يوم الثورة …
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٩ أغسطس ١٩٦٢
في مصيفه بإيطاليا سمع الدكتور طه حسين بقيام ثورة ٢٣ يوليو منذ عشر سنوات، وفي عيد الثورة العاشر كتب طه حسين من نفس المكان عن يوم الثورة وعن عيدها العاشر، ولكن البريد حمل إلينا كلمة الدكتور طه حسين متأخرة عن موعدها.
***
في نفس هذه القرية المتواضعة التي أُملي منها هذا الحديث فاجأتنا الصحف ذات صباح بأنباء الأحداث الأولى للثورة التي شبَّت في مصر، واضطرت وزارة إلى أن تستقيل، وأكرهت الملك على أن يولي أمور الحكم وزارة أخرى فرضها عليه الجيش الثائر الذي لم تستطع وزارته المستقيلة أن ترده عن الثورة ولم يستطع هو إلا أن يُذعن لما طُلب إليه.
ولم تكن قد مضت إلا ساعات قليلة على هذه الأحداث التي حملتها إلينا الصحف، واللَّه وحده يعلم كم كان ابتهاجنا بهذه الأحداث وكم كان اندفاعنا إلى التفكير في أعقابها، ولكن الصحف لم تضطرنا إلى كثير من التفكير والتقدير؛ فقد كانت تأتينا مصبحة وممسية بأنباء الأحداث إثر وقوعها.
وما أعلم أننا أقبلنا على قراءة الصحف الإيطالية كما أقبلنا عليها في تلك الأيام رغم قصورنا عن فهم اللغة التي كانت تحمل إلينا هذه الأنباء. كنا نصبح فنقرأ الأنباء في الصحف الإقليمية، فإذا تقدم النهار قليلًا أسرعنا إلى شراء الصحف التي تصدر في روما مصبحة، فإذا كان المساء أسرعنا إلى شراء الصحف المسائية.
وكذلك عشنا أيامًا لا همَّ لنا إلا تتبع الأنباء واستقصاؤها في كل ما يصل إلينا من الصحف، وكان لنا صديق في روما قدَّر اهتمامنا بهذه الأنباء، فجعل يبرق إلينا بها مرات في كل يوم ويسبق الصحف بحملها إلينا. وفي ذات صباح وصلت إلينا الأنباء بنزول الملك عن عرشه وسفره من مصر منفيًّا إلى إيطاليا.
هنالك استيقنا أن الثورة قد أصبحت حقيقة واقعة لم يستطع أحد أن يخمدها بل لم يحاول أحد أن يخمدها، ورأينا الدول الأجنبية قد اعترفت بها في غير تردد ولا تلكؤ.
هنالك اطمأنت نفوسنا إلى أننا أبناء شعب ثائر منتصر في ثورته لا يكتفي بإقالة وزارة وتولية وزارة أخرى؛ بل يتجاوز هذا إلى إقالة ملك وتولية ملك قاصر وإقامة مجلس للوصاية عليه.
ومنذ ذلك الوقت أخذنا نفكر ونقدر تفكير الثائرين وتقديرهم، وأذكر أني أمليت حديثًا نشرته الأهرام تنبأت فيه بأن هذه الثورة ستكون لها آثار كبرى لا تقتصر على مصر وحدها ولكنها ستتجاوزها إلى بلاد أخرى، وقدرت أن هذه الآثار الكبرى ستكون أشبه شيء بآثار الثورة الفرنسية التي أيقظت الشعوب الأوروبية ودفعتها إلى المطالبة بالحرية ثم الظفر بها على رغم ما قام في سبيلها من المصاعب والعقبات.
وقد أظهرت الأعوام العشرة التي انقضت أني لم أكن مخطئًا في هذا التفكير والتقدير. ويكفي أن نذكر كيف كانت أفريقيا منذ عشر سنين وكيف هي الآن، وأن نذكر كيف كانت البلاد العربية منذ عشر سنين وكيف هي الآن؛ لنعرف أن ثورتنا لم تكتفِ بتغيير الحياة في وادي النيل وحده، ولكنها تجاوزته إلى بلاد كثيرة غيره. ويكفى أيضًا أن نذكر كيف كان الاستعمار منذ عشر سنين وننظر أين هو الآن وماذا بقي من سلطانه العريض؟
ولست أكتب الآن لأتحدث عن آثار الثورة في مصر من الناحية المادية، ولا عن الرقي المادي الذي أُتيح لها في هذه الأعوام العشرة، ولا عما أُتيح لمصر من فوز سياسي بجلاء الجيش البريطاني عنها وتحرير قناة السويس والخروج من أزمة هذه القناة كما خرجت منها ظافرة بتأييد العالم الحر كله، رغم ما أعلن عليها من حرب ورغم ما كان عليها من عدوان. ولا أكتب الآن عن المركز الممتاز الذي أُتيح للجمهورية العربية المتحدة في العالم الخارجي بعد انتصار الثورة على كل ما أُثير في سبيلها من المصاعب وما بث في طريقها من العقبات.
لا أكتب عن شيء من هذا كله؛ فقد عرفه الناس جميعًا وكثر القول فيه داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها. وإنما أريد أن أتحدث عن شيء آخر طالما كنا نفكر فيه ونطيل الحديث عنه ونقدر له الزمان، كان يقصر في نظر بعضنا ويطول في نظر بعضنا الآخر: وهو التربية السياسية لشعب الجمهورية العربية المتحدة.
وكان أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد يقدر لهذه التربية السياسية سبعين عامًا، وكنا نجادله في ذلك، يستكثر بعضنا هذه العشرات السبع من السنين ويستقلها بعضنا الآخر، فأين نحن من هذه التربية السياسية الآن. أما أنا فأعتقد أن أعظم فوز أتيح للثورة إنما هو الفوز في ميدان التربية السياسية، لا أقول للشعب المصري وحده، بل لشعوب أخرى تعودَت أن تنظر إلى مصر وتتخذها قدوة وأسوة. ويكفي أن نفكر في الحياة السياسية التي كان الشعب المصري يحياها قبل هذه الأعوام العشرة وفي الحياة السياسية التي يحياها الآن؛ لنرى بُعد الأمد بين هاتين الحياتين.
لم يخطر لأحد قبل الثورة أن يستفتي الشعب المصري في أمر من أمور حياته العامة، لم يُستفت قط في الدستور الذي كان يُهدى إليه حينًا، ويُفرض عليه حينًا آخر، ويُنزع منه نزعًا في بعض الأحيان دون أن يقول الشعب في ذلك نعم أو لا، بل دون أن يكون له الحق في أن يقول إحدى هاتين الكلمتين.
وكان الأمراء والملوك يتبع بعضهم بعضًا ويتعاقبون على العرش دون أن يخطر لأحد أن يفكر في الشعب أراضٍ هو عن تعاقب هؤلاء الأمراء والملوك أو ساخط عليهم، وحين تفضَل ملك من الملوك فأنعم بالدستور على الشعب المصري كما كان يتفضل فينعم بالرتب والأوسمة على الأفراد. كان الذين يتحدثون فيما بينهم حديثًا أقرب إلى الهمس منه إلى الجهر عن أن الدستور حق من حقوق الشعب لا يُهدى إليه ولا يُنعَم به عليه وإنما يُرد إليه. والخير كل الخير في أن يكون الشعب هو الذي يضع هذا الدستور ويعلنه على أنه عقد بينه وبين الذين يتعاقبون على العرش من الأمراء والملوك.
كان هؤلاء الذين يتحدثون فيما بينهم بهذا الحديث قلة يمكن إحصاؤها في غير مشقة ولا جهد، وإذا أحصيت لم يبلغ أفرادها المائة بل لم يبلغ الخمسين.
ولا أتحدث عن الانتخابات البرلمانية، فالحديث عنها لم يصبح معادًا وإنما أصبح مملًّا. ولكني أذكر ذات يوم كانت القاهرة فيه مقبلة على الانتخابات للمجلس النيابي وكنا نؤدي واجباتنا في الجامعة، فكنا نسمع في حجرات الدرس وفي المكاتب دوي الطلقات النارية التي كانت تُطلق هنا وهناك في أنحاء المدينة تخويفًا للشعب أو تفريقًا للمتظاهرين. وأذكر أنَّا لم نستطع في ذلك اليوم أن نعود إلى بيوتنا في وقت الغداء، وإنما انتظرنا حتى ينقضي النهار وعدنا إلى دورنا مع الليل.
كذلك كانت الحياة السياسية قبل الثورة، كانت حرية الانتخاب في تلك الأيام أبغض شيء إلى الملوك وإلى بعض الأحزاب السياسية، ومهما أنسَ فلن أنسَ خطبة لرجل من رجال السياسة في أوائل الحياة النيابية التي أتيحت لمصر إثر صدور الدستور سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة وألف؛ فقد قال ذلك السياسي في خطبته تلك: لو أمرنا سعد أن ننتخب حجرًا لانتخبناه.
رحم اللَّه ذلك الخطيب وتجاوز له عن تلك الجملة التي ضحك منها الضاحكون في تلك الأيام.
فأين نحن من هذا الآن؟ نحن الآن بحيث يُستفتى الشعب في دستوره، ونحن الآن بحيث ينتخب الشعب رئيس الدولة، ونحن الآن بحيث يستطيع الأفراد — مثقفين كانوا أو غير مثقفين — أن يناقشوا رئيس الدولة مناقشة صريحة ليس فيها عوج ولا التواء.
رأينا ذلك في اللجنة التحضيرية، ورأيناه في المؤتمر الوطني الأخير، وسنراه من غير شك فيما سنستقبل من اجتماعات شعبية تدرس فيها المشكلات التي تتصل بالحياة العامة.
لم يكن يخطر لأحد قبل الثورة أنه سيُتاح للعمال والزراع أن يتحدثوا في المسائل العامة حديثًا صريحًا بمحضر من رئيس الدولة ونوابه وزملائهم الوزراء، وأن يكون لأحاديث العمال والزراع نفس الوزن الذي يقدر لأحاديث أساتذة الجامعة وكبار المثقفين وأولي الرأي في السياسة وغير السياسة مما يمس الحياة العامة.
ولست أزعم أن التربية السياسية للشعب المصري قد بلغت غايتها، ولست أزعم كذلك أن كل الذين يتحدثون في الشئون العامة أمام رئيس الجمهورية وزملائه يبلغون من الإخلاص والصراحة غايتهما، ولكني أعتقد أننا قد قطعنا في سبيل التربية السياسية شأوًا أبعد جدًّا مما كنا نقدر أو ننتظر.
وأزعم أيضًا أن الأمر بيننا وبين النضج السياسي لا يقدر بعشرات السنين، وإنما هو أقرب جدًّا مما يظن إذا مضينا في طريقنا إلى غايته وسنمضي فيه إلى غايته إن شاء اللَّه.
ولقد قرأت في بعض الصحف الفرنسية حديثًا أشفق فيه كاتبه على الشعب المصري وجمهوريته من هذا الإسراع الذي مضينا به إلى التربية السياسية. أشفق من إشراك العمال والزراع وطوائف الشعب على اختلافها في مناقشة المسائل العامة على النحو الذي كان في المؤتمر الوطني، مقدِّرًا أن هذا النمو نوع من المخاطرة بمستقبل الشعب؛ لأن هذه الطوائف كلها إذا أُتيح لها أن تعرف حقها كاملًا ليست مأمونة فيما يستقبل من الأيام؛ لأنها قد تطمع في أكثر من حقها، وقد تغلو في تقدير مركزها الاجتماعي والسياسي، وقد تندفع في ذلك إلى غير مدى.
وأعترف بأني ضحكت، بل غرقت في الضحك، حين قرأت هذا الكلام؛ فكاتبه لا يعرف الشعب المصري ولا يعلم أن الاعتدال طبيعة فيه، وأنه قد فُطر على القصد، وليس أبغض إليه من الشطط والإسراف.
والثورة المصرية نفسها أوضح دليل على ذلك، ولا سيما حين تُقاس إلى ثورات كثيرة شبَّت في الشرق والغرب جميعًا.
والفضل في هذا الذي أتيح لنا من التربية السياسية يرجع كله إلى رئيس الجمهورية، فهو الذي آثر أن يتحدث إلى الشعب في صراحة لا تشبهها صراحة وفي جلاء لا يشوبه لبس أو غموض، وهو الذي آثر ألا يخفي على الشعب شيئًا من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو الذي آثر أن يعترف أمام الشعب في وضوح كل الوضوح بما قد تتورط فيه الحكومة من الأخطاء وبالطريق إلى إصلاح هذه الأخطاء.
