Tag: Constitutional Law

  • دكتاتورية

    دكتاتورية

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٨ يونيو ١٩٤٥

    نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.

    فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.

    ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.

    نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.

    ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.

    والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.

    فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.

    والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.

    وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.

    فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟

    يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.

    مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.

    فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.

    إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.

    ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.

    ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.

    فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.

    ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.

  • امتيازات

    حديث المساء: امتيازات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ فبراير ١٩٣٤

    ليست هي الامتيازات التي يستمتع بها الأجانب في مصر، وتضيق بها ضمائر المصريين، وكثير من الضمائر الحية للأجانب أنفسهم، ويضيق بها العدل والحق والإنصاف، فكل المصريين محب لإلغائها، مُلِحٌّ فيه، يراه غرضًا من أغراض النهضة الوطنية، وواجبًا من الواجبات التي ينبغي أن يبذل المصريون فيها ما يملكون من قوة وجهد، والتي لا ينبغي أن يُعرِض المصريون عنها حتى يؤدوها كاملةً، في غير تهاون ولا تقصير ولا فتور. المصريون مُجمِعون على إلغاء هذه الامتيازات الأجنبية، ولكن هناك امتيازات أخرى ليست أقل خطرًا من امتيازات الأجانب، ولعلها أعظم منها خطرًا، وأقبح منها أثرًا في حياة الناس، وأخلاقهم وصلاتهم؛ لأنها امتيازات لا يقبلها العقل، ولا يطمئن إليها القلب، ولا يستريح لها الضمير الحي النقي، ولا تقرها أيسر قواعد الأخلاق.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من المصريين دون فريق، والتي لم يكسبها أصحابها بمعاهدة، أو قانون، أو عُرْف مقرَّر محترم، أو وراثة أو تقليد من التقاليد، وإنما جاءتهم وحدها طائعة راغبة فيهم مدفوعة إليهم دفعًا، برغم أنف المصريين جميعًا.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريق من الوزراء وكبار الموظفين، لا لشيء إلا لأنهم تولَّوا الوزارة أو تقلَّدوا مناصب الحكم، وهي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من الناس ليسوا وزراء ولا موظفين، ولكنهم يظفرون بعطف الوزراء والموظفين. هي هذه الامتيازات التي لا تقوم إلا على مخالفة للقانون وانتهاك حرمات الدستور، ولا توجد إلا حيث يضعف الشعور بالعدل، والتقدير للكرامة، والاعتراف بضرورة النظام. هي هذه الامتيازات التي تعفي فلانًا من أن يُسأَل عمَّا قال أو عمل، بينما يفرض القانون أن يُسأَل الناسُ جميعًا عما يتعَدَّون به حدودَ القانون من قول أو عمل. هي هذه الامتيازات التي تبيح لفلان أن يستمتع من أموال الدولة وجاهها وسلطانها، في غير حق ولا عدل، بما لا يُبَاح لغيره من الناس، بل بما يُعاقَب غيره من الناس على الاستمتاع به أو السعي للوصول إليه.

    هذه الامتيازات الآثِمة خليقة أن تُلْغَى، وهي خليقة أن تُلْغَى قبل تلك الامتيازات الأجنبية. أقول هذا غير متحرج ولا متأثم ولا متردد؛ فإن شعور المصريين بكرامتهم، وحرص المصريين على حقهم، وجدَّ المصريين في استقلالهم؛ هي الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية من غير شك، وليس من الشعور بالكرامة، ولا من الحرص على الحق، ولا من الجد في الاستقلال أن يرضى المصريون أن يمتاز بعضهم من بعض، وأن يتفوق بعضهم على بعض، في غير عدل ولا دستور ولا قانون. وإذا رضي المصري أن يذله المصري، وأن يعتدي عليه، وأن يمتاز من دونه بما لا يطمع هو فيه، وأن يستمتع من دونه بالطيبات، وأن ينتهك من دونه حرمات القانون؛ فهو خليق أن يرضى بكل ما يصيبه من الظلم، وأن يذعن لكل ما ينزل به الجور، وأن يعجز عن إقناع الأجنبي بالرغبة عن الامتيازات، أو النزول عنها. فمَن رضي الظلم القليل خليق أن يرضى الظلم الكثير، ومَن احتمَلَ الهوان اليسير خليق أن يحتمل الهوان العظيم، ومَن عجز عن حماية نفسه في ظل القانون والدستور خليق أن يعجز عن حماية الأجانب في ظل هذا القانون والدستور، ومَن قَبِلَ أن يعبث به فلان وفلان دون أن ينتصف له القانون منهما، ضعيف أشد الضعف، عاجز أشد العجز عن أن يقنع الأجنبي بأن يسوي نفسه به، وأن يرضى أن يشاركه في حياته هذه التي لا تأمن من الظلم، ولا تبرأ من الذل، ولا تخلو من الفساد.

    هذه حقائق مُرَّة، ولكن مرارتها لا تمنع من أن تُقَال، بل مرارتها تفرض علينا أن تُقَال، فلَئِنْ يتحدث بعضنا بهذا خير من أن يتحدث به إلينا الأجانب، لئن يقول بعضنا لبعض: إن في مصر ظلمًا يجب أن يُرفَع، وامتيازات جائرة يجب أن تُمحَى، خير من أن يقول لنا الأجانب: أنصفوا أنفسكم من أنفسكم، ثم فكِّروا في إنصاف أنفسكم منا، وخير من أن يقول لنا الأجانب: ثقوا بأنكم قادرون على إنصاف أنفسكم من أنفسكم، ثم تحدَّثوا إلينا بعد ذلك بأنكم قادرون على أن تضمنوا لنا حياةً قوامها العدل والرعاية والإنصاف، وليس من الشجاعة أن نخفي عيوبنا أو نتستر عليها، وإنما الشجاعة الصحيحة هي أن نُلقِي عيوبنا وجهًا لوجه، وأن نجاهدها ونتخلَّص منها. فَلَئن نُظهِر عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُظهِرها لنا الناس، وَلَئن نُصلِح عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُصلِحها لنا الناس. وهذه الامتيازات التي يستمتع بها إلى الآن صدقي باشا، وأمثال صدقي باشا، عيوب في حياتنا السياسية والخُلُقية يجب أن نُظهِرها ونُنبِّه إليها، ونجهر بالدعوة إلى إصلاحها؛ فَلَذلك خير من أن يُفاجِئنا بها الأجانب على غير انتظار.

