Tag: Confidence

  • ثقة

    ثقة
    لكل ظاهرة من ظواهر الحياة الاجتماعية أصولها المعروفة، وعاداتها الموروثة، وقواعدها التي يلزمها الناس ولا يحيدون عنها إلا أن تضطرهم إلى ذلك ضرورة ملجئة. فإذا أقام حزب الاتحاد حفلًا لوداع وزير التقاليد وكان من الأصول أن تثور حفيظة حزب الشعب فيقيم حفلًا لوداع وزير من وزرائه كوزير الزراعة مثلًا، وكان من الأصول أن يكون الحفل الشعبي أضخم وأفخم من الحفل الاتحادي. وإذا أشرف رجل من رجال المال على الإفلاس وما يستتبعه الإفلاس كان من الأصول أن يخيل إلى الناس أنه لم يكن في يوم من الأيام غنيًا مثريًا موفور الحظ من الغنى والثروة كما هو في هذه الأيام. وما أسرع ما يقيم الحفل ويدعو إليه ويسرف في تجميله وتزيينه، ويغلو في إكرام المدعوين والترفيه عليهم وإمتاعهم بفنون من لذات الحياة، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة قرأ الناس في الصحف أن صاحب الحفل قد فتح لنفسه طريقًا يمضي فيها الناس فلا يرجعون أو عجز عن أن يفتح لنفسه هذه الطريق ففتحت له الحكومة طريقًا أخرى إلى دار من تلك الدور التي تضيف المفلسين. وإذا أحست وزارة من الوزارات من نفسها ضعفًا، أو فتورًا، وشعرت بأن كرسيها يهتز فلا تكاد تثبت، وأن الأرض من تحت أقدامها تضطرب، حتى لكأنها تريد أن تزول، وأن نفوسًا قد انصرفت عنها ونفرت منها، وانحرفت عن طريق إلى طريق أخرى، وأن ألسنة قد انطلقت فيها بغير ما كانت تؤثرها به من الثناء والإطراء، ومن التشجيع والإغراء.
    إذا أحست وزارة هذا، أو شيئًا يشبه هذا من قريب أو بعيدٍ أظهرت القوة والبأس، وأعلنت الفتوة والبطش، وتحدثت فأسرفت في الحديث بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي في هذه الأيام التي يطيف بها الضعف فيها من كل مكان، ويسعى إليها الفتور فيها من كل نحو، ويأخذها الإفلاس فيها من كل طريق، حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح كما يقول العامة، نظر الناس فإذا استقالة مرفوعة أو إقالة موضوعة،
    وإذا وزارة تذهب وأخرى تُجْبَى. وأنا مؤمن أشد الإيمان بقوة الوزارة القائمة في مصر، مطمئن أشد الاطمئنان إلى ما تملك من حول وطول، وما تصرف من بأس وبطش، عالم حق العلم أن شيئًا في مصر لا يعجزها، واثق كل الثقة بأنها لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها أمس، وأقوى منها اليوم، وأقوى منها غدًا!!
    ولست في حاجة إلى أن أقيم لنفسي أو لغيري على ذلك دليلًا، فما زال الوزراء يذهبون إلى مكاتبهم ويعودون إلى بيوتهم ويقيم بعضهم في مصر ويرحل بعضهم إلى أوروبا. وما زال الناس يصرفون عن الوفد ورئيس الوفد بقوة الشرطة وبأس الجند. وما زال لدى الوزارة عدد وعدة تسخرهما متى شاءت في تفريق الشعب إن اجتمع وإسكات الشعب إذا نطق، ورد رئيس الوفد وأصحابه إن تحدثت إليهم أنفسهم برحلة لا ترضاها الوزارة ولا تميل إليها. فالدليل قائم – والحمد لله – على قوة الوزارة، والبرهان ناطق – والحمد لله – ببأس الوزارة. وإنا نؤمن بهذا كله إيمانًا لا يشوبه شك ولا يداخله ريب! وكم أحب أن يؤمن الناس جميعًا أو أن تؤمن كثرة الناس أو قلتهم بقوة الوزارة كما أؤمن بها. والناس يتمنون ذلك ويسعون إليه، ولكن للوزارة أصدقاء حظهم من الجهل أشد من حظهم من الحلم، ونصيبهم من الحمق أعظم من نصيبهم من الرشد والتوفيق. يريدون أن يدافعوا عن الوزارة، والوزارة في غير حاجة إلى الدفاع، ولكنهم على ذلك يدافعون عنها فيسيئون إليها، ويطمعون فيها الناس، ويخيلون إليهم أنها في الرمق الأخير. ومن هؤلاء الناس كتاب الوزارة الذين يكتبون لها في صحفها الخاصة وفي الصحف الموالية لها.
    فهؤلاء الناس يقولون على الوزارة ما لا تريد أن يقال عنها. يقولون مثلًا إنها راضية مطمئنة عن ثبات الأمن واستقرار النظام، لأن الأمن ثابت بالفعل والنظام مستقر بالفعل، ولأن هذه الحوادث التي تحدث لا سبيل إلى منعها فضلًا عن اتقائها لأن ذلك ليس في طاقة الحكومات!!