وهو الذي كره أن يكون رئيسًا للجمهورية دون أن يكلفه الشعب هذه الرياسة، وهو الذي استفتى الشعب في الوحدة مع سوريا، وهو الذي دعا إلى عقد المؤتمرات الوطنية المختلفة وأنشأ اللجنة التحضيرية للمؤتمر الأخير، وعرض على المؤتمر نظام الحياة الجديدة التي يجب أن يحياها المصريون بل يجب أن تحياها الأمة العربية. وهو الذي قرر أن يكون للعمال والزراع نصف المجالس النيابية، وعرض ذلك على المؤتمر فيما عرض عليه من الميثاق ومن النظام السياسي للحياة الشعبية الجديدة، وأقل ما ينشأ عن هذا كله تبصير الشعب بواجباته أولًا وبحقوقه بعد ذلك، وليست التربية السياسية شيئًا إلا أن يتعلم الشعب ما يجب عليه أولًا وما يجب له أخيرًا.
فليس من الغلو ولا من السرف أن أقول إن مصر مدينة بهذه التربية السياسية للثورة ولرئيس الجمهورية خاصة، وليس من الغلو ولا من السرف ولا من محاولة التقرب إلى الرئيس أو ابتغاء الوسيلة إليه أن أقول إنه مربي الشعب حقًّا.
Tag: Constitution
-
ثم ماذا
ثم ماذا . . .
بقلم الدكتور طه حسين
لم يسئني سقوط الدستور ولم يسرني فقد الدستور وهو منذ شهور طوال، كان وهما يقسم الوزراء يمين الإخلاص له، ثم لا يكادون يفرغون من قسمهم حتى يسخروا منه، ويعبثوا به، ويفعلوا بنصوصه وروحه الأفاعيل، وقيام الوهم سخف من السخف، ولون من ألوان التضليل، وسقوطه تحرر من الخرافة، وتبرؤ من عبادة الأصنام التي لا تغني عن الذين يعبدونها شيئا.
لم يسئني إذن سقوط الدستور ولم يسرني، فقد كان كلاما مكتوبا تسجل فيه على السلطان القائم، مهما يكن، طائفة من حقوق الشعب، وكان تسجيل هذه الحقوق فنا من فنون العزاء للذين يصيبهم الظلم أو يلم بهم الضيم. كانوا يقولون لأنفسهم أنهم ظلموا، مع أن الدستور ينصفهم، وأنهم سيموا الضيم والخسف مع أن الدستور يكفل لهم العزة والكرامة والإباء. وكانت الظروف تتيح لهم أحيانا أن يخاصموا السلطان الذي ظلمهم أو سامهم الضيم، وأن يظفروا بالنصفة. وكانوا على كل حال يجدون شيئا من القوة على احتمال ما يصب عليهم من المكروه، يقولون لأنفسهم أن الذين صبوا عليهم ما يكرهون قد خالفوا أمر الدستور.
من أجل هذا لم يسرني سقوط الدستور، وكنت أوثر أن يظل هذا الوهم قائما حتى يوضع دستور جديد لا يلغيه إلا ليقوم مقامه.
ولكن الدستور على كل حال لم يذهب إلى غير رجعة، وإنما ذهب ليوضع مكانه دستور جديد، فالحياة التي نحياها الآن دون دستور موقوتة لا أدري أتقصر أم تطول ولكنها موقوتة آخر الأمر لأن قائد الجيش قد أعلن ذلك وهو صادق فيما يعلن، ولأنه قد عاهد الله والشعب على أن يحتفظ للمصريين بحقوقهم كاملة لا يحيد في إجرائها عن العدل ولا ينتقص منها قليلا ولا كثيرا حتى يتم وضع الدستور الجديد وتنفيذه.
والناس يختلفون في هذا الدستور الجديد كيف يوضع ومن الذي يضعه ولأي نظام من نظم الحكم يراد وضعه وما أعرف وقتا يجب فيه على المثقفين أن يعلنوا آرائهم في هذا الأمر كهذا الوقت الذي ابتدأ منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور. فهو الوقت الذي يجب أن يبصر فيه الشعب بحقوقه، وأن يشار فيه على السلطان القائم بما يحسن أن يأتي وبما يحسن أن يدع.
وكان الدستور الذي ألغي قد صدر على نحو لم يرض عنه المصريون. أعدته لجنة من فقهاء الساسة وساسة الفقهاء على كره من الشعب الذي لم يكن يحب أن يتنزل عليه الدستور من عل، وإنما كان يريد أن يصدر الدستور عنه هو فيستمد من شعوره وحسه، ومن قلبه وعقله، ومن آماله وآلامه وحاجاته. وكان سعد رحمه الله يسمى اللجنة التي مالأت السلطان القائم وأعدت له الدستور لجنة الأشقياء. ولكن الدستور لم يكد يصدر وينفذ لأول مرة حتى رضي عنه الناس، وآمنوا به، وضحوا بالأنفس والأموال والجهود في سبيل صيانته، وأعلنوا أنه دستور الشعب ثم لم تمض أعوام حتى وقف إلى أجل، ثم ألغي، ووضع مكانه دستور آخر، وقيل إن الدستور منحة من الملك، وأن من ملك المنح يملك المنع كما يملك التغيير والتبديل. ثم قويت هذه النظرية في نفوس جماعات من الساسة حتى أباحوا لأنفسهم بعد عودة الدستور القديم أن يهدروا روحه ونصه في غير موقف، وأن يعينوا على إهدار روحه ونصه، كلما اشتاقوا إلى الحكم أو حرصوا على البقاء في مناصب الحكم. حتى لم يبق شك آخر الأمر في أن الدستور قد صار هزئا ولعبا ولم يكن لهذا كله مصدر إلا أن الدستور القديم لم يصدر عن الشعب وإنما صدر عن السلطان.
وإذن فأول ما يجب حين نفكر في وضع دستور جديد هو أن نرد الحق الأكبر إلى أهله، والحق الأكبر هو الدستور وصاحب هذا الحق هو الشعب. فالدستور لا يوضع للملك ولا يوضع للحكومة ولا يوضع لهيئة من الهيئات، بل الدستور لا يوضع لجيل من الأجيال، إنما وضع للشعب كله الذي يتجدد وتتعاقب أجياله على مر الزمن وهذا الشعب هو صاحب الحق الأول في أن يختار لنفسه نظام الحكم، وفي أن يضع لنفسه أصول النظام الذي يختاره، ومن حق أجياله المتعاقبة أن تغير هذا النظام بين حين وحين، لتلائم بينه وبين حاجاتها وأطوارها التي تتعاقب عليها. وإذن فأول ما ينبغي هو ألا يكون الدستور منحة تهدى إلى الشعب، فليست في مصر قوة تستطيع أن تهدي إلى الشعب دستورا وإنما الشعب هو الذي يعطي نفسه الدستور الذي يريد، وهو الذي يعطي كل هيئة من هيئاته، وكل سلطة من سلطاته حقوقها ويفرض عليها واجباتها وكل انحراف عن هذه الطريق المستقيمة يعرض للزلل ويورط في الخطأ ويهيئ المشكلات التي لا تلبث أن تثور وتفسد على الشعب أمره بعد وقت قصير أو طويل. والناس يتحدثون عن لجنة يراد تأليفها لوضع دستور جديد، وليس من شك في أن تأليف هذه اللجنة واجب ليس منه بد، ولكنه فيما أفهم لجنة تعد الدستور أو تعد مشروع الدستور ليعرض بعد ذلك على الذين يمثلون الشعب تمثيلا صحيحا ليدرسوه ويناقشوه ويقروه كما قدم إليهم أو بعد أن يدخلوا فيه ما يحبون من تغيير وتبديل.
وإذا كان هذا الفهم صحيحا فليس يهم أن تكون هذه اللجنة التمهيدية كبيرة أو صغيرة، تتألف من مئة أو من أكثر من مئة. أو من أقل من مئة. وإنما المهم أن تكون لجنة من الذين يفقهون الدستور ويحسنون التصرف في أحكامه ويحسنون العلم بحاجات الشعب وآماله ليكون المشروع الذي يعدونه مقاربا لا يكلف ممثلي الشعب في درسه وإقراره عناء ثقيلا ولا بحثا طويلا. فقد ينبغي أن يكون الوقت الذي يمضي بين إلغاء الدستور القديم وإعلان الدستور الجديد غير مسرف في الطول.
وقد دعا صديقنا الأستاذ محمود عزمي إلى استفتاء الشعب فورا في الاختيار بين الملكية والجمهورية لتستقبل اللجنة الإعدادية عملها على بصيرة. وأنا أشارك صديقنا في هذه الدعوة وأكاد أعتقد أن اختيار الشعب واضح منذ الآن وأن استفتاءه سينتهي إلى تقرير النظام الجمهوري الذي يدعو إليه الداعون وأنا منهم منذ أنزل الملك السابق عن عرشه. فقد عاشت مصر على النظام الملكي منذ عرفها التاريخ أو منذ عرفت هي التاريخ إلى الآن. وشقيت بهذا النظام شقاء متصلا، كان لها في العصور القديمة ملوك يرون أنفسهم آلهة ويراهم الشعب آلهة أيضا. ثم كان لها ملوك يرون أنفسهم ظلالا للآلهة أو ظلا لإله واحد. وكلهم كانوا يخادعون أنفسهم ويخادعون الناس وكلهم كانوا يسيمون الناس فنونا من العسف والخسف باسم هذا السلطان الوهمي الذي ينزلونه على أنفسهم من السماء، وقد آن للمصريين ألا يخدعوا أنفسهم، وألا يخدعهم أحد عن أنفسهم وأن يعلموا أن الحكم يأتي منهم ولا يتنزل عليهم وأن الحكام مهما يكونوا خدام لا سادة ينصبهم الشعب ليؤدوا بعض أعماله التي تتصل بمرافقه السياسية والاجتماعية على اختلافها فليس هناك سادة مقدسون يعصمون من التبعات ويرتفعون على الشبهات ويسودون ولا يسادون، وإنما هناك حكام يختارهم الشعب ليدبروا له أمره في الحدود التي يرسمها لهم الدستور، يرزقهم على ذلك أجورهم، ويسألهم بعد ذلك عما يعملون. وقد سئم المصريون فيما اعتقد نظام الراعي والرعية، والسيد والمسود، ولم يبق منهم إذا ذكر الملوك إلا من يتمثل إن كان مثقفا قول أبي العلاء:
مل المقام فكم أعاشر أمة
أمرت بغير صلاحها أمراؤها
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها
فإن لم يكن مثقفا قال كلاما يشبه من قريب أو من بعيد هذا القول من شعر أبي العلاء ولست أعرف هذا العصر الذي ارتقى فيه العقل وتنبهت فيه الشعوب لحقوقها أسخف سخفاً ولا أشد إغراقا في الوهم من توارث الملك لا لشيء إلا لأن أسرة بعينها قد فرضت نفسها على شعب من الشعوب بالحيلة أو بقوة السيف أو بحسن البلاء أحيانا.
كل هذا كان يساغ في العهود الماضية، فأما الآن فقد أصبح لونا من الباطل يشبه هذيان الحمى أكثر مما يشبه أي شيء آخر.
ولم ينكر المسلمون في أول عهدهم شيئا كما أنكروا وراثة الملك التي استعارها من استعارها من كسروية الفرس وقيصر الروم. وفي وراثة الملك سخف لا ينقض وأخطار لا حد لها – فأنت لا تستطيع أن تكفل الحزم والعزم، والحكمة والحلم، والذكاء والكفاية والصلاح والاستقامة للأجنة في بطون أمهاتها ولا للأطفال حين يولدون فكيف إذا ضمنت لهذا اللغز الغامض المبهم الذي هو الجنين قبل أن يولد أو الطفل بعد أن يولد الملك والاستئثار بأمر شعب كامل لا لشيء إلا لأنه انحدر من أسرة بعينها.
لا أشك إذن في اتجاه الشعب المصري الآن إلى النظام الجمهوري. فلتسرع الحكومة إلى تنظيم استفتائه قبل أن تنشئ اللجنة لإعداد الدستور ذلك أجدر أن ييسر لهذه اللجنة أمرها ويمهد لها إلى ما ستحاول طريقا مستقيما. فإذا أتمت هذه اللجنة عملها – وينبغي ألا تدفع إلى الإسراع الذي يفسد العمل ولا تؤخذ بالعجلة التي تفسد التفكير – دعيت هيئة من ممثلي الشعب على أن يكونوا من الذين يفقهون أحاديث الدستور ويحسنون التصرف فيها، وعرض عليها المشروع الذي أعدته اللجنة لتدرسه وتناقشه وتقره حرة لا مكرهة ولا معجلة ولا مضيقا عليها.
فإذا أتمت عملها أعلن الدستور وأُنْفِذَ واستقبل الشعب حياة مستقرة خصبة يعرف الناس فيها واجباتهم وحقوقهم، ويعرفون أنهم مصدر هذه الواجبات وهذه الحقوق ولست أدري إلى أي وقت طويل أو قصير يحتاج هذا كله ولكن الذي أعلمه علم يقين هو أن هذا الوقت لن يذهب عبثا ولن يضيع في غير طائل فسينفقه الشعب في نوعين من النشاط الخصب النافع الذي هو في أشد الحاجة إليه والذي من أجله كانت الثورة.
