حديث المساء: مداورة
طه حسين
كوكب الشرق
١٥ فبراير ١٩٣٤
وقد تكلم صدقي باشا آخر الأمر بعد أنْ آثر الصمت وتعلق به وألح فيه، وكان الذي أخرجه عن هذا الصمت كلام نشرته المقطم مساء أمس، وظن صدقي باشا أنه أوحي به إلى المقطم، بل قال صدقي باشا: إنه سمع منذ أيام أنَّ الوحي سيهبط على المقطم بهذا الكلام.
فلما هبط الوحي على المقطم — إنْ صح ما قاله صدقي باشا — لم يجد محب الصمت بدًّا من أنْ يخرج عن الصمت، ولم يجد الدكتاتور العظيم مندوحة عن أنْ يقبل هذا التحدي، وأنْ يرد على كلام بكلام، ولا ينبغي أنْ تنخدع بما قاله صدقي باشا، فإن صدقي باشا لم يقل في حقيقة الأمر شيئًا، إنما أحس أنَّ وحيًا هبط على المقطم، فأنزل هو وحيًا على الأهرام، واستحال الأمر إلى خصومة بالوحي، وحرب بالكلام بين شخص مستتر يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يوحي إلى الأهرام.
فأما مصر ومصالحها، فأما العدل والحق وكرامتهما، فأما حقيقة الأمر فيما يتصل بصدقي باشا من قصة الكورنيش، فأما رأى الناس في رجل أشرف على أمور الدولة أكثر من ثلاثة أعوام، وكثرت حوله الأنباء والإشاعات، وأثار خصومه حوله الشكوك والريب والظنون، فكل هذه أمور لا قيمة لها ولا خطر، ما دام شخص مستتر يستطيع أنْ يوحي إلى المقطم، وشخص ظاهر يستطيع أن يوحي إلى الأهرام، وما دام القُرَّاء يستطيعون أنْ يقرءوا ما يوحي به هذا وذاك، وأن يلاحظوا أنَّ موحي المقطم كان لبقًا، وأنَّ موحي الأهرام كان رشيقًا مداورًا، وما دام الأمر كله يستطيع أنْ يستحيل إلى خصومة كلامية تعتمد على التصريح والتلميح، ويقضي القُرَّاء فيها بالمهارة لهذا الموحي أو ذاك.
إنَّ من المؤلم حقًّا أنْ تستحيل أمور مصر إلى هذا اللغو، وأنْ يراد بالمصريين أنْ يقنعوا بهذا الفن من فنون المزاح في أشد المسائل بعدًا عن اللغو والمزاح. إنَّ الفرنسيين لم يكتفوا بالغمز واللمز تنشرهما صحف المساء والصباح حين ظهرت في بيئتهم تلك الفضائح المالية، وإنما تجاوز الأمر عندهم صحف الصباح والمساء إلى الوزارة، ثم إلى البرلمان، ثم إلى القضاء، ثم إلى الشارع … وانتهى الأمر عندهم إلى ما هو معروف من سقوط وزارتين، ومن حركة عنيفة قمعت بالحديد والنار في باريس وغير باريس، ومن تعرض النظام السياسي كله للخطر، ولم ينته الأمر في فرنسا بعد … والله يعلم متى ينتهي، وإلام ينتهي، وكيف ينتهي.
ونحن — والحمد لله — متواضعون، نقدر ما بيننا وبين فرنسا من الفروق، ونعلم حق العلم أننا نطلب المحال إنْ أردنا أنْ تستقيل وزارة لقصة الكورنيش كما استقالت وزارة لقصة استافسكي، ونحن أبعد الناس عن أنْ نطلب مثل ما فعله الفرنسيون، إنما نطلب شيئًا يسيرًا جدًّا … شيئًا من أيسر حقوقنا أنْ نطلبه، ومن الغريب ألا نُجاب إليه … نطلب أنْ يُسأل الذين يحتملون التبعات عما يحملون من التبعات، نطلب أنْ يُسأل الذين ينفقون الأموال العامة عما ينفقون من هذه الأموال، نطلب أنْ تمحى الشكوك والظنون عن الذين ينهضون بأمور الدولة، ويتشرفون برياسة الوزارة.
