بين الرضى والسخط . . .
بقلم الدكتور طه حسين
ويقال إن الثورة مزاج من السخط والرضى ومن اليأس والأمل، سخط على لون من الحياة يجب أن يتغير ورضى عن لون من الحياة يجب أن يتحقق. يأس من نظم قائمة يجب أن تزول وأمل في نظم جديدة يجب أن تستقر.
والثورة من أجل هذا مزاج من التشاؤم والتفاؤل. تشاؤم بما كان قائما وما لا يزال قائما لأنه لا يلائم ما ينبغي أن يكون، وتفاؤل بالقدرة على الإصلاح والرغبة فيه والاندفاع إليه. ولابد فيما يظهر من أن تعتدل هذه الأمزجة كلها، فلا يطغى السخط واليأس والتشاؤم لأن في طغيان هذه الخصال تثبيطا للهمم، وقعودا عن العمل، واستسلاما للأحداث، ولا يطغى الرضى والأمل والتفاؤل، لأن في طغيان هذه الخصال، استراحة إلى الوهم، واطمئنان إلى الخيال وفتورا في النشاط.
والذين يقومون على الثورة ويدبرون أمرها جديرون بأن يلاحظوا هذا كله فلا ينبغي أن يسرفوا على أنفسهم وعلى الناس بتصوير الحياة، قاتمة تدعو إلى اليأس أو تصويرها مشرقة تدعو إلى الإسراف في الأمل الذي ينتهي أحيانا إلى الخيبة وسوء الظن.
أقول هذا كله بعد أن قرأت ما قرأت من هذه الأحاديث الكثيرة التي أذيعت في هذه الأيام حول شؤون التعليم في مصر. فليس من الحق في شيء أن التعليم خير كله لا حاجة به إلى الإصلاح، ولا مكان فيه للسخط، ولو قد كان أمره كذلك لما احتاجت مصر إلى وزارة المعارف، ولا إلى عمل الذين يعملون فيها.
وليس من الحق في شيء أن التعليم كله شر خالص ليس فيه ما يبعث الرضى أو يستحق البقاء. فلو قد كان هذا حقا لما استطاعت مصر أن تعيش على هذا التعليم إلى الآن. ولكن مصر قد عاشت وارتقت وتقدمت خطوات بعيدة إلى الأمام، فهي في هذا القرن خير مما كانت في القرن الماضي، وهي بعد الحرب العالمية الثانية وبعد إعلان الاستقلال خير مما كانت قبل ذلك. ولو قد كان هذا حقا لكان أول ما يجب على الثورة أن تقف هذا التعليم، وتغلق المدارس والمعاهد والجامعات حتى تهيئ للناس تعليما جديدا ملائما لما يطمحون إليه ويطمعون فيه، ثم تستأنف أمرها وقد أقامت التعليم على أسس متينة قد رسمت له خططا صحيحة، وغايات تطابق أغراض الثورة وأهدافها.
ولكن وزارة المعارف استقبلت العام الدراسي الجديد كما تعودت أن تستقبل الأعوام الدراسية من قبل، ففتحت المدارس والجامعات، وقبلت فيها تلاميذها وطلابها القدماء، ويسرت الالتحاق بها لألوف كثيرة من التلاميذ والطلاب الجدد، ومضت في سبيلها تحاول الإصلاح ما وجدت إليه سبيلا والإبقاء على الشر الخالص لا يستقيم في عقول الذين يدبرون أمور الناس ويرعون مصالحهم.
والواقع أن التعليم كغيره من المرافق المصرية فيه الخير وفيه الشر، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يجب الإبقاء عليه حتى يتاح للناس أن يستكشفوا ما هو خير منه وأكثر نفعا.
ولو قد سألت أي وزير من وزراء الدولة أراض هو كل الرضى عن وزارته وعما تدبر من المرافق لعلمت أنه بعيد عن ذلك بعدا شديدا، ولكنه مع ذلك لا يشكو ولا يتبرم ولا يزعج الناس بالتشاؤم، ولا يدخل اليأس إلى قلوبهم بهذا السخط الذي لا ينقضي، والذي يملأ الحياة أمامهم ظلاما. وإنما يستقبل عمله ناصحا الناس مخلصا للشعب، ناسيا لنفسه، جادا في الإصلاح، مذللا للعقبات متفائلا بما يتاح له من ذلك صابرا على ما يستعصي عليه من المشكلات.
ليس من الخير أن يصبح الطلاب والتلاميذ فيقرأون في الصحف أنهم لا يتعلمون ولا ينتفعون باختلافهم إلى المعاهد واستماعهم لما يلقى عليهم من درس، وإنما يضيعون أوقاتهم وجهودهم وصحتهم في غير طائل ويضيعون بعد ذلك على الدولة ما تنفق في تعليمهم من المال الذي يحصى بالملايين الكثيرة، ثم يمسون فيقرأون مثل ما قرأوا في الصباح. ذلك أجدر أن يفسد رأيهم في معاهدهم ومدارسهم، ويهدر ثقتهم بأنفسهم، ويسيء ظنهم بأساتذتهم ومعلميهم دون أن ينتفع بذلك أحد. فهم مكرهون على أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات وأن يأخذوا ما يقدم إليهم فيها من المعرفة، وأن يسمعوا إلى أساتذتهم ومعلميهم، وأن يقرأوا فيما بين أيديهم من الكتب والخير كل الخير أن يفعلوا هذا كله وفي نفوسهم من الرضى والأمل وصدق العزم ما يلائم الصبى والشباب، وليس من المصلحة أن يشقى الأستاذ والمعلم بياض يومه وسواد ليله بما يبذل من جهد في التعليم، وإعداد الدروس وتصحيح الكراسات بالمرتبات المتواضعة التي يتقاضونها والتي لا تكاد تغني عن أكثرهم شيئا، ثم يقرأون إذا أصبحوا وإذا أمسوا أنهم يشقون في غير طائل ويضيعون أوقاتهم وجهودهم في تعليم لا نفع فيه، ولو سمع المهندسون والأطباء وغيرهم من الذين يدبرون حياة الناس اليومية ذلك كما يسمعه رجال التعليم لانتشر في مصر تشاؤم مظلم يضر كثيرا ولا ينفع قليلا. إنما الحق على الوزراء والرؤساء والمصلحين وقادة الرأي أن يلائموا بين الرضى الذي يثير الأمل ويدفع إلى العمل وبين السخط الذي يرغب في الإصلاح ويحبب التقدم والرقي. وليس أدل على ذلك من أن وزراءنا يعملون بعد الثورة كما كان الوزراء يعملون قبل الثورة يدبرون ما في أيديهم من مصالح الناس ويطمحون إلى أن يكون اليوم خير من أمس وإلى أن يكون غد خير من اليوم.
