Tag: Colonial Policy

  • في السودان

    في السودان

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٨ أبريل ١٩٤٦

    من حق المفاوضين المصريين والإنجليز الذين سيبدءون مفاوضتهم بعد أيام، والذين سيُمهِّدون لها منذ اليوم حين يلتقون على مائدة العشاء في السفارة البريطانية، من حق هؤلاء المفاوضين أن يبتهجوا كل الابتهاج؛ لأن الحاكم العام للسودان قد حطَّ عنهم عبئًا ثقيلًا، وأراحهم من مشكلة خطيرة، وضمن لهم أن مفاوضاتهم ستكون يسيرة قصيرة، لا تحتاج إلى أخذٍ وردٍّ، ولا إلى جدالٍ ومراءٍ؛ فقد حلَّ حاكم السودان مشكلة السودان قبل أن تبدأ المفاوضات، وكفى الله المصريين والإنجليز عناء البحث والدرس، ومشقة التنقيب والتمحيص.

    وقد قرأ المصريون والسودانيون خطبة الحاكم العام في المجلس الاستشاري، وقرأها الإنجليز كذلك، وعرفوا جميعًا أن الحاكم العام قد قرر أن أمر السودان لن يُقطع فيه برأي حتى يُستفتَى إخواننا السودانيون بالطرق الدستورية. وقرر كذلك أن عشرين سنة على الأكثر لن تمضي حتى يكون السودان دولة مستقلة يختار مصيره الذي يريده، وينهض بتدبير شئونه كلها، مستعينًا على ذلك ببعض الخبراء من غير السودانيين. ومعنى ذلك أن السودان لن يكون موضوعًا لمفاوضات مجدية في هذه المرة، إلَّا إذا كان الغرض من هذه المفاوضات إقناع الهيئة المصرية بهذا الرأي البريطاني الذي يحتم الاستفتاء من جهة، ويحدد أجلًا للاستقلال السوداني التام من جهة أخرى.

    ويجب أن ننصف الحاكم العام للسودان، فهو لا يقول هذا الكلام الذي قاله من عند نفسه، وأنه يعتمد من جهة على تصريحات المستر بيفن، وزير الخارجية البريطانية، ويعتمد من جهة أخرى على المذكرة المصرية التي أرسلها النقراشي باشا، إلى الحكومة البريطانية، وسجَّل فيها رأي الحكومة المصرية في أن تستوحي أماني السودانيين في تقرير مصير السودان.

    فالحاكم العام يعبر إذن عن رأي الحكومتين اللتين يمثلهما في منصبه، ولكن المهم هو أن نعلم إلى أي حد يعبر رأي الحكومتين عن ميول المصريين والسودانيين، وعما يؤمنون به فيما بينهم وبين أنفسهم. وقد أنكر المصريون جميعًا على حكومة النقراشي باشا ضعف مذكرتها جملةً وتفصيلًا، وعابوا عليها طريقة عرضها لمسألة السودان في مذكرتها، وطلب الوفد المصري حسب هذه المذكرة التي اعتبرتها كارثة وطنية كبرى.

    وليس من شك في أن المصريين قد أقروا وفدهم على ما طلب، ولكن النقراشي باشا لم يحفل بمعارضة الأمة المصرية، ولا باحتجاج الوفد الرسمي؛ لأنه كان يعتقد أن العناية الإلهية قد ألقت عليه أعباء الحكم، ووكلت إليه مصر والسودان، فكانت مذكرته إذن وحيًا من هذه العناية الإلهية لا يصح أن تنقد، ولا ينبغي أن تكون موضوعًا للاعتراض، ومن ذا الذي يستطيع أن يعترض على ما تلقيه العناية الإلهية في روع بطلها المختار حضرة صاحب الدولة، محمود فهمي النقراشي باشا.