    يقولون هذا، وهم يعلمون حق العلم أن الوزارة لا ترضى هذا، ولا تحب أن يقال عنها، فهي ليست مطمئنة إلى ثبات الأمن، ولا إلى استقرار النظام. ولو قد كانت مطمئنة لما ألغت إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة ولو قد كانت مطمئنة لما ألفت لجنة لتقوية الشرطة في الأقاليم وللمقارنة بين عدد الشرطة وعدد السكان. وهي تعلم حق العلم أن الناس يقتل بعضهم بعضًا ويجرح بعضهم بعضًا، أفرادًا وجماعاتٍ تحت ضوء النهار، وفي ظلمة الليل. وهي تعلم حق العلم أن قد ظهرت في مصر ظاهرة غريبة في
    هذه الأيام وهي تنظيم الغارات والاستعداد للغزو بين القرى، بل بين الأسر في القرية الواحدة. فلم يكد الناس يقرأون أنباء موقعة «الشوبك» حتى ظهرت الصحف وفيها موقعة جديدة في سوهاج. والوزارة أعقل وأشد احترامًا لنفسها من أن تزعم أن الأمن ثابت وهو مضطرب، وأن النظام مستقر وهو يهتز ويترجح حتى يسقط عنه الناس صرعى، فيهم القتيل وفيهم الجريح، ولكن صحف الوزارة تريد أن تدافع عن الوزارة فتهاجمها، لأن الناس يظنون أن هذه الصحف إنما تكتب عن وحي من الوزارة. وهم يبيحون لأنفسهم أن يصفوا الوزارة بالضعف والتقصير إذا ظهر عجزها عن حماية الأمن وحفظ النظام، ولكنهم لا يحبون ولا يرضون أن يصفوا الوزارة بالكذب والمكابرة. والوزارة لا تكذب وإنما صحفها هي التي تكابر وتماري وتغلو في المكابرة والمماراة حتى كأنها تزدري عقول الناس.
    وهذه الصحف تريد أن تدافع عن الوزارة فتسخف، وتقول على الوزارة أشياء لو صحت لما كان بد من أن تستقيل لأن عملها قد تم، ومهمتها قد انتهت. فهذه الصحف تزعم أن الوزارة لا تخاف الوفد ولا تخشاه ولا تحسب له حسابًا، لأن الوفد قد مات! مات وشبع موتًا! مات وأصبح جثة هامدة تطؤها الأقدام ولا تنخفض إليها الأبصار!!
    كذلك تقول صحيفة من صحف الوزارة فتسيء إلى الوزارة من أنحاء كثيرة. تسيء إليها لأنها تكذب عليها، فالوزارة ما زالت تخاف الوفد وتخشاه وتحسب له ألف حساب وحساب، ولولا ذلك لما طوقت دار رئيسه بالجند ولولا ذلك لما عبأت وحشدت كلما هم رئيس الوفد بزيارة أو أداء صلاة.
    وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تجعل وجودها الآن غير نافع ولا مفيد، وتسحق الفوضى. ولعلها تتمنى للوفد طول الحياة ليتم لها طول البقاء، فالتحدث بأن الوفد قد مات مطالبة للوزارة بأن تستقيل. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تتحدث عن خصوم الوزارة في أدب أقل ما يوصف به أنه رفيع جدًّا كهذا الأدب الذي يتحدث به وزير التقاليد ووزير الزراعة عن المعارضين.
    وليس من مصلحة الوزارة في شيء أن يضيف الناس إليها هذا الأدب الرفيع. وهذه الصحف تسيء إلى الوزارة لأنها تضيف إليها من الثقة بنفسها هذا النوع الذي يشبه ثقة المفلس في آخر عهده بالغنى وأول عهده بالإفلاس، وتخيل إلى الناس أن هذه الثقة
    ليست إلا متكلفة مصنوعة يراد بها التجلد والصبر وانتظار الأحداث، ولست أدري ما نفع وزارة المعارف إذا لم تعلم كتاب الوزارة كيف يدافعون عن الوزارة.
    فصحف الوزارة مرآة لها. ونؤكد للوزارة أنها تظهرها في مظهر لا يدل على قوة، ولا على أمن، ولا على استقرار. وإنما يدل على الضعف والخوف والاضطراب. فنحن نعلم حق العلم أن وزارتنا لا تنقصها الشجاعة ولا الرجولة، وأن الرجل الشجاع هو الذي لا ينكر الخطر الواقع وإنما يثبت له ويهجم عليه. وفساد الأمن أمر واقع لا تنكره الوزارة وإنما تعترف به، وتحاول أن تزيله. وليس ذنب الوزارة أنها لا تستطيع إزالة هذا الشر وتبقى مع ذلك في مناصب الحكم.
    ومثل هذا يقال عن دفاع صحف الوزارة في كل ما تحتاج الوزارة فيه إلى الدفاع. وهي محتاجة الآن إلى الدفاع في كل شيء. فكتابها يزعمون أنها قد فعلت في مسألة الدين أقصى ما تستطيع أن تفعل، وخصومها لا ينكرون ذلك، وإنما يقولون إن هذا الذي فعلته ليس شيئًا. وما دامت لا تستطيع أن تفعل خيرًا منه فيجب عليها أن تستقيل.
    حسن جدًّا أن تثق الوزارة بنفسها، وأن يثق أنصار الوزارة بها، ولكن أحسن من هذا أن تكون هذه الثقة صادقة، وأن يكون تصويرها صحيحًا وكل شيء في أعمال الوزارة وأقوال أنصارها لا يدل على ثقة صادقة ولا يصور اطمئنان النفوس. ومن أشد الخطر أن يرى الناس رأي العين عجز الوزارة حتى عن أن تثق بنفسها.
    كوكب الشرق ١ — ٨ — ١٩٣٣