أحد هذين النوعين هو النشاط في إعداد الدستور وإتمامه وإعلانه، والآخر هو نشاط النهضة في التمهيد للدستور الجديد بوضع الأسس للإصلاح في حياتنا على اختلاف فروعها وإزالة ما يمكن أن يعترض الدستور الجديد من العقبات.
كذلك أفكر في حياتنا الجديدة التي بدأت منذ أعلن قائد الجيش سقوط الدستور القديم، ولست أدري أمخطئ أنا أم مصيبا فيما أصور لنفسي من أمر المستقبل؟ ولكني أرجو على كل حال أن يعصم الله مصر من الزلل والخطل والخطأ ويهيئ لها من أمرها رشدا.
طه حسين
الأهرام، ١٣\١٢\١٩٥٢ -
حرية
حرية…
بقلم الدكتور طه حسين بك
لا أريد أن أغضب رئيس الوزراء لأسباب كثيرة خطيرة أولها أننا نستقبل اليوم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان وهو شهر مبارك كريم لا يستحب فيه القسوة ولا العنف حتى بالقياس إلى الذين يعنفون بالناس ويقسون عليهم والله عز وجل يقول: ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور.
وثانيها: أن رئيس وزرائنا مشغول الآن بالمفاوضات مع أصدقائنا وأحبائنا البريطانيين، وهذه المفاوضات ثقيلة بغيضة تلين لتقسو وتقسو لتلين تبسم حينا وتعبس حينا، تسمح في الصباح وتجمح في المساء وكلف المفاوضين المصريين بوجه خاص ورئيسهم بوجه أخص عناء ثقيلا طويلا يحتد له المزاج ويشتد له الانفعال ويضيق به الصدر ويقل معه الاحتمال، وما أريد أن أشق على رئيس الوزراء فأضيف له ثقلا إلى ثقل وعناء إلى عناء، فهناك سبب ثالث يجنبني إغضاب رئيس الوزراء وهو سبب له خطره العظيم وهو أن غضب رئيس الوزراء شيء مخيف، مخيف حقا يملأ النفوس فزعا والقلوب هلعا والضمائر فرقا وإشفاقا، وما أحب لنفسي ولا لأهلي ولا لأصدقائي أن يصيبنا في شهر رمضان فزع أو هلع ولا أن يمسنا خوف أو إشفاق، فغضب رئيس الوزراء قد يرسل الناس إلى السجون ويسومهم عذاب الهون، وغضب رئيس الوزراء قد يغلق الصحف تغليفا، ويعلق الأرزاق تعليقا، ويفرق الشمل تفريقا، وكل هذا خطير وكل هذا بغيض، حين يمتحن الله الناس بالقيظ والصوم في وقت واحد. فأنت توافقني أيها القارئ الكريم على أن كل هذه الأسباب مقنعة ومن شأنها أن تحملني على الهدوء والأناة وعلى القصد والاعتدال حين أتحدث إلى رئيس الوزراء. مهما يكن موضوع الحديث خطيرا ذا بال، وقد أمر الله موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وليس رئيس وزرائنا من فرعون في شيء وحاشا لله أن يكون رئيس وزرائنا من فرعون في شيء، وما أبعد الأمد بين مكانة التواضع ومكانة موسى وهارون وما أجدر هذا الأمد أن يكون بعيدا، ولكن الله يؤدب أنبياءه فيحسن تأديبهم ويستحب للناس أن يصطنعوا هذا الأدب الكريم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
فلنقل لرئيس الوزراء قولا لينا لعله يتذكر حق الشعب وحق الله عليه، ولعله يخشى غضب الشعب وغضب الله عليه، ولنتلو على رئيس الوزراء قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
ونرجو أن يكون رئيس الوزراء من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وقد اتفق المسلمون منذ أقدم عصور الإسلام على أن هذا الأمر الكريم موجه إلى الناس جميعا وإلى الولاة والحكام منهم خاصة، وعلى أن الأمانات التي يجب أن تؤدى إلى أهلها، ليست هي الودائع المادية التي يأمن بها بعض الناس بعضا فحسب، ولكنها الحقوق التي تكون لبعض الناس على بعض بوجه عام والحقوق التي تكون للشعب على ولاته وحكامه بوجه خاص.
وللشعب المصري فيما نعلم حقوق مقدسة خلقت معه يوم خلقه الله وسجلت له في الدستور يوم وضع الدستور، والحرية هي أعظم هذه الحقوق خطرا وأجلها شأنا لأنها هي التي تجعل الإنسان إنسانا – وتميزه من الحيوان وتختصه بأن يدبر أمره كما يشاء وينظم حياته كما يحب وتؤهله لأن يتلقى الأمر بالخير فيأتمر به ويتلقى النهي عن الشر فينتهي عنه ولولا أن الإنسان خلق حرا يستطيع أن يأتي ما يشاء وينتهي عما يشاء لما كانت الديانات ولا شرعت القوانين ولا وضعت الدساتير لأن مدار هذه الأشياء كلها على الأمر والنهي وعلى الثواب والعقاب.
والأمر والنهي لا يتجهان إلا إلى مريد حر والثواب والعقاب لا يساقان إلا إلى مريد حر أيضا. فأثر الأشياء عند الناس المتحضرين هي حريتهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا، لا ينبغي أن يحد هذه الحرية قيد إلا حقوق نظرائهم في أن يفكروا ويقولوا ويعملوا أيضا. وهذه أوليات تعلم للصبية والشباب في المدارس ومن المضحك أن نحتاج إلى إعادتها في مقالات تنشرها الصحف ولكننا مع ذلك مضطرون إلى أن نعيدها ونعيدها لأن الأرض تدور، ولأن آراء الناس تتغير ولأن كثيرا من الحقائق الأولية ينسى أحيانا ويجحد أحيانا ويحتاج إلى أن ينبه إليه أحيانا أخرى، ورئيس وزرائنا مؤتمن على حقوق الشعب ما دام ناهضا بأعباء الحكم فحريتنا أمانة عند رئيس الوزراء أو حقنا في الحرية أمانة عند رئيس الوزراء يجب أن يؤديها إلينا لأن الله يأمره أن تؤدى الأمانات إلى أهلها. وقد يعجب رئيس الوزراء وقد يعجب غيره من الناس لأني أتحدث إليه بهذه اللهجة الدينية وأصدر في التحدث إليه عن القرآن الكريم، ومصدر ذلك أننا في رمضان من جهة وأن رئيس الوزراء قد أصبح فقيها في الدين من جهة أخرى فقد حملت إلينا الصحف الفرنسية في باريس تصريحا له أعلن فيه أن الشيوعية تناقض الإسلام وما أريد أن أتحدث عن الشيوعية الآن، وإنما أريد أن أعلل هذه اللهجة الدينية التي أتحدث بها إلى رئيس الوزراء فما دام رئيس الوزراء يلحظ الإسلام فيما يأتي ويدع يلحظ الإسلام فيما نأمر ونهي ويلحظ الإسلام فيما يكتب ويقول فمن الخير أن نصدر نحن أيضا عن الإسلام حين نتحدث إليه وحين نحاسبه على هذه الأمانات التي اؤتمن عليها لنعرف ما حفظ منها وما أضاع منها ولنعلم ماذا أدى إلينا منها وماذا احتجز عنا.
ورئيس الوزراء يعلم حق العلم أنه لم يؤد إلينا أمانة الحرية كاملة منذ نهض بأعباء الحكم وإنما احتجز منها كثيرا، وأضاع منها كثيرا. فنحن لا نجتمع كما نحب ونحن لا نخطب كما نريد، ونحن لا نكتب كما نشاء، ونحن لا نقول كل ما نجد في أنفسنا، والدستور يكفل لنا الحق في هذا كله والإسلام يكفل لنا الحق في هذا كله، والقوانين العامة تكفل لنا الحق في هذا كله أيضا، ورئيس الوزراء لا يرد الخلاف بينه وبيننا دائما إلى القضاء الذي ينبغي أن يرد إليه كل ما يشجر بين الناس وبين الحكومة من خلاف، وإنما يجعل نفسه في كثير من الأحيان خصما وحكما يتهم الصحف بما يشاء ثم يعاقبها بما يشاء وليس هذا من أداء الأمانة في الحرية في قليل ولا كثير.
كنا نشهد قبل الصيف مصادرة الصحف بأمر من رئيس الوزراء لأنه يرى في نشرها خطرا لا يرجع في ذلك إلى القضاء ولا يعتمد في ذلك على التحقيق وإنما يشفق ثم يتهم ثم يقضي ثم ينفذ القضاء لا معقب لأمره ولا وازع له من قانون أو دستور أو دين، وكانت هذه المصادرة تضع على الكتاب حقهم في أن يكتبوا أو يقرأها الناس وتضيع على الشعب حقه في أن يقرأ وتضيع على أصحاب الصحف أموالهم وتضيق على العمال والباعة في أرزاقهم وليس هذا كله من أداء الأمانة التي أمر الله أن تؤدى إلى أهلها ولا من العدل الذي أمر الله أن يحكم به الولاة بين الناس في قليل ولا كثير.
ثم جاءتنا الأنباء في باريس بأن رئيس الوزراء تجاوز المصادرة إلى التعطيل وتجاوز المضايقة إلى الحرمان وعطل في يوم واحد صحفا عدة لم يرجع في أمرها إلى القضاء ولم يعتمد فيه على التحقيق، وإنما أشفق ثم اتهم ثم قضى ثم أنفذ القضاء لا معقب لأمره ولا رادع له من دستور أو قانون أو دين. وقد سخط الشيوخ ويقال إن النواب سخطوا أيضا، وقد احتج الشيوخ أو بعضهم ويقال إن النواب أو بعضهم هموا أن يحتجوا ولكن رئيس الوزراء مضى في إنفاذ الأمر. لم يرجع عنه لأن التمادي في الخطأ خير من الرجوع إلى الصواب في شرعة الحكومات التي تعتمد على البأس والبطش والسلطان أكثر مما تعتمد على الحق والرفق والأناة، وقد أراد رئيس الشيوخ أن يرد الأمر إلى نصابه وأن يبلغ ذلك بالتي هي أحسن فبين لرئيس الوزراء في مجلس الشيوخ خطأه وثارت أزمة لم تبلغ مداها الآن لأن المصانعة والالتقاء في منتصف الطريق من أسس الحياة في هذه الأيام. بين رئيس الشيوخ أن الحكومة لا تملك التصرف في إغلاق الصحف وإنذارها لحماية النظام الاجتماعي إلا إذا استصدرت قانونا ينظم هذا الإنذار والإغلاق، وظن رئيس الوزراء أنه سيجد عند الأعوان والمشيرين مخرجًا من هذا الحرج فطلب التأجيل ليعد الرد ثم لم يجد عند أعوانه ومشيريه شيئا. فثاب إلى نصف الحق ولم يثب إلى الحق كله، وأعلن أن الحكومة ستقدم مشروع هذا القانون واكتفى رئيس الشيوخ واكتفى الشيوخ منه بهذا الإعلان وكان الحق على رئيس الوزراء أن يلغي أمره الذي أصدره بعد أن تبين له خطأه وكان الحق على الشيوخ أن يطالبوه بهذا الإلغاء ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، وكان الحق على رئيس الوزراء أن يعطي على نفسه عهدا صريحا قاطعا بأنه لن ينذر ولن يعطل صحيفة بالطرق الإدارية حتى يصدر القانون الموعود. وكان الحق على الشيوخ أن يتقاضوه هذا العهد وأن يسجلوه عليه، ولكنه لم يفعل كما أنهم لم يفعلوا، أفهانت الحرية إذن على الناس وعلى الذين اؤتمنوا عليها وكلفوا حمايتها بحكم الدستور إلى حد أن أصبحت تهدر في هذا اليسر وتضيع في غير مشقة ولا عناء على أن التبعة في ذلك تتجاوز الوزراء وأعضاء البرلمان إلى الكتاب والمثقفين أنفسهم، فهم لم يغضبوا لحريتهم المهدرة كما لم ينبغي أن يغضبوا لها.
أشفقوا من السجن وأشفقوا من تعطيل الصحف وأشفقوا من أن تصيبهم الحكومة بما يكرهون، والحرية لا تعطى للناس ولا تهدى إليهم من الناس وإنما أعطيت لهم وأهديت لهم من الله وما أعطاه الله للناس لا يستطيع أحد أن يسلبهم إياه. والله لا يبيح للناس أن يطيعوا المخلوق في معصية الخالق، والدستور لا يبيح للمواطنين أن يطيعوا الحكام في مخالفة الدستور، ولو علم رئيس الوزراء أن الكتاب والمثقفين لا يرضون الظلم ولا يخافونه ولا يشفقون من السجن ولا من تعطيل الصحف وإنما يؤثرون حريتهم على هذا كله لأشفق هو من إيذائهم في حريتهم لأنه لا يستطيع أن يرسل الكتاب والمثقفين جميعا إلى السجن ولا يستطيع أن يعطل الصحف جميعا بغير الرجوع إلى القضاء.