ليس من شك في أن مدارسنا مكتظة بالتلاميذ وأن ذلك يضعف انتفاعهم بما يلقى عليهم من دروس. ولكن أيهما خير أن يزدحم التلاميذ في المدارس لينتفعوا ولو قليلا بالتعليم أم أن تظل المدارس نموذجية لا يزدحم فيها التلاميذ حتى تبنى لهم مدارس ملائمة في وقت يقصر أو يطول. وقد قبلت وزارة المعارف في هذا العام من التلاميذ أكثر مما قبلت في العام الماضي كما يقال. فكيف يستقيم هذا مع العلم بأن المدارس كانت مزدحمة فازدادت ازدحاما وكان التعليم فيها قليل النفع فأمعن نفعه في القلة. ألم يكن من الخير أن نرد التلاميذ عن المدارس في هذا العام حتى تبنى مدارس جديدة في مثل هذا بالقياس إلى الجامعات؟
أمر رئيس الحكومة مشكورا ألا يرد طالب ولا تلميذ عن معاهد العلم لأنه يعلم أن قليلا من العلم خير من الجهل، وأن بصيصا ضئيلا من النور خير من الظلمة المطبقة التي يخرج الإنسان فيها يده فلا يكاد يراها.
وكان رئيس الوزراء وزملاؤه جميعا – لا أستثني منهم وزير المعارف – موفقين توفيقا عظيما حين تركوا أمور التعليم تمضي في سبيلها ولم يردوا الطلاب والتلاميذ عن العلم ثم اتخذوا هذا القرار السعيد الذي اتخذوه منذ أيام بإنشاء مؤسسة خاصة لبناء المدارس متوسعة في ذلك توسعا عظيما. وليس لمشكلات التعليم في مصر حل إلا هذا. يجب أن تكثر المدارس وتقرب من الناس فتكون لكل قرية مدرستها الابتدائية ولكل مدينة مدرستها الثانوية ولكل إقليم مدرسته الفنية.
بذلك ناديت منذ سنين وبذلك أنادي الآن وبذلك سأنادي ما وسعني النداء، والحمد لله على أن استمعت الثورة لهذا النداء، فأنشأت هذه المؤسسة التي ستتيح للمدارس المزدحمة أن يخف ازدحامها وستتيح للشعب أن يعلم أبناؤه وبناته جميعا في غير مشقة ولا عناء.
وأمر الجامعات كأمر المدارس هي أقل مما ينبغي ولذلك ازدحم فيها الطلاب فقل انتفاعهم بما يلقى فيها من الدرس ولم يستطع الأساتذة أن يفرغوا لطلابهم، وعلاج ذلك أن يخف الازدحام لينتفع الطالب ويفرغ له الأستاذ وسبيل ذلك أن تنشأ الجامعات قبل كل شيء.
فثلاث جامعات لبلد كمصر بدعة من البدع التي لا تقبل من بلد ناهض يريد أن يكون راقيا حرا متحضرا ويريد أن يكون عظيما كما كان في أكثر عصوره.
ولست أخفي على وزير المعارف أني ضقت أشد الضيق بما قاله في إحدى خطبه منذ أيام من أن كليات الجامعات مدارس ثانوية من أسوأ أنواع المدارس الثانوية. هذا كثير مسرف في الكثرة لأنه ليس صحيحا. فقد يكون في كليات الجامعة عيوب وعيوب بعضها خطير ولكنها ليست مدارس ثانوية سيئة، وإنما هي كليات جامعية عالية يدرس فيها العلم كما يدرس في غيرها من الجامعات. ولعله يدرس فيها خيرا مما يدرس في كثير من الجامعات الأجنبية، وهي بعد ذلك في حاجة إلى الإصلاح شأنها في ذلك شأن كل شيء في مصر. ولن تنقطع حاجتها إلى الإصلاح في يوم من الأيام لأن الكمال شيء لا سبيل إلى إدراكه يبعد منا كل ما سعينا إليه.
وبين يدي كتب كثيرة تنتجها هذه الكليات التي ظلمها وزير المعارف في خطبته تلك. وهي كتب متقنة جيدة تصور حبا للبحث، وتفوقا فيه، ولا تقل عن الكتب التي يصدرها الجامعيون في غير مصر. وهذه الكتب لا يصدرها شيوخ الأساتذة وحدهم، وإنما يصدرها الشباب منهم أيضا.
وليس ذنب الجامعيين أن وزراء المعارف لا يقرأون كتبهم، ولا يتابعون نشاطهم، ولا يستقصون بحوثهم، ولو قد فعلوا لعرفوا أن مصر لم تضع وقتها عبثا منذ أنشئت فيها الجامعات.
وأقول مرة أخرى أن جامعاتنا في حاجة وستكون دائما في حاجة إلى الإصلاح، وليس لها أن ترضي عن نفسها، فليس يرضي عن نفسه إلا من ألف الخمول والخمود، فأما الذين يطلبون الرقي ويستزيدون من الخير ويسعون إلى الكمال، فهم ساخطون دائما، راضون عن أنفسهم أحيانا يدفعهم السخط إلى طلب التغيير والطموح إلى الرقي، ويتيح لهم الرضى شيئا من الثقة بالنفس يمكنهم من العمل والجد والإنتاج.
وإني لأرجو ملحا في الرجاء أن تتخذ الثورة بشأن الجامعات خطوة كالتي اتخذتها بشأن التعليم العام. فتهيئ لإنشاء جامعة أو جامعتين أو ثلاث في وقت ملائم. ذلك أجدر أن يحقق لجامعاتنا ما تتحرق إليه من الإصلاح، والشيء الذي لا شك فيه هو أن معاهدنا وجامعاتنا لا تشكو من شيء كما تشكو من الكظة والازدحام.
فلنخفف عليها الضغط ولنمنحها الثقة وحسن الظن ولننتظر منها بعد ذلك أن تخلق مصر خلقا جديدا.
طه حسين
الأهرام، ٢٧/١٢/١٩٥٢
Tag: Criticism
-
بين الرضى والسخط
-
خصومات أدبية!
خصومات أدبية!
للأستاذ توفيق الحكيم
من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
"قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…".
والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
"أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين".
وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: "ظهر كاتب روسيا الأعظم!"؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: "هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!"؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: "أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد"، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
توفيق الحكيم -
النقد والطربوش وزجاج النافذة
النقد والطربوش وزجاج النافذة
وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشية مسلم بن الوليد في بيته المشهور:
إذا ما علت منا ذؤابة شارب … تمشت به مشي المقيد في الوحل
وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارا، وأذكت فيها لهيبا ونارا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعره الطويل حاد كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يعبث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظاهر الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفرى وتأبط شرا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجا من الإطالة وإشفاقا من الإطناب، وإيثارا للإيجاز البليغ.
وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثا طويلا أو قصيرا، وأعرض عليك فيه صورا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتساما وضحكا، أو عبوسا وتقطيبا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحاما، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إلي، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصب السماء من سائل وجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظا عظيما، فجعله شاعرا مجيدا وكاتبا بارعا، وناقدا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبا له وإلحاحا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرؤون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضا كان المازني شقيا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأكره المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقا ولا مخللا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تهان وتمرغ في الوحل تمريغا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، ما دام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، ما دام قد أقبل على صناعته هذه راضيا بها أو مكرها عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضي عنه أو سخط عليه.
وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرض، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناولوه بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فها أنا ذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد أن ينقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردا كالمردة وشيطانا لا كالشياطين.
أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أننا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيما.
مجلة الرسالة ٢٦ – ٣ – ١٩٣٤ -
حول قصيدة
حول قصيدة
للدكتور طه حسين
في مساء يوم من أيام سنة ١٩٢٠ دخل الأديب الفرنسي جاك ريفير على صديقه الشاعر العظيم بول فاليري، فرأى أمامه صوراً مختلفة لقصيدة أنشأها، أو قل لقصيدة كان ينشئها. فاختلس صورة من هذه الصور، ثم خرج فنشر هذه الصورة في مجلة من المجلات الفرنسية الكبرى.
وهذه القصيدة هي (المقبرة البحرية)؛ ويجب أن تعلم أن بول فاليري لا يتم أثراً من آثاره الفنية وإنما يتركه. وهو يفسر لنا هذا حين يتحدث إلينا في بعض ما كتب من الفصول بأن الشعراء وأصحاب الفن في العصور القديمة لم يكونوا يتمون أثراً من آثارهم، وإنما كانوا يعملون فيه ينقحونه، ويهذبونه، ينقصون منه، ويضيفون إليه، ويلائمون بين أجزائه، يبتغون الكمال ما وجدوا إلى ابتغائه سبيلاً. حتى إذا أُكرهوا على تركه أسلموه إلى النار أو أسلموه إلى الجمهور. فالنار والجمهور عند بول فاليري وعند أصحاب الفن الأقربين سواء؛ كلاهما يميت الأثر الفني بالقياس إلى مبدعه؛ لأنه يختص نفسه بهذا الأثر فيحرقه تحريقاً ويقطع الصلة بينه وبين صاحبه، ويجعله ملكاً لنفسه، يتمثله كما يشاء أو كما يستطيع، ويذوقه ويفهمه كما يريد، أو كما تمكنه ملكاته الخاصة من الفهم والذوق.
وبول فاليري حريص على هذه السنة الفنية القديمة، فهو لا يتم – كما قلت – قصيدة من الشعر، ولا فصلاً من النثر، وإنما يمضي فيه مصلحاً مهذباً، ساعياً إلى هذه الغاية القريبة التي لا تُدرك وهي الكمال. حتى تضطره الظروف إلى أن يدع قصيدته أو فصله أو كتابه لصديق مختلس كجاك ريفير، أو لناشر ملحّ، أو لأي ظرف من الظروف التي تذيع آثار الشعراء والكتاب وتخرجها من أيديهم إلى أيدي القراء. وكذلك فُرضت هذه القصيدة في صورتها المعروفة على صاحبها فرضاً، ولعله لو خُيّر لاختار صورة أخرى من هذه الصور التي كانت بين يديه، ولكنه نظر ذات يوم فإذا المجلة الفرنسية الجديدة تنشر له قصيدة (المقبرة البحرية) فلم يكن له بد من التسليم والإذعان.
على أن من العسير جداً أن تظفر في التاريخ الأدبي الفرنسي بقصيدة كثر حولها الحوار واشتد فيها الجدال، وتشعبت فيها الخصومة، كهذه القصيدة التي لا تزيد على أربعة وأربعين ومائة بيت. فقد أنفق النقاد الفرنسيون أعواماً يدرسونها، ويحللونها، ويلتمسون معانيها وأغراضها ومظاهر الحسن ودخائله فيها، ثم لا يتفقون على ذلك، بل لا يتفقون على شيء من ذلك، بل يبلغ بهم الاختلاف أقصاه. فإذا بعضهم يرفع القصيدة إلى أرقى منازل الآيات الشعرية الخالدة، وإذا بعضهم ينزل بها إلى حضيض السخف الذي لا ينبغي الوقوف عنده ولا الالتفات إليه.
وإذا الأمر يتجاوز المجلات والصحف الأدبية إلى الصحف اليومية الكبرى، ثم يشتد الخلاف وتنظم الخصومة حتى يضطر ناقد من كبار النقاد إلى أن يبدأ بحثاً دقيقاً وتحقيقاً بعيد الأمد، فيختار قطعتين من هذه القصيدة ويعرضهما على الأدباء والنقاد المعروفين يسألهم عما يفهمونه منهما، وما يرونه فيهما من الرأي. ويدعوه ذلك إلى أن يسألهم عن أصل من أصول الفن الشعري، ظهر أنهم لم يكونوا يتفقون عليه بحال من الأحوال، وهو الوضوح؛ أهو ضرورة من ضرورات الشعر الجيد، أم هو شيء يمكن أن يستغني عنه هذا الشعر؟ وإذا شئت الدقة والجلاء فقل: أيجب أن يكون الشعر الجيد واضحاً جلياً يفهمه من قريب من سمعه أو قرأه، أم يستطيع الشعر أن يكون جيداً وإن حال الغموض بينه وبين فهم القارئين والسامعين؟ ولا يكاد يبدأ هذا التحقيق حتى يعود الخلاف حول القصيدة وصاحبها كما كان حاداً عنيفاً متشعباً. وكان بول فاليري في أثناء ذلك قد انتُخب عضواً في المجمع اللغوي الفرنسي، فيثير انتخابه حقد الحاقدين وحنق المحنقين، ويزيد الخلاف حدة وعنفاً. وتستطيع أن تقول غير مبالغ ولا مسرف أن المثقفين الفرنسيين جميعاً قد شُغلوا بهذه القصيدة وصاحبها أعوام ١٩٢٧ و٢٨ و٢٩.