  • استجواب٢

    استجواب

    ذاق مجلس النواب لذة الاستجواب، ووجد عذوبة الكر والفر، وحلاوة الجدال والنضال، فلم يفرغ من الاستجواب حول جبل الأولياء حتى اندفع إلى الاستجواب حول تخفيض الضرائب. وإذا صدق الظن، فلن تنتهي هذه الدورة حتى يشبع النواب استجوابًا، ويشبع الوزراء ثقة.

    ولِمَ لا؟ في الاستجواب نشاط، وقد طال الفتور، وفي الاستجواب عمل، وقد طال الكسل، وفي الاستجواب كلام، وقد طال الصمت. فلم لا يرغب النواب في الاستجواب لينشطوا، ويعملوا، ويتكلموا، ويعلم الناس أن نوابهم ناهضون بالنيابة عنهم على خير ما ينهض النواب بواجباتهم البرلمانية، وليعلم الناس في مصر وإنجلترا أن زعيم المعارضة الرسمية في البرلمان لم يكن موفقًا حين زعم أن المجلس هو المسؤول أمام الوزارة، بدل أن تكون الوزارة هي المسؤولة أمام المجلس.

    ومن يدري؟ إن الأحلام مطلقة الحرية، لا تعرف حدًا تقف عنده، ولا أمدًا تنتهي إليه. فلعل حلمًا من هذه الأحلام الهائمة التي تزور الناس عند مطلع الفجر، وقبل أن تكتسي الأرض بأضواء الشمس المشرقة، قد يقف عند المستجوبين وهم نيام كأيقاظ، أو أيقاظ كنيام، فيخيل إليهم أن استجوابًا جديدًا قد يمكنهم من إحراج الوزارة، واضطرارها إلى الاستقالة، فتحدث معجزة المعجزات، وأعجوبة الأعاجيب، ويقترع المجلس برفض الثقة، ويرفع رئيس الوزارة استقالة وزارته، ويقول الناس إن هذا المجلس، الذي كان يتهمه بعض أعضائه بأنه ظل للوزارة، قد رفض الثقة بالوزارة واضطرها إلى السقوط.
    ويجد الإنجليز حلًا للمشكلة التي يتورطون فيها الآن، مشكلة السخط على الموقف السياسي الحاضر، والحرص على التزام الحياد الدقيق، فتسقط الوزارة، ويخلص منها الذين يضيقون بها من أصدقائها أمس، ولم يظهر منهم تدخل في شئون مصر، ولا خروج على الحياد.