إني أدعو رئيس الوزراء وزملاءه وأدعو الكتاب والمثقفين إلى كلمة سواء هي قول الله عز وجل: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعمًا يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا.
وأؤكد لرئيس الوزراء وزملائه وأؤكد للكتاب والمثقفين جميعا إني – وأنا لا أملك إلا نفسي – سأكون عندما يريد الله لكل رجل كريم أن يكون فلا أقبل في حرية الرأي هوادة ولا مصانعة ولا جدال، وويل للمثقفين بل ويل للأحرار إذا استطاع الخوف أن يحملهم على التفريط في الحرية.
طه حسين
صوت الأمة، ٢٩ يوليو سنة ١٩٤٦. -
أجد أم مزاح
أجد أم مزاح
بقلم الدكتور طه حسين بك
يقال أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه بعد أن حجبت عنا أعواماً طوالاً. ويقال كذلك أن البرلمان قد شكر لرئيس الوزراء بيانه الرائع البارع الذي رد إلينا فيه الحرية باسمة الثغر وضاءة الجبين. ويقال بعد هذا وذاك أن الصحف نفسها قد رضيت عن هذا البيان الذي أطلق به رئيس الوزراء حريتنا بعد أن ظلت في غيابات السجن ما يكاد يبلغ ستة أعوام.
يقال هذا ويقال أكثر من هذا. فهل يأذن لي رئيس الوزراء في ألا أصدق أن الحرية قد ردت إلينا سمحة مشرقة الوجه، وفي أن أرجو من الشعب ألا يصدق أن الحرية قد ردت إليه باسمة الثغر وضاحة الجبين. وإنما هذه الحرية التي أرسلها رئيس الوزراء حين شاء ليستردها متى شاء تذكرنا بصاحبة بشار تلك التي يقول فيها قوله المعروف:
صدت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
فنحن أحرار ما أراد لنا رئيس الوزراء أن نكون أحراراً، ونحن مقيدون متى أراد رئيس الوزراء أن يلقي في أعناقنا وفي أيدينا وأرجلنا ما يحب أن يلقي من القيود والجوامع والأغلال.
وتفسير ذلك يسير جداً. فرئيس الوزراء لم يعلن إلينا إلا أنه قرر مع زملائه أن يردوا إلينا الحرية في حدود معينة وشروط مبينة. فإن خالفنا عن هذه الحدود وتجاوزنا عن هذه الشروط فمن حق رئيس الوزراء وزملائه أن يستردوا المنحة ويرجعوا في الهبة ويردونا كما كنا قاصرين لا نملك من أمر قلوبنا وعقولنا وألسنتنا وأقلامنا شيئاً.
ولقد ذكرت حين قرأت بيان رئيس الوزراء، وما قيل حوله من الكلام، وما كتب حوله من الفصول، كلاماً آخر كتب وأذيع ونطق به الممثلون في باريس قبل الثورة الفرنسية بست سنين أي منذ أكثر من قرن ونصف قرن حول حرية الرأي. وفي هذا الكلام أن نظاماً للحرية قد أقيم في مدريد يبيح للناس أن يقولوا ما يشاءون وأن يكتبوا ما يشاؤون بشرط ألا يعرضوا للسلطان، ولا للدين ولا للسياسة ولا للأخلاق، ولا لأصحاب المناصب، ولا للهيئات التي يثق بها الناس، ولا للأوبرا، ولا للتمثيل بوجه عام، ولا للأشخاص الذين ينهضون ببعض الأمر فإذا تركوا هذه الأشياء كلها فمن حقهم أن يكتبوا أحراراً كل شيء على أن يخضع ما يكتبون لمراجعة رقيبين أو ثلاثة من الرقباء.
كذلك قال الكاتب الفرنسي سنة ١٧٨٤ ونستطيع نحن أن نقول شيئاً يشبه ذلك سنة ١٩٤٥. ولست أرى بين الكاتب الفرنسي وبيننا فرقاً عظيماً فكل هذه الموضوعات التي أشار إليها الكاتب الفرنسي يمكن تأويلها نحوًا من التأويل، وتمكينها نحوًا من التمكين من أن تتصل بالأمور العسكرية أو بالتموين أو بالأمن أو بما شئت من هذه الأشياء المقدسة التي لا يصح أن تمس من قريب أو من بعيد إلا بإذن الحاكم العسكري العام وأعوانه من الرقباء.
وكل ما في الأمر أن هؤلاء الرقباء لا يستقرون في دور الصحف وإنما يستقرون حيث يريد لهم الحاكم العسكري أن يستقروا، ولا يراقبون المقال قبل أن ينشر ليمنعوا نشره، وليريحوا الكاتب والناشر من احتمال التبعات وإنما يراقبونه بعد أن يذاع ليأخذوا الكاتب والناشر والصحيفة بهذه التبعات، وبهذه التبعات كما يفهمونها هم لا كما يصورها القانون العام، ولا كما تصورها النيابة ولا كما يقدرها القضاء. ونحن بعد ذلك ومع ذلك أحرار نكتب ما نشاء وبهذه الحرية التي أهداها إلينا رئيس الوزراء فرح الشيوخ، وفرح النواب، وصفق الصحفيون، وابتهج الشعب فيما يقال. فليأذن لي رئيس الوزراء في ألا أفرح، وألا أصفق ولا أبتهج لأنه لم يهد إلينا شيئاً، ولم يطلق لنا حرية وإنما نظر إلينا نظرة إن رضي بها غيري فلست أرضاها، لأني لا أحب أن تنظر الحكومة إلى الشعب نظرتها إلى الطفل الذي يخدع بالأوهام ويعلل بالأماني والآمال.
إنما يرد إلينا رئيس الوزراء حريتنا كاملة وينظر إلينا رئيس الوزراء نظرة الثقة والاحترام، نظرة الرجل الرشيد إلى الرجال الراشدين يوم يلغي هذه القيود التي تقيد الحرية إلغاءً صحيحاً، بحيث لا يستطيع أن يرجع فيه إلا إن أجاز له البرلمان أن يرجع فيه. فإما أن يتفضل على الشعب بهذا الفضل الشاحب فيقول له إني قد أجزت لك الحرية وقتًا ما، لأرى أتحسن الانتفاع بها والاستمتاع بفوائدها أم تسيء ذلك وأنا الحكم في إحسانك حين تحسن وفي إساءتك حين تسئ. فإن رضيت عنك متعتك بهذه الحرية وإن سخطت عليك حرمتك هذه الحرية أقول إما أن يتفضل رئيس الوزراء على الشعب بهذا الفضل الشاحب فشيء لا يلائم كرامة الشعب من جهة ولا يلائم موقف الحكومة الديمقراطية من الشعب الديمقراطي من جهة أخرى فالديمقراطية لا تنظر إلى الحكومة على أنها وصية رشيدة على شعب قاصر، تستطيع أن تمنحه وأن تمنعه وأن تعطيه وأن تحرمه متى شاءت لا متى شاء، وإنما تنظر إليها على أنها خادم للشعب، تأتي من الأمر ما يريد وتدع من الأمر ما لا يريد، ولسان الشعب الذي يستطيع أن يأمر الحكومة بأن تفعل وينهاها عن أن تفعل هو البرلمان.
فهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه رئيس الوزراء؟ وهل هذا هو الوضع الذي انتهى إليه البرلمان! كلا، وإنما أطلق رئيس الوزراء الحرية بيده اليسرى وأمسكها بيده اليمنى وصفق البرلمان ورضيت الصحافة وانتهى الأمر وما ينبغي أن ينتهي!
إن مثل هذه الحرية التي يطلقها رئيس الوزراء بيد ويمسكها بيد أخرى مثل الظبية الشرود التي تحب الحياة السمحة في الفضاء الرحب قد أخذها الصائد فشدها إلى وتد في فناء داره فلما طال عليها العناء وألحت في الشكوى، وظهر عليها الضعف والهزال والشحوب رق لها الصائد، ولكنه حرص عليها، فلم يرسلها حرة تهيم في الفضاء الرحب كما تريد وإنما مد لها الحبل وأرخاه فجعلت تذهب وتجيء تظن أنها حرة. ولكن الصائد ينظر إليها ضاحكاً لأنه يعلم أنها لن تستطيع أن تمضي إلى غير مدى، وإنما هي مضطرة إلى أن تقف حين ينتهي الحبل إلى غايته، وهو قادر على أن يجذب الحبل إليه متى شاء ليردها إلى مكانها من الوتد فلا تستطيع أن تذهب ولا أن تجيئ.
هذا هو المثل الدقيق للحرية التي أطلقها رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي وأنا أعلم حق العلم أن الشعوب المتحضرة لا تستطيع أن تهيم في أجواء الحرية المطلقة كما تهيم الظباء الوحشية في الفضاء الرحب وإنما الشعوب مضطرة إلى حدود لا ينبغي أن تعدوها وآماد لا ينبغي أن تتجاوزها ولكن هذه الحدود والآماد لا تقام في مكتب الحاكم العسكري ولا في مكاتب الرقباء وإنما تقام في مكتب النائب العام وفي دور القضاء.
وهل يريد رئيس الوزراء مثلاً آخر لرقبائه، هؤلاء الذين أطلقتهم بالأحكام العرفية فانبثوا في دور الصحف وسيطروا على الطبع والنشر، ثم جذبهم إليه رئيس الوزراء يوم الإثنين الماضي استقروا في مكاتبهم لينطلقوا منها إن أرادهم رئيس الوزراء على الانطلاق، فهم أشبه شيء بهذه الدمى التي يخوف بها الأطفال مرة ويلهون بها مرة أخرى، والتي يرجع أمرها إلى خيط قد أمسكهم ممسك من وراء الستار، فهو يبسطه حيناً فتصول الدمى وتجول ويقبضه حيناً آخر، فتسكن الدمى وتستقر. وهو يبسط الخيط متى شاء ويقبضه متى أحب ليس لأحد أن يسأله لماذا يبسط ولماذا يقبض وإنما الأمر موكول إلى إرادته وإلى رضاه.
أفيظن رئيس الوزراء أن هذا اللون من السياسة هو الذي يلائم شعباً كريماً يريد أن يحيا حياة كريمة في ظل دستور حر كريم. وفيمَ هذا كله! ولحماية من يصنع هذا كله! ولحماية ماذا يصنع هذا كله! أما الشئون العسكرية فأمرها مفروغ منه. ونحن متفقون على أن الغلو في حمايتها احتياط لابد منه، وأما ما عدا هذه الشئون من أمور الحياة المصرية وضروراتها فما الذي يمنع الحكومة من أن تتقدم في شأنها بما تشاء من القوانين ليقرها على وجه الاستعجال كما يقولون والبرلمان في هذا العام هادئ مطمئن قليل العمل قليل الاجتماع. فلو قدمت إليه القوانين لما تردد في أن يجتمع ولما تردد في أن يعمل.
وإذن فلحماية من تبقى الأحكام العرفية، ولحماية ماذا تبقى الأحكام العرفية، أخشى أن يلقي في روع الناس أن الأحكام العرفية إنما تبقى لحماية لون من الحكم لا يستطيع أن يعيش إلا إذا حمته هذه الأحكام. ولست أشك في أن رئيس الوزراء ينكر هذا كل الإنكار. وأنا أيضاً أريد أن أنكره كل الإنكار. وأنا من أجل هذا أطلب إلى رئيس الوزراء أن يلغي هذه القيود إلغاءً صحيحاً يجعل إعادتها كلها أو بعضها موقوفاً على رضي البرلمان. فإن لم يفعل رئيس الوزراء وما أرى أنه سيفعل فإني أطلب إلى البرلمان أن يخطو هذه الخطوة وأن يشرع القانون أو يتخذ الإجراء الذي يراه ليجعل إلغاء هذه القيود جدًّا لا فكاهة وحقيقة لا وهماً، وليكفل الحريات ويرد أمرها لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى الحاكم الفعلي العسكري. فإن لم يفعل البرلمان وإن لم تفعل الحكومة فمن حقنا أن نعتقد أن الحرية وما يتصل بها في مصر ليست إلا كلاماً من الكلام ومزاحاً من المزاح.
طه حسين
البلاغ، ١٤ يونيه ١٩٤٥. -
ناد
ناد
أراد صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاؤه، بعد أن انفصلوا من الوفد المصري، أن يخلوا لهم ناديًا يأوون إليه ويلتفون فيه، ويجتمعون فيه إلى من قد يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم من الناس. وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه منازع، ولا يحرمهم فيه أحد. وقد استمتعوا بهذا الحق فأنشأوا ناديهم، وافتتحوه أمس، ووسعهم — لحسن حظهم، ولحسن حظ الحرية السياسية — صدر الوزارة القائمة، على شدة ضيقه بالأندية السياسية الأخرى، وما يكون فيها من اجتماع وحديث.