    مهما يكن من شيء، فقد سجل النقراشي باشا على حكومته هذه النظرية السخيفة، نظرية الاستفتاء، وهو لم يسجلها عفوًا، وإنما مهَّد لها تمهيدًا متصلًا طويلًا؛ فقد أرسل رسولًا إلى لندن كما كان الرئيس روزفلت يرسل رسلًا إلى عواصم الدول الكبرى، وأذاع رسوله ذاك في لندن أحاديث لم ينسها الناس بعدُ، ولم ينسوا ما أثارت من سخط، وكان مما أذاع في هذه الأحاديث الدعوة إلى هذه البدعة السخيفة؛ بدعة الاستفتاء.

    ومع أن المصريين — على اختلافهم — قد نبهوا إلى خطر هذه البدعة وحذروا الحكومة من شرها؛ فإن النقراشي باشا لم يُرِد أن يتنبه ولا أن يحذر، وإنما أصرَّ على هذه البدعة إصرارًا؛ لأنها كما قلت قد كانت وحيًا ألقته العناية الإلهية في قلبه الكبير.

    وليس الغريب أن النقراشي باشا قد سجَّل هذه البدعة في مذكرته، وإنما الغريب أن الإنجليز حين ردُّوا على مذكرة النقراشي باشا لم يحفلوا بتسجيله لهذه البدعة، ولم يريدوا أن يعيدوا تسجيلها في مذكرتهم، وإنما أخذوا علمًا — كما يقولون — بأن الحكومة المصرية تريد أن تتحدث في أمر السودان. ومعنى هذا أن النقراشي باشا قد أرضى الإنجليز قبل المفاوضات وأعطاهم من أمر السودان ما كانوا يريدون أن يأخذوا، وما كانوا يقدرون أنهم لن يأخذوا إذا حزم المصريون أمرهم، ووكلوا أمور سياستهم مع الإنجليز إلى الذين يحسنون الثبات للإنجليز، ويعرفون كيف يستخلصون منهم الحقوق. أعطاهم النقراشي باشا ما أرادوا أن يأخذوا من أمر السودان، فمهَّد لقصة الاستفتاء، ثم سجَّل هذه القصة في مذكرته، وأخذ الإنجليز علمًا بهذا التسجيل، وبلغوا ذلك للنقراشي باشا، فقبله واطمأن إليه.

    وكان المعقول بعد أن استقالت وزارة النقراشي باشا ونهض صدقي باشا — شفاه الله — بأعباء الحكم أن تسترد الحكومة الجديدة مذكرة الحكومة السابقة، وأن تغير أساس المفاوضات، ولا سيما وقد كان صدقي باشا منكرًا لهذه المذكرة، ومنكرًا للرد عليها. صرَّح بذلك في أحاديثه، وسجَّل ذلك في مقالاته التي نشرتها الصحف، ولكنه لم يسترد المذكرة ولم يُغيِّر أساس المفاوضات، وصرَّح كما صرَّح النقراشي باشا من قبله بأنه سيدخل المفاوضات حرًّا من كل قيد.

    وقد حذَّره المُحذِّرون من أن هذه التصريحات لا تغني شيئًا مع الإنجليز ما دامت هناك مذكرات مكتوبة تقيد حرية المفاوضات، ولكنه لم يحفل بذلك ولم يلتفت إليه. ولما طلب إلى الوفد المصري أن يشارك في المفاوضات أبى الوفد المصري هذه المشاركة إلَّا إذا كتبت الحكومة المصرية إلى بريطانيا العظمى مذكرة تحرر نفسها فيها من مذكرة النقراشي باشا والرد عليها. فلم يقبل صدقي باشا هذا الطلب، ولم يرد أن يناقشه، وإنما اكتفى بما صرح به هو، وبما صرح به النقراشي باشا من قبله للمصريين بأن المفاوضات ستكون حرة من كل قيد.

    وقد أُلِّف الوفد الرسمي للمفاوضات، وصرَّح بعد ذلك وزير الخارجية البريطانية برأيه في السودان، وهو يطابق رأي الحاكم العام، فثارت الصحف وأنكرت واحتجت، ولكن صدقي باشا لم يقل شيئًا، لم يثر، ولم ينكر، ولم يحتج، وإنما آثر الصمت وأغرق فيه. وقد سأل الصحفيون أستاذنا وزير الخارجية عن رأيه في هذا التصريح فأجاب بأنه يدرسه، ولم تعرف نتيجة درسه إلى الآن.