    وإني لأُوثِرُ ألف مرة ومرة أن أتحدث بهذه العيوب إلى المصريين، وأن يتحدث بها المصريون إليَّ، وأن يُثقِل بعضنا فيها على بعض، أُوثِرُ هذا ألف مرة ومرة على أن أتحدَّث يومًا من الأيام إلى بعض الأجانب في إلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فيصدمني بهذه الجملة القاسية اللاذعة التي يتصبَّب لها جبين الرجل الكريم عرقًا: إنما يحسن بكم أن تطلبوا إلغاء الامتيازات حين تستطيعون إقناعنا بأنكم قادرون على ألَّا يظلم بعضكم بعضًا، ولا يمتاز بعضكم من بعض، ولا يرتفع فريق منكم فوق القانون. ويستطيع صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وتستطيع الوزارة وأنصار الوزارة أن يقولوا ما يشاءون، ولكنهم سيعجزون دائمًا عن أن يُقنِعوا أحدًا بأن صدقي باشا ليس مستمتعًا الآن بطائفة من الامتيازات، لا ينبغي أن يستمتع بها رجل في بلد يخضع لحكم الدستور والقانون.

    رجل يقال فيه وفي تصرفاته كلُّ ما قيل، ويُنشَر عنه وعن تصرفاته كلُّ ما نُشِر، وتُؤلَّف لجنةٌ للتحقيق في طائفة من التصرفات هو الذي أجازها وأمضاها؛ فتحقِّق وتدقِّق، وتسأل الناس، ولكنها لا تستطيع أن تبلغه، ولا تستطيع أن تصل إليه؛ لأن الدستور يحول بينها وبين ذلك. ثم يقال له: قَدِّمْ أنت إلى اللجنة ما يزيل عن موقفك كل لبس، ويمحو عن تصرفاتك كل شك؛ فلا يتحرك كأنه لا يسمع. ثم يقال للحكومة: أنفذي فيه حكم الدستور، ودعي البرلمان يسأله عن تصرفاته هذه؛ فلا تتحرك الحكومة، كأنها لا تسمع؟ ثم يقال للبرلمان: أنفذ في هذا الرجل حكم الدستور، سَلْهُ عن هذه التصرفات ليزول عنها كل لبس، ويُمحَى من حولها كلُّ شك، وتبرأ سمعة الوزارة وأعضاء البرلمان من كل شائبة؛ فلا يتحرك البرلمان، كأنَّ أحدًا لم يقل له شيئًا.

    رجل هذه حاله، وهذا موقفه من الدولة، وهذا موقف الدولة منه، ممتاز من غير شك، ومن أين جاء هذا الامتياز؟ لم يجئه من القانون، ولا من الدستور؛ لأن القانون والدستور يُحَتِّمَان سؤالَ الوزراء عمَّا فعلوا وهم وزراء. ولم يجئه من ورائه، فما نعلم أن في مصر نظامًا يحمي الباشوات وكبار الناس من احتمال التبعات. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بينه وبين الدولة تضمن له أن يكون فوق السؤال والجواب. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بين الدولة وبين دولة أخرى تجعله فوق السؤال والجواب، وإنما جاءه من أنه صدقي باشا ليس غير، جاءه من أنه كان وزيرًا، والوزراء لا يُسأَلون إلا أمام البرلمان، والدولة لا تريد أو لا تريد إلى الآن أن تسأله أمام البرلمان، ومع ذلك فالدولة معنية بقصة الكورنيش، حريصة فيما تقول على أن تحقِّق أمرها، وتأخذ المسئولين فيها بالعقاب، فإذا سألت الدولة مَن المسئولون؟ فستجيبك هم الذين ستُظهِرهم اللجنة. فإذا زعمت الدولة أن هناك وزيرًا مسئولًا أجاز بعض هذه التصرفات، سكتت الدولة، وسكت صدقي باشا، وسكت الناس جميعًا. والغريب أن امتياز صدقي باشا لا يفرض نفسه على الوزارة وحدها، ولا يفرض نفسه على البرلمان وحده، وإنما يفرض نفسه على الصحف أيضًا. فهل تذكر كل تلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، وتناله بأقسى ألوان النقد والتشنيع، حين كانت الوزارة جادة في خصومته؟ هل تذكر تلك الصحف التي أثارت قصة الكورنيش وخاضت فيها فأكثرت الخوض؟ إنها الآن صامتة ساكنة لا تتحرك ولا تقول، ومع ذلك فلم يجد شيء يغيِّر من أمر قصة الكورنيش، فما زالت هذه القصة فضيحة منكرة، ذهبت فيها مئات الألوف من الأموال العامة، وما زال حول هذه القصة تحقيق، وقد خرج صدقي باشا من السؤال والجواب، كما تخرج الشعرة من العجين، وتلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، مطمئنة مستقرة، لا تظهر الآن غيرةً على الحق، ولا حبًّا لوضوحه، ولا حرصًا على معرفة المسئولين جميعًا. فما مصدر هذا الامتياز الذي يستمتع به هذا الدكتاتور العظيم؟ وما مصدر تلك الضجة الهائلة التي أثيرت حول صدقي باشا والكورنيش، ثم سكتت عن صدقي باشا والكورنيش؟ وأين قانون التضمينات هذا الذي يرفع صدقي باشا عن السؤال والجواب، لا لشيء إلا لأنه كان وزيرًا؟

    وأغرب من هذا كله أن السياسة تتحدث إلينا اليوم بأن الجنة التحقيق سألت بعض الناس، أو بعبارة أدق سألت بعض الموظفين في إقليم البحيرة عن أمور تمس صدقي باشا ومقاول صدقي باشا الذي هو مقاول الكورنيش؛ فأجاب الموظف عمَّا سُئِل عنه، وأظهر استعدادًا للإجابة عما يُسأَل عنه. قالت السياسة: فنُقِل هذا الموظف إلى أقصى الصعيد، أهذا صحيح؟! وإذا كان صحيحًا فما تأويله؟ وما تفسيره؟ وما موقعه من الحق والعدل؟ وما ذنب هذا الموظف الذي لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، والذي لم يزد على أن سُئِل فأجاب، ثم تزعم لي بعد ذلك أن المصريين سواء أمام القانون لا يمتاز بعضهم من بعض، ولا يتفوق بعضهم على بعض، وزير لا يُسأَل، وموظف يُسأَل فيجيب، فيُنقَل إلى أقصى الصعيد.

