقُوا مِنَ الجَهْدِ قد ذهب في غير طائل، وأن ما سينفقون من الجهد سيذهب في غير غناء،
    وأن مصر قد كانت وستظل خالصة للوفد، ورئيس الوفد، وأم المصريين، لا يصرفها عنهم صارف مهما تكن
    قوته، ومهما يطل أمامه الزَّمان، ومهما يمنح من المعونة والتأييد.

    ولكنَّ المجربين على ذلك لا يكفُّون عن تجربتهم ولا يستَحُون من المُضِيِّ فيها؛ لأنَّ
    الاعْتِرَاف بالهَزِيمة أَثْقَل عليهم من الهزيمة؛ ولأنَّ التسليم بالخذلان أسهل عليهم من
    الخذلان، فهم يقاومون ويخاصمون، وهم مُقْتَنِعون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين
    الناس، بأن لا فائدة لهم في المُقاومة، ولا نفع لهم في الخصام، ثم يعوِّدون أنفسهم هذا الجهاد
    الذي لا يفنى، وهذه المقاومة التي لا تُفيد حتى يتعوَّدُوهما، وينظروا إليهما كما ينظر الرجل
    إلى صناعة لا خير فيها ولا نفع منها، إلا أَنَّها تُعِينُ على الحياة، واحتمال العيش، وإنفاق
    الوقت.

    هذا بالضبط مثل ما نحن فيه الآن، تجارب تدفع إليها الوزارات وتدفع إليها مصر، وتخسر فيها
    الوزارات جهودًا كان من المُمكن أن تكون مُثْمِرَة، وتخسر فيها مصر أوقاتًا كانَ من الممكن أنْ
    تكون نافعة، ويظهر للوزارات المُختلفة، كما يظهر لمصر، أنَّ هذه التجارب ليست إلا لغوًا وعبثًا
    وإضَاعَةً لِمَا لَا يَنْبَغِي أنْ يُضَاع. ولكنَّ الإنجليز يمضون في تجاربهم، وماذا يعنيهم أن
    تضيع جهود الوزارات؟ وماذا يعنيهم أن يضيع وقت مصر؟ وهُم إِنَّمَا ينتفعون بما تُضِيع الوزارات
    من جهود، وإنما هم ينتفعون بما يضيع على مصر من أوقات.

    إنما اللوم كل اللوم على هذه الوزارات التي ترى إخفاق التجارب ثم تَمْضِي في مُعَاونة
    الإنجليز عليها، وترى ضياع الجهود ثم تمضي في تحقيق آمال الإنجليز فيه، وترى ضياع الوقت على مصر
    ثم تمضي في إغراء الإنجليز به، لماذا؟ لأنَّها تريد أن تحتفظ بالحكم؛ ولأنَّها تُرِيدُ أَنْ
    تستبقي المناصب في أيديها، وإلا فحدثني ماذا تنتظر الوزارة القائمة من كل هذا الجهد العنيف الذي
    تبذله، ومن كل هذا الوقت العزيز الذي تضيعه، ومن كل هذا الشر العظيم الذي تعرض البلاد له، وهي
    قد رأتْ أَنَّ وزارات أُخْرَى قد فعلتْ أَضْعَاف ما فعلت فلم تَبْلُغ شيئًا ولم تنتهِ إلى شيء،
    ولم تظفر برضا الإنجليز فضلًا عن رضا المصريين؟!

    فيمَ كل هذا الجهد الذي بذلته الوزارة في منع رئيس الوفد من زيارة القليوبية، وفي التشديد حول
    زيارة أم المصريين لأسوان؟ ما الذي تنتظره من هذا؟ وما الذي جناه صدقي باشا من محاولة هذا؟ لا
    شيء، وإنما هي حياة يجب أن تحتمل، وجهود يجب أن تُبْذَل، وأوقات يجب أن تضيع.