وانتهى أمر هذه القصيدة إلى السوربون – وما أقل ما تُعنى السوربون بشعر المعاصرين – وإذا أستاذ من أساتذة الأدب فيها هو مسيو جوستاف كوهين يتخذها موضوعاً لدرسه في تفسير النصوص الأدبية، وإذا هو يتخذها موضوعاً لكتاب سماه (محاولة لتفسير المقبرة البحرية). كل هذه الحركة العنيفة والشاعر صامت لا يقول شيئاً، ساكن لا يأتي شيئاً، أو هو لا يقول ولا يأتي شيئاً يمس هذا الخلاف العنيف. حتى اضطر صاحب التحقيق الذي أشرت إليه آنفاً أن يكتب إليه ينبئه بأن كثرة الذين أجابوا إلى ما أُلقي إليهم من الأسئلة يعترفون بأن لقصيدته معنى ولكنهم لا يتفقون على هذا المعنى، وإنما يختلفون اختلافاً شديداً في تحصيله، ويسأله أن يبين ما أراد ليقطع الشك ويزيل الخلاف. فلا يجيب الشاعر، ويضطر كاتب آخر إلى أن يطالبه في صحيفة من الصحف الكبرى بأن يبين للناس ما أراد أن يقول في هذه القصيدة، ليظهر من أخطأ من النقاد ومن أصاب، ويصفه بالكبرياء والحرص على أن يغيظ النقاد، ولكنه على ذلك كله لا يجيب.
حتى إذا ظهر كتاب أستاذ السوربون، نظر الناس فإذا الشاعر قد قدم بين يدي هذا الكتاب بمقدمة بديعة ممتعة، يصفها بعضهم بأنها مثيرة للدوار، لكثرة ما تشتمل عليه من المعاني والآراء في وضوح لا يكشف الحجاب عنها كل الكشف، وفي غموض لا يريح القراء من التأمل وإطالة البحث والتفكير. فإذا قرأ المقدمة البديعة الممتعة المثيرة للدوار، لم يتبين فيها القارئ جواباً لهذه الأسئلة الملحة التي ألقاها النقاد على الشاعر يتمنون عليه فيها أن يبين لهم ما أراد، وإنما يجد القارئ في هذه المقدمة آراء موئسة من الوصول إلى تحصيل المعاني التي أراد إليها الشاعر حين نظم قصيدته. فهو يقول مثلاً: إن الناس يسألونني ماذا أردت أن أقول؟ فأنا لم أرد أن أقول شيئاً وإنما أعمل شيئاً، ورغبتي في هذا العمل هي التي قالت ما يقرأون. وهو يقول مثلاً إن الأثر الفني الذي يصدره الشاعر أو الكاتب أو غيرهما من أصحاب الفن لا يكاد يخرج من يد منشئه حتى يصبح أداة من الأدوات العامة يصرفها الناس كما يريدون أو كما يستطيعون. ومعنى ذلك أن القصيدة إذا أُذيعت بين الناس، فلكل واحد منهم أن يفهم منها ما أراد أو ما استطاع. فأما ما أراد الشاعر فأمر مقصور عليه حين نظم، ولعله قد نسيه أو انصرف عنه إلى غيره من المعاني فلا ينبغي أن يُسأل عنه ولا أن يُطالب بتبيينه للناس.
وأظرف وأطرف أن الشاعر يثني على الكتاب الذي يفسر قصيدته فيقول: إنه قرّب هذه القصيدة إلى الشبان من تلاميذه، وأحاط بخصائصها التي تتصل بما فيها من الموسيقى والانسجام. ولكنه يقول: أوفق الأستاذ الشارح إلى تحقيق المعاني التي قصد إليها الشاعر أم أخطأه هذا التوفيق؟
كل هذه الآراء وآراء أخرى للشاعر العظيم في هذه المقدمة الممتعة، إن لم تبين المعاني التي أودعها قصيدته فهي تبين شيئاً آخر أظنه أقوم وأجلّ خطراً من هذه المعاني، وهو مذهب الشاعر في فن الشعر، وما ينبغي له من الارتفاع عن هذا الوضوح الذي يفسد الفن إفساداً، ويقربه من الابتذال. فهو يرى مثلاً أن جمال الشعر يأتي من أنك تحدد اللذة الفنية في نفسك كلما حددت قراءته، ومن أنك تستكشف في القراءة الثانية من فنون الجمال ما لم تستكشفه في القراءة الأولى، بل تجد في كل قراءة فنوناً جديدة من الجمال لم تجدها في القراءات التي سبقتها. وأنت لا تجد هذه اللذة المتصلة المتنوعة إلا لأنك خليق أن تستكشف في كل قراءة معنى جديداً يثير في نفسك شعوراً جديداً بالجمال. وهو يرى مثلاً أن للشعر صفات تعصمه من الموت أو تعصمه من الموت القريب، وهذه الصفات تتصل بوزنه وقوافيه وبهذه الصور الخاصة التي لا تجدها في النثر. وموت الأثر الفني عنده يأتي من فهم الناس له، فأنت إذا قرأت كتاباً وفهمته فقد قتلته وقضيت عليه. فهناك إذن جهاد عنيف بين القارئ والمقروء، فإذا فهم القارئ فقد غلب. وإنما الأثر الفني الخليق بهذا الاسم هو الذي يغلب قارئه ويعجزه، ولكن دون أن يضطره إلى اليأس والقنوط. ومن هنا يرى شاعرنا العظيم أن النثر بطبيعة تكوينه أقرب إلى الموت وأدنى إلى الفناء؛ لأنه أقرب إلى الفهم وأدنى إلى الهضم، لا تعصمه هذه الدروع المتقنة التي نسميها الوزن والقافية، والموسيقى والصور.