    أما أنا فإني أتمنى أن يكفي الله لجنة التحقيق عواقب هذا التحقيق، فهي قد سألت عن أمور تمس صدقي باشا، وصدقي باشا رجل فوق السؤال، فلعل اللجنة لا يمسها لوم ولا عقاب لأنها سألت عن أمور رجل هو فوق السؤال والجواب. هذه الامتيازات وأمثالها — وثِقْ بأن أمثالها كثير — هي التي يجب أن تُلْغَى وأن تُلْغَى قبل كل شيء، وأن تُلْغَى قبل أن نطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فقد نظن أن من الحق علينا أن نكرم على أنفسنا لنكرم على الناس، فإذا هنَّا على أنفسنا فَلْنَقْبَلْ راضين وكارهين أن نهون على الناس.

  • امتحان (١)

    امتحان (١)
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٩ فبراير ١٩٣٤

    ونقول اليوم كما قُلنا أمس، وكما قُلنا أول أمس: إنَّ فكرة الديمقراطية في مصر تُمْتَحَنُ الآن امْتِحانًا دَقيقًا عَسيرًا، كما يمتحن فهم المصريين لها، وإيمانهم بها، امتحانًا دقيقًا عسيرًا. بل نقول اليوم أكثر مما قُلنا أمس وأول أمس، نقولُ: إنَّ النظام القائم نفسه هو الذي يُمْتَحن الآن امتحانًا دقيقًا عسيرًا، والذي يمتحنه هو صدقي باشا مُنْشِئ النِّظام القائم، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام، وتكلف في حمايته ما تكلف، وكلف المصريين في هذه الحماية ما كلفهم.

    ففكرة الديمقراطية الصحيحة تقتضي أنْ يُسأل الوزراء عما فعلوا، وهي تقتضي أن يكون سؤال الوزراء شديدًا مُتحرجًا، مُبالغًا في الشدة والتَّحرج؛ لأنَّها تقتضي أن يكون الذين ينهضون بالأعمال العامة أطهارًا أتقياء، لا فيما بينهم وبين أنفسهم فحسْب، بل فيما بينهم وبين الناس قبل كل شيء؛ لأنَّ الثِّقَةَ بنزاهة الوزراء هي قوام الحكم في كل نظام، وهي قوام الحكم في نظام الديمقراطية خاصة. ولا ثقة حيث تُوجَدُ الإِشَاعَات ويَكْثُر فيها حديث الناس، وتخوض فيها الأندية في الليل والنَّهار، ثُمَّ لا تَجِدُ من شمس الحق المُشرقة ما يبدل سحابها الكثيف أو الرَّقيق.

    والنظام القائم ديمقراطي فيما يقول أصحابه ومنشئوه، وهو قد قَرَّرَ أَنَّ الوزراء مسئولون، وهو قد قرَّرَ أنَّ الوزراء يُحَاكَمُون إذا اقتضت أعمالهم أن يحاكموا. وقد ملأ صدقي باشا وأصحابه، وملأ الرجل الطيب وأصحابه أسماع الناس وقلوبهم وعقولهم، بكلماتِ العدل والقسط والنَّزَاهة والإنصاف والدِّيمُقراطية، وما يشبه هذه الكَلِمَات التي يُحِبُّ الناس أن يَسْمَعُوها، ولكنهم يحبون قبل كل شيء أن يروا معانيها الجميلة الرائقة، وأن يبلوا آثارها الحلوة العذبة، وأن ينعموا برحمتها ويطمئنوا إلى أنها تبسط عليهم ظلها، وتحميهم من الجور والظلم والعبث، وتطرد عنهم القهر والعسف والاستبداد.

    والناس يشهدون هذا الامتحان الذي تخضع له فكرة الديمقراطية، ويخضع له النِّظام القائم، وهم يُحِبُّون أنْ يَرَوا نتيجة الامتحان؛ ليعلموا أنَّ فِكْرة الديمقراطية موجودة حقًّا في مصر، وليعلموا أنَّ النِّظام القائم يُحَقِّق هذه الفكرة ويحميها، ويُثبت أنَّه صَالِحٌ للبقاء وقادرٌ عليه. وموضوع الامتحان سهل يسير ليس بالمعضل ولا بالمعجز، يستطيع أبسط أصول الديقراطية، ويستطيع أبسط النظم الديمقراطية أنْ يجوزاه مع نجاح عظيم. فوزير الداخلية السابق صدقي باشا قد أجاز أعمالًا خطيرة شعر الناس بخطرها وأكثر الناس فيها الحديث، وزَعَمُوا أنَّها أَضَاعَتْ مئات الألوف من الأموال العامَّة، وشعرت الوزارة القائمة نفسها بهذا الخطر، وجزعت له، وأَظْهَرَتِ الحِرْصَ على أن تتبينه وتُعاقب الذين تورطوا، وورطوا غيرهم فيه، وأُلِّفَتْ لذلك لجنة كلفتها التحقيق الدقيق، وانتظر الناسُ وانْتَظَرَتِ الحُكومة نتيجة هذا التحقيق.