    وقد قرأ المصريون أن السفير البريطاني قد سافر إلى وادي حلفا، ولقي هناك الحاكم العام للسودان، ثم عاد إلى القاهرة. وها نحن أولاء نقرأ اليوم خطبة الحاكم العام التي ألقاها في المجلس الاستشاري، ورأيه في مصير السودان، وأكبر الظن أنه قد أظهر السفير البريطاني على هذا الرأي قبل أن يذيعه، وأكبر الظن أن السفير البريطاني قد أذن له في إذاعته، والسفير البريطاني لا يمثل حكومته في مصر فحسب، ولكنه عضو في الوفد البريطاني للمفاوضات.

    وما أظنني في حاجة إلى أن أتعمق هذا الموضوع، وإنما يكفي أن أقول: إني كنت أودُّ كما كان المصريون جميعًا يودُّون لو لم يلق الحاكم العام خطبته هذه بعد مقابلة السفير.

    على أن هناك سؤالًا يجب أن يلقيه المصريون على صدقي باشا أولًا، وعلى أنفسهم ثانيًا، فهل استشار الحاكم العام رئيس وزارتنا المصرية في خطبته هذه قبل إلقائها، فالحاكم العام لا يمثل البريطانيين وحدهم، وإنما يمثل المصريين أيضًا، وهو موظف مصري يعين بمرسوم ملكي مصري، ويجب أن يصدر في أعماله كلها عن إرادة الحكومتين ورأيهما، لا عن إرادة حكومة واحدة أو رأيها. فإحدى اثنتين: إمَّا أن يكون الحاكم العام قد صدر عن رأي الحكومة المصرية حين قال ما قال، وإذن فقد عرف رأي الحكومة المصرية في مسألة السودان، وهو مخالف كل المخالفة لوحدة وادي النيل التي أجمع عليها المصريون والسودانيون، وأنا واثق بأن الحكومة المصرية لم تعلن رأيها بعدُ، ولم تخرج على إجماع المصريين. وإذن فهي الثانية، وهي أن الحاكم العام لم يستشر الحكومة المصرية ولم يصدر عن رأيها، وإنما استشار الحكومة البريطانية، واعتمد على مذكرة النقراشي باشا بعد أن فهمها كما أراد أن يفهمها، وبعد أن فسرها التفسير الذي يلائم هواه.

    وإذن فما جزاء الموظف الكبير الذي يخالف عن أمر الذين وظفوه، ويخلق لهم المصاعب، ويثير أمامهم المشكلات، جزاؤه بسيط جدًّا: هو أن يستقيل أو يُقال. ولكن الحاكم العام للسودان لن يستقيل ولن يُقال؛ لأنه لا يمثل صدقي باشا وحده، وإنما يمثل المستر بيفن أيضًا. والمستر بيفن وزير الخارجية البريطانية، ولبريطانيا العظمى جيوش ضخمة في مصر والسودان ما تزال ترابط في القاهرة والإسكندرية والخرطوم وغيرها من المدن.

    فصدقي باشا ضعيف بالقياس إلى المستر بيفن، وهو من أجل ذلك لا يستطيع أن يقيل الحاكم العام، ولا أن يحمله على الاستقالة. والغريب مع ذلك أننا سنبدأ مفاوضات حرة من كل قيد تقوم على أساس المساواة بين الندَّين.

    ألا يرى المصريون أن في هذا كله فكاهة مرة تملأ القلوب حزنًا وألمًا، وترسم على الثغور ابتسامًا خير منه العبوس؟!

    ألا يرى المصريون أن حكومات القلة أضعف وأعجز من أن تغني عنهم شيئًا؟! حكومة النقراشي باشا تبتدع نظرية الاستفتاء، وحكومة صدقي باشا لا تستطيع أن تلغي هذه النظرية السخيفة، والشعب المصري يقول ويقول ويلح في القول كل الإلحاح، فلا يسمع له صدقي باشا كما لم يسمع له النقراشي. ثم يأتي الحاكم العام للسودان فيعلن أن مصير السودان لن يتقرر إلَّا بعد الاستفتاء من جهة، وأن استقلال السودان التام سيتحقق بعد عشرين سنة.