فإذا أضفت إلى هذه المقدمة ما كتبه شاعرنا العظيم في مواضع مختلفة، وظروف مختلفة حول الشعر والنثر والأدب عامة، استطعت أن تلخص مذهبه في الشعر الخالص أو في الشعر العالي كما يقولون. فالشعر عنده كلام، ولكنه كلام ممتاز، وامتيازه لا يجب أن يأتيه من معناه وحده، بل يجب أن يأتيه من صيغته قبل كل شيء. فحقيقة الشعر إنما تُلمس في صيغته وشكله؛ تُلمس في وزنه الذي يجب أن يبهر السمع ويؤثر فيه، وتُلمس في انسجامه الذي يجب أن يثير في النفس لذة الموسيقى، أو لذة أرقى من لذة الموسيقى لأنها تمس العقل والشعور والسمع جميعاً؛ ثم تُلمس في صوره التي تروع الخيال وتروع معه الحس أيضاً، ثم تُلمس قبل كل شيء وبعد كل شيء في هذه الصفة التي لا أدري كيف أسميها أو أحددها، والتي تضطرك إلى البحث والتفكير وإلى جهاد ما تقرأ في غير ملل ولا يأس.
وطبيعي بعد أن ثار هذا الخلاف العنيف الطويل حول هذه القصيدة أن تتجاوز حدود فرنسا، ويُعنى بها النقاد الأجانب كما عني بها الفرنسيون، كما يعنون بكل ما يصدر عن هذا الشاعر من الآثار. فقد تُرجمت هذه القصيدة أربع مرات في اللغة الإسبانية، وثلاثاً في اللغة الإنجليزية، وثلاثاً في اللغة الألمانية، ولكن الغريب أنها تُرجمت في اللغة الفرنسية نفسها شعراً. ترجمها الكولونيل جودشو وأرسلها إلى الشاعر، فكتب إليه الشاعر يقول:
"أشكر لك خالص الشكر ما أرسلتَ إليّ من ترجمة (المقبرة البحرية) إلى لغة أقرب إلى الوضوح. وسأضيف هذه الترجمة إلى التراجم الإسبانية الأربع، وإلى التراجم الإنجليزية الثلاث، وإلى التراجم الألمانية الثلاث، وإلى تراجم أخرى لهذه القصيدة قد وقعت إليّ. وقد أعجبني جداً ما بذلتَ من الجهد لما ظهر فيه من الحرص على أن تحتفظ ما استطعت ببعض الأصل، وإذا كنتَ قد استطعت أن تترجم هذه القصيدة فليست هي إذن من الغموض بحيث يقال. فإن قصيدة مظلمة حقاً تحتاج إلى تغيير أعمق من هذا التغيير الذي أحدثته لتصبح ترجمتها أمراً ميسوراً. فأنا مدين لك بهذا الدليل الواضح على أن المقبرة البحرية شيء يمكن فهمه إذا عني القارئ بعض العناية بقراءتها، ورغب بعض الرغبة في فهمها".
وأظن أن السخرية في هذا الكتاب أوضح من أن تحتاج إلى أن أدل عليها. ولعلك تسألني أن أترجم لك هذه القصيدة كلها أو بعضها، ولكني معتذر من ذلك لأمرين:
الأول: أني أجد في قراءة القصيدة لذة راقية قوية حقاً، ولكني لا أستطيع أن أقول أني أفهمها على وجهها، وليس عليّ من ذلك بأس ما دام النقاد والأدباء الفرنسيون – وهم أعلم مني طبعاً بلغتهم وأدبهم – يختلفون في فهمها إلى هذا الحد.
والثاني: أن بول فاليري نفسه يرى أن ترجمة الشعر إلى النثر قتل لهذا الشعر، وتمثيل به ومحو لآيات الجمال فيه، وأعوذ بالله أن أقترف هذه الجناية أو أتورط في هذا الإثم.
ولكن في مصر شعراء – أو أنا أرجو أن يكون في مصر شعراء – يحسنون الفرنسية، فهل لهم أن يستبقوا في ترجمة هذه القصيدة شعراً عربياً؟ وهل لأصدقائنا أصحاب (الرسالة) أن يجعلوا للفائز في هذه المسابقة من الشعراء جزاء يلائم ما سيبذله من الجهد الذي سيكون عنيفاً حقاً، ولكنه سيضع أمام قراء اللغة العربية نموذجاً من أرقى وأروع نماذج الشعر الحديث.
الرسالة في ١٥ – ١٠ – ١٩٣٣ -
الرسالة الثانية
الرسالة الثانية:
من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين
عزيزي الدكتور،
قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية، ما كنت أجهل أنك حاملها في هذا العصر.
نحن متفقان، ولا خلاف بيننا في الغاية، وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل أفترق فيها عن الدكتور ولن أعود إليها، فأنا أفزع من النظر إلى الوراء؛ خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحياناً عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحياناً أن أنثر الأفكار عابثاً من نافذة قطار.
إن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاماً بهذه الكتب السريعة، إنما نحن نطرح مسائل ونلقي بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال.
اتفقنا إذن، أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. إن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ أحمد أمين؛ قال لي ذات مساء إنه يضع كتاباً في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه.
النقد؟ لفظ رن في أذني، وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق)، وقلت في نفسي: ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد)؟ وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعاً لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوروبي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟
أما أنا فلن أجيب على فوري عن هذا السؤال، فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولاً أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. إن الغاية أحياناً رخيصة بجانب الوسيلة، على الأقل في نظر الفن؛ لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة.
الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رُسم على لوح الوجود، كيف ابتدأ، كيف انتهى؟ لا يعني ذلك علم الهندسة، إنه خط بين نقطتين وكفى.
ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. إن الغاية لا تهم، إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق، العلم هو الطريقة، الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوماً من الأيام؟ محال. ما نحن إلا أسلوب الخالق، ما الكون إلا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق.
إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود (غاية)، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشري الصغير، هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى إلا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب؛ لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن.
إن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية؛ لأن الغاية فانية كاسمها، وإنما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقي أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون.
خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء، لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها، إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع). المخترعات كذلك ليست غاية العلم، هي تطبيق للعلم، إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون، فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص.
الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبو إليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس إلا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟
فتحت البشرية عينيها فألفته حولها، فهو موجود قبلها وقبل الخليقة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. إن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء، والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات. إن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية، بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. إن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون.
ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بُني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بُنيت عليها الأهرام، هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق.
هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد، وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: أخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم، وفي حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفي حياة المادة والروح، وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطي، وليس في الوجود شيء يعطي ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون، بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
وكل خلق بنيان، ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء). وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود، وإنما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون أخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع وجوداً آخر على أسلوب آخر، فصنع أناساً يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا تصرف، وأجراماً تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خُلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء، لا خلق ولا بناء.
أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما، فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو أنه جعل كل مخلوق منفرداً بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق؟ وأي هرم يمكن أن يُشيد بأحجار أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل، ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر، بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إننا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد.
التشابه شرط الأخذ والعطاء، الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم أخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شيء ككل شيء، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال. وهل من صلة بيني وبين غيري إلا لاختلاف شخصه عن شخصي وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟
إن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يُشيد أو يوجد، مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصها لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟
لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر، ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر التماسك في كل بناء… ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!).
بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت، لاحظت أنه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه، مختلفين لا كل الاختلاف، وأدركت أنه لا تناسق بغير هذا؛ فلو أنه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفني أحدهما في الآخر، وما تميز لنا شيء غير صوت واحد، ولو أنه جعلهما مختلفين كل الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف، واختلاف بينهما لا كل الاختلاف.
ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس إلا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه. إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد، فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله: المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور، والسوري في فينيقيا وما بعدها، والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ… إلخ إلخ. كلٌّ يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. إن الفن ابن الأرض، الولد للفراش والفن للأرض.
إنني أقول بالمصرية والعراقية والسورية… إلخ إلخ، لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. إن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعاً في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. إن لكل أرض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب، ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟
لا بد أن يكون لكل أرض لون، ولكل أرض اسم ورسم وجسم، ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب، فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب أظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه، واختلاف بينها لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس، ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع).
جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا أحسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين، إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين.
القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم، فلقد بهر العلمُ العالمَ بانتصارات حاسمات متواليات، فإذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقر له بالغلبة والسلطان، وإذا كل شيء يطلب إلى العلم تفسيراً، وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضي فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح، وإذا سئل عن الروح قال: دونكم هذا الطريق، وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء… إلخ.
بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء، وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضاً وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضاً للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت ألن، رسكن)، وكان لا بد لهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكفِ العلمَ هذا التوجيهُ والتأثيرُ بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال، وأعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث)؛ قُضي الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم..!
لست أزري على طرائق العلم، فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. وأذكر يوم كنت أرصد وقتاً للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين إحداهما جميلة مليحة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا التجربة فهي الحكم الفصل!).
لكني يومئذ كنت أفكر تفكيراً صرفاً في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوي إليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فها أنا ذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة، وأقر بأني شعرت يوماً بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا أحب أن أعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائماً في شئون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال وُلد كاملاً في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه.
إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت ألن في الإلياذة: (… ما كان يعني الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها إلا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لمنفعته للإنسان، كأن يكون مكاناً خصيباً يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والأشخاص، لا أنها لذاتها محل للوصف. إن الطبيعة لم تُحب لذاتها إلا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافٍ خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة…)؟
ماذا أقول في هذا الكلام؟ أهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقاً أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصاً لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس بجمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام؟ أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء، ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمين كانوا أقرب منا إلى الطبيعة وإلى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون أنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس إلا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شيء. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق، أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟!
إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من أجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. أحب طرائق العلم، لكني أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلاً، لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم رهبة مني أن يشقها فيجدها غلافاً أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي للمرة الأولى، أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا، إنني كرجل من رجال الروح لا أريد أن أُفجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائماً أن أقول إن عقل العلم لا يكفي، ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء، إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه.
إن أقصى العلم الإيمان، أحب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضاً الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه، وكبلر. آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان، كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر إليها من قبل المصريون الأقدمون، لا بعين العقل بل بعين القلب أيضاً. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية، كانوا أيضاً يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم.
ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (… كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شيء متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم، كل شيء يكون كلاً متناسقاً. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك؛ لأن كل شيء متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس. إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض، وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية…). أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب، أولئك هم العلماء العظام!
أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم، ولا أخشى أن أجيب الآن عن السؤال فأقول إن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضاً في النقد، كما تصدق في الخلق.
أما التيار الأوروبي في النقد فهو المرتكز على العلم، ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به، وإن بعض كتب النقد التي ظهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي، وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به ونضيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد.
فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء سليقة المنطق الداخلي للأشياء والتناسق الباطن، أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة، فأي جمال للثعبان والجعران؟ إن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان، إنما المنطق الداخلي للأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما أحسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية.
أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس، أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام إلا شيئاً قد يحوي نقوداً مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسناً بزخارفها، زينة للناظرين، بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني، والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني، لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين؛ أحدهما يعني بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعني بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب.
ولعل أقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
ألم يكن مقياس الدكتور في التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالاً غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعني المقياس المصري، ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقاً داخلياً محكماً هو كل ما عني بأدائه الشاعر؟
إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا، كان يجب عليّ أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي.
وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك بمقدار لا حق لي فيه، غير أني لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا أكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاصي.
كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣.
توفيق الحكيم -
الرد
إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
سيدي الأستاذ
لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣ -
بغي
بغي
لم يخطئ[1] «الفرزدق» تصوير العرب حين قال في لاميته المشهورة:
أَحْلَامُنَا تَزِنُ الجِبَالَ رَزَانَةً … وَنَخَالُنَا جِنّاً إِذَا مَا نَجْهَلُ
وقد كان صديقي العزيز «عبد الرحمن عزام» جنيًّا منذ أيام حين قرأ جملة قصيرة في فصل طويل فصال وجال، وطلب الطعن والنزال، وخيل إليه أنه في ميدان قتال، وكتب ذلك الفصل الطويل الذي نشرته له «البلاغ» مدافعًا عن العرب ولم يهاجمهم أحد، ذائدًا عن كرامتهم ولم يغض منهم أحد، مثبتًا لمجدهم ولم ينكره عليهم أحد، داعيًا إلى المبارزة والمناجزة كأنه في ميدان من هذه الميادين التي كانت تتجلى فيها قوة الفرسان من العرب وشجاعتهم وبأسهم، والتي تجلت فيها قوته هو وشجاعته هو وبأسه هو في أيام ليس عهدها ببعيد.
ولكن أحدًا لم يبرز له لأن أحدًا لم يسئ إليه ولا إلى العرب، ولم يقترف هذا الإثم الذي أغضبه وأحفظه وملأه بهذه العزة الشامخة الباذخة، عزة «عامر بن الطفيل» ومن إليه من فرسان العرب الأقدمين.