    فالمسألة التي تلقى الآن على الديمقراطية والنظام الدِّيمُقراطي في مصر، هي هذه: أيبلُغ التحقيقُ صدقي باشا أم يعجز عن الوصول إليه؟ وقد كان الجواب الأول مُحزنًا مع الأسف فقد ظهر أنَّ التَّحقيق الذي فرضته الحكومة، وأنشأت له لجنة لا يستطيعُ أنْ يبلغ صدقي باشا، بل لا يستطيع أن يفكر في الوصول إلى صدقي باشا؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا؛ ولأنَّ الوزراء لا يسألون إلا أمامَ البرلمان ولجان البرلمان، واللجنة التي ألفتها الحكومة ليست برلمانية، وظهر أيضًا أنَّ السلطة القضائية القائمة ليستْ مُخْتَصَّة بسُؤال صدقي باشا وإنما البرلمان وحده هو المختص بهذا السؤال. وليس على شيء من هذا كله غبار، فليس الخطر على الديمقراطية والحق والعدل ألا يسأل صدقي باشا أمام اللجنة أو أمام السلطة القضائية، وإنما الخطر كل الخطر والإفلاس الديمقراطي كل الإفلاس، والهزيمة المنكرة للحق والعدل والإنصاف والنزاهة، ألا يسأل صدقي باشا بحال من الأحوال. وقد تكلمنا أمس، وتكلمنا أول أمس، عن موقف الوزارة القائمة من هذه المَسْأَلة، حين أُلِّفت لجنة التحقيق، فقد كانت تعلم من غير شك أنَّ في مصر دُستورًا، وأنَّ الدستور لا يُبيح سؤال الوزراء عن أعمالهم إلا أمام البرلمان، وهي إذن قد ألفت هذه اللجنة، وهي مُعتزمة في نفسها ألا يسأل أمامها صدقي باشا، ونحن نكره أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الوزارة كانت تجهل الدستور. فالمسألة الآن هي: هل يظل صدقي باشا بمأمن من أن يُسأل، ما دامت اللجنة لا تستطيع أن تسأله، وما دامت السُّلطة القضائية لا تستطيع أن تسأله، أم هل ينفذ الدستور الذي أصدره صدقي باشا في صدقي باشا نفسه؟ أم هل يؤلف البرلمان الذي أشرف على انتخابه صدقي باشا لجنةً لسؤال صدقي باشا؟ أم هل يُقِيمُ النِّظام القائم دليلًا لخصومه، وخصوم مُنْشِئِه على أنه قادر على البقاء، مُحَقِّق للعدل والنزاهة، لا يتحرج حتى من أن يسأل مُنشئه ومصدره، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام؟ هذه هي المسألة، وهي كما ترى مسألة عَظِيمة الخطر، خليقة أن يُعنى الناس بها، ويلتفتوا إليها، ويتحدثوا فيها. وهي خليقة — بنوع خاص — أن يُعْنَى بها الوزراء، لا لأنَّهم خصومُ صِدقي باشا، فأُمور الحكم يجبُ أن تكون فوق الخصومات؛ بل لأنَّهم مكلفون بتنفيذ الدستور، ولأنهم قاموا لحماية النظام الجديد. وهي خليقة أن يُعنى بها الشيوخ والنواب، لا لأنهم أصدقاء الدكتاتور العظيم أو خصومه، فأمور الدَّولة يجبُ أن تكون فوق الحب والبغض، وفوق النصر والخصومة؛ بل لأنهم عمد النظام الجديد، قد أقسموا جميعًا يمين الإخلاص له، والاحترام لأصوله وأحكامه. ثم هي خليقة أن يُعنى بها صدقي باشا، لا ليدفع عن نفسه ما تصوغه حوله الإشاعات، فقد يكون صدقي باشا عند نفسه أرفع من أنْ تَمَسَّه الإشاعات، ولا ليدفع عن نفسه ما قد يتعرض له من سوء الظَّنِّ، فقد يكون صدقي باشا أشجع من أن يحفل بسوء الظن؛ ولكن ليحمي النظام الذي أنشأه، والذي حماه أكثر من ثلاثة أعوام. وصدقي باشا يُحِبُّ هذا النظام، كما يحب الأب الرحيم الشفيق ابنه البر الوفي، فمن حق النِّظام علي صدقي باشا أن يحميه، ومن حق صدقي باشا على نفسه أن يحمي ابنه، وأن يُثْبِتَ للنَّاس ولنفسه أَنَّه أَبٌ رَحِيمٌ يَعْرِفُ كيف يحمي أبناءه الأَعِزَّاء. وصدقي باشا مع ذلك قد أقسم يمين الإخلاص والاحترام للنِّظام القائم، فمن الحق عليه أنْ يبر بهذه اليمين، ومن الحق عليه أن يسعى إلى اللجنة القائمة، وإن لم تَدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تدْعُه، وأن يتحدث إليها وإن لم تسأله. فإن شق عليه ذلك ورأى سكوتًا من الوزارة، وسكوتًا من الشيوخ والنواب، فمن الحق عليه أن يطلب إلى مجلس النواب تأليف هذه اللجنة البرلمانية التي تستطيع وحدها أن تدعوه وأن تسأله، وأن تحكم له أو عليه، وأن تثبت أن في مصر ديمقراطية ونظامًا ديمقراطيًّا.

    وكم يرتفع صدقي باشا في أعين الناس إن تقدم إلى البرلمان يطلب إليه تأليف هذه اللجنة! ثم نحب أن نقول في صَرَاحَةٍ ووضوح للوزراء وللشيوخ وللنواب، ولصدقي باشا نفسه: إنَّ التَّحقيق الذي جرى مع المُوَظَّفين في قصة الكورنيش ليس شيئًا إذا لم يتبعه التحقيق مع الوزير الذي أذن لهم في العمل إن كان قد أذن، أو الذي تركهم يعملون بغير إذن، إن كان قد تركهم يعملون بغير إذن. فالموظفون مسئولون من غير شك عن كل ما يعملون، ولكنَّ رؤساءهم من الوزراء ليسُوا أَقَلَّ منهم تبعة، بَلْ هُم أَشَدُّ منهم تبعة وأثقل واجبًا. ولعلَّ مِنْ مُجَاوزة العدل أن يُسأل الموظفون المرءوسون؛ لأنَّ الحكومة تملك سؤالهم ومحاسبتهم، وأن يُترك الوزراء المسئولون؛ لا لشيء إلا لأنَّ الدستور يجعل سؤالهم إلى البرلمان! فليسألهم البرلمان إذن، وليُنشئ بذلك القُدْوَة الصَّالحة والأُسْوَةَ الحَسَنَة، وليبين للموظفين الذين يُسألون أنهم لا يسألون وحدهم وإنما يسأل معهم وزراؤهم أيضًا.

    أرأيت أنَّ الامتحان الذي تجوزه الديمقراطية، والنِّظام الديمقراطي في مصر الآن ليسا من الأشياء التي يُمكن الإغضاء عنها، أو التهاون في أمرها، وإنما هو من الأشياء ذات الخطر حقًّا. أما إذا جرت الأمور كما ينبغي أن تجري في البلاد التي لم يفسد مزاجها الظلم؛ فليس من شك في أن صدقي باشا سيسأل قبل أن يمضي وقت طويل. وأمَّا إذا لم يسأل صدقي باشا؛ فقد يكون من العسير أن نعتقد أن في مصر ديمقراطية وأنَّ النظام القائم قد نجح في الامتحان.