نطلب ألَّا تسوء آراء الناس في رؤساء الوزارات والوزراء، وألَّا يقول بعضهم لبعض: لقد كثرت الأحاديث والإشاعات حول فلان فلم يستطع — أو لم يرد — أنْ يثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات، ولم تستطع الدولة — أو لم ترد — أنْ تثبت أنه فوق الأحاديث والإشاعات … نطلب آخر الأمر ألا يمتاز صدقي باشا من بقية المصريين، وأن يُسأل صدقي باشا عما يُضاف إليه، كما يُسأل المصريون عما يضاف إليهم، وأن يثبت آخر الأمر في وضوح وجلاء أنَّ صدقي باشا رجل سياسي لا غبار عليه، وأنَّ الذين يقولون في صدقي ما يقولون إنما يتجنون عليه، ويتهمونه بما هو بريء منه؛ كيدًا له، وإغراء به، وتأليبًا عليه.
هذا هو الذي نطلبه، وهو — كما ترى — شيء يسير لا خطر له بالقياس إلى ما طلبه الفرنسيون، وما يزالون يطلبونه، ومع ذلك فنحن لا نُجاب إلى هذا الذي نطلبه، لا تُجيبنا إليه الدولة لأمر يعلمه الله، وتعلمه هي، ولا يُجيبنا إليه صدقي باشا لأمر يعلمه الله، ويعلمه هو … والظريف مع ذلك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت» فيذكر الديمقراطية الصحيحة، ويذكر التنفيذ الصحيح للدستور، وهو يعلم حق العلم أنه قادر — إنْ أراد — على أنْ يحقق الديمقراطية الصحيحة حين يُسوِّي بين نفسه وبين المصريين، وحين يقدم إلى اللجنة ما تنتظر أنْ يقدم إليها من البيان، أو حين يطلب إلى البرلمان أنْ يؤلف لجنة تسأله وتسمع منه، فصدقي باشا يفسد الديمقراطية حين لا يُمكِّنها من نفسه، وهو مع ذلك يدعو إلى هذه الديمقراطية، ويعلن أنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية إنْ كان المصريون يريدون الاستقلال.
والدولة تعلم من ذلك ما يعلمه صدقي باشا، ولكنها تقف من ذلك موقف صدقي باشا نفسه … تريد أنْ تعرف الحق، وأن تعرِّفه للناس، ولكنها لا تسعى إلى معرفة هذا الحق، ولا إلى تعريفه للناس، ونحن بعد هذا وذاك نعيش في بلد ديمقراطي فيه دستور يجعل الناس سواء أمام القانون، ويجعل الوزراء مسئولين عن أعمالهم أمام البرلمان.
وأغرب من هذا وذاك أنَّ صدقي باشا يتحدث إلى «الإجيبشيان جازيت»، فيعلن أنه قد أراد بتغيير النظام تقوية الأمة، وتحقيق الديمقراطية الصحيحة فيها، وتمكينها من كسب الاستقلال، وهو يقف موقفًا أقل ما يوصف به أنه موقف المحارب للديمقراطية، الخارج عليها، المُضْعِف للأمة، المباعد بينها وبين الاستقلال، المباعد بينها وبين احترام الإنجليز وغير الإنجليز.
أعلن صدقي باشا في الصحف أنه مستعد لأن يقدم إلى لجنة الكورنيش من البيانات ما تحتاج إليه؛ ليثبت أنَّ الصلة بينه وبين مقاول الكورنيش صلة نقية لا غبار عليها، ثم ظهر أنَّ لجنة الكورنيش لا تستطيع سؤاله، فطلبنا إليه نحن أنْ يقدم إليها ما وعد بتقديمه من البيان، وألححنا عليه في هذا الطلب، ثم خيرناه بين هذا وبين الالتجاء إلى البرلمان؛ ليؤلف لجنة تنظر فيما عنده من بيان، ولكن صدقي باشا لم يصنع شيئًا، ولم يختر شيئًا، بل آثر الصمت، ونسى الوعد الذي كان قد وعد به حين كان يصول ويجول في الصحف، وطلبنا إلى الحكومة أن تهيئ لسؤال صدقي باشا في البرلمان، فلم تصنع الحكومة شيئًا، وطلبنا إلى البرلمان أن يسأل صدقي باشا، فلم يصنع البرلمان شيئًا، وسجلنا بعد ذلك أنَّ صدقي باشا رجل ممتاز، وأن امتيازه هذا مخالف للدستور والقانون، وأن الذين يطلبون إلغاء امتيازات الأجانب خليقون أن يطلبوا قبل ذلك إلغاء امتيازات المصريين؛ فلم يصنع أحد شيئًا.