    ويجد رئيس الوزراء مخرجًا من هذا المأزق الذي اضطرت إليه الظروف، فيستقيل، لا لأن الإنجليز أرادوه على الاستقالة، أو لمحوا له بالاستقالة من بعيد، بل لأن مجلس النواب قد ضن عليه بالثقة. وقد قال رئيس الوزراء ألف مرة إن بقاء الوزارة رهين برضا جلالة الملك وثقة البرلمان، فإذا فقد ثقة البرلمان استقال. والإنجليز محايدون، وإن كرهت المعارضة التي لا تؤمن بهذا الحياد.

    ومن يدري؟ لعل هذا الحلم قد خيل لأصحاب الاستجواب أن استجوابهم، إن أدى إلى سقوط الوزارة، قد يقضي على هذا التضامن بين المجلس والوزارة، وقد يقطع هذه الأسباب الثقيلة التي تصل بينهما، وتضطرهما إلى أن يحتملا معًا ما يتعرضان له من خير أو شر. وإذا زال هذا التضامن، وانقطعت هذه الأسباب، فقد تذهب الوزارة، وتتصل أسباب الحياة للبرلمان.

    ثم انجلى الحلم، واستيقظ النائم، فما أسرع ما ظهرت مسألة الضرائب، وما أسرع ما صدر الاستجواب للمستجوبين!

    والصحف تقول إن مساعي تبذل لحمل المستجوبين على أن يستردوا استجوابهم، وصحيفة الوزارة تجتهد اليوم في إقناع هؤلاء المستجوبين بالعدول عن تحقيق هذا الحلم؛ لأن الحكومة مضطرة إلى ألا تمس الضرائب الآن، وإن كانت قد وعدت من قبل بأنها ستعدلها وتنالها بالتخفيض. ذلك أن النواب المستجوبين حديثو عهد بالسياسة الوزارية فيما يظهر، أو هم يتكلفون حداثة العهد.

    فقد وعدت الوزارة بتخفيض الضرائب حين كان هذا الوعد نافعًا في كسب الأنصار، وخداع الناس بالأماني والآمال. فأما الآن فليس إلى هذا التخفيض من سبيل؛ لأن هذا التخفيض يغضب الأجانب، ويسيء ظنهم بحسن قصد الحكومة، ويمس حالتنا المالية، وحسبك من شر سماعه.

    وأين تجد الوزارة الشجاعة على إغضاب الأجانب؟ وماذا تصنع الوزارة في مسألة الدين إذا لم تقض لنا المحاكم المختلطة بالأداء ورقًا، ولم تنجح المفاوضات التي لم توفق الوزارة إلى بدئها بعد؟ ومن أين تدبر الأموال لجبل الأولياء؟ ومن أين تدبر الأموال لما تستتبعه تعلية خزان أسوان من الأعمال التي ذكرها وكيل المالية في تقريره الذي نشرنا بعضه أمس؟ ومن أين تنفق الحكومة على المؤتمرات حين تعقد في مصر، وعلى الذين يمثلونها في المؤتمرات حين تعقد في غير مصر؟ ومن أين تدبر الأموال لكل هذه الأعمال؟ ثم من أين تقتصد الوزارة ثلاثة ملايين ونصف مليون من الجنيهات لتتمتع بهذا الاقتصاد، ثم لتعتذر عن شراء سيارة لرئيس الوزراء قيمتها ألف أو أكثر من ألف، وهو الذي اقتصد الملايين؟

    كل هذه أشياء يجب أن يتدبرها المستجوبون، في رأي صحيفة الوزارة، قبل أن يقدموا استجوابهم أو يصروا عليه.

    وإذن فالمستجوبون يريدون تحقيق الحلم، والوزراء يخافون من هذا الحلم، والأيام وحدها هي التي ستثبت ما قلناه وما نقول دائمًا: من أن الأمر تمثيل في تمثيل، ومن أن النواب لم يشبعوا استجوابًا، والوزراء لم يشبعوا ثقة، ومن أن الحياة ثقيلة مضنية، والهموم كثيرة معنية، ولا بد من شيء من التسلية. وأي تسلية للنواب خير من الاستجواب؟ وأي تسلية للوزارة خير من الثقة؟!