  • حماية (١)

    حديث المساء: حماية (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٧ فبراير ١٩٣٤

    ليس أيسر من أن يُسأل أمثالك وأمثالي من عباد الله المعارضين إن قالوا أو فعلوا أو خُيِّل إلى الوزارة أنهم قالوا أو فعلوا، ما تظن الوزارة أنه يحتاج إلى السؤال والتَّحقيق. فأَمَّا إِنْ قَالَ غَيْرُك وغيري، أو فعل غيرك وغيري، من عباد الله المؤيدين أو من عباد الله المُمْتَازِين ما يَحْسُن فيه إلقاء السؤال، واستماع الجواب، واستكشاف الحق، وتبين وجه الصواب، فإن أمر هؤلاء شيء آخر يحسن الإعراض عنه والإبطاء في الالتفات إليه، والنسيان له بعد البدء فيه وتفويضه إلى الله، يقضي فيه بما يشاءُ، حين يسألنا جميعًا عمَّا نفعل ونقول. فنحنُ على هذه الأرض المصرية قسمان: قسمٌ تُحاسبه الدولة في الحياة، ويُحاسبه الله بعد الحياة، وقسم آخر تشغل الدولة عن حسابه، وتكل أمره إلى الله الذي يُحصي كل شيء على كل إنسان، والذي يسأل كل إنسان عن كل شيء. ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُنْكِرَ ذلك ونعترض عليه، فإنَّا إنْ نفعل ذلك أو نقل منه شيئًا، نُسأل عَمَّا فعلنا، ونُسأل عَمَّا قُلنا، ونُضِفْ أَثقالًا إلى أَثْقَالٍ، وأَحْمَالًا إلى أحمالٍ. وإِنَّما الخير في أن نذعن ونرضى بقضاء الله فينا، فنُسْرِعَ إذا دعينا ونجيب إذا سئلنا، ونحتمل ما يريد الله لنا أن نحتمل من آلام الحياة، فلذلك خلق المصريون، وبذلك سبقت فيهم الكلمة، وقضت فيهم الأقدار. وإذا لم يكن بد من أن نفرج الكرب عن نفوسنا، ونُسلي الهم عن قلوبنا، ونتعزَّى عن هذه الآلام التي تنغص علينا الحياة، حين نشعر بما بيننا وبين غيرنا من الفروق، وحين نرى ما بيننا وبين غيرنا من التفاوت والتمايز في ظل الديمقراطية والدستور؛ فيكفي أنْ نَتَحَدَّث بامْتِياز المُمْتَازِين، وحَصَانَةِ المُحصنين، نغبطهم على ذلك، دون أن نحسدهم عليه، فقد يكون في الحديث عن نعمة المنعمين، وسعادة السعداء، عزاء عن بؤس البائسين، وشقاء الأشقياء، ثم لنُسَجِّل هادئين مُطمئنين ما نرى من ذلك، ولنحفظه في ذاكرتنا فقد تنفع الذكرى وقد يُفِيدُ التَّسْجِيلُ، والله يداول الأيام بين الناس، فقد يأتي يوم نستطيع فيه أن نذكر هذه الآلام والحسرات، فنحرص على ألا نفرضها على خصومنا ونحرص على ألا نوئسهم من العدل ونقنطهم من الرَّحمة، ونحرمهم ما ينبغي لهم من المُسَاواة؛ لأنَّ الذين ذاقوا الألم، وعرفوا إيذاءه للضمائر الحية، والنفوس الحية، خليقون ألا يُذيقوا مثل هذا الألم للناس، وأَلَّا يُحمِّلوهم منه ما احتملوا، ولا يسقوهم منه ما شربوا.

    وإني لأستعرض هذه الخواطر كلها بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته الصحف عمَّا كان في مجلس النواب أمس من أخذ ورد، ومن حوار وجدال، فقد كان صدقي باشا أمس يصول ويجول، وكان صدقي باشا أمس يُقَدِّم إلى الوزارة القائمة مُلاحظات فيها الجد وفيها الدعابة، فيها القوة وفيها الظَّرف والمزاح. وكان وزير المالية يلقى ملاحظات صدقي باشا بِكَثِيرٍ جِدًّا من الحذر والاحتياط، فيُجِيبُ مُتحفظًا مُتلطفًا، يُرِيدُ التَّسْلِيمَ ويُحَاوِلُ ستره فلا يستطيع.

    ومن قبل هذا كان صدقي باشا يَصُولُ ويَجُولُ في الصحف، يذكر القطن وبيعه، وتوجه الأسئلة حول القطن وبيعه، فيرد صدقي باشا على الأسئلة، ويُناقش صدقي باشا ما يُقال. وتذكر قصة الكورنيش وفضائحها، وتُذاع الإشَاعَات والأَحَادِيث حول قصة الكورنيش وفضائحها، فيصدر صدقي باشا بياناتٍ حول ما يَمَسَّه من هذه القصة، أو حول ما يُرِيدُ بعض الناس أن يمسوه به من هذه القصة، وتجري الأمور على ذلك فلا تعرف مصر آخر الأمر شيئًا من الحق في القطن وبيعه، ولا تنتهي مصر آخر الأمر إلى كل ما ينبغي أن تنتهي إليه من أمر الكورنيش ومن يتصل بهم أمر الكورنيش من قريب أو بعيد. وكان النَّاسُ يقولون منذ أشهر: إن أمر القطن وأمر الكورنيش وغيرهما من الأمور قد ثارت في الجو المصري؛ رغبة منها في مُداعبة صدقي باشا، وأخذه بأن يبين للمِصريين عن طائفة من تصرفاته ليعلموا أكانت هذه التصرفات مُستقيمة لا غبار عليها، أم كانت معوجة تحتاج إلى شيء من التقويم. ولما أثيرت قصة الكورنيش لهج بها الناس وأكثروا الخوض فيها، وما زالوا يلهجون بها ويَخُوضُون فيها إلى الآن. وقال الناس ونشرت الصُّحف: إنَّ لَجْنَةَ التحقيق التي ألفتها الوزارة، ستستقصي كلَّ شيءٍ، وستسأل كل إنسان، يتصل بهذه القصة اتصالًا قويًّا أو ضعيفًا، ثم قال الناس ونشرت الصحف: إن هذه اللجنة ستسأل صدقي باشا نفسه؛ لتعرف منه وجوه الصواب فيما أتى من الأمر في هذه القصة، حين كان وزيرًا للداخلية. وغلا كثير من النَّاس فظنوا أنَّ هذه القِصَّة إنما أُثيرت لإحراج الدكتاتور العظيم، وأيُّ إحراج لرجل كصدقي باشا يُشْبِهُ ما يكون من إلقاء الأسئلة عليه، وانتظار الأجوبة منه؟! ومضى الناس يظنون هذا، ثم يعتقدونه، ثم ينتظرونه، ثم تقوى في نفوسهم الرغبة في الاستطلاع؛ فيتشوقون إلى هذا الموقف الذي سيكون بين رجل كانت إليه الأُمور كلها في مصر، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انصرفت الأمور كلها عنه، وإذا هو يقف أمام لجنة تحقيق تلقي عليه السؤال، وتسمع منه الجواب. ولكن اللجنة قد حققت ودققت، وسألت واستمعت للأجوبة، وأحصت واستقصت، ودنت في ذلك من صدقي باشا، ثم بعدت بذلك كله عن صدقي باشا، وقد أتمت أو كادت تتم تحقيقها، ولم تسأل صدقي باشا. وقيل آخر الأمر: إنها لن تسأل صدقي باشا، ولن تستطيع أن تسأله؛ لأن صدقي باشا محمي من سؤال هذه اللجنة له بالدستور! نعم، هو محمي بالدستور، فقد كان صدقي باشا وزيرًا ولا يسأل الوزراء عما يفعلون بحكم الدستور — فيما ظهر أخيرًا، وفيما قيل — إلا أمام البرلمان، أو أمام اللجان التي يُؤلفها البرلمان. وإذن، فيستطيع صدقي باشا وغير صدقي باشا من الوزراء أن يقولوا ويفعلوا، وأن يصولوا ويجولوا، وأنْ ينشروا في الصحف وأن يخطبوا في الأحزاب، وأن يُلاحظوا في البرلمان، فلن تستطيع السلطة التنفيذية ولن تستطيع اللجان التي تؤلفها هذه السلطة أن تراجعهم في شيء أو أن تسألهم عن شيء؛ لأنهم لا يسألون إلا أمام البرلمان ولجان البرلمان.

