Tag: Corniche scandal

  • أخلاق٢

    حديث الوادي
    أخلاق
    دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب، فيلجأون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بد بعد أن بلغت المحنة السياسية ما بلغت، وبعد أن فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أن يصوره من قانون.
    ونعوذ بالله أن نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القومية في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه. ولم تخل منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أن نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسية وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز. فهؤلاء كأولئك قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًا. وحديثهم أيضًا طويل ثقيل لا نريد أن نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أن نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس. فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي المقطم، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ. ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أن الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من العلة، فقال قائلون إن الموظف معذور إن خالف القانون ليطيع الرئيس، لأنه في
    حاجة إلى أن يعيش، ولأنه لا يأمل، إن لم يُضَحِّ بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء، أن يُقصى عن منصبه، ويضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون إن ضعف الموظفين، وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم، لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أن يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أن يعاقب المرؤوس الذي ينفذ هذا الأمر، لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أن الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.
    وليس من الممكن أن يتفق الفريقان المختصمان. فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس، وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أن يحيوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان. وكل ذلك يدفعهم إلى أن يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون فيجب عليهم أن يطيعوا، مكرهون، فيجب عليهم أن يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات». والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر الذي يغريه بالطغيان حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إن قدر فليس لقدرته حد، وإن استطاع فليس لاستطاعته قيد. ويخيل إليه أن القوة فرصة تتاح فيجب أن تنتهز، وإن من الحمق أن يقدر ثم لا يعمل وإن كان هذا العمل مخالفًا للقانون.
    كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أن تأمن ضعف الموظفين وضعف الرؤساء إلى حد بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أن الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا كما سألوا صديق بك، لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًا، ولكان خيرها أعظم من شرها، لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين من الرؤساء والمرؤوسين أن القانون فوق الأشخاص وأن منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأن المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش كما جرت وكما أرادت الحكومة أن يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراء بالشر وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أن يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أن يحتاطوا لأنفسهم فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.
    نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أن مدارسنا ومعاهدنا تُلقَى في روع الأطفال والشبان أن الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأن الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب، لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون. ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس شريكان يتعاونان على العمل. لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة هي منفعة الشعب. فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة إلا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقَى في روع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف، فأبناؤنا يعلمون الطاعة أكثر مما يعلمون الحرية، وأبناؤنا يعلمون الخضوع أكثر مما يعلمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان.
    والمُثل التي تُقدَّم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.
    وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تُلقَى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون ليرضوا الرؤساء ويضحوا بمنافع الشعب، ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين ولم نكن نستطيع إلا الطاعة والإذعان»!
    طه حسين
    الوادى، ٢٤ يوليه ١٩٣٤.

  • حماية (٢)

    حديث المساء: حماية (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ فبراير ١٩٣٤

    نعودُ اليومَ إلى هذا العنوان، وإلى الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس، فقد يظهر أنَّ هذا الموضوع خَليقٌ أَنْ يتصل الحديث فيه؛ لأنَّه ليس من اليسر ولا من السهولة، ولا من الهوان بحيثُ ينبغي أن يمر كما يمر غيره من الموضوعات التي تتعرض لها الصحف، ثم لا تلبث أن تذهب بها الريح حين تشرق الشمس أو حين يقبل المساء.

    فهذا الموضوع له خطره العظيمُ من وجوه مُختلفة: هو خطيرٌ لأنَّ قصة الكورنيش نفسها خطيرة؛ ولأنَّ المال الذي ذهب فيها كثير، يكاد يبلغ نصف مليون جنيه؛ ولأنَّ الناس قد عنوا أعظم العناية بهذا المِقْدَار الضَّخْم من أَموال الإسكندرية، وحرصوا أشد الحرص على أن يعرفوا فيمَ أنفق؟ وكيف أنفق؟ وماذا أفادت الإسكندرية من إنفاقه؟ ولأنَّ الوزارة القائمة قد تكلفت إظهار العناية بهذا الأمر، والجد في الكشف عن وجه الحق فيه، فألفت لجنتها التي ألفتها، وانصرف أعضاء هذه اللجنة عن أعمالهم اليومية التي تتصل بمناصبهم وبمصالحهم الخاصة أيضًا إلى درس هذا الأمر وتحقيقه، فكل هذا لا يكون إلا حين يكون موضوع التحقيق خطيرًا حقًّا، خليقًا بهذه العناية العَظيمة من الناس، خليقًا بأنْ تخرج له الوزارة عما ألفت من الأناة والهدوء والاستقرار الذي يُشْبِهُ النَّوم.

    وقد أُثيرت قِصَّةُ الكورنيش في حدة غير مألوفة، ألقيت إلى الناس كما تلقى الصخرة من مكان مُرتفع شَاهق، فكان لوقعها ضجة عنيفة، لفتت إليها كل إنسان، وأطلقت بها كل لسان، وشغلت بها كل ضمير. وما دام الأمرُ كذلك فلا بُدَّ فيما يظهر من أنْ يَنْتَهِيَ التحقيقُ في قِصَّة الكورنيش هذه إلى أقصى ما ينبغي أن ينتهي إليه.