    كما يحب المصريون أن يعرفوا موقع هذا التصريح في نفس رئيس وزرائنا، وفي نفوس أعضاء الوفد الرسمي للمفاوضات. أمَّا موقعه في نفوس المصريين فما نظنه يحتاج إلى بيان، ولكن من ذا الذي يحفل بالمصريين؟ إن عليهم أن يسمعوا ويطيعوا، وإن عليهم ألَّا يخلقوا المصاعب ولا يثيروا المشكلات أمام صدقي باشا حتى لا تتعرض المفاوضات للإخفاق.

    ليت صدقي باشا يقول مثل هذا الكلام للبريطانيين، فإن المفاوضات تجري بين طرفين، فليس من العدل أن يفرض على أحد هذين الطرفين ما لا يفرض على الطرف الآخر، ليت صدقي باشا يطالب الإنجليز في إباء يصور الكرامة المصرية بأن يشاركوه لوم الحاكم العام، وفي إقالته إذا أبى أن يستقيل.

  • وزارة الإصلاح

    وزارة الإصلاح

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٩ أغسطس ١٩٤٥

    لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة، حيث أثنت على رئيس الوزراء في مقالها الذي نقل إلينا اليوم؛ لأنه كان حكيمًا حين حرص على ألا يتحول عن المهمة الخطيرة التي ينهض بها، وهي مهمة الإصلاح الداخلي، وعلى ألا يجاري الوفديين فيما يدعون إليه من جعل المطالب المصرية بشأن المعاهدة من المسائل المستعجلة أشدَّ الاستعجال.

    لست أدري أكانت جريدة التيمس جادة أم هازلة في هذا الثناء، ولكن الذي أقطع به هو أن جِدَّها وهزلها ليس من شأنهما أن يسرَّا رئيس الوزراء، أو أن يسرَّا من يحبُّه ويقدِّره ويتمنى له التوفيق. فليس مما يرضي ولا مما يسر أن تثني الجريدة الحالية المحافظة الكبرى في بريطانيا العظمى على رئيس وزارة مصرية بأنه معتدل حكيم حين تكون المطالب الوطنية هي موضوع هذه الحكمة وذلك الاعتدال.

    وقد كنت أتمنى لرئيس الوزراء أن يقف الموقف الذي يحمل جريدة المال والمحافظة الكبرى على أن تصفه بالتطرف والغلو. فالحكمة والاعتدال عند التيمس معناهما توخي الآراء التي توافق ميول الغلاة من المحافظين وأصحاب رءوس الأموال وممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى. وهذه الميول ليست هي التي يحسُّها الشعب المصري أو يطمئنُّ إليها، أو يرى فيها تحقيقًا لمطالبه وظفرًا بما يجب أن يظفر به من الاستقلال الكامل الذي يخلص من كل شائبة، ويكفُّ يد الأجنبي عن التدخل في أي شأن من شئون وادي النيل.

    ميول المحافظين والغلاة من أصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى الذين تثني جريدة التيمس باسمهم ولسانهم على رئيس الوزراء — لأنه وقف من المطالب المصرية موقف الحكمة والاعتدال — معاكسة بالضبط لميول الشعب المصري. فهؤلاء الغلاة من ممثلي المصالح الإمبراطورية الكبرى يكرهون أن يزحزحوا قيد أنملة عن موقفهم في العالم، ويأبون أن تنزل بريطانيا العظمى عن أيسر ما تملك من النفوذ في أي قطر من أقطار الأرض. ولا يقبلون تسامحًا ولا تحولًا عن موقفهم هذا، إلا أن تضطرهم إليه الظروف اضطرارًا، وتكرههم الحوادث على أن يتراجعوا قليلًا.