    والظريف في هذا الأمر هو موقف وزارة الرجل الطيب من هذه القصة، فقد أُلِّفت لجنة التحقيق هذه لتحصي وتستقصي، وترفع إليها حقيقة الأمر واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، ولا خفاء من ناحية من نواحيها. وكانت وزارة الرجل الطيب حين ألفت هذه اللجنة بين اثنتين، فإمَّا أنْ تَكُونَ مُقَدرة أن هذه اللجنة ستسأل الناس جميعًا، وفيهم الوزير الذي حدثت في عهده قصة الكورنيش، وإذن، فقد كانت ساهية لاهية عن الدستور وأحكام الدستور، وحماية الدستور للوزراء من أن تتوجه إليهم مثل هذه اللجنة بالسؤال. وإذن، فما لها لم تستشر؟ وما لها لم يُشَرْ عليها؟ فلو قد استَشَارَتْ وأُشِيرَ عَلَيْهَا حينئذٍ لتجنبت شرًّا كثيرًا، ولمنعت الصحف والناس من أن يذكروا صدقي باشا أو يُفكروا فيه، أو يخوضوا في حديثه حين يَذْكُرون قصة الكورنيش، ولأراحت صدقي باشا نفسه من أن يُدافع عن نفسه وينشر في الأهرام وغير الأهرام، ما نشر من الحديث عن هذه القصة. وإمَّا أَنَّها لم تكن ساهية ولا لاهية، بل كانت تعلم حق العلم أن حكم الدستور في ذلك واضح، وأنَّ صِدْقِي بَاشَا لا يُمْكِنُ أن يتلقى من هذه اللجنة سؤالًا ولا يمكن أن يلقي إلى هذه اللجنة جوابًا. وإذن، فقد كان من الحق أن تُزيل عن هذا كل لبس وكل غموض. وإذن، فقد كان من حقِّ النَّاسِ أَنْ يُلَاحِظُوا أنَّ تأليف هذه اللجنة لن يكون مُغنيًا مُقنعًا؛ لأنَّ قِصَّةَ الكورنيش فيما يظهر كغيرها من القصص التي يتصرف فيها الوزراء، لا يمكن أن تتضح، ولا أن تستبين، إلا إذا سئل الوزير الذي حدثت في عهده، عن رأيه فيها وموقفه منها، وتصرفه بإزاء أشخاصها، وإلا إذا نُوقِشَ الوزير في ذلك مُناقشة دقيقة، عميقة تَمْحُو كل شك وتُزيل كل ريب.

    ومهما يكن من شيء، فقد ظهر للوزارة آخر الأمر وأوله ألا بأس على صدقي باشا من قصة الكورنيش ولجنة التحقيق في قصة الكورنيش. ونُحِبُّ أن يفهم صدقي باشا أننا لا نختصه بشيء من هذه القصة؛ لأننا لا نعرف من أمره فيها شيئًا، وأنْ يفهم صدقي باشا أيضًا أنه كان وزيرًا، وأنَّ هذه القصة حدثت في عهده، وأنَّ إمضاءه هو الذي جعل هذه القصة حقيقة واقعة، وأنَّ مِنْ حَقِّنَا جَمِيعًا أنْ نَعْرِفَ حقيقة موقفه، وجلية الأمر في تصرفاته، وأننا لهذا نكتب ما نكتبه اليوم. وقد كانت هناك وسيلة لسؤال صدقي باشا والاستماع له، والانتهاء إلى الحكم له أو الحكم عليه، وهي تنظيم ما نص الدستور عليه من محاكمة الوزراء، ولكن وزارة الرَّجل الطيب لم تفكر في هذا التنظيم، ولم تهيئ له القانون، ولم تعرضه على البرلمان، ولم تصدره في سرعة، ولم تصدره في بطء، وأكبرُ الظَّنِّ أَنَّها ستستقيل قَبْلَ أنْ تُفَكِّرَ فيه. كانت مشغولة عن ذلك بأحداث جِسَامٍ، كانت مشغولة عن ذلك بحرب صدقي باشا نفسه، وقد ظهر أنَّها شغلت نفسها بذلك في غير نفع ولا جدوى، فهي لم تبلغ من صدقي باشا شيئًا، وهي لم تبعد صدقي باشا عن السياسة، وهي لم تصرفه عن مجلس النواب، وهي لم تحمِ نفسها من ملاحظات صدقي باشا وحملاته التي بدأها أمس، وإنما حاربته وجَدَّت في حربه، بكثير من الإشاعات والأحاديث والمناورات.

    ثم انتهت هذه الحرب إلى موقف صدقي باشا منها أمس في مجلس النواب، وإذا كان صدقي باشا قد ضعف أمره، وهان حتى انصرف الناس عنه، فليس ذلك من فعل الوزارة، وإنَّما هو مِنْ فِعْل صدقي باشا بنفسه، أسرف على الناس حتى انْصَرَف عَنْهُ الناس، وهانَ أَمْره عَلَيْهِم إِلى هَذَا الحَدِّ الذي يُؤذيه ويُضْنِيهِ.