ثم نشرت أمس تلك الأسطر التي نشرت في المقطم، فتحرك صدقي باشا، وليته لم يتحرك، وكتب صدقي باشا، وليته لم يكتب؛ لأنه لم يزد على أنْ أثبت أنه رجل ممتاز تميزه الظروف، أو يميز نفسه من المصريين جميعًا، ويتحدى الحكومة القائمة، ويتحدى معها البرلمان فيما يظهر، ويتحدى الدولة كلها هادئًا مطمئنًا، مزينًا ثغره بابتسامته الساحرة التي يكثر عنها حديث الناس.
نشرت المقطم أنَّ اللجنة تنتظر أنْ يرسل إليها صدقي باشا ما وعد بإرساله من بيان، فقال صدقي باشا: إنَّ مركزه لا يسمح له بأن يرسل إلى اللجنة بيانًا ما. ومعنى ذلك أنَّ صدقي باشا قد استكشف في آخر الأمر كما استكشفت الدولة في آخر الأمر أيضًا أن ليس للجنة سبيل عليه. وكان صدقي باشا في أول الأمر يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فوعد بأن يقدم إليها كل ما تحتاج إليه من البيان، فلما ظهرت له جلية الأمر في مركزه ابتلع وعده ابتلاعًا، وأعلن أنه لا يستطيع أنْ يقدم إلى اللجنة بيانًا ما، وكانت الدولة في أول الأمر تظن — فيما يظهر — أنَّ للجنة سبيلًا على صدقي باشا، فلما ظهرت لها جلية الأمر اكتفت بهذه الأسطر التي نشرت في المقطم أمس، ورد عليها صدقي باشا بهذا الرد الذي نُشِرَ في الأهرام صباح اليوم.
ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد؛ فصدقي باشا رجل متفضل على اللجنة لا يريد أنْ يتركها حائرة هائمة، ومن حقه أنْ يفعل إنْ أراد، فليس للجنة سبيل عليه، ولكنه يتفضل عليها وعلى الحكومة، وعلى رئيسها الرجل الطيب، فيطلع صديقًا من أصدقائه الذين لهم مكانة في الحكم، والذين ترجع إليهم اللجنة فيما عنده من المستندات، ويكتفي بذلك، ويريد أنْ تكتفي اللجنة منه بذلك، فأي فضل يشبه هذا الفضل؟ وأي طول يشبه هذا الطول؟ إنَّ صدقي باشا لرفيق باللجنة شفيق على الحكومة؛ كان يستطيع ألَّا يحفل باللجنة ولا بالحكومة، ولكنه مع ذلك تفضل فأظهر ما عنده من المستندات لصديق في الحكومة ترجع اللجنة إليه.
أرأيت جراءة تشبه هذه الجراءة؟! أرأيت تحديًا يشبه هذا التحدي؟! أرأيت استخفافًا بالوزارة واللجنة والمصالح العامة يشبه هذا الاستخفاف؟ مئات الألوف من الجنيهات تُنْفق، ويشك الناس، وتشك الحكومة في طريقة إنفاقها، وتؤلف لتحقيق ذلك لجنة، ولكن صدقي باشا يكتفي بأن يظهر ما عنده من المستندات لرجل من الأصدقاء؛ ليتحدث عنها إلى الحكومة أو إلى اللجنة. مسألة يُطلب فيها التحقيق الرسمي، فيعالجها صدقي باشا بالطريقة العرفية. وهو في هذا العلاج متفضل متبرع لا سلطان لأحد عليه، بل هو ينتظر أن تشكره اللجنة، وأنْ تشكره الحكومة؛ لأنه أظهر ما عنده من المستندات لبعض الأصدقاء.