    وهم إن فعلوا كارهين حراص على ألا يتأخروا إلا أقل تأخر ممكن، وحراص على ألا يتأخروا إلا وهم يتربصون الدوائر وينتهزون الفرص؛ ليثبوا وثبة قوية أو ضعيفة ترد عليهم ما فقدوا كله أو بعضه أو أكثر منه. فإذا رضي هؤلاء الغلاة عن موقف رئيس الحكومة المصرية من مطالب مصر وأثنوا عليه، ووصفته صحيفتهم الكبرى بالحكمة والاعتدال، فمعنى ذلك من غير تردد أن موقفه يلائم ما يضطرب في نفوسهم من الميل، وما يملأ قلوبهم من الأهواء. وهؤلاء الغلاة من المحافظين وأصحاب المصالح الإمبراطورية الكبرى، مهرة كل المهارة بارعون كل البراعة، يثنون في قصد ويحمدون في تحفظ ويشجِّعون في احتياط.

    فالتيمس تُثْنِي على رئيس الوزراء في هذه الجملة القصيرة المحكمة التي تصوِّر كلَّ ما أرادت أن تقول، فتصفه بالحكمة لأنه لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي، وأن يجاري الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال. ثم تمضي بعد ذلك في ألوان من الكلام تلاطف بها رئيس الوزراء حينًا، وتلاطف بها الشعب المصري حينًا آخر. فالرغبة التي أظهرها رئيس الوزراء في تحقيق الاستقلال تصوِّر رغبة المصريين جميعًا. ومصر قد أخلصت أشدَّ الإخلاص وأكمله في تنفيذ المعاهدة، وأعانت حليفتها إلى أبعد حدود المعونة، وهي تستطيع أن تفخر بذلك. كذلك تقول التيمس، وهي صادقة كلَّ الصدق فيما تقول؛ فالمصريون جميعًا يعلمون أن رئيس الوزراء واحد منهم يحبُّ الاستقلال كما يحبونه، ويطمح إليه كما يطمحون إليه. ولكن التيمس نفسها قسمت المصريين قسمين: أحدهما معتدل حكيم لا يتعجَّل الاستقلال ولا يخطف الخطا في السعي إليه، ولا يتحول عليه عن الإصلاح الداخلي، ورئيس الوزراء على رأس هذا القسم، فهو خليق بالثناء والتقدير.

    ومن ذا الذي لا يثني على المعتدلين الحكماء الذين لا يشقون على الإمبراطورية البريطانية، ولا يتعجلون جلاء جنودها عن مصر والسودان، ولا يلحون عليها في أن تكفَّ يدها عن التدخل في شئون المصريين؟!

    أمَّا القسم الآخر فمتعجل متوثب لا ينام ولا يُنِيم، لا يستريح ولا يُريح، ينتهز كلَّ فرصة ليطالب بالحق. والغريب أنه يجرأ في هذه الأيام — التي تنظم فيها شئون العالم وتقرر فيها مصائر الأمم — على أن يطلب إلى البريطانيين تحقيق ما وعدوا به ألفَ مرة ومرة؛ من الجلاء، وتنظيم المسائل المعلقة بين مصر وبريطانيا العظمى، وإقامتها على أساس من الاستقلال الكامل الصحيح. وهذا القسم هو الكثرة الساحقة للشعب المصري التي تجري مع الوفد إلى غير غاية، وتسايره في غير طريق، تتعجل تحقيق الاستقلال، وتتعجل الجلاء، وتتعجل أشياء كثيرة منها المعقول ومنها غير المعقول؛ ذلك لأنها كثرة وفدية متعجلة متسرعة لا تعرف الحكمة والاعتدال، ولا تحب ما يحب رئيس الوزراء من التمهل والأناة، وانتظار ما قد تأتي به الأيام بعد وقت يقصر أو يطول من فرصة تسنح للمفاوضات حين يرضى عنها الإنجليز، أو حين يطلبها غلاة المحافظين.