وألقى صاحب السعادة حمد باشا الباسل في ناديه الجديد خطبة سياسية، ما كنا نحب أن نعرض لها، وما نحب أن نطيل القول فيها، لولا ملاحظات نحب أن نسجلها مسرعين. ولعل هذه الملاحظات تنتهي آخر الأمر إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الخطيب وأصدقاءه يتعمدون الإعراض عن الحقائق الواقعة والانصراف عنها، ويخلقون لأنفسهم جوًا من الخيال غريبًا يعيشون فيه، ويحسبون أنهم يعيشون مع الناس. وهذا الجو الخيالي الخاص، الذي لا يعتمد على الحقيقة الواقعة في قليل ولا كثير، ليس من شأنه أن يسبغ على الذين يعيشون فيه الظفر بالفوز وتحقيق الآمال السياسية. فليست سياسة الشعوب خيالًا ولا وهمًا، وإنما هي أعمال قد تستعين بالخيال لتحقيق المطالب الوطنية.
وأوضح شيء على أن الخطيب وأصدقاءه قد خلقوا لأنفسهم جوًا من الخيال وعاشوا فيه، هو هذا الاسم الذي سموه لأنفسهم وأسبغوه على ناديهم. فهم يسمون أنفسهم «الوفد السعدي»، ويضيفون ناديهم إلى وفدهم السعدي هذا، وهم يعلمون حق العلم أن هذا الاسم لا يدل على شيء حين يطلقونه على أنفسهم، وحين يحلون به ناديهم. وليس الوفد اسمًا ولا لفظًا، وإنما الوفد قوة حقيقية قائمة يستطيع كل إنسان أن ينظر إليها، وأن يمتحنها، وأن يحقق فيها النظر، ويلح عليها بالامتحان. وهذه القوة لا تقوم على الخيال، ولا تعتمد على الوهم، وإنما تقوم على الناس الذين يكونونها ويجعلونها حقيقة واقعة ملموسة، تراها كل عين، وتلمسها كل يد، وتغص بها كل وزارة لا تريد أن تعمل لمصر، ولمصر وحدها.
هذه القوة مكونة من هؤلاء الأعضاء الذين يتألف منهم الوفد، ومن هؤلاء النواب والشيوخ الذين تتألف منهم الهيئة الوفدية، ومن هذه اللجان المنبثة في أقطار مصر والمنتشرة في أرجائها، ومن هذه الملايين التي تؤلف الكثرة العظمى لهذا الشعب الكريم.
هذه هي القوة التي تجعل الوفد وفدًا، والتي تبيح للوفد أن يسمى نفسه وفدًا، والتي تمكن الوفد من أن يتخذ لنفسه في السياسة خطة ينفذها، ومن أن يرى خطة أخرى لا تلائم رأيه ومبدئه فيصد عنها وينفر منها، لأنه يعلم حق العلم أنه مؤيد بهذه الملايين حين يأتي في السياسة ما يأتي من الأمر، وأنه مؤيد بهذه الملايين حين يدع من السياسة ما يدع من الأمر، وأنه معبر عن آمال هذه الملايين ومثلها العليا حين يسعى إلى الاستقلال ويجد في تحقيقه، وأنه ناطق بلسان هذه الملايين حين يقول في السياسة نعم، وحين يقول في السياسة لا.
وصاحب السعادة خطيب أمس وأصدقاءه يؤمنون الإيمان كله بأننا لا نغلو في ذلك ولا نسرف، وهم يؤمنون الإيمان كله بأنهم قد يقدمون غدًا على أمر من الأمور فلا يقدم معهم أحد، وبأنهم قد يحجمون غدًا عن أمر من الأمور فلا يحجم معهم أحد، وبأنهم قد يقولون نعم فتقول الأمة لا، وقد يقولون لا فتقول الأمة نعم. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟ وفيم رضاهم بالألفاظ، وهم يعلمون حق العلم أن الألفاظ كثيرًا ما تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اللّٰه عنده فوفاه حسابه؟
هذا مظهر من مظاهر هذا الجو الخيالي الذي خلقه صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه، وأخذوا على أنفسهم الحياة فيه. ومظهر آخر ليس خيرًا من هذا المظهر، ولكنه مثله سراب ليس من ورائه شيء، وهو هذا البقاء على حب الوزارة القومية، وهذا التعلق بأسماء، والتشبث بأهداب، بعد أن أصبح تأليفها على الوجه الصحيح المنتج في هذه الظروف التي تحيط بمصر شيئًا لا أمل فيه ولا سبيل إليه.
إن الذين يذكرون الوزارة القومية جادين غير لاعبين، ناصحين للأمة غير مستدرجين لها إلى ما لا تحب، يعلمون حق العلم أن هذه الوزارة لن تكون قومية حقًّا إلا إذا قبلها الوفد وهذه الملايين التي تؤيده كل التأييد، وتثق به كل الثقة، وتطمئن إليه كل الاطمئنان. فإذا كانت الظروف السياسية الحاضرة تمنع الوفد من الاشتراك في هذه الوزارة، فمن العبث أن تسمى وزارة قومية، لأنها ستكون — كما قال بعض الوزراء السابقين — قومية بلا قوم، وشعبية بلا شعب. وسيكون حظها من هذا الاسم كحظ الخطيب وأصدقاءه من اسم الوفد، وكحظ ناديهم من إضافته إلى الوفد.
نعم، إذا أبى الوفد أن يشترك في هذه الوزارة إلا بعد أن تستفتى فيها الأمة فتفتِي بها، وبعد أن تعبر الأمة بالانتخابات الحرة المطلقة عن رغبتها فيها وحرصها عليها، فلن تكون هذه الوزارة التي تؤلف اليوم أو تؤلف غدًا دون اعتماد على إرادة الأمة وزارة قومية، ولكنها ستكون وزارة حزبية، تؤلفها هيئة واحدة، أو تؤلفها هيئتان، أو تؤلفها هيئات مهما تقل في نفسها، فلن تستطيع أن تزيد على أنها تمثل أعضاءها ومن يتصل بهم من الأفراد، وهي بعيدة كل البعد عن أن تمثل كثرة الأمة، أو أن تمثل من الأمة قلة لها خطر صحيح في الحياة الديمقراطية الدستورية الصحيحة. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟
صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه أحرار في أن يتعللوا بالأمل، ويتعلقوا بالخيال، ويسموا أنفسهم كيف شاءوا، ولكنهم يرون معنا فيما نظن أنهم يتجاوزون الحق، ويسرفون على أنفسهم حين يضيفون آراءهم إلى غيرهم، وحين يزعمون على غيرهم ما لم يفعلوا، ويقولون عليهم ما لم يقولوا. وقد زعم الخطيب أمس أن الوفد أقر بالإجماع منذ عام قبول وزارة تكون مهمتها العود إلى دستور عام ١٩٢٣، وإجراء انتخابات حرة، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق عادل شريف ترضاه البلاد ممثلة في برلمانها المنتخب انتخابًا حرًّا.
والخطيب وأصدقاءه يعلمون حق العلم أن إجماع الوفد لم ينعقد في يوم من الأيام على كل هذا، وإنما اتفق الوفد على بعضه، واختلف في بعضه الآخر. ولولا هذا الاختلاف لما وضعت هذه الجملة: «على أن تجرى في شأن الوزارة بعد الانتخابات أحكام الدستور». فكيف تجرى أحكام الدستور بعد الانتخابات على وزارة تقيدت يوم تأليفها باستئناف المفاوضات؟ إن أحكام الدستور حين تجرى على وزارة بعد الانتخابات قد تضطرها إلى الاستقالة قبل أن يجتمع البرلمان، وقد تضطرها إلى الاستقالة بعد اجتماع البرلمان وقبل أن تبدأ في المفاوضات. فلو كان إجماع الوفد منعقدًا على كل ما قاله الخطيب لما وضع هذا الشرط، إنما وضع ليجعل هذه الوزارة وزارة انتقال لا غير، تعيد الدستور، وتصلح ما تستطيع من الأمور، وتجري الانتخابات الحرة، حتى إذا تمت الانتخابات وظهرت نتائجها، جرت أحكام الدستور، وردت أمور الأمة إلى الشيوخ والنواب الذين يمثلون الأمة.
هذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو الذي يعلمه الخطيب وأصدقاءه، وهو الذي تنطق به محاضر الوفد في جلساته التي عرض فيها لهذا الموضوع. وإذن فبِمَ يلبس الخطيب الأمر على الناس، ويضيف إلى غيره آراء لم يروها، ومذاهب لم يتورطوا فيها؟
وله ولأصدقائه أن يروا ما يشاءون، وأن يجدوا في تحقيق آرائهم، وأن يجربوا حظهم السياسي منفردين، وأن يمتحنوا ثقة الأمة لهم وتأييدها إياهم، ولكن ليس لهم أن يزعموا أن غيرهم يشاركهم في هذه التجربة أو يظاهرهم عليها. ولو كان الأمر كما يزعمون لما كانت فرقة، ولم يكن خلاف، ولما وقف الخطيب أمس يفتتح ناديه الجديد.
كل هذا يبين ما قلناه آنفًا من أن الخطيب وأصدقاءه يعرضون عن الحقائق الواقعة، ويخلقون لأنفسهم جوًّا من الخيال يعيشون فيه.
ويقول الخطيب: «إن الوفد إن قبل الحكم حين تدعوه الظروف إليه، فهو لم يؤلف للحكم، وإنما ألف لنضال، وإذن فمن حسن النضال أن لا يسعى الوفد إلى الحكم، وألا يلح في السعي إليه، وألا يظهر من سعيه وإلحاحه في السعي ما يطمع الإنجليز فيه ويغريهم به، ويمكنهم من إملاء الشروط عليه. إنما النضال الصحيح أن يحتفظ الوفد بالكرامة القومية والعزة القومية، وأن يعصم الروح الوطنية من الضعف، وجذوة المقاومة من الخمود، وأن يبين للإنجليز وللعالم كله في وضوح، وجلاء أنه فوق الخوف، وأنه فوق الإغراء، وأنه أعز وأقوى من أن تضعفه التجارب وتفسد عليه المحن أمره، وأنه أثبت على النضال من أن يبلغ منه الإنجليز بترغيب أو ترهيب، وأنه قد رسم لنفسه خطة فهو ماض في تحقيقها، لا ترده عنها قوة مهما تكن، ولا تلهيه عنها حيلة مهما تكن، حتى إذا أخفقت التجارب وفشلت المحاولات، وعرف الإنجليز أن أمر مصر يجب أن يكون لمصر، نزلوا هم عن شروط مصر، ولم يزلوها عند شروطهم وعلى أحكامهم».
كذلك يكون النضال. ونحن نعلم أنه طويل، ونحن نعلم أنه شاق، ونحن نعلم أنه محفوف بالأذى، ونحن نعلم أنه مملوء بالخطر، ولكننا على ذلك كله، ولذلك كله، نعلم أنه النضال الذي يليق بالرجال، والذي يمكن الأمة من أن تكون أمة حقًّا، ويرغم الإنجليز على أن يقدروا كرامتها، ويرعوا حرمتها، ويؤمنوا لها حقها كاملًا غير منقوص.
فليتعجل الحكم من لا يستطيع الصبر عن الحكم، وليصبر على الأذى، من يؤثر العزة والكرامة على الخوف من الأذى، وليذكر أولئك وهؤلاء أن من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وإن اللّٰه لا يضيع أجر العاملين.
كوكب الشرق (حديث المساء) في ٢٩ – ٤ – ١٩٣٣ -
العفو
العفو
إذا مرض الممثلون انصرفوا عن التمثيل، وإذا مرض المغنون كفّوا عن الغناء، وإذا مرض اللاعبون أعرضوا عن اللعب، وإذا مرض الوزراء تعلّقوا بالوزارة، وتهالكوا عليها، وشدّوا أجسامهم إلى كراسيها بأمراس من الكتان، كما يقول امرؤ القيس.
ومن الممثلين والمغنين من يعتزلون التمثيل ويكفّون عن الغناء قبل أن تتقدم بهم السن، ويدركهم الضعف؛ لأنهم يعلمون حق العلم أن لكل شيء أمدًا لا يتجاوزه، وحدًا لا يعدوه. وأنهم إن مضوا في التمثيل والغناء حتى يدركهم الضعف عجزوا وقصروا، وأثاروا في النفوس عاطفتين مختلفتين: عاطفة السخط عند قساة القلوب المؤثرين لأنفسهم باللذة والمتاع، وعاطفة الرحمة والإشفاق عند رقاق الأفئدة، الذين يؤثرون الضعفاء بالعطف والرثاء.
وقد رأينا الممثلة الشهيرة «مارتيه» تترك بيت موليير سنة ١٩١٧ وهي في أوج مجدها؛ لأنها كرهت أن تتقدم بها السن فيتحول إعجاب الناس بها رثاءً لها، أو سخطًا عليها. ورأينا «سلفان» الممثل العظيم يبقى في بيت موليير على تقدم سنه حتى لقِيَه قوم بالرثاء، وآخرون بالصفير والعلاء.