وقل بعد ذلك: إننا نعيش في بلد ديمقراطي يخضع لأحكام الدستور، ويجعل الناس سواء أمام القانون، ويُسأل فيه الوزراء أمام البرلمان، وتحاط فيه الأموال العامة بما شئت وما لم تشأ من ألوان الحماية والرعاية. قُلْ هذا كله ولا تخف أنْ يضحك منك الناس، ولا تخف أنْ يضحك منك الأجانب بنوع خاص، ولا تخف أنْ يضحك منك الفرنسيون، ولا تشك في أنَّ حياتنا الحاضرة تضمن لنا احترام الإنجليز وإقناعهم بأننا قوم أحرار، وبأننا أهل لمفاوضتهم، وأهل لكسب الاستقلال.
ويقرأ الرجل الطيب هذا الكلام الذي يكتبه صدقي باشا في الأهرام، فيبلع ريقه، وينظر في المرآة، ويذهب إلى المحطة ليأخذ القطار إلى الإسكندرية. ومن يدري؟! لعله يؤخر سفر القطار دقائق في هذا اليوم كما أخَّره دقائق منذ أيام.
ونشرت المقطم أنَّ صدقي باشا كان قد وعد بتقديم البيان إلى اللجنة في الصحف، وكان قد أفهم بعض أعضاء اللجنة أنه مستعد لتقديم هذا البيان، فينشر صدقي باشا في الأهرام أنه لم «يتشرف» بلقاء أحد من أعضاء اللجنة، ولم يعده بتقديم هذا البيان. وما رأي صدقي باشا في وعده الذي سجله على نفسه في الصحف، والذي لا يستطيع محوه ولا إنكاره؟ لماذا عدل عن هذا الوعد وأعرض عن تقديم البيان؟ لأنه كان يظن أنَّ للجنة عليه سبيلًا، فلما ظهر له أنه محمي من سؤال اللجنة صال وجال، واسترد وعده الذي كان سبق بتقديمه في الصحف.
وما رأى صدقي باشا في أننا نؤكد له ونحن واثقون بما نقول، أنه قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة وأفهمه أنه مستعد لتقديم البيان، ولسنا نزعم أنه لقي أحدًا من أعضاء اللجنة، ولكننا نزعم أنه اتصل ببعض أعضاء اللجنة، ونظن صدقي باشا يوافقنا على أنَّ من الممكن أنْ يتصل بعض الناس ببعض دون أنْ يلقى بعض الناس بعضًا، ومن الممكن أنْ يتحدث بعضهم إلى بعض دون أنْ يرى بعضهم وجوه بعض.
فنحن — إذن — نؤكد أنَّ صدقي باشا قد اتصل ببعض أعضاء اللجنة، وقد وعد بتقديم البيان إذا لم يقدمه المقاول، فما بال صدقي باشا يعدل الآن عن هذا الوعد الشفهي كما عدل عن ذلك الوعد الكتابي؟ ليس في الأمر شيء غريب، فصدقي باشا واثق بأن اللجنة لا تستطيع أنْ تسأله، وصدقي باشا لهذا لا يقدم إلى اللجنة بيانًا، وحسبه أنْ يتفضل، فيظهر ما عنده من المستندات لصديق يسعى بينه وبين اللجنة سعيًا عرفيًّا، قوامه المودة وحب الإصلاح.