    ومن خصائص هذه الكثرة الوفدية الجامحة أنها لا تنصرف عن هذا الاستقلال الذي تلحُّ فيه إلى شيء حتى إلى الإصلاح الداخلي؛ فهي دائمًا تطالب بالاستقلال لا يشغلها عنه شاغل، ولا يحولها عنه محول، حتى ولا الغذاء والكساء. فكيف لا يعاف هؤلاء الوفديون الذين لا يريدون حكمة ولا اعتدالًا، ولا يحبون مهلًا ولا أناة، وإنما يطالبون بالاستقلال مصبحين وممسين؟ وكيف لا يفضل عليهم رئيس الوزراء وأصحابه هؤلاء الذين لا يحسنون الصبر والانتظار ويحبون الاستقلال، ولكنهم لا يكرهون أن ينتظروه انتظارًا طويلًا مهما يكن هيامهم به وشوقهم إليه؛ لأنهم يفضِّلون الإصلاح الداخلي، ويرون الحاجة إليه أشدَّ من تعجل الاستقلال.

    أترى أني لم أكن مخطئًا حين تساءلت في أول هذا الحديث: أكانت التيمس جادة أم هازلة في ثنائها على رئيس الوزراء؟

    وليس من شك عندي في أنها جمعت بين الهزل والجد؛ فهي جادة حين ترضى عن أناة رئيس الوزراء وتمهُّله، وهي هازلة حين تذكر الإصلاح الداخلي الذي يؤثره رئيس الوزراء، وينفق فيه جهده كله ووقته كله، حتى يُشْغَلَ به عن استكمال الاستقلال.

    يجب أن تكون التيمس هازلة أو غافلة، وأكبر الظن أنها بعيدة عن الغفلة كلَّ البعد؛ فإن لها في مصر مكاتبين ينبئونها بما يحدث وما لا يحدث من الإصلاح، وأكبر الظن أنها تعلم أن الدورة البرلمانية قد انتهت أول أمس بعد أن اتصلت سبعة أشهر اجتمع فيها مجلس النواب نيفًا وثلاثين مرة أو ستين مرة؛ ففي المسألة قولان، ولها تأويل وتعليل، وأقرَّ فيها البرلمان أمورًا خطيرة جدًّا تصلح الحياة المصرية إصلاحًا كاملًا، وتغير شئون مصر في كل ما يتصل بالاجتماع والاقتصاد والتعليم تغييرًا كاملًا، وتنقل مصر فجأة من الانحطاط الخطير الذي دفعها إليه الوفديون إلى رقيٍّ خطير لا يصل إليه الحكماء المعتدلون. وليس أدلَّ على ذلك من أن سكان مصر ينظرون فلا يرون شيئًا، ويسألون حكومة الإصلاح عن الإصلاح فلا يجدون عندها جوابًا؛ لأنها مشغولة بتحقيق المطالب المصرية. قد أعلنت الحرب، وجمعت الهيئة السياسية العليا، وأرسلت الوفد إلى سان فرانسيسكو، وترجمت ميثاق الأمم المتحدة إلى اللغة العربية والفرنسية، وأذاعته بهاتين اللغتين حتى اعتمدت بعض الشركات التلغرافية على ترجمتنا. وهي بهذا كله قد رفعت صوت مصر عاليًا، وكادت تنطح برأس مصر السحاب، ثم هي قد أنشأت الجامعة العربية، وردت بروتوكول الإسكندرية من التطرف والتعجل إلى الحكمة والاعتدال. فكيف تفرغ للإصلاح الداخلي، والله لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه.

    وكذلك تشغل الحكومة بالإصلاح الداخلي عن الاستقلال؛ فتستأني في المطالبة به، وتنتظر أن يرسله الله إليها في يوم من الأيام، وتشغل بالاستقلال ومظاهر السيادة الخارجية عن الإصلاح الداخلي، فلا تُشرِّع قانونًا ذا خطر، ولا ترقِّي اقتصادًا ولا اجتماعًا، ولا تحمي جائعًا من جوع، ولا تجد ثوبًا لعريان، ولا تردُّ جهلًا عن جاهل، ولا مرضًا عن مريض. هي مشغولة فارغة وفارغة مشغولة، وهي كما تحب لها أن تكون؛ تذهب إلى الدواوين وتعود إلى الدور، وتتردد بين مجلسي البرلمان، وتتردد بين القاهرة والإسكندرية، وتصمت فيقال حكومة الصمت والعمل، وتتكلم فيقال حكومة العقل الراجح والرأي الناضج والقول السديد.