فصديقي «عبد الرحمن عزام» يعلم حق العلم إذا خلا إلى نفسه وسأل ضميره — وما أشك لحظة في أن ضميره نقي صادق — أني لست من خصوم العرب، ولا المنكرين لما كان لهم من مجد مؤثل وعز باقٍ على الزمان. وهو يعلم حق العلم أني لست خصمًا للنهضة العربية الحديثة، ولا لهذه الدعوة التي يذيعها العرب إلى وحدتهم القومية بأي شكل من أشكالها، لأني تحدثت إليه في ذلك غير مرة منفردين وبملأ من الناس، فهو إن شك في شيء فلا يستطيع أن يشك في أني أبعد الناس عن الإساءة إلى العرب أو الازورار عنهم.
ولكنه مع ذلك اختزل هذه الجملة القصيرة من ذلك الفصل الطويل وكتب حولها ذلك المقال الذي نشر في «البلاغ». والغريب جدًّا أن هذا المقال نشر في نفس اليوم الذي نشرت فيه «الشعب» مقالًا مثله. وكنت أفهم أن تذهب «الشعب» هذا المذهب، فإن بين «الشعب» وبيني من أسباب الخصومة ما يدفعها إلى ألوان من الكذب والتجني وإلى ضروب من الكيد والدس. فأما أن يذهب صديقي «عبد الرحمن عزام» هذا المذهب فأمر لا أستطيع له تأويلًا، وفوق كل ذي علم عليم.
وقد أثار مقال صديقي «عبد الرحمن عزام» حركة أو شيئًا يشبه الحركة في «دمشق»، لو كنت مكانه لاستحيت لأني كنت سببًا لإثارته؛ فإن إغراء الناس بالناس عمدًا أو عن غير عمد، ودعوة الناس إلى الجناية على حرية الرأي عمدًا أو عن غير عمد، ليس من الأشياء التي يبتهج بها أو يطمئن إليها كاتب، فضلًا عن أن يبتهج بها أو يطمئن إليها مجاهد في سبيل الحرية والاستقلال. وكنت أحسب أن صديقي «عبد الرحمن عزام» سيكون أسرع الناس إلى إنكار هذا الشر انتصارًا للعرب، وظهورًا لحجتهم وتثبيتًا لمجدهم الأثيل.
ورأت «البلاغ» لذة غريبة في أن تطيل الحديث حول هذا الشر، فتنشر ما قالته صحيفة من صحف «دمشق»، ثم تنتظر يومًا حتى إذا كان الغد عادت فلخصت ما نشرته هذه الصحيفة ليكون أشد استقرارًا في نفوس القراء، وانتشارًا بينهم، ثم أخذت تناقش هذه الصحيفة.
وبعد أن تقرر أن الدكتور طه حسين أخطأ خطأ عظيمًا ما في ذلك شك، ولذلك أحجم عن الرد على الأستاذ «عبد الرحمن عزام».
فأنا أهنئ «البلاغ» بما لا أهنئ به صديقي «عبد الرحمن عزام» من هذه المهارة في إذاعة الشر على الناس في غير تحرٍّ ولا تثبت. وأحب أن أقول لـ«البلاغ» ولصديقي «عبد الرحمن عزام» إني لم أحجم عن الرد، ولم أمتنع عن المناقشة اعترافًا بالخطأ، أو عجزًا عن الرد، وإنما عرفت نية القوم فأعرضت عن جدالهم، وكرهت أن أشغل المصريين بالكلام الذي لا غناء فيه، والجدال في أمر لم يرد به وجه الله، ولا وجه آخر من هذه الوجوه المشرقة الطلقة، وإنما أريد به وجه قاتم مظلم لا يستطيع أن يجلو نفسه للناس.
ولعل «البلاغ» قد فهمت عني، ولعل صديقي «عبد الرحمن عزام» قد كان أسرع منها إلى الفهم، وإلا فإن صديقي «عبد الرحمن عزام» والذين يكتبون جميعًا في صحيفة «البلاغ»، ليسوا من الجهل بالتاريخ والغفلة عن حقائقه بحيث يعتقدون أن حكم العرب في مصر قد كان كله خيرًا وبرًّا، وعَدلًا وإنصافًا، وقد برئ من الجور والحيف، وخلص من البغي والطغيان. وهذا كلام يقوله العامة وأشباه العامة، فأما المثقفون — وفي مقدمتهم صديقي «عبد الرحمن عزام» وكتّاب «البلاغ» — فيعلمون حق العلم أن حكم العرب لمصر كان فيه الخير أول الأمر حين حمل إلى مصر الإسلام، ولكنه بعد ذلك كان كحكم العرب لجميع البلاد الإسلامية، مزاجًا من الخير والشر، ومن العدل والجور. وقد ضاقت مصر به وثارت عليه، وجَدّت في الثورة حتى ظفرت باستقلالها من السلطان العربي، وحتى كلفت الخلفاء من «بني أمية» و«بني العباس» عناء غير قليل. وإنه لمما يحزن أن نحتاج إلى تقرير مثل هذه الأشياء التي لا ينبغي أن تحتاج إلى تقرير؛ لأنها من الأوليات التي لا يمكن فيها الاختلاف.
وعفا الله عن قوم يريدون شيئًا فيسلكون إليه طريق الذود عن العرب والدفاع عن الأحساب والأنساب؛ لأنهم لا يستطيعون أن يسلكوا إليه طريقه الواضحة المستقيمة، ولو قد سلكوها لوجدوا شوكًا وحسكًا كثيرًا. أما بعد فأحب أن يعلم صديقي «عبد الرحمن عزام»، وأن تعلم «البلاغ» أني لا أخاف مثل هذا المكر، ولا أحسب له حسابًا، وإنما أشفق منه على أهله؛ لأن الله عز وجل قد أنذر أهل المكر السيئ بعذاب شديد.
وأعود فأختم هذه الكلمة كما بدأتها ببيت من شعر «الفرزدق» يظهر أنه قد صوّر أصحابنا تصويرًا دقيقًا، وهو:
ضَرَبَتْ عَلَيْكَ العَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهَا … وقضى عليك به الكتاب المنزل
أما إخواننا من أهل «الشام» فإن لي معهم حديثًا آخر.