وكذلك رأينا من رؤساء الوزارات من يحس الضعف أو تعتل صحته اعتلالًا يسيرًا فيستقيل، حتى لا تتعرض مصالح الدولة للخطر، وحتى لا تصبح كفايته مثارًا للقيل والقال. ورأينا منهم قومًا يلمّ بهم المرض فيطيل الإلمام، وينزل بهم الضعف فيطيل الإقامة، فلا يستقيلون ولا يستمعون لنصح الناصحين بالاستقالة، وإنما يحتفظون بمناصبهم، وكأنهم لا يكرهون أن يكون المرض لهم رفيقًا في طريقهم هذه التي يسلكونها في بطء، حتى يتهووا إلى غايتها، وهي اعتزال الحكم راضين أو كارهين.
رأينا من الممثلين أولئك وهؤلاء، ورأينا من رؤساء الوزارات أولئك وهؤلاء، وثارت في نفوسنا لأولئك وهؤلاء عواطف الرحمة حينًا، وعواطف الضيق والسخط عليهم حينًا آخر. وكم كنا نحب أن يكره رئيس وزرائنا لنفسه أن يثير هذه العواطف أو تلك. فهذه الصحف قد أخذت أمس واليوم تعلل اضطرابه وتهافته أمام تلك البرقية التي نشرتها الأهرام أول أمس، واستلحقتها بالبلاغ أمس، بأن صحته قد ضعفت، وأعصابه قد وهت، فأصبح عاجزًا عن المقاومة، قاصرًا عن ضبط النفس والسيطرة على الأمور. ولو كان صحيحًا قويًا موفور النشاط، مسيطرًا على نفسه وعلى غيره أيضًا، لما احتاج إلى هذا التصريح الطويل الذي أذاعه في الصحف أمس، والذي لا يثبت شيئًا ولا ينفي شيئًا، ولا يدل إلا على شيء واحد، هو أن الأمور قد أفلتت منه، وتفرقت عليه، فلا يستطيع لها ضبطًا ولا تصريفًا!
والناس يزعمون أن من أشد أعراض المرض الذي نرجو أن يبرئ اللّٰه منه رئيس الوزراء: النسيان، واعوجاج التفكير، والعجز عن حسن الاستنباط. وقد كان جماعة منهم يتحدثون أمس في تصريح رئيس الوزراء، ولم يكونوا جميعًا من خصوم الرئيس، ولم يكونوا جميعًا من أصدقائه؛ وإنما كان منهم من يخاصمه، وكان منهم من يؤيده ويسرف في تأييده. وكانوا جميعًا ينكرون هذا التصريح؛ ينكره بعضهم في سخط، وهم الأصدقاء، وينكره بعضهم الآخر في إشفاق، وهم الخصوم.
ووقفوا جميعًا عند آخر هذا التصريح حين يتحدث رئيس الوزراء عن أسطورة الوزارة القومية، فيضع لهذه الوزارة شروطًا وقيودًا كتلك التي وضعها السير برسي لورين منذ عام، والتي نشرتها «الأفريكان وورلد»، وتحدثت عنها الأهرام، وخاضت فيها الصحف منذ أسابيع، والتي تحتم على الذين يميلون إلى الوزارة القومية أن يؤمنوا بالدستور الجديد، ويذعنوا لمنفذيه، ويضعوا أيديهم في أيدي هؤلاء المنفذين، والتي ترى أن في البلاد دستورًا يجب أن يُطاع ويُحترم، وأن هذا الدستور يقتضي ألا تؤلف الوزارات القومية إلا على اتفاق مع الأحزاب البرلمانية القائمة!
وقف هؤلاء الناس عند هذا الموضع من تصريح رئيس الوزراء، فضحك بعضهم منه، ورثى بعضهم له. وقال بعضهم لبعض: لقد نهض رئيس الوزراء بالحكم منذ ثلاثة أعوام، وفي مصر دستور قائم كان رئيس الوزراء ممن أقسم يمين الإخلاص له والوفاء بحقه. وفي مصر برلمان أنشأه هذا الدستور، وكان من الحق على كل من يؤلف الوزارات أن يتفق مع أحزابه، ويجدّ في الظفر بثقته والوصول إلى رضاه. فما بال رئيس الوزراء لم يرع هذا الأصل الدستوري يوم ألف وزارته؟ ما باله لم يذعن للدستور ولم يرع حرمته، وقد كان أقسم ليذعنن له، وليرعين حرمته؟ ما باله لم يقم وزارته على رضا البرلمان والاتفاق مع أحزابه؟ ما باله ألغى ذلك الدستور، واستحدث مكانه دستورًا آخر، وصرف ذلك البرلمان، وأقام مكانه برلمانًا آخر؟ أكان يومئذ يؤمن بأنه يقترف إثمًا، فمن أظلم ممن يقترفون الإثم وهم يعلمون أنهم آثمون؟ أم كان في ذلك اليوم يؤمن بأنه إنما يأتي أمرًا مباحًا، فما بال هذا الأمر يباح له ويحرم على غيره؟ ومن الذي زعم أن مقاييس الأخلاق والقانون والنظام تقصر على رجل دون رجل، وعلى فريق دون فريق، فيُرى شرًّا ما يأتيه صدقي باشا، ولا يُرى شرًّا ما يأتيه غير صدقي باشا؟
إن الذين يشرعون للناس هذه السنن السيئة خليقون ألا يغضبوا ولا يسخطوا حين يلقاهم الناس بما شرعوا لهم من شر. إن الذين يفتحون للناس أبواب الخروج على النظام والاعتداء على الدستور خليقون ألا يجزعوا حين يدخل الناس من هذه الأبواب التي فتحوها، فيهيئوا أنفسهم ليحدثوا مثل ما أحدث السابقون لهم، والدافعون لهم إلى الشر. إن الذين يعرضون للنظم القائمة فيبدلون فيها ويغيرون، لا لشيء إلا لأنها لا تلائم آراءهم وميولهم ومنافعهم، خليقون أن يعلموا أنهم يفرضون على أمة كاملة هذه الآراء الخاصة، والميول الخاصة، والمنافع الخاصة؛ فهم خليقون أن يلقوا من غيرهم مثل ما لقِيَ غيرهم منهم، فضلًا عن أن تحاسبهم الأمة على ما أهملوا من منافعها، وما ضيعوا من حقها، وما أهدروا من كرامتها.
لقد شرع رئيس الوزراء للطامعين في الحكم، والمتهالكين عليه، سنة إلغاء الدستور وصرف البرلمان. فلا ينكر أن ينجم في مصر من أصدقائه أو من خصومه من يفعل اليوم بالدستور الجديد والبرلمان الجديد مثل ما فعل هو أمس. وما دام الطمع في الحكم، والطموح إلى السلطان، والجشع إلى المناصب وما تغل من ثروة وجاه، ما دام هذا كله يبيح للناس أن يحنثوا في الأيمان، وأن يلغوا المواثيق والعهود، وأن يضعوا دستورًا مكان دستور، ويدعوا برلمانًا مكان برلمان، فقد فُتح على الأمة باب شر عظيم، وقد وُضعت حياة الأمة على شفا هوة عميقة توشك أن تتردى فيها بسياستها وأخلاقها ونظمها الاجتماعية، إذا لم يكن لها من الصبر والثبات وضبط النفس، والأمل في المستقبل، والثقة باللّٰه، ما يعصمها من السقوط.
تحدث أولئك الناس بهذا كله، وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما نمّ على نفسه بهذا الحديث. وقال بعضهم لبعض: لولا أن رئيس الوزراء مريض لما قال في نفسه بلسانه وفي صحيفته ما يقول خصومه فيه منذ ثار بالدستور فألغاه، ومنذ ثار بالبرلمان ففرقه، ومنذ ثار بالحرية فألقاها في أعماق السجون، وقيدها بأثقل القيود والأغلال.
ولولا أن رئيس الوزراء مريض لما أنكر على خصومه ما أباحه لنفسه، ولما نهى الناس اليوم عما كان يدعوهم إليه منذ أعوام. فإلام كان يدعو رئيس الوزراء حين ألف وزارته؟ كان يدعو إلى الثورة بالدستور، وكأن يدعو إلى الخروج على النظام. ولو أنه دعا إلى ذلك وألح فيه قبل أن يتولى الوزارة ويظفر بانحياز الإنجليز له، وتأييدهم إياه، لكان حق الحكومة القائمة يومئذ أن تقفه أمام القضاء ليسأله عن ثورته بالدستور وخروجه على النظام. ولكنه فعل ذلك وهو رئيس الوزراء، فعل ذلك وأزمة الحكم في يده، وقوة الدولة مسخرة له، فلم يستطع أحد أن يقفه أمام القضاء، ولا أن يأخذه بما فعل. وإنما استطاع معارضوه، الذين كانوا يومئذ وما يزالون ينصرون القانون، ويؤيدون الدستور، ويرعون حرمة النظام، استطاع هؤلاء المعارضون أن ينكروا عليه سيرته، وهم ما يزالون ينكرون عليه سيرته، وقد لقوا منه، وما يزالون يلقون منه، شرًّا عظيمًا وبلاءً ثقيلًا.
بهذا كله تحدث أولئك الناس أمس. ويستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الناس يتحدثون بهذا وبأكثر منه، وأن الناس سيتحدثون بهذا وأكثر منه ما دام مستأثرًا بالحكم، مسيطرًا عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بأن الذين يزينون له موقفه، ويصورون له أنه منتصر على طول الخط، وأن رأي الناس فيه حسن كل الحسن، يخدعونه ويكذبون عليه. يستطيع رئيس الوزراء أن يثق بهذا، وأن يرجع به على نفسه، وأن يفكر فيه فيطيل التفكير. وهو إن فعل لم يلم هؤلاء الذين يحلمون بالوزارة القومية ويسعون إليها إن فكروا في أن ينتهزوا الفرص ويثبوا إلى الحكم دون أن يتقدموا إليه بالمودة، أو يضعوا يدهم في يده.
فهم لم يريدوا ذلك حين كان قويًا، فأجدرهم ألا يريدوا ذلك وهو ضعيف. وهم حين يتهيأون لتنحيته عن الحكم وخلافته فيه لا يزيدون على أن يفعلوا مثل ما فعل، لأن مقياس الحكم الآن في مصر قد أصبح – مع الأسف الشديد – بفضل صدقي باشا وأمثاله، هو القوة، والقوة وحدها، دون النظام ودون الدستور.
أما مصر، التي ينجم فيها الطامعون، ويعبث بحريتها العابثون، ويطمح إلى إذلالها الطامحون، فهي ثابتة في مكانها، لا تحب الكيد ولا تميل إليه. وهي تكره الحكم الذي يأتي من بعيد لا من قريب، والذي ينشأ عن العبث بالدستور لا عن الدستور، والذي لا يكون مرآة لإرادتها الحرة، ورأيها المستقل، وصورة عزتها وكرامتها.
مصر هذه تكره من رئيس الوزراء ما فعل، ولا تريد أن تفعل كما فعل، وإنما تحتفظ بإيمانها، وحقها، وكرامتها. وهي واثقة أن هذه الحرب الخفية الظاهرة بين الطامعين في الحكم، والطامحين إليه، ستضعفهم جميعًا، وستستنفد قواهم جميعًا، وستقر الأمر بعد قليل في نصابه، وترده إلى أهله.
فليفكر رئيس الوزراء إن سمحت له صحته بالتفكير، وليعمل رئيس الوزراء إن سمحت له قوته بالعمل، وليجتهد رئيس الوزراء إن استطاع في أن يرد عن منصبه هذه النفوس التي تتصل به وتريد أن تشب إليه؛ هذه النفوس التي قرأت كلام رئيس الوزراء أمس، واعتداده بقوته، واشتراطه أن يضع الناس أيديهم في يده ليصلوا إلى الحكم، فلم تزد على أن نطقت بهذه الكلمة التي تدل على شيء كثير من الإكبار والتقدير:
العفو…!
كوكب الشرق ٢٧\٤\١٩٣٣ -
ثروت
ثروت
انقطعت أسباب الحياة بيننا وبين ثروت منذ شهرين ولم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات والرضا بما قضى الله من أن الأيام ستتبعها الأيام دون أن نلقاه أو نسمع له أو نتحدث إليه.
وليس مصدر ذلك أنه كان عظيم مصر رجاحة حلم ونفاذ بصيرة وذكاء فؤاد وسعة حيلة وتفوقًا في السياسة. فقد اجتمعت له كل هذه الخصال وخصال أخرى ولكنها تجتمع للناس من حين إلى حين وفي مختلف البيئات والأوطان، ثم يمضي هؤلاء الناس للقاء ربهم فيشعر مواطنوهم بما يحدثون من فراغ، ثم لا يلبثون أن يتعودوا فراقهم ويطمئنوا إليه راضين أو كارهين.