    وماذا يريد المصريون أكثر من هذا حكومة تصفها التيمس بالحكمة والاعتدال؟! والتيمس جريدة كبرى واسعة الانتشار، إذا أثنت على حكومة مصرية نشرت الدعوة لمصر كلها، ورفعت صوت مصر عاليًا بين الأمم، وجعلت لمصر مكانًا ممتازًا تحت الشمس. ماذا يريد المصريون أكثر من هذا؟!

    يريدون أن يستقلوا فسيستقلون يومًا ما، ليس في ذلك شك، يريدون أن يجدوا الغذاء والكساء، فليتعلموا الصبر والاحتمال والقناعة والرضا بالقليل. فكل هذه خصال يمتاز بها الشعب الكريم، وكل هذه مشقات يمكن احتمالها في سبيل إقصاء الوفديين المتعجِّلين المتسرِّعين عن مجالس الحكم وعن كراسي البرلمان، ولا بد من أن تتأدب مصر وتتعلم الحكمة والقصد والاعتدال، وترك التسرع والتعجل، وترك الإسراف في المطالبة بالاستقلال قبل أن يحين الحين ويأتي الأوان.

    أليس غريبًا أن يقال إن رئيس وزرائنا مشغول بالإصلاح الداخلي، وهو من أجل ذلك لم يجارِ الوفديين في تعجل المطالبة بالاستقلال؟! أكانت التيمس تهزل أم تجد حين كتبت هذا الكلام؟! إن التيمس لتعلم حقَّ العلم أن الوزارة القائمة إذا أرادت أن تحقق من الإصلاح الداخلي ما حققته الوزارة الوفدية الأخيرة، فقد تحتاج إلى أعوام وأعوام وإلى جهود وجهود دون أن تبلغ ذلك أو بعضه.

    لقد كاد الحَوْلُ يَحُول على نهوض الوزارة القائمة بشئون الحكم، والمصريون ينظرون فيرون أن أمورهم قد تقدمت إلى وراء لا إلى أمام، وارتقت إلى أسفل لا إلى أعلى، وأصبح كل مصري يسأل نفسه: أيمكن أن تمضي الأمور على هذا النحو وقتًا طويلًا؟! لا نكاد نستثني من هؤلاء المصريين إلا هذه القلة الضئيلة الحاكمة، وهذه القلة نفسها غير راضية ولا مطمئنة. ثم يقال بعد ذلك إن رئيس وزرائنا لم يرد أن يتحول عن الإصلاح الداخلي إلى تعجل الاستقلال.

    وبعد؛ فهل يرضى رئيس الوزراء عن هذا الوضع الذي وضعته فيه التيمس؟ بل هل يرضى رئيس الوزراء وأنصاره في البرلمان عن هذا الوضع الذي وَضَعُوا فيه أنفسهم، حتى وصفوا بالحكمة والاعتدال؛ لأنهم مشغولون بإصلاح لم يحدثوا منه قليلًا ولا كثيرًا؟!

    متى يستطيع الناس أن يصارحوا أنفسهم؟ ومتى يستطيع أصدقاء رئيس الوزراء وخاصته وأصحاب ثقته أن يحذِّروه من هذا الموقف الذي اضطر إليه، والذي يوشك أن يضطر إليه مصر أيضًا؛ موقف القناعة والرضا بالقليل والاطمئنان إلى ما لا ينبغي للشعب الحر أن يطمئن إليه، موقف الشعب الذي يمكن أن يقال له — وأتمنى مخلصًا ألا يقال له — ذلك البيت العربي القديم:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    والشيء المؤلم حقًّا هو أن كثرة الشعب المصري لم تبلغ حتى أن تكون طاعمة كاسية.