    وهناك ناحية أخرى تجعل هذا الموضوع عظيم الخطر بعيد الأثر في حياة المصريين، فهو في حقيقة الأمر امتحان عسير لأخلاقنا السياسية ولفهمنا للديمقراطية، واستعدادنا لاحتمالها، واحتمال ما تُكَلِّفنا النهوض به من الأثقال. فليست الديمقراطية صورًا وأشكالًا، وإنَّما الدِّيمُقراطية حقيقة من الحقائق، لا قِوَامَ لها ولا ثَبَاتَ، ولا استقرار ولا غناء، إلا إذا اعتمدت على أخلاق مُسْتَقِيمةٍ وطِبَاعٍ قَوِيَّةٍ، وضَمَائِرَ حية، ونفوس مُخْلِصَةٍ في حبها والتضحية في سبيلها بكل شيء.

    وأظهر ما تمتاز به الديمقراطية الصحيحة في الشعوب الحية، إنما هو إكبارها للمساواة، وحرصها عليها، واتخاذها أساسًا لما يكونُ بين الأفرادِ والجَمَاعَات من صلات، ولما يكون بين الشعب والحكومة من صلات. فإذا امْتَازَ بعضُ النَّاس من بعض فيما يتصل بالعدل والحق، أو تفوق بعض الناس على بعض فيما يتصل بالعدل والحق، فليست هناك مُسَاواة، وليست هناك ديمقراطية، وليس هناك عدل ولا حق، وإنما هناك سياسة تقوم على الاستئثار، وتقوم على نظام الطبقات أو على ما هو شَرٌّ من نظام الطبقات. تقوم على هذا النظام المنكر الذي يؤثر فردًا على أمة، والذي يجعل القانون حكمًا عدلًا بالقياس إلى الناس جميعًا، إلا هذا الفرد أو ذاك؛ فإنه يميزه ويؤثره ويرفعه فوق القانون.

    وكل هذا شر لا يُلائم النظام الديمقراطي، ولا يُلائم أخلاق الشعب الديمقراطي، ولا يلائم حياة الشعب الذي يراد أخذه بالتربية الديمقراطية. والواجب الوطني على كل فرد من أفراد الشعب وعلى أفراد المثقفين خاصة، وعلى الذين تكون إليهم قيادةُ الشَّعْبِ بِوَجْهٍ أَخَصَّ، إنَّما هو مُقَاوَمة هذا الفساد بكل ما يملكون من قوة وجهد، والتضحية في سبيل ذلك حتى بما لا تَطِيبُ النَّفس بالتضحية به إلا في مشقة وعسر.

    وليس في الديمقراطية شيء أشد إحساسًا مِنْ هذه الأمور التي تمس المساواة بين الأفراد من جهة، والتي تمس جباية الأموال العامة، وتدبيرها وإنفاقها في وجوهها من جهة أخرى. فكل بلد يَحْرص على الحياة الديمقراطية، حريصٌ بطبعه على المُساواة، وحريصٌ بطبعه على النزاهة وطهارة اليد والقلب والضمير في كل ما يمس أموال الشعب.

    ومن هنا قلنا وما زلنا نَقول: إنَّ قِصَّةَ الكورنيش التي أُثِيرتْ في هذه الأَيام امتحانٌ دَقِيقٌ عَسِيرٌ للنظام الدِّيمُقْراطي في مصر، ولمقدار الشعور في مصر الرسمية بحب الديمقراطية وتقديسها، والإخلاص في حمايتها. ففي قصة الكورنيش مساس بالأموال العامة، وفي تحقيق قصة الكورنيش اختبار للمساواة. ولا بد أن ينتهي هذا التحقيق إلى إظهار كل شيء. وليعلم المصريون جميعًا وليعلم الأجانب الذين يرقبون أمور المصريين أن الدولة المصرية مخلصة في حماية الأموال المصرية، مخلصة في تحقيق المساواة بين المصريين.

    وقد أَشَرْنا أمس إلى أنَّ صدقي باشا لم يُسأل، ولم يسأل أمامَ لجنة التحقيق؛ لأَنَّه ظَهَر في آخر الأمر أو في أَوَّلِهِ لا ندري، أو لا نُريد أن ندري، ظهر أنَّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تدعو صدقي باشا، ولا أن تسأله؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا، وإنما يسأل الوزراء أمام البرلمان. فإذا صح هذا وانتهى التحقيق دون أن يسأل صدقي باشا بوجه من الوجوه، فإنَّ رُكنًا ذا خطر عظيم من أركان الديمقراطية سينهدم، وستسجل مصر الرسمية انهدام هذا الركن؛ وهو ركن المساواة. فليس هناك فرق ما بين صدقي باشا وبين غيره من الذين سئلوا في قصة الكورنيش أمام لجنة التحقيق إلا أن صدقي باشا كان وزيرًا، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الوزارة حصنًا يَحْمي صدقي باشا من أن يسأل عما أتى من الأَعمال ليسمع جوابه، وليُحكم له، أو ليحكم عليه؛ فليستْ الوزارة امتيازًا، وإنما الوزارة خدمة للدَّولَة، يقتضي صاحبها عليها أجرًا، فيجبُ أَنْ يُؤدي عن أعماله فيها حسابًا، إنْ ظهرت الحاجة إلى أن يؤدي هذا الحساب.