وقد فقدت مصر منذ أول هذا القرن طائفة من أبنائها الممتازين وجمت لفقدهم وناء بها رزؤها فيهم. ولكن الناس تعودوا الاطمئنان إلى أنهم قد مضوا إلى حيث لا يعودون ولكن قليلًا من هؤلاء تركوا في نفوس أصدقائهم آثارًا لا تمحى ولوعة لا تخمد ونارًا لا تزيدها الأيام إلا اضطرامًا ذاك لأنهم كانوا يملأون قلوب أصدقائهم ويطبعونها بطوابعهم ويصورونها بصورهم الخاصة فمهما تنقطع بينهم وبين أصدقائهم الأسباب فصورهم في القلوب ماثلة وأشخاصهم ملء النفوس وملء العقول وملء الحياة كلها. من هؤلاء قاسم أمين وعبد الخالق ثروت.
قاسم أمين وثروت باشا
وما نزال نسمع الذين عرفوا قاسمًا وأحبوه واتصلوا به يتحدثون عنه بأصوات يملأها الحب الحي القوي النشيط، هذا الود الذي يحتفظ به الأحياء للأحياء لا ذاك الود الوفي الشاحب الذي يصبغه النسيان بشيء من الفتور فيجعله أقرب إلى الذكرى القوية منه إلى صلات المودة التي يعرفها الناس في حياتهم العاملة.
نعم ما نزال نسمع أصدقاء قاسم يتحدثون عن صديقهم لا كما يتحدثون عن ميت قضى بل كما يتحدثون عن صديق غابر ويرجى أن يؤوب. ذلك لأن قاسمًا كان قد ملأ نفوس أصدقائه وما زال يملأها وسيملأها أبدًا.
أما ثروت فإن أصدقاءه والذين تشرفوا بالاتصال به يستطيعون أن يتحدثوا عنه الآن كما يتحدثون عن صديق غائب ولكنهم سيتحدثون عنه دائمًا هذا الحديث لأنه قد ملأ نفوسهم فلن تفرغ منه أبدًا.
ولئن لم أكن أعرف قاسمًا إلا من طريق آثاره وأحاديث أصدقائه فقد عرفت ثروت واتصلت به وأستطيع أن أتحدث عنه لو أن لي إلى هذا الحديث سبيلًا.
***
يقولون أن ثروت ظُلم في حياته وسينصفه التاريخ فأما أنه قد تعرض للعقوق والجحود وكفر النعمة فشيء لا شك فيه. أما أن التاريخ سينصفه فشيء لا شك فيه أيضًا، ولكن أي تاريخ؟
لن ينصفه التاريخ القريب أو قل لن يوفيه التاريخ القريب حقه من الإنصاف، وكيف السبيل إلى ذلك وليس بين المصريين الذين قضوا في هذا العصر الحديث رجل أثّر في حياة أمته الداخلية والخارجية تأثيرًا عميقًا بعيد المدى كثروت. نعم ليس بين المصريين في هذا العصر الحديث من أعطى أمته الدستور، وليس بين المصريين في العصر الحديث من كسب لأمته الاستقلال، وليس بين المصريين في العصر الحديث من نشر أعلام مصر المستقلة في أقطار الأرض إلا ثروت. فهو الذي فعل هذا كله. وهو حين فعل هذا كله قد تكلف فيه جهودًا وتجشم إليه أهوالًا واتصل في سبيله بأصحاب السلطان هنا وهناك، وكان بينه وبين أصحاب السلطان أولئك وهؤلاء خطوب لم يُعرف منها شيء ولن يُعرف منها شيء، حتى تنحل المسألة المصرية كلها وتصبح من حق التاريخ وحده.
لقد كانت حياة ثروت السياسية تضحية متصلة، فهو لم يطلب هذا المجد الذي يطلبه الزعماء والساسة ولم يكد يظفر منه بشيء. ولم تنتهِ تضحية ثروت بموته ولكنها متصلة مستمرة: فسيظل هذا الرجل العظيم مجهولًا شطرًا طويلًا من الدهر لأن منفعة أمته تقتضي ألا تظهر أعماله على وجهها الآن.
رحم الله ثروت ورحم الله قاسمًا إذ كانا فرعين كريمين لهذه الشجرة الخالدة الكريمة شجرة العمل المنتج في غير تحدث ولا تمدح ولا منّ ولا رغبة في المجد ولا تهالك على الشرف. أليس قاسم هو الذي قال: إن الوطنية الصحيحة تعمل ولا تتكلم. أليس ثروت هو الذي أنفق حياته السياسية عاملًا غير متكلم إلا أن يضطر فلا يقول إلا الشيء القليل! لم يتكلم حيًا ولن يستطيع أصحابه أن يتكلموا عنه ميتًا، فهو بهذا أصدق مثال وأقوى هذه الوطنية التي تعمل ولا تتكلم.
وهو كقاسم عمل حيًا وأوذي في حياته.
وهو كقاسم يعمل ميتًا دون أن ينصفه الأحياء.
ولكن قاسمًا عمل ويعمل للمرأة. أما ثروت فعمل لمصر كلها. قاسم يحرر المرأة وثروت يحرر مصر. ولعل صديقي هيكل لم يخطئ حين قدر أنه يحرر الشرق كله.
ثروت باشا صديقًا
غير إني لم أكتب لأتحدث عن ثروت زعيمًا إنما كتبت لأتحدث عنه صديقًا. ولعل خير حديث عن ثروت صديقًا إنما هو تصوير الفكرة التي كانت تملأ نفسه من الصداقة والأصدقاء ومن الصلة الاجتماعية عامة بينه وبين الناس. ولعل أصدق تصوير لهذه الفكرة جملة قالها ثروت نفسه ذات يوم حين استقالت وزارته الأولى ومضت على استقالته أسابيع غير طوال ولكنها كافية ليظهر فيها إخلاص المخلص له وانصراف المنصرف عنه بين أولئك الذين كانوا يتهالكون عليه ويسرفون في تملقه حين كان إليه السلطان. كنت عنده في جماعة من أصحابنا وكنا نتحدث في نفر من الناس لم تصرفهم الظروف السياسية الشديدة يومئذ عن الاتصال به والاختلاف إليه متعرضين في ذلك لسخط الساخطين وتنمر المتنمرين، وعن نفر آخرين من الناس كانوا يغشون داره صباحًا ومساء ما دام إليه الأمر حتى إذا اعتزل أنكروه وجهلوا الطريق إلى داره. وكان من حضر جماعة الحاضرين في الازدراء على هؤلاء وتنقصهم وأخذوا يثقلون على الرجل فيهم كأنما يريدون أن يضطروه إلى أن يُظهر رأيه، فقال مبتسمًا: من أخلص فلنفسه. ثم وجه الحديث وجهة أخرى.
فلم تكن الصلة بين الناس عند ثروت رهينة بقدر الناس بها أو حكمهم عليها وإنما كانت رهينة بقدرك أنت بها وحكمك أنت عليها. فأنت في مودتك لفلان لا تحفل رأي فلان في هذه المودة أو بعبارة أدق أنت لا تحرص على مودتك لفلان لأن فلانًا يجد في ذلك لذة أو منفعة أو غبطة، وإنما تحرص على هذه المودة لأنها تلائم نفسك ولأنك تجد فيها أنت رضا وطمأنينة وشيئًا من اللذة الراقية التي تسمو عن المنافع اليومية.
كذلك كان ثروت يفهم الصداقة ويقدرها فهو لم يكن يحب ويبغض إلا صدر في ذلك عن نفسه وعن مزاجه وعن طبيعته وعن عواطفه الخالصة. ولقد كانت نفسه رحمه الله كريمة. ولقد كان مزاجه رحمه الله صفوًا كله. ولقد كان طبعه – رحمه الله – نقاءً كله. ولقد كانت عواطفه – رحمه الله – عذبة كلها. فليس غريبًا أن تكون صداقته قوية باقية صافية عذبة لا تجد الأيام وأحداثها سبيلًا إلى تكديرها أو النيل منها. ذلك لأن صداقته لم تكن رهينة بالمنافع وأعراض الحياة إنما كانت رهينة بمزاجه وأخلاقه. وأشهد لقد كانت الخصومة السياسية تشتد بينه وبين بعض الناس حتى تنتهي إلى أقصاها ولقد كان على ذلك كله يحتفظ لهؤلاء الناس في ناحية من أنحاء قلبه بمودة كريمة خالصة. ويكفي أن ترجع إلى أحاديثه وخطبه ورسائله التي عرض فيها هؤلاء الخصوم فسترى أنه يذكرهم دائمًا – ولاسيما الذين كان يختصهم بالمودة قبل الفتنة – بشيء من اللطف والرفق يؤثر في نفسك أشد التأثير.
ولقد أذكر أني كنت عنده ذات يوم فأنبأني أنه كتب إلى سعد – رحمهما الله – كتابًا يقترح فيه عليه الاحتكام إلى جماعة من صفوة المصريين فيما شجر بينهما من خصومة. وقرأ عليَّ هذا الكتاب الذي يعرفه الناس جميعًا والذي هو آية من الدعة والوفاء ولين الجانب وصفاء القلب وطهارة النفس والإخلاص الصحيح في حب الوطن، حتى إذا فرغ من قراءة كتابه لم يدع لي من الوقت ما يمكنني من أن أثني عليه بل قال: وأنا أنتظر الرد على هذا الكتاب من لحظة إلى لحظة. وتكلم في حديث آخر. وما هي إلا أن دق التلفون فأسرع إليه ثم عاد مبتسمًا وقال: تنتظرني عشر دقائق أو ربع ساعة وانصرف. ولبثت أنتظره حتى عاد بعد قليل ومعه رد سعد. فقرأه علينا وكنا جماعة قليلين فكلنا سخط وكلنا أخذته حفيظة شديدة ومنا من لم يكد يسمع من الكتاب أسطرًا حتى نهض وأخذ يمشي في الحجرة ذاهبًا جائيًا لا يكاد يمسك عن الكلام إلا مضطرًا… ولكني أشهد أنه ما ظهر على ثروت – رحمه الله – غيظ ولا حفيظة ولا موجدة، وإنما ظهر عليه شيء من الأسف المؤلم لأنه لم يوفّق إلى ما كان يسعى إليه من جمع كلمة الأمة يومئذ وظهر عليه شيء آخر رفعه في نفسي يومئذ وهو الألم لأنه تلقى هذا الكلام القاسي الظالم من صديق… وتبينت يومئذ أنه كان لا يزال يحبه ويبر به.
وقد أثبتت الأيام بعد ذلك أن كتاب سعد هذا وما جاء بعده من خصومة عنيفة بين الرجلين لم يغير من ود ثروت لسعد ولا من حبه له. كما أنه لم يغير من مضاء عزيمة ثروت على ما كان قد عزم عليه من جمع كلمة الأمة، وقد وفق إلى ما أراد فكان الائتلاف واجتمع المختصمون ورأس سعد المؤتمر الوطني بين صديقيه عدلي وثروت.
ولقد أذكر أني كنت عنده في اليوم الذي زاره فيه سعد لأول مرة بعد إنهاء الخصومة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوته الرقيق الحزين وهو يذكر لنا ضعف سعد – رحمه الله – وما لقي من الجهد في الصعود حيث استقبله.
يستطيع المبصرون أن يتحدثوا عن وجه ثروت وخياله ولحظاته وعن تصوير هذا كله ما يضطرب في نفسه من العواطف والميول. أما أنا فأستطيع أن أتحدث عن صوت ثروت وأشهد لقد كان صوته العذب مرآة لنفسه العذبة. ومهما أنسَ فلن أنسى صوت ثروت في يوم ١٦ نوفمبر سنة ١٩٢٢. في مساء ذلك اليوم اقترف الإثم الفظيع على باب السياسة وكنت أنا الذي أبلغ هذا الإثم إلى ثروت في الإسكندرية بالتلفون. فلما وقع في مسمعه اسم حسن عبد الرازق وإسماعيل زهدي استعادني فأعدت الاسمين… فسمعت منه آهة فيها كل شيء: فيها الحزن العميق. وفيها الجزع الذي لا حد له وفيها الثورة والاستنكار ثم رجع صوته كما كان وسألني: هل قبض على الآثمين؟ قلت: لا. قال يكفي. وانصرف.
إني لأذكر هذه القصة الآن وأن قلبي لينقطع أسىً وأن نفسي لتتفرق لوعة وأن شطرًا غير قليل من حياتي ليتمثل أمامي بما كان فيه من خير وشر، وأن كثيرًا من هذا الخير الذي أتمثله متصل بحسن عبد الرازق وعبد الخالق ثروت.