ولا يشير صدقي باشا إلى اللجنة البرلمانية … ولم يُشِر إليها، ولم يفكر أحد فيها، وليس لأحد عليه أنْ يحمله على أنْ يقدم نفسه إلى التحقيق ما دامت الدولة لا تدعوه إلى التحقيق. صدقي باشا — إذن — رجل متفوق الآن … متفوق على خصومه الذين أثاروا حوله ما أثاروا، وأرادوا به ما أرادوا، ثم ردوا عنه خاسئين، متفوق على الوزارة التي لا تستطيع — أو لا تريد — أنْ تسأله عن شيء، متفوق على البرلمان الذي لا يريد أنْ يسأله عن شيء، متفوق على المصريين جميعًا؛ لأن المصريين جميعًا يريدون أنْ يعرفوا حقيقة موقفه من قصة الكورنيش، ولا يجدون إلى ذلك سبيلًا، ونحن مع هذا كله بلد ديمقراطي خاضع لحكم الدستور، يستوي الناس جميعًا فيه أمام القانون، ويُسأل الوزراء فيه أمام البرلمان. والغريب أننا نقول ذلك ونكتبه ولا نستحي، وأنَّ صدقي باشا نفسه يتحدث بذلك إلى الإنجليز.
Tag: corruption scandal
-
مداورة
-
حماية (١)
حديث المساء: حماية (١)
طه حسين
كوكب الشرق
٧ فبراير ١٩٣٤
ليس أيسر من أن يُسأل أمثالك وأمثالي من عباد الله المعارضين إن قالوا أو فعلوا أو خُيِّل إلى الوزارة أنهم قالوا أو فعلوا، ما تظن الوزارة أنه يحتاج إلى السؤال والتَّحقيق. فأَمَّا إِنْ قَالَ غَيْرُك وغيري، أو فعل غيرك وغيري، من عباد الله المؤيدين أو من عباد الله المُمْتَازِين ما يَحْسُن فيه إلقاء السؤال، واستماع الجواب، واستكشاف الحق، وتبين وجه الصواب، فإن أمر هؤلاء شيء آخر يحسن الإعراض عنه والإبطاء في الالتفات إليه، والنسيان له بعد البدء فيه وتفويضه إلى الله، يقضي فيه بما يشاءُ، حين يسألنا جميعًا عمَّا نفعل ونقول. فنحنُ على هذه الأرض المصرية قسمان: قسمٌ تُحاسبه الدولة في الحياة، ويُحاسبه الله بعد الحياة، وقسم آخر تشغل الدولة عن حسابه، وتكل أمره إلى الله الذي يُحصي كل شيء على كل إنسان، والذي يسأل كل إنسان عن كل شيء. ولا يَنْبَغِي لنا أنْ نُنْكِرَ ذلك ونعترض عليه، فإنَّا إنْ نفعل ذلك أو نقل منه شيئًا، نُسأل عَمَّا فعلنا، ونُسأل عَمَّا قُلنا، ونُضِفْ أَثقالًا إلى أَثْقَالٍ، وأَحْمَالًا إلى أحمالٍ. وإِنَّما الخير في أن نذعن ونرضى بقضاء الله فينا، فنُسْرِعَ إذا دعينا ونجيب إذا سئلنا، ونحتمل ما يريد الله لنا أن نحتمل من آلام الحياة، فلذلك خلق المصريون، وبذلك سبقت فيهم الكلمة، وقضت فيهم الأقدار. وإذا لم يكن بد من أن نفرج الكرب عن نفوسنا، ونُسلي الهم عن قلوبنا، ونتعزَّى عن هذه الآلام التي تنغص علينا الحياة، حين نشعر بما بيننا وبين غيرنا من الفروق، وحين نرى ما بيننا وبين غيرنا من التفاوت والتمايز في ظل الديمقراطية والدستور؛ فيكفي أنْ نَتَحَدَّث بامْتِياز المُمْتَازِين، وحَصَانَةِ المُحصنين، نغبطهم على ذلك، دون أن نحسدهم عليه، فقد يكون في الحديث عن نعمة المنعمين، وسعادة السعداء، عزاء عن بؤس البائسين، وشقاء الأشقياء، ثم لنُسَجِّل هادئين مُطمئنين ما نرى من ذلك، ولنحفظه في ذاكرتنا فقد تنفع الذكرى وقد يُفِيدُ التَّسْجِيلُ، والله يداول الأيام بين الناس، فقد يأتي يوم نستطيع فيه أن نذكر هذه الآلام والحسرات، فنحرص على ألا نفرضها على خصومنا ونحرص على ألا نوئسهم من العدل ونقنطهم من الرَّحمة، ونحرمهم ما ينبغي لهم من المُسَاواة؛ لأنَّ الذين ذاقوا الألم، وعرفوا إيذاءه للضمائر الحية، والنفوس الحية، خليقون ألا يُذيقوا مثل هذا الألم للناس، وأَلَّا يُحمِّلوهم منه ما احتملوا، ولا يسقوهم منه ما شربوا.