    أما أنت، أيها الشعب البائس المحزون، فاحذر أن يخدعك وعد، واحذر أن يفتح لك الاستجواب بابًا من أبواب الأمل، وكن كما كنت بائسًا محزونًا، ومثقلًا مكدودًا، واحتمل كما تحتمل اليوم أداء هذه الضرائب من قوتك الذي لا تجده، ومن دمك الذي كاد يجف في عروقك، ومن طعام أبنائك وتعليمهم، وأعد نفسك، إن أعياك الأداء، لوقع السياط، ولزوم السجون، وتذوق ألوان العذاب.

    فلا بد لك من هذا حتى يأذن الله لك بفرج قريب، ولكن لا تنتظر الفرج من هذا الاستجواب، فسيتم الصلح بين الوزارة والمستجوبين على كل حال.

    إما غدًا، زعموا * أو لا فبعد غد.

    كوكب الشرق ١٠-٥-١٩٣٣

  • انتصار

    انتصار
    ظفر به رئيس الوزراء أمس آخر النهار فابتهجت له مصر كلها سواد الليل. وقد أشرقت الشمس وما زالت شمس الابتهاج مشرقة على النفوس، متألقة في القلوب حتى اضطرب الناس بين شمسين: شمس النهار وشمس الانتصار. وكان رئيس الوزراء خليقًا بأن يسعد بهذا الفوز، وكانت مصر كلها خليقة أن تنعم به، وأن يستخفها الطرب له، فقد كانت الحرب عنيفة، وكان الجهاد شديدًا، وكان الخصوم أقوياء ألداء، وكان الخطر كل الخطر يطيف بالوزارة، والشر كل الشر يسعى إليها، والهول كل الهول يمد إلى مصر أيديًا طوالًا، دامية الأظفار. وكان كل شيء مظلمًا حتى خيل إلى الناس أن ليس لهذا الخطب آخر، ولا من هذه المحنة من مخرج.
    فلما أذن الله بالفوز، وصوت النواب بالثقة، يرسلها بعضهم إرسالًا، ويرتلها بعضهم ترتيلًا؛ زال الكرب، وانجلت الحرب، فإذا رئيس الوزراء قد اكتسح الميدان، ولم يترك فيه إلا صرعى ثمانية، كانوا هم كل الجيش المحارب، وكانوا هم كل العدو المغالب، وكانوا هم أصل الفتنة ومصدر المحنة، فأدال الله منهم وكفى الله المؤمنين القتال، وأصبح من الحق لرئيس الوزراء أن يسجل حسن بلائه وغناء زملائه. وانتصار وزارته في المعركة، كما كان يوليوس قيصر يسجل انتصاراته، ويصدر بها نشرات في روما، ما تزال تعتبر إلى الآن من آيات البيان.
    والغريب أن بين أنصار الوزارة وأوليائها من ينظرون إلى هذه الحرب نظرة الحسد، ويتحدثون عنها حديث المجد، ويسجلون الفوز، وينتظرون من ورائه الخير، ويقدرون أنه سيملأ خصوم الوزارة هولًا وروعًا، وسيرد إلى الإنجليز ثقتهم بها وحبهم لها واعتمادهم عليها، وهم يعلمون حق العلم أن لم تكن هناك حرب، وأن لم يكن هناك فوز، وإنما صال الصائلون، وجال الجائلون، وقال القائلون في حرب الأخيلة والظلال فانتصروا ولم ينهزم لهم أحد، وظفروا ولم تنصب لهم حرب، وأعلن إليهم رئيس خصومهم أنهم لا يريدون حربًا ولا كيدًا، ولا يطلبون منح الثقة ولا رفضها لأنهم مستسلمون قبل الحرب، منهزمون قبل القتال، مستيقنون أن الكثرة المطلقة في المجلس لن تجرؤ على مناهضة الوزارة أو الشك فيها، أو محاولة الكيد لها. وإنه إذا لم يكن بد من ثقة فحاجة المجلس إلى ثقة الوزارة به أشد من حاجة الوزارة إلى ثقة المجلس بها. وأنه تعود أن يرى الوزارات تجل المجالس النيابية، ولم يتعود أن يرى المجالس في مصر تسقط الوزارة، وأنه لهذا كله، ومعه أصحابه المخاصمون والمعارضون لا يريدون إلا أن يسجلوا آراءهم ليس غير. قال ذلك وألح فيه، وسمع له المجلس، وسمعت له الوزارة، وسجلته الصحف ونشرته الأهرام صباح اليوم. ومع هذا كله كثر كلام الخطباء في مجلس النواب، وألح رئيس الوزراء وتشدد في طلب الثقة وفي تشخيصها وإظهار حرصه الشديد على أن تكون ثقة لا تشبهها ثقة، ومع ذلك نشطت الأحزاب البرلمانية بياض النهار أمس، كأن الأمر جد، وكأن الوزارة تتعرض لخطر صحيح.