    وكانت الوزارة مشغولة عن قانون محاكمة الوزراء بنقابة المحامين، وانتخابات نقابة المحامين، وخطبة نقيب المحامين، والتشريع المستعجل لنقابة المحامين … وقد انتهى بها هذا كله إلى مثل ما انتهت بها إليه حربها لصدقي باشا؛ فقد رَفَضَ المُحَامُون أنْ يُذْعِنُوا لقانونها، وأعلنوا أنَّ الحُكم الرجعي فيه يخالف الدستور، وأصروا على أن ما أقدموا عليه من انتخاب لا يزال صحيحًا بعد صدور القانون كما كان صحيحًا قبل صدور القانون. وكانت الوزارة مشغولة بما شئت، وما لم تشأ من المشكلات التي لم تنتهِ فيها إلى شيء، وكانت نتيجة هذا الاشتغال بتلك الأعمال الجِسَام أنْ وقف صدقي باشا منها موقف الخصم المخوف، ووقفت هي منه موقف الخصم الخائف، ووقفتِ الأُمَّةُ مِنْهُما ومن تَصَرُّفهما في مرافقها موقف المتألم المحزون.

    أرأيت أننا على هذه الأرض المصرية قسمان: قسم لا يكاد يفعل أو يقول أو تتخيل الوزارة أنه يفعل أو يقول إلا دعي وسئل، وشدد عليه الحساب، وقسم آخر لا يقدر الناس على سؤاله ولا على حسابه، ولا على استدعائه فيفوض الأمر فيه إلى الله؟! وأغرب من هذا كله أن قصة الكورنيش لم تستطع إلى الآن أن تُثير في نفس واحد أو عشرة من النواب الرغبة في شيء يشبه الاستجواب!

  • مشكلات

    حديث المساء: مشكلات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ يناير ١٩٣٤

    نعم، ليست مشكلة واحدة ولا مشكلتين، وإنما هي مشكلات عدة تشغل الوزارة في هذه الأيام، أو قل:
    تشغل أبطال الوزارة. فلا يزال بين الوزراء قوم متواضعون لم يخلقوا لأنفسهم بعدُ مشكلاتٍ تعنيهم
    وتؤرق عليهم ليلهم.

    فلسنا نعلم أن لوزير الأشغال مشكلة ظاهرة، ولسنا نعلم أن لوزير المواصلات مشكلة صارخة، ولسنا
    نعلم أن لوزير الزراعة مشكلة تعلن نفسها إلى الناس. وقد تكون لهؤلاء السادة من الوزراء مشكلات
    لم تظهر بعد، وقد تظهر غدًا أو بعد غد، وقد تكون لوزير الأوقاف أيضًا مشكلة أو مشكلات لم نعلم
    بعد من أمرها شيئًا. ولكن هؤلاء السادة من الوزراء لا يزالون متواضعين إلى الآن لم يتحدثوا عن
    أنفسهم، ولم يدعوا الناس إلى أن يتحدثوا عنهم. أما أبطال الوزراء إلى الآن فلهم مشكلات خطيرة،
    وخطرها يأتي من أنهم هم الذين خلقوها لأنفسهم، وأرادوها على أن تظهر لهم وتنغص عليهم الحياة،
    ولو قد تركوها حيث كانت لمضوا أمامهم هادئين يصرفون أمورهم في فتور أو شيء يشبه الفتور، حتى
    يأذن لهم الله بما يأذن به عادة للوزراء من هذه الراحة التي ليس فيها نشاط.

    ولكنهم قوم جادون يحبون الكَدَّ، ويكرهون الراحة وفراغ البال؛ فهم ينشئون لأنفسهم المشكلات
    إذا لم تنشأ وحدها أو إذا لم تنشئها الظروف. ولست أدري ماذا يريد منهم المصريون بعد هذا، وهم
    يجعلون للسياسة طعمًا، ويأبون على السياسة أن تنام.

    أما رئيس الوزراء الرجل الطيب، فلا يَعْرِفُ الناس أنه استراح من المشكلات منذ أَلَّفَ
    الوزارة أو أُلِّفَتْ له الوزارة. كانت مشكلته الأولى صدقي باشا، ولم يفرغ منها إلا بعد مشقة
    طويلة وهم ثقيل، ومَنْ يدري؟ لعله لم يفرغ منها بعد؛ فإنا نقرأ في الصحف أحاديث تدل — إن صحت —
    على أن صدقي باشا لم ينم ولكنه يتكلف النوم. ثم نشأت للرجل الطيب مشكلة الوزراء المفوضين وخطبة
    قاضي القضاة، ثم نشأت له مشكلة المندوب السامي والتقاليد فيما بينه وبين المندوب السامي من
    صلات. ومَنْ يدري؟ لعل مشكلة أخرى أن تكون قد نشأت له اليوم أو أن تنشأ له غدًا؛ فالرجل الطيب
    لا يستطيع أن يعيش إلا إذا كثرت حوله المشكلات.

    وأما وزير الداخلية فحسبه رئيس الوفد، وزيارات رئيس الوفد، مشكلة لا كالمشكلات، ومعضلة لا
    كالمعضلات. مراقبة دقيقة في القاهرة، وعنف لا حدَّ له في الأقاليم. نشاط لا يعرف الخمود، ويقظة
    لا تعرف النوم. أرصاد تُبَثُّ وجنود تُحْشَدُ، وطرق تقطع، ودور تحاصر، وأخرى تحتل، ولعب من هذا
    اللعب الذي إذا ابتدأ فليس له انتهاء.

    وأما وزير التقاليد فحسبه مشروع القرش، وحماية المروجين له، وعقاب الضيِّقين به؛ يفصل قومًا
    ويدرس أحوال قوم آخرين، ويحتاط لغدٍ فيلغي اتحادًا، وينشئ اتحادًا، ويغلق ناديًا ويفتح ناديًا.
    ثم لا يكفيه ذلك حتى يفكر في زي المعلمين؛ فيهيئ قانونًا أو مرسومًا لفرض العمامة وتحريم
    الطربوش، وهو في أثناء هذا كله يتهيأ لإلقاء خطبته الرائعة البارعة التي ستلقى يوم الثلاثاء حين
    يُفْتَتَحُ المجمع اللغوي في دار الأوبرا.

    وأما وزير المالية، وما أدراك ما وزير المالية! فمشكلاته لا تنقضي، ومعضلاته لا تنتهي،
    وأحاديث الناس عنه لا تفرغ، وإن قَلَّتْ أحاديثه هو عن نفسه، فمن مسألة الدَّين العام إلى مسألة
    الدَّين الخاص، ومن حكاية القطن الذي بِيْعَ إلى حكاية القطن الذي سيُبَاع، ومن خلاف مع الوكيل
    إلى خلاف مع المستشارين، ومن هذا كله إلى سماسرة البورصة يغضبهم ثم يرضيهم، ثم يغضبهم ثم
    يلاعبهم ويداعبهم، في هذا الظرف اللبق الذي لا يُحْسِنُه غيره من الوزراء.