وإني لأستعرض هذه الخواطر كلها بعد أن فرغت من قراءة ما نشرته الصحف عمَّا كان في مجلس النواب أمس من أخذ ورد، ومن حوار وجدال، فقد كان صدقي باشا أمس يصول ويجول، وكان صدقي باشا أمس يُقَدِّم إلى الوزارة القائمة مُلاحظات فيها الجد وفيها الدعابة، فيها القوة وفيها الظَّرف والمزاح. وكان وزير المالية يلقى ملاحظات صدقي باشا بِكَثِيرٍ جِدًّا من الحذر والاحتياط، فيُجِيبُ مُتحفظًا مُتلطفًا، يُرِيدُ التَّسْلِيمَ ويُحَاوِلُ ستره فلا يستطيع.
ومن قبل هذا كان صدقي باشا يَصُولُ ويَجُولُ في الصحف، يذكر القطن وبيعه، وتوجه الأسئلة حول القطن وبيعه، فيرد صدقي باشا على الأسئلة، ويُناقش صدقي باشا ما يُقال. وتذكر قصة الكورنيش وفضائحها، وتُذاع الإشَاعَات والأَحَادِيث حول قصة الكورنيش وفضائحها، فيصدر صدقي باشا بياناتٍ حول ما يَمَسَّه من هذه القصة، أو حول ما يُرِيدُ بعض الناس أن يمسوه به من هذه القصة، وتجري الأمور على ذلك فلا تعرف مصر آخر الأمر شيئًا من الحق في القطن وبيعه، ولا تنتهي مصر آخر الأمر إلى كل ما ينبغي أن تنتهي إليه من أمر الكورنيش ومن يتصل بهم أمر الكورنيش من قريب أو بعيد. وكان النَّاسُ يقولون منذ أشهر: إن أمر القطن وأمر الكورنيش وغيرهما من الأمور قد ثارت في الجو المصري؛ رغبة منها في مُداعبة صدقي باشا، وأخذه بأن يبين للمِصريين عن طائفة من تصرفاته ليعلموا أكانت هذه التصرفات مُستقيمة لا غبار عليها، أم كانت معوجة تحتاج إلى شيء من التقويم. ولما أثيرت قصة الكورنيش لهج بها الناس وأكثروا الخوض فيها، وما زالوا يلهجون بها ويَخُوضُون فيها إلى الآن. وقال الناس ونشرت الصُّحف: إنَّ لَجْنَةَ التحقيق التي ألفتها الوزارة، ستستقصي كلَّ شيءٍ، وستسأل كل إنسان، يتصل بهذه القصة اتصالًا قويًّا أو ضعيفًا، ثم قال الناس ونشرت الصحف: إن هذه اللجنة ستسأل صدقي باشا نفسه؛ لتعرف منه وجوه الصواب فيما أتى من الأمر في هذه القصة، حين كان وزيرًا للداخلية. وغلا كثير من النَّاس فظنوا أنَّ هذه القِصَّة إنما أُثيرت لإحراج الدكتاتور العظيم، وأيُّ إحراج لرجل كصدقي باشا يُشْبِهُ ما يكون من إلقاء الأسئلة عليه، وانتظار الأجوبة منه؟! ومضى الناس يظنون هذا، ثم يعتقدونه، ثم ينتظرونه، ثم تقوى في نفوسهم الرغبة في الاستطلاع؛ فيتشوقون إلى هذا الموقف الذي سيكون بين رجل كانت إليه الأُمور كلها في مصر، أكثر من ثلاثة أعوام، ثم انصرفت الأمور كلها عنه، وإذا هو يقف أمام لجنة تحقيق تلقي عليه السؤال، وتسمع منه الجواب. ولكن اللجنة قد حققت ودققت، وسألت واستمعت للأجوبة، وأحصت واستقصت، ودنت في