    وهذه أنباء أسوان تحمل إلينا ما كان من اصطدام بين الشرطة والشعب، وما كان من اعتقال للعشرات
    من الناس، وما كان من إغلاق للفندق الذي نزلت فيه أم المصريين بالحواجز والسلاسل، وما كان من
    تتبع لسيارة أم المصريين حين تذهب أو تجيء؟ تحمل إلينا أنباء أسوان هذا كله، فماذا تجني منه
    الوزارة؟ وماذا تنتظر أن تجني منه؟ لن يدل أحدًا من المصريين ولا من الإنجليز على قوتها وشدة
    بأسها وقُدْرَتِها على ضبط الأمر وحفظ النظام. فرأي المِصريين ورأي الإنجليز في ذلك معروف، لن
    يمدَّ لها ذلك في الحياة، ولن يحفظ عليها ذلك مناصب الحكم، ولن يعينها ذلك على البقاء؛ فقد فعل
    ذلك غيرها فلم يجنِ منه خيرًا، ولم يفد منه شيئًا، ونزل عن الحكم كما وثب إلى الحكم؛ لا يحبه
    أحد، ولا يعطف عليه أحد.

    ألم يأذن الله لمصر أنْ يَلِي أُمُورها قومٌ لَا يُحِبُّون إِضَاعَة الوقت، ولا إنفاق الجهود
    فيما لا يُفِيدُ، ولا ينظرون إلى الحُكْمِ على أنه غاية تحتمل في سبيله الأثقال والمشقات، وإنما
    ينظرون إليه على أنه وسيلة ترفع بها عن الأمة المشقات والأثقال؟!

  • رعب

    حديث المساء: رعب
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٣ يناير ١٩٣٤

    ولكنه من نوع خاص، هذا الذي يضطرب له قلب الوزارة ويخرج له وزير الداخلية عن طوره، فيرد إلى الشرطة فضلًا من قسوة، ومزيدًا من عنف، يدفعها إلى شر ما كانت فيه منذ حين من التعرض للناس، والاعتداء عليهم، وأخذ أبدانهم بالعصي والسياط، ودفعهم إلى السجون دفعًا، والإقدام حتى على انتهاك ما لا ينبغي أن ينتهك من حرمة الصلة بين الشعب والعرش، والعلاقة بين أهل البلاد ومَلِيكِ البلاد.

    رعب غريب هذا الذي أخذ أعصاب الوزارة منذ يوم الخميس؛ ففقدت ما كانت تريد أن تتكلفه من ضبط النفس وإيثار العافية والاقتصاد في الظلم، وعادت إلى ما كانت عليه الوزارة السابقة، أو عاد وزير الداخلية إلى ما كان عليه حين كان يعمل مع صدقي باشا، ويتلقى منه دروس العنف والقسوة، عاد إلى دقة الإحساس، ورقة الشعور، والانزعاج من رئيس الوفد إذا غدا، والانزعاج من رئيس الوفد إذا راح.

    رعب غريب هذا الذي أَشْعَرَ وزير الداخلية بأن في مصر شيئًا يُخاف غير صدقي باشا، وبأن في مصر قومًا تُنْصَبُ لهم الحرب غير أولئك الضعفاء المترددين من أنصار صدقي باشا، وبأن الرجل الماهر هو الذي يحارب صدقي باشا وأصحابه بألوان الحرب الخفية، حتى إذا فرغ منه ومنهم فأخذ منه أصحابه أخذًا، واضطره هو إلى السكوت والعزلة والاستخذاء؛ حارب الوفد جهرة بهذه الأدوات المعروفة: أدوات الشرطة، وعِصِّيِها وسياطها، وبأسها وشدتها، وبثها في الشوارع، وإرسالها في الطرق، وحشرها حول القرى، ونشرها داخل القرى وتحويل الريف إلى مظهر مخيف لولا أنه مضحك يدعو إلى هز الأكتاف؛ مظهر ميدان من ميادين الحرب وساحة من ساحات القتال.