    والعقبة الوحيدة التي تحول دون سؤال صدقي باشا هي أنه كان وزيرًا، وأنَّ الوزراء يُسألونَ أمَامَ البرلمان، فلا بُدَّ إذن من أن توجد الوسيلة لإزالة هذه العقبة التي تقوم في سبيل المساواة، ولا بد إذن من أن توجد الوسيلة ليسمع صدقي باشا ما ينبغي أن يُوجه إليه من سؤال، وليقول صدقي باشا ما عنده من جواب. وما نظن أنَّ صدقي باشا نفسه يكره هذا أو يَضيق به؛ فصدقي باشا قد صال وجال، وتحدث إلى الصحف في قصة الكورنيش، وكتب لها البيانات، ودافع عن نفسه قبل أنْ يُهاجمه أحد. ومن فعل هذا كله، فهو مُطْمئن واثق، لا يكره السؤال ولا يتردد في أنْ يجيب إذا دعي، وفي أن يرد إذا وُجِّهَ إليه السؤال.

    ومن هنا نستطيعُ أنْ نُعين بجهدنا الضعيف على إيجاد الوسيلة لإزالة هذه العقبة، فهناك طَرِيقانِ من أَيسر الأُمور أنْ تسلكا إلى تحقيق هذه الغاية؛ الأُولى: يستطيع أن يحققها صدقي باشا نفسه، وهي أن يذهب إلى اللجنة دون أن تدعوه، وأن يدلي إليها بما عنده من البيان وإن لم تسأله. فقد ينبغي أن يكون صدقي باشا أكرم على نفسه، وأَحَبَّ للديمقراطية، وأحرص على المصالح العامة من أن يؤثر الصمت والاستقرار؛ لأنَّ أحدًا لم يدعه، ولأن أحدًا لم يسأله، وهو الذي تحدث إلى الصحف، ولم يكرهه أحد على الحديث، فليتحدث إلى اللجنة دون أن يضطره أحد إلى الحديث.

    وليس من شك في أن حديث صدقي باشا إلى اللجنة سينفعها ويعينها؛ فقد كان صدقي باشا وزيرًا للداخلية، وقد أجازَ صدقي باشا ما أجاز من قصة الكورنيش، وأَجَازَهُ في عجل، وفي غير مهل، وله في ذلك رأي، وله في ذلك حكمة، وله في ذلك تعليلات، من الخير أن تسمعها اللجنة لتقيم حكمها على أساس صحيح. فإذا آثر صدقي باشا الرَّاحة واختار لزوم الصمت، والاستقرار — وهذا حقه طبعًا — فقد نظُنُّ أنَّ الطريق الثانية لا بُدَّ منها، وهي مفروضة حينئذٍ على الرجل الطيب ووزارة الرجل الطيب. وهذه الطريق الثانية هي أنْ يُسْأَل صدقي باشا أمام البرلمان، وقد بين الدستور كيف يكون سؤال الوزراء والتحقيق معهم.

    ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ القانون الذي ينظم هذا لم يصدر بعد. ولكن عدم صدور القانون لا يلغي حق البرلمان، ولا يعطل واجبه، ولا يعفي الوزراء من أن يتحملوا تبعات أعمالهم. فالبرلمان قادرٌ في حدود الدستور على أن يؤلف اللجنة البرلمانية التي نص عليها الدستور، وهذه اللجنة تنظم أعمالها وإجراءاتها بنفسها ما دام القانون لم يصدر، وهذه اللجنة تسأل صدقي باشا وتسمع منه، وتتبين وجه الحق في موقفه من قصة الكورنيش. وهذه اللجنة إنْ أُلِّفت وسألت صدقي باشا؛ تحمي المساواة، وتثبت أن الدستور لا يفرق بين الوزراء وغير الوزراء في احتمال التبعات، وتثبت أنَّ لأموال الشعب حماة يصونونها، ويذودون عنها، ويبحثون عما ضاع منها، ويبينون للناس كيف ضاع، ويحاسبون الذين أضاعوه.

    وبإحدى هاتين الطريقتين يعلم المصريون جَمِيعًا، ويعلم الأجانب الذين يرقبون مصر، أن مصر بلد حر، ديمقراطي، لا يتميز فيه أحدٌ بحماية مهما تكن، ولا يرتفع فيه أَحدٌ عن تأدية الحساب عما يأتي من الأعمال. فليختر صدقي باشا، وليختر رئيس الوزراء، ولننتظر نحنُ لنرى أَيَسْعَى صدقي باشا إلى اللجنة القائمة، أم يُدعى صدقي باشا إلى اللجنة التي سيؤلفها البرلمان؟