ذلك من صدقي باشا، ثم بعدت بذلك كله عن صدقي باشا، وقد أتمت أو كادت تتم تحقيقها، ولم تسأل صدقي باشا. وقيل آخر الأمر: إنها لن تسأل صدقي باشا، ولن تستطيع أن تسأله؛ لأن صدقي باشا محمي من سؤال هذه اللجنة له بالدستور! نعم، هو محمي بالدستور، فقد كان صدقي باشا وزيرًا ولا يسأل الوزراء عما يفعلون بحكم الدستور — فيما ظهر أخيرًا، وفيما قيل — إلا أمام البرلمان، أو أمام اللجان التي يُؤلفها البرلمان. وإذن، فيستطيع صدقي باشا وغير صدقي باشا من الوزراء أن يقولوا ويفعلوا، وأن يصولوا ويجولوا، وأنْ ينشروا في الصحف وأن يخطبوا في الأحزاب، وأن يُلاحظوا في البرلمان، فلن تستطيع السلطة التنفيذية ولن تستطيع اللجان التي تؤلفها هذه السلطة أن تراجعهم في شيء أو أن تسألهم عن شيء؛ لأنهم لا يسألون إلا أمام البرلمان ولجان البرلمان.
والظريف في هذا الأمر هو موقف وزارة الرجل الطيب من هذه القصة، فقد أُلِّفت لجنة التحقيق هذه لتحصي وتستقصي، وترفع إليها حقيقة الأمر واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض، ولا خفاء من ناحية من نواحيها. وكانت وزارة الرجل الطيب حين ألفت هذه اللجنة بين اثنتين، فإمَّا أنْ تَكُونَ مُقَدرة أن هذه اللجنة ستسأل الناس جميعًا، وفيهم الوزير الذي حدثت في عهده قصة الكورنيش، وإذن، فقد كانت ساهية لاهية عن الدستور وأحكام الدستور، وحماية الدستور للوزراء من أن تتوجه إليهم مثل هذه اللجنة بالسؤال. وإذن، فما لها لم تستشر؟ وما لها لم يُشَرْ عليها؟ فلو قد استَشَارَتْ وأُشِيرَ عَلَيْهَا حينئذٍ لتجنبت شرًّا كثيرًا، ولمنعت الصحف والناس من أن يذكروا صدقي باشا أو يُفكروا فيه، أو يخوضوا في حديثه حين يَذْكُرون قصة الكورنيش، ولأراحت صدقي باشا نفسه من أن يُدافع عن نفسه وينشر في الأهرام وغير الأهرام، ما نشر من الحديث عن هذه القصة. وإمَّا أَنَّها لم تكن ساهية ولا لاهية، بل كانت تعلم حق العلم أن حكم الدستور في ذلك واضح، وأنَّ صِدْقِي بَاشَا لا يُمْكِنُ أن يتلقى من هذه اللجنة سؤالًا ولا يمكن أن يلقي إلى هذه اللجنة جوابًا. وإذن، فقد كان من الحق أن تُزيل عن هذا كل لبس وكل غموض. وإذن، فقد كان من حقِّ النَّاسِ أَنْ يُلَاحِظُوا أنَّ تأليف هذه اللجنة لن يكون مُغنيًا مُقنعًا؛ لأنَّ قِصَّةَ الكورنيش فيما يظهر كغيرها من القصص التي يتصرف فيها الوزراء، لا يمكن أن تتضح، ولا أن تستبين، إلا إذا سئل الوزير الذي حدثت في عهده، عن رأيه فيها وموقفه منها، وتصرفه بإزاء أشخاصها، وإلا إذا نُوقِشَ الوزير في ذلك مُناقشة دقيقة، عميقة تَمْحُو كل شك وتُزيل كل ريب.