    نعم، رعب غريب هذا الذي انبث في الوزارة منذ يوم الخميس؛ فأيقظها للحرب بعد نوم وردها إلى النشاط بعد فتور، وأكرهها على تكلف الحياة وما بها حياة، وعلى تصنع القوة وما بها قوة، وعلى التظاهر بالبأس وقد مضى وقت البأس، وجاء وقت الهدوء والاطمئنان والاكتفاء بتصريف الأعمال وإمضاء الأوراق في الدواوين، والاستماع للنواب والشيوخ، والرد على النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله بالراحة الكبرى التي ينالها عظماء الرجال على جسر من التعب، كما يقول أبو تمام، وينالها الرجال الطيبون وأعوان الرجال الطيبين في غير كد ولا جهد، وفي غير مشقة ولا عناء. أفيكون مصدر هذا الرعب الغريب أن المندوب السامي الجديد قد وصل إلى مصر، واستقر في العاصمة أيامًا يظهر الاشتغال بالأوضاع الاجتماعية، وضروب المجاملة، والصيد وزيارة الآثار، ويضمر البحث والدرس والتفكير والتقدير، ويهيئ لنفسه حكمًا عاجلًا يصطحبه حين يعبر البحر إلى بلاده؟! أفيكون مصدر هذا الرعب إقامة المندوب السامي في القاهرة، وحرص الوزارة على أن تظهر أن لها من القوة ما يعجبه، وأن عندها من البأس ما يُرضيه، وأنها خليقة أن تحارب الوفد كما حاربه صدقي باشا، وأن تهدر الحريات كما أهدرها صدقي باشا، وأن تقاوم نشاط الشعب كما قاومه صدقي باشا، وأن تظهر للمستعمرين أنها لا تحب — كما أظهر صدقي باشا للمستعمرين أنه لا يحب — أن يستمتع المصريون بحياة حرة يأتون فيها ما يأتي الرجال الأحرار؟!

    أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة سليمة النية طيبة القلب ساذجة الضمير، تظن أن المندوب السامي الجديد لا يعرف من أمرها ومن أمر مصر شيئًا، فهي تريد أن تبين له أنها كل شيء، وأن غيرها ليس شيئًا، وأنها قابضة حقًّا على أزمَّة الأمر، مسيطرة حقًّا على القلوب والنفوس، وأن رئيس الوفد وأصحابه والذين يحفلون بهم ويلتفون حولهم ليسوا إلا قلة قليلة لا ينبغي أن يُحْسَبَ لها حساب؟! أفيكون مصدر هذا الرعب أن الوزارة جزعت حين جاءها النبأ أن المندوب السامي قد رأى جماعة ضخمة من أهل القاهرة تحفل برئيس الوفد مساء الخميس؛ فأشفقت من هذا وأرادت أن تتقي أمثاله، فأنفقت ما أنفقت من قوة مساء الخميس وصباح الجمعة وطول نهار الجمعة، ثم شطرًا من ليله أيضًا تريد أن تطفئ نار الشعب بأفواهها، ونار الشعب لا تُطْفَأ بالأفواه، ولا يقدر على إطفائها الرجل الطيب وزملاؤه الطيبون؟! كل هذا ممكن، ولكن هذا كله إن دل على شيء؛ فإنما يدل على أن الوزارة طيبة ساذجة، سليمة النية بريئة القلب، مسرفة في حسن الظن بالأيام وبالإنجليز، مسرفة في الشك في نفسها والريب في قدرتها على أن تثبت دون أن يكون لها سند من رضاء الإنجليز.

    كان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس والقبض عليهم مساء الخميس، وكان كثيرًا نشاط الشرطة في مطاردة الناس وأخذ الطرق عليهم حين أَدَّى رئيس الوفد صلاته أمس، وكان مسرفًا نشاط الشرطة في التضييق على الناس وأخذهم بألوان العذاب ومحاصرة القرى حين زار رئيس الوفد وأصحابه بعض الوفديين أمس.