    وتأبى الظروف إلا أن تكون لوزير الحقانية مشكلة، وأي مشكلة؟ مشكلة لم يكن في حاجة إليها، ولم
    تكن الوزارة كلها في حاجة إليها، لولا أن العدوى قد سَرَتْ إلى الوزراء؛ فأحبَّ كلُّ واحد منهم
    أن تكون له مشكلة، وأن يكون له شأن وإن كثر حوله الأخذ والرد، وأن تطول حوله الأحاديث. كان وزير
    الحقانية هادئًا، وكان المحامون هادئين، وكانت الأمور تجري بينهم وبينه مطمئنة، لا باسمة ولا
    عابسة، لا ثائرة ولا مستقرة. ولكن الظروف، وويل للناس من الظروف! أبت إلا أن تُغْرِيَه
    بالمحامين؛ فإذا هو يتحداهم، وإذا هو ينذرهم، ويأبى إلا أن يسمعوا له ويطيعوا فيما يتخذون من
    قرارات وما يعمدون إليه من انتخابات. وإذا المحامون يأبون عليه، ويخالفون عن أمره، وينتخبون
    مَكْرَمًا لهم نقيبًا، وإن كره الوزير أن يرى مكرمًا نقيبًا.

    هنالك غضب الوزير، ولم لا يغضب؟! وهل هو أقل من وزير التقاليد، أو من وزير المالية، أو من
    وزير الداخلية، أو من رئيس الوزراء؟ كلهم يغضب، وكلهم يبطش. وما له لا يغضب، وما له لا يبطش؟
    وهَبْهُ يكره الغضب ولا يحبه، فكيف يقبل أن يخطب معه مكرم باسم المحامين بين يدي جلالة الملك؟!
    وإذن، فليُهَيَّأ قانون، وليُعْرَضْ على البرلمان وليُصْدَرْ، ولينسحب على الماضي؛ وليُفْصَلْ
    مكرم وأصحابه من نقابة المحامين فصلًا، وليعلم المصريون أنهم جميعًا أمام إرادة الوزراء سواء،
    وليعلم وزير التقاليد أنه ليس هو وحده الذي يملك فصل الطلاب والأساتذة، وأن هناك وزيرًا آخر
    يملك فصل النقباء وأعضاء النقابة من نقابة المحامين.

    وكذلك غضب وزير الحقانية كما غضب غيره من الوزراء، وهَمَّ وزير الحقانية أن يبطش كما يبطش
    غيره من الوزراء، ولكن ماذا؟ وزير الحقانية يَهِمُّ، ولكنه لا يفعل؛ لأنه لا يستطيع أن يفعل،
    لأنه لا يخاصم التلاميذ، ولا يخاصم الأساتذة، ولا يخاصم الموظفين، وإنما يخاصم المحامين.
    والمحامون رجال خصومة؛ فيجب أن يَحْسِبَ لهم حساب. أراد وزير الحقانية أن يتحدى المحامين؛ فقبل
    المحامون تحديه وثبتوا له؛ لم يدعُ نقيبهم إلى حفلة الأوبرا، فأبوا أن يشهدوا حفلة الأوبرا
    وأقاموا حفلتهم في هيليوبوليس. أصدر قانونه، فأبى المحامون أن يذعنوا له؛ لأنه مخالف للدستور
    وما ينبغي لرجال القانون أن يذعنوا لمخالفة الدستور. أعاد إنذارهم بعد صدور القانون كما أنذرهم
    قبل صدور القانون؛ فابتسموا لإنذاره الثاني كما ابتسموا لإنذاره الأول، وأقروا مكرمًا لهم
    نقيبًا بعد صدور القانون كما اختاروا مكرمًا لهم نقيبًا قبل صدور القانون. وأعلنوا إلى المصريين
    جميعًا أنه إذا كان بين الناس مَنْ يحب اللعب، فإنهم هم لا يلعبون. وأعلنوا إلى المصريين جميعًا
    أنه إذا كان بين الناس مَنْ لا يؤذيه أن يهون على نفسه وعلى غيره، فإنهم هم لا يرضون أن يهونوا
    على أنفسهم ولا على أحد. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا أن المحامين إن كانوا قد عجزوا عن
    إقناع الحكومة؛ فهم قد استطاعوا إقناع أنفسهم، وأن الرجل الخليق بهذا الاسم هو الذي لا يتجاوز
    موقفه الذي يفرضه عليه الاقتناع ورضا الضمير مهما تكن الظروف. وأعلن نقيبهم إلى المصريين جميعًا
    أن عمل المحامين الخليقين بهذا الاسم إنما يعظم ويرتفع شأنه ويجل خطره، ويكون عمل رجال حقًّا
    حين يرفعون القانون إلى مستوى العدل، ولا يهبطون بالعدل إلى مستوى القانون. وأعلنت جمعيتهم
    العمومية إلى المصريين جميعًا أن القانون الذي أصدرته الحكومة لا يلائم العدل؛ لأنه لا يلائم
    الدستور، وأنهم لذلك لا يطيعونه، ولا ينزلون عند حكمه، ولا يختارون لأنفسهم نقيبًا آخر غير
    مكرم. وكلفوا نقيبهم مكرمًا بأن يبلغ ذلك إلى الجهات المختصة لينتهي إلى الحكومة التي أصدرت
    القانون.

    وكذلك تَمَّ لوزير الحقانية ما أراد وما تم لغيره من الوزراء؛ فكانت له مشكلة كما أن لزملائه
    مشكلات. وليس أمام وزير الحقانية للخروج من هذه المشكلة إلا إحدى اثنتين: فإما أن يرضى قرار
    المحامين ويسحب ما ينكره المحامون من قانونه، وفي هذا الموقف انتصار للحق والعدل والدستور
    وانخذال للوزارة. وإما أن يأبى على المحامين موقفهم ويهيئ لهم قانونًا آخر؛ وفي هذا الموقف
    إصرار على البطش، ومُضي في الطريق التي يمضي فيها زملاؤه من أصحاب المشكلات. والمحامون ومعهم
    المصريون جميعًا منتصرون على كل حال: منتصرون إذا نزلت الوزارة عند رأيهم، منتصرون إذا أبت
    الوزارة إلا أن تسلك معهم سبل البطش والعسف. فليس المظلوم ضعيفًا، وليس المظلوم منهزمًا مهما
    ينزل به من الظلم، وإنما يضعف المظلوم وينهزم حين يرضى الظلم ويذعن له ويستكين للظالمين.

    فلننظر أي الطريقين يسلك وزير الحقانية!