ومهما يكن من شيء، فقد ظهر للوزارة آخر الأمر وأوله ألا بأس على صدقي باشا من قصة الكورنيش ولجنة التحقيق في قصة الكورنيش. ونُحِبُّ أن يفهم صدقي باشا أننا لا نختصه بشيء من هذه القصة؛ لأننا لا نعرف من أمره فيها شيئًا، وأنْ يفهم صدقي باشا أيضًا أنه كان وزيرًا، وأنَّ هذه القصة حدثت في عهده، وأنَّ إمضاءه هو الذي جعل هذه القصة حقيقة واقعة، وأنَّ مِنْ حَقِّنَا جَمِيعًا أنْ نَعْرِفَ حقيقة موقفه، وجلية الأمر في تصرفاته، وأننا لهذا نكتب ما نكتبه اليوم. وقد كانت هناك وسيلة لسؤال صدقي باشا والاستماع له، والانتهاء إلى الحكم له أو الحكم عليه، وهي تنظيم ما نص الدستور عليه من محاكمة الوزراء، ولكن وزارة الرَّجل الطيب لم تفكر في هذا التنظيم، ولم تهيئ له القانون، ولم تعرضه على البرلمان، ولم تصدره في سرعة، ولم تصدره في بطء، وأكبرُ الظَّنِّ أَنَّها ستستقيل قَبْلَ أنْ تُفَكِّرَ فيه. كانت مشغولة عن ذلك بأحداث جِسَامٍ، كانت مشغولة عن ذلك بحرب صدقي باشا نفسه، وقد ظهر أنَّها شغلت نفسها بذلك في غير نفع ولا جدوى، فهي لم تبلغ من صدقي باشا شيئًا، وهي لم تبعد صدقي باشا عن السياسة، وهي لم تصرفه عن مجلس النواب، وهي لم تحمِ نفسها من ملاحظات صدقي باشا وحملاته التي بدأها أمس، وإنما حاربته وجَدَّت في حربه، بكثير من الإشاعات والأحاديث والمناورات.
ثم انتهت هذه الحرب إلى موقف صدقي باشا منها أمس في مجلس النواب، وإذا كان صدقي باشا قد ضعف أمره، وهان حتى انصرف الناس عنه، فليس ذلك من فعل الوزارة، وإنَّما هو مِنْ فِعْل صدقي باشا بنفسه، أسرف على الناس حتى انْصَرَف عَنْهُ الناس، وهانَ أَمْره عَلَيْهِم إِلى هَذَا الحَدِّ الذي يُؤذيه ويُضْنِيهِ.
وكانت الوزارة مشغولة عن قانون محاكمة الوزراء بنقابة المحامين، وانتخابات نقابة المحامين، وخطبة نقيب المحامين، والتشريع المستعجل لنقابة المحامين … وقد انتهى بها هذا كله إلى مثل ما انتهت بها إليه حربها لصدقي باشا؛ فقد رَفَضَ المُحَامُون أنْ يُذْعِنُوا لقانونها، وأعلنوا أنَّ الحُكم الرجعي فيه يخالف الدستور، وأصروا على أن ما أقدموا عليه من انتخاب لا يزال صحيحًا بعد صدور القانون كما كان صحيحًا قبل صدور القانون. وكانت الوزارة مشغولة بما شئت، وما لم تشأ من المشكلات التي لم تنتهِ فيها إلى شيء، وكانت نتيجة هذا الاشتغال بتلك الأعمال الجِسَام أنْ وقف صدقي باشا منها موقف الخصم المخوف، ووقفت هي منه موقف الخصم الخائف، ووقفتِ الأُمَّةُ مِنْهُما ومن تَصَرُّفهما في مرافقها موقف المتألم المحزون.
أرأيت أننا على هذه الأرض المصرية قسمان: قسم لا يكاد يفعل أو يقول أو تتخيل الوزارة أنه يفعل أو يقول إلا دعي وسئل، وشدد عليه الحساب، وقسم آخر لا يقدر الناس على سؤاله ولا على حسابه، ولا على استدعائه فيفوض الأمر فيه إلى الله؟! وأغرب من هذا كله أن قصة الكورنيش لم تستطع إلى الآن أن تُثير في نفس واحد أو عشرة من النواب الرغبة في شيء يشبه الاستجواب!