***
سمعت صوت ثروت لأول مرة في يوم من أيام سنة ١٩٠٨ في الأسبوع الأول من افتتاح الجامعة المصرية وكان قد أقبل يتلو على الطلبة مجتمعين قرارًا لمجلس إدارة الجامعة يحظر على الطلبة التحدث بشؤون الجامعة إلى الصحف. وكان صوته حازمًا وكان صوته عذبًا، فأحببته وملت إليه. ولكني لم أتصل به. ومضت الأعوام وأنا لا أعرف من أمره إلا ما يعرفه الناس جميعًا حتى كانت سنة ١٩١٤ وكنا في آخر السنة، وكنت قد عدت من أوروبا، وكنت أتأهب لاستئناف السفر، وكنت قد كتبت مقالًا في بعض الصحف غضب له المرحوم الأستاذ الشيخ حمد المهدي وشكاني إلى مجلس الإدارة وشايعه نفر من أعضاء المجلس يومئذ وطلبوا أن أفصل من بعثة الجامعة. واجتمع المجلس وقرئ فيه هذا المقال ثم انصرف وبينما أعضاؤه يتفرقون أقبلت أنا إلى الجامعة فرآني الأستاذ أحمد لطفي السيد بك فدعاني وقدمَنِي إلى معالي ثروت باشا وزير الحقانية. فأخذ يدي بين يديه ولبث يكلمني لحظة يطلب إليَّ فيها الرفق حين أكتب ويشجعني على المضي فيما أنا فيه من درس ونقد. ففهمت أني لم أفصل من البعثة وأحسست من عذوبة ذلك الصوت عطفًا زادني بالرجل حبًا، وعرفت بعد ذلك بساعات قصار أني مدين له وللأستاذ لطفي بك بالعودة إلى أوروبا ومضت أيام البعثة كلها لم ألق فيها ثروت ولم أسمع من أمره بشيء.
ثم عدت إلى مصر فلقيته وخرجت من عنده أشد الناس حبًا له وإعجابًا به وشكرًا لحسن لقائه.
وكان هو الذي قدمَنِي إلى الجمهور حين بدأت التدريس في الجامعة. وما كان أشد الأثر الذي تركته في نفسي خطبة التقديم تلك بعد أن أجلسني ثروت على كرسي الأستاذ ووقف فقدمني إلى الجمهور في لفظ عذب كله تشجيع وحث على العمل والجدّ واختلف رحمه الله إلى درسي أيامًا يحضر الدرس كغيره من الناس، حتى إذا كان آخر الدرس أقبل إليَّ فصافحني في ظرف ودعة وعرّفني بنفسه.
ثم كانت بيني وبين الجامعة خصومة فكان رحمه الله أعطف أهل الجامعة عليّ وأرفقهم بي وأشدهم إلحاحًا عليّ في ألا أخلط بين العلم والمنفعة وفي ألا تكون المصاعب المادية مهما تشتد وتشق صارفًا لي عما أنا فيه من الدرس والجدّ.
وكانت لثروت – رحمه الله – قدرة شديدة الخطر على الإقناع. فكان إذا جادلك لم يلبث أن يتسلط عليك ولا سيما حين يجادلك في أمر يمسك خاصة لأنه كان في هذا الجدال صريحًا مخلصًا تحس منه في غير شكٍّ أنه ينكر نفسه ولا يعرف إلا إياك وإلا منفعتك فلا تستطيع أن تقاومه ولا أن تأبى عليه. كنت أعرف منه هذا فكنت أحبه وكنت أخشاه وكنت إذا أصررت على شيء من الأمر حاولت جهد الطاقة ألا يجادلني فيه ثروت حتى لا يصرفني عنه. أذكر أني استقلت ذات يوم من مجلس الجامعة خلاف كان بيني وبينه رحمه الله في مادة من مواد لائحة الجامعة. واستقلت أثناء الجلسة فكلف من كلمني في أن أسترد استقالتي فأبيت فانتقل من مكانه حتى انتهى إليَّ وهمس في أذني: لا أطلب منك أن تسترد استقالتك وإنما أطلب منك أن ترجئها حتى نتكلم قلت: فإني أخشى أن نتكلم قال: فإني آبى أن تستقيل. قلت: إن كان الأمر على هذا النحو فإني مذعن لما تريد. قال: أنا لا أحب الإذعان وليس من شأنك أن تذعن. أفتظن أن من اليسير أن تقاوم رجلًا كثروت كانت له مكانته وهو يتحدث إليك هذا الحديث؟
ثروت «والشعر الجاهلي»
رحم الله ثروت… كانت الخصومة بيني وبينه في مجلس الجامعة حول مادة من مواد اللائحة تجعل الأساتذة غير قابلين للعزل. وكان – رحمه الله – يقبل المبدأ ولكنه يريد أن يحتفظ للحكومة (ولم يكن فيها) بشيء من الحق، وأن يحتاط في تنفيذ هذا الأصل. وقبل المجلس رأيه وتأجل تنفيذ اللائحة. وما هي إلا أسابيع حتى ظهر كتاب الشعر «الجاهلي» وأرجف المرجفون وتحدث الناس وكثر حديثهم. وأقبل عليّ بعض الأصدقاء ينقلون لي عن ثروت أنه كان يأسف أشد الأسف لأنه لم يكن يقدر أني سأكون أول ضحية لرأيه في تلك المادة.
زرته بعد ذلك، فلقيني ضاحكًا ثم وضع يده على كتفي وقال: إن حرية الرأي أكرم من أن يعبث بها العابثون مهما يكونوا، وثق بأن أول أثر ما يمكن أن ينالك إنما هو استقالتي من مجلس الجامعة وانقطاع الصلة بيني وبينها وانقطاع الصلة بيني وبين الذين يعينون عليك مهما يكونوا. ولكني أطلب إليك أن تثبت للعاصفة وألا تجيب الذين يخاصمونك في الصحف. فأنت أستاذ وكرامة الأساتذة ترفعهم عن هذه الخصومات.
ولولا نصيحة ثروت هذه لكان لي للمرجفين بالشعر الجاهلي شأن آخر.
رحم الله ثروت. لقد كان له من السعي في مسألة الشعر الجاهلي ما لن أنساه أبدًا وما لن أستطيع أن أتحدث عنه الآن. ولكني أذكر يوم ظهر تقرير النيابة في أمر هذا الكتاب فاستقلت. وطلب هو إلى وزير المعارف ألا يقبل استقالتي فأبيت. فطلب إلى مدير الجامعة أن يطلب إليّ أن أزوره. فذهبت إليه في الغد فتلقاني مبتسمًا وما هي إلا دقائق حتى أقنعني بأن استقالتي خطأ. ولكنه كان أظرف وأكرم من أن يطلب إليّ استردادها فأمر بالإعراض عنها. طلبت إليه ذلك اليوم أن أدع الجامعة وأن أنتقل إلى عمل آخر إذا لم يكن بد من البقاء في الحكومة. فقال: قد تكون منفعتك في ذلك وقد يكون من حقك عليّ أن أجيبك إليه، ولكن للجامعة عليّ حقًا آخر.
كيف تريد أن تقاوم رجلًا يتحدث إليك في هذا الظرف وفي هذه الدعة؟
ثم مضت أشهر وكانت بيني وبين الجامعة صعوبة أخرى طلبت في أثرها أن أنتقل من الجامعة فأبى وزير المعارف وأبيت. وكُلفت أن أزور رئيس الوزراء، وكنت مصرًا، وكنت أعلم أني إن زرته فسأنهزم له. فأبيت أن أجيب دعوته. وأنكر عليّ الناس جميعًا هذا الإباء ولكني طلبت إلى بعض أصدقائي أن يبلغ رئيس الوزراء أني لن أراه ما دام إليه الأمرُ، فإذا ترك الحكم فسيراني. فسكت وسكت. وانتهى كل شيء واستقالت وزارته. وذهبت إليه أزوره. وكنت أقدر أني سأجد منه عتبًا ولومًا. ولكني لم أجد منه إلا ظرفًا وعطفًا، ولم ألق منه إلا هذه البشاشة التي أعرفها والتي يعرفها أصدقاؤه جميعًا وخصومه جميعًا والذين لا يحفظون له ودًا ولا يضمرون عليه حقدًا. لقيته ذلك اليوم وأطلت المجلس عنده، وتحدثنا في كل شيء إلا الجامعة. وانصرفت من عنده وأنا أقدر أني سأراه بعد قليل… ولكني لم أره منذ ذلك اليوم ولن أراه.
لم أتحدث إليك ما كان لثروت عندي من يد إلا بالشيء القليل الضئيل فقد قدمت أن الحديث عن ثروت ليس بالشيء اليسير بل ليس بالشيء الممكن في أكثر الأحيان. على أن هذا الشيء الضئيل الذي تحدثت إليك به يصور لك من هذا الرجل العظيم ناحية يدور الناس حولها ولا يحسنون تصويرها هي ناحية المودة والوفاء في المودة، لا رغبة في المنفعة ولا ابتغاء لها ولكن لأن الرجل كان وفيًا بطبعه ولأن مزاج الرجل كان مفطورًا على المودة والوفاء فيها.
وماذا كان يبتغي ثروت حين يرفق بي أو يعطف عليّ؟ وأين كنت أكون من ثروت وقد اجتمع له السلطان كله واجتمعت حوله خيرة مصر؟
ماذا كنت أكون من ثروت رجلًا كغيري من الناس؟ ولكن ثروت هو الذي قال: من أخلص فلنفسه. وقد أحسّ ثروت مني إخلاصًا في حبه، وما أرى إلا أنه قد بعث في هذا الإخلاص لأنه عطف عليّ ورفق بي وأخلص في ذلك حتى ملك نفسي وحتى ملأني على أن أحبه فأحببته ولم أقف ولن أقف في حبه عند حد.
وصاحب السعادة عبد الحميد باشا بدوي يذكر أن ذكرته أني حين عدت من أوروبا كنت شديد الإعجاب بثروت وعدلي ورشدي. ولكني لم أكن أتجاوز هذا الإعجاب إلى الحب. وأذكر أنه ناقشني فيهم ذات يوم بمحضر حسن باشا عبد الرازق رحمه الله فقال: لو عرفتهم لأحببتهم حبًا لا يقل عن إعجابك بهم. وقد عرفتهم فأحببتهم. ولكني عرفت ثروت معرفة لم أعرفها أحدًا غيره من هؤلاء الزعماء فأحببته حبًا لا حد له كما قلت:
رحم الله ثروت… كيف أستطيع أن أنساه أو أن أقدر أن ذكره قد يضعف في نفسي يومًا ما وأنا لا أكاد أذكر حادثة من حياتي منذ رجعت من أوروبا إلا ذكرت ثروت وأثره فيها. لقد كنت أركن إليه وألوذ به وأستشيره في كل شيء. ولقد كنت أجد منه في هذا كله عطفًا لا يشبهه عطفٌ. وودًا لا يشبهه ودٌ. ولقد كان يزيد من أثر هذا الود والعطف في نفسي ما كنت أشعر به من أنه كان عطفًا خالصًا وودًا لا تشوبه شائبة. ولست وحدي الذي يستطيع أن يتحدث عن ثروت بمثل هذا الحديث، وإنما نحن كثيرون نذكر له هذا الود الخالص وهذا الوفاء الصفو. يذكره له أكفاؤه وأقرانه كما يذكره له صنائعه كما يذكره له المتصلون به.
إن في مصر لزعماء تختلف حظوظهم من المكانة في قلوب الناس قوة وضعفًا. ولكني أعتقد أن ثروت كان أعظم هؤلاء الزعماء جميعًا حظًا من القلوب التي تحبه فتخلص في حبه، تحبه لشخصه لا لزعامته ولا لرياسته وأكثر ما يظهر له هذا الحب حين يبعد عن الزعامة والرياسة.
نعم. إن هذه القلوب لا تملأ الشوارع ولا تدفع إلى التصفيق والصياح. ولكنها على قلتها كانت غنية بالحب الذي لم يكن يتردد في التضحية. وأقسم أن من أصدقاء ثروت من لو خُيّر في أن يعيش أو يفتدي ثروت بنفسه ما تردد، لا لأنه يحب مصر ويؤثرها بثروت، بل لأنه يحب ثروت ويؤثره على نفسه.
رحم الله ثروت. لقد انقطعت بيننا وبينه أسباب الحياة منذ شهرين، ولكنا لم نتعود بعد الاطمئنان إلى أنه قد مات وما أرى أننا سنتعود هذا الاطمئنان وما أرى أن لوعتنا عليه سينهيها ضعف أو خمود وأن الحياة لكفيلة أن تزيد هذه اللوعة شدة، وأن ما في الناس من ضعف وفتور ومن إثرة وتغير لكفيل أن يذكرنا أبدًا ما كان لثروت من قوة وشدة ومن إخلاص ووفاء.
رحم الله ثروت. لئن كان رهين قبر في الصحراء فإن شخصه رهين قبور أخرى هي هذه القلوب التي ملأها فعرف كيف يملأها فلن تفرغ منه أبدًا.
هليوبوليس
طه حسين
المقتطف — ١ ديسمبر ١٩٢٨