    وكانت خطب النواب ونشاط الأحزاب، وإلحاح رئيس الوزراء شيئًا قصد به فيما يظهر إلى التخييل إلى الناس أن الأمر جد حقًا، ولكن أصحابه غلوا فيه حتى خيلوا إلى أنفسهم أن الأمر جد حقًا. ونهض رئيس الوزراء بعد أن تمت له الثقة التي لم يكن يشك قبل الاستجواب وبعد الاستجواب في أنها مقسومة له، مقصورة عليه، نهض فسجل هذا الفوز الباهر، وأعلن أن الحكومة لن تستقيل كأنما عرض مجلس النواب الحكومة للاستقالة، أو لوح أحد من النواب بالاستقالة إلى رئيس الوزراء، مع أن الوزارة ستستقيل من غير شك، ستستقيل في وقت قريب لعله أقرب مما يقدر رئيس الوزراء، ولكن مصدر هذه الاستقالة لن يكون إحراجًا من مجلس النواب، ولا من مجلس الشيوخ.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، ولكنه دفع نفسه في طريق فيجب أن يبلغ أمدها، وينتهي إلى غايتها، ولا بد من أن يعرض الثقة ويلح في أن تكون عالية غالية، ولا بد من أن يفوز بهذه الثقة، ومن أن يسجل هذا الفوز، ولكن المسألة التي تستحق التفكير، لا منا نحن، بل من رئيس الوزراء نفسه، هي أثر هذا الفوز في موقفه السياسي من المصريين والإنجليز، فهل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يقتنع المصريون بثبات مركز الوزارة وأمنها من السقوط؟ كلا، إن المصريين لم يقدروا في يوم من الأيام أن تضعف ثقة البرلمان برئيس الوزراء، وهم يخرجون منح الثقة أو رفضها من حسابهم السياسي كله، لأنهم يعلمون حق العلم أن ثقة البرلمان برئيس الوزراء كانت وستظل إلى أن تستقيل الوزارة ثقة واسعة، لا حد لها كما قال بعض النواب أمس.
    هل ينشأ عن هذا الفوز الباهر أن يعلم الإنجليز أن رئيس الوزراء مستمتع بثقة البرلمان فيصانعوه، ويحتفظوا له بسياسة التأييد؟ كلا فالإنجليز يعلمون من أمر الصلة بين رئيس الوزراء والبرلمان مثل ما يعلم المصريون. وهم كالمصريين يخرجون منح الثقة ورفضها من حسابهم السياسي، وإذن ففيم الحرب والقتال؟ وفيم الجدال والنضال؟ وفيم الخطب الطوال؟
    تستطيع أن تسأل عن هذا كله رئيس الوزراء وأعضاء البرلمان فسيجيبونك بأجوبة لا تغير من الحقائق الواقعة شيئًا، وهذه الحقائق الواقعة هي أن لمصر حقًا تطلبه وتلح فيه، ولا تنتظر أن تظفر به على يد رئيس الوزراء، ولا على يد البرلمان، وأن للإنجليز أملًا يطلبونه ويحتالون فيه، وقد أصبحوا مقتنعين الآن بأنهم لن يظفروا بأملهم هذا من طريق رئيس الوزراء، ولا من طريق البرلمان، فلم يبق بد من أن يعود الأمر كما كان. مصر الصحيحة غير المريضة، مصر الصادقة غير الكاذبة، مصر التي تستطيع أن تتكلم عن نفسها فتصدق، وأن تعد فتفي. مصر هذه وجهًا لوجه مع الإنجليز فإما وفاق، وإما خلاف.
    فلينتصر إذن رئيس الوزراء ما وسعه الانتصار، ولتنهزم إذن معارضة البرلمان ما وسعتها الهزيمة، فإنما هذا كله أشبه بهذه الأمواج الصغار التي لا تكاد تحس، والتي يحدثها النسيم على وجه الماء حين يداعب صفحة الغدير. فأما الانتصار الذي يغير الأشياء حقًا، والهزيمة التي تغير الأشياء حقًا؛ فلا ينبغي أن يلتمس في هذه الصلات المسلية بين الوزارة والبرلمان، وإنما ينبغي أن يلتمس في ناحية أخرى من الحياة المصرية، ومن الصلة بين المصريين والإنجليز.
    كوكب الشرق ٠٣\٠٥\١٩٣٣