    كان هذا كله كثيرًا وكان مسرفًا، وكان أكثر وأشد إسرافًا مما تستطيع هذه الوزارة أن تحتمل مع ما يملكها من الضعف، وما يشغلها من الشئون. وكان على هذا كله عبثًا لا يُغني شيئًا ولا يفيد في شيء. فقد حاول من هو أقوى منها أن يصرف الناس عن الوفد؛ فلم يُفلح ولزم داره آخر الأمر مخذولًا مدحورًا. وحاول من هو أمهر منها وأبرع أن يقنع الإنجليز بأن الناس منصرفون عن الوفد، يلوذون به هو، ويكبرونه هو، ويؤمنون له هو؛ فلم يُفلح، لم يصدقه الإنجليز، ولم يصدقه الناس، ولم يكن هو يصدق نفسه. ثم أبت الأيام إلا أن تظهر له وللإنجليز وللناس أنه لم يكن يظفر بحب أحد، ولا بثقة أحد ولا بإيمان أحد، وإنما كان وحيدًا يؤيده السلطان، فلما تخلى عنه السلطان أصبح وحيدًا لا يؤيده شيء، ولا يحفل به إنسان — نستغفر الله — بل لا يذكره إنسان. كان مسرفًا وكان عبثًا ما أتته الوزارة منذ يوم الخميس. أليست توافقنا الوزارة على أن الرجل الذي يستمتع ببقية من فهم وفضل من فطنة، خليق أن يتجنب الإسراف، ويعرض عن العبث الذي لا خير فيه؟ وكان أكثر من هذا كله، وأشد إسرافًا من هذا كله، وأمعن في العبث من هذا كله، وأبلغ في ازدراء القانون من هذا كله، هذا الذي أتته الشرطة أمس حين ردت عن قصر جلالة الملك قاصدًا إلى قصر جلالة الملك، وحين أخذت من أحد أبناء الشعب عرائض كان بعض الشعب يريد أن يرفعها إلى جلالة الملك؛ فقصر جلالة الملك ملاذ للمصريين جميعًا. وحق الشعب في أن يلوذ به ويشكو إليه ويفزع إليه في رفع الظلم وكشف الضر، ثابت مقدس لا يعرض له إلا من يخالف القانون. وما رأي الوزارة في أنها لم تؤلف لترد اللائذين بالقصر عن القصر، وتمنع الشاكين إلى جلالة الملك من أن يشكو إلى جلالة الملك؟ وكيف تفسر هذا، وكيف تؤوله، وكيف تلائم بينه وبين القانون؟! أفتريد أن تلجأ إلى وزير المالية؛ ليفسر لها هذا كله بنحو من فقهه الدستوري البديع، فيزعم لها وللناس كما زعم للنواب أن الوزارة هي الملك، وأن من أراد أن يشكو إلى الملك فليشكُ إلى الوزارة؟ فإذا أراد الناس أن يشكوا إلى الملك من الوزارة؛ أفيشكون إلى الوزارة من نفسها؟! فإذا أراد الناس أن يطلبوا إلى الملك أن يقيل الوزارة؛ أفيطلبون إلى الوزارة أن تقيل نفسها؟! أم هل ترى الوزارة أنها أرفع من أن تُشْكَى، وأعز من أن تطلب إقالتها؟! أفترى الوزارة أنها تؤدي ما يجب عليها للقصر وللشعب حين ترد الشعب عن أن يلوذ بالقصر ويفزع إليه؟! لتصدقنا الوزارة: إن هذه الأعمال التي تمعن فيها لا تنفعها، ولا تغني عنها شيئًا، وإنما تنفع خصومها وتغني عنهم أحسن الغناء. فلو أنها أقسمت للإنجليز في كل يوم ألف يمين ويمين أن الناس معها لما صدقها الإنجليز، ولو أنها أنفقت ما في الأرض جميعًا من قوة لترد أبناء مصر عن أن يفزعوا إلى ملك مصر؛ لما بلغت من ذلك شيئًا. إنما حظها وطاقتها أن تصرف الأمور وتمضي الأوراق في الدواوين وتسمع كلام النواب والشيوخ، وترد على كلام النواب والشيوخ؛ حتى يأذن الله لها بالراحة الكبرى التي يَمُنُّ بها على المريض حين يستيئس من الشفاء.