[1] كوكب الشرق في ٩ – ٩ – ١٩٣٣. -
عتاب
عتاب
نسوقه إلى زميلتنا «السياسة» الغراء، فقد بغت وطغت، وأسرفت في البغي والطغيان حتى تجاوزت كل حد، وخرجت عن كل طور. وما رأيك في صحيفة سيّارة تتتبع ما يقال عن علماء الإسلام، ومصابيح الظلام، وأعلام الهدى، ونجوم الدجى، وورثة الأنبياء، فتذيعه، لا تتحرى فيه حقًا، ولا تتثبت فيه من صواب، فتسيء بذلك إلى ورثة الأنبياء؟ وأي إساءة أشد من إشاعة الشر عنهم وإذاعة الفاحشة عنهم؟ وتسيء إلى المسلمين، وأي إساءة أشد من أن تصوّر هداتهم وحماتهم في هذه الصورة المنكرة التي تذيعها في هذه الأيام؟
أذاعت منذ شهور أن شيخًا من شيوخ الأزهر الشريف سافر في الدرجة الثانية واقتضى أجر الدرجة الأولى، فاحتاز مالًا ليس له، وإنما هو لله والمسلمين. وظلت تذيع وتشيع، وظلت تصول وتجول وتكتب وتقول، حتى ضقنا بذلك أشد الضيق، وكرهنا ذلك أشد الكره، وفزعنا إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ شيخ الجامع الأزهر أن يكذب هذا الحديث ويرفع هذا العار، ويحمل «السياسة» على السكوت.
ولكن حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر كان حليمًا مغرقًا في الحلم، فأعرض عن «السياسة» رحمةً لها وعطفًا عليها، وثقةً أن أحدًا من الناس لن يصدقها. ومن الذي يصدق أن علمًا من أعلام الهدى، ونجمًا من نجوم الدجى، ومصباحًا من مصابيح الظلام، وإمامًا من أئمة الإسلام، يحتجز من مال الدولة قرشين أو ما ينقص عنهما قليلًا أو ما يزيد عليهما قليلًا؟ ولكن في الحلم إغراء، وفي العفو أطماع، فظنت «السياسة» أن حلم الشيخ الأكبر عجز، وظنت «السياسة» أن عفو الشيخ الأكبر ضعف، وظنت «السياسة» أن صمت الشيخ الأكبر تسليم. وقد ساء ظن «السياسة»؛ فالشيخ أكبر من العجز، والشيخ أقوى من الضعف، والشيخ أقدر من التسليم، ولكن الناس فُطروا على الطمع فيمن يعفو عنهم، والاعتداء على من يعطف عليهم.
وهذه «السياسة» تنشر اليوم، من غير أن تتحرى ومن غير أن تتثبت، قصةً شرًّا من تلك القصة، وحديثًا شرًّا من ذلك الحديث. كوكب من كواكب الدجى وشمس من شموس الهدى، وطود من أطواد الإسلام، وركن من أركان الدين، وإمام من أئمة اليقين، وعضو من هيئة كبار العلماء التي نهضت لتدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، تتهمه «السياسة» — والعياذ بالله — بأنه كان يرأس جماعةً من جماعات العلماء، جمعت المال ثم أصابها الانحلال، فظل مالها أمانةً عند الشيخ عامًا وعامًا، ثم عامًا وعامًا، ثم أعوامًا بعد أعوام. والشيوخ يطلبون إلى الأستاذ أن ينفق هذا المال في وجه من وجوه الخير أو في سبيل من سبل البر، والشيخ عن ذلك معرض، كأن أحدًا لا يتحدث إليه، ولا يسأله عن شيء.
كذلك قالت «السياسة» صباح اليوم. وأنا بريء إلى الله، وإلى العلماء، وإلى الناس جميعًا، مما قالت «السياسة». ولست أكتب مسجِّلًا له ولا مؤمنًا به، وإنما أكتبه منكرًا له أشد الإنكار، لائمًا «السياسة» فيه أشد اللوم، طالبًا إلى الشيخ الأكبر أن يخرج عن حلمه الحليم، وعن رحمته الرحيمة، وأن ينفي هذا الذي تذيعه «السياسة»؛ فإن من الدعوة إلى سبيل الله، والذود عن دين الله، أن يكون ورثة الأنبياء أصفى من الصفاء، وأنقى من النقاء. وطالبًا إلى «السياسة» نفسها أن تمحو ما سطرت، وتنكر ما نشرت، وتعتذر إلى الإسلام ومصابيحه، وإلى الدجى وكواكبه، وإلى الهدى وأعلامه، وإلى الأنبياء وورثتهم، من هذا الكلام الذي لا ينفع ولكنه يضر، ولا يحسن ولكنه يسيء. ولعل «السياسة» لا تغضب إن اشتددنا عليها في العتب، وشططنا عليها في اللوم، فما وفيناها إلا بعض حقها، وما جزيناها إلا بأيسر الجزاء. -
تكريم
تكريم
ليس من شك في أن وزير التقاليد بطل من أبطال الجيل المصري الحديث! وفذ من أفذاذ هذا العصر الذي نعيش فيه، ودعامة من دعائم هذا العهد الذي نستمتع بما يسوق إلينا من خير وما يمطر علينا من بر، وما يغمرنا به من إحسان!! وليس من شك في أن كل تاريخ يكتب لتصوير الحياة المصرية في هذه الأيام لن يستطيع أن يهمل اسم وزير التقاليد، ولا أن ينسى جهوده الرائعة البارعة في تصوير العقلية التي يراد أن تفرض فرضاً على المصريين، والقالب الذي يراد أن تصب فيه نفوس المصريين. ومن المحقق أن اثنين، واثنين ليس غير من وزراء هذا العهد السعيد سيبقى اسمهما في تاريخ مصر إلى زمن غير قصير هما رئيس الوزراء ووزير التقاليد.
وليس معنى هذا أن زملاءهما لم يحدثوا ما هو خليق بالذكر، جدير بالتفكير والتسجيل؛ فلن ينسى التاريخ لوزير الداخلية براعته في المحافظة على النظام ومهارته في إقرار الأمن وتفوقه في حماية الدولة من رئيس الوفد وأصحابه حين يغيرون على أحياء القاهرة أو على المدن والقرى والأقاليم. فسيذكر الناس مع الإعجاب الذي لا حد له خطف رئيس الوفد وصاحبه من قنا، وسيذكر الناس مع الإعظام والإكبار تسليح الجنود لحصار سمنود وإلغاء إجازات الضباط وإمساك المديرين في أقاليمهم أيام العيد، وسيذكر الناس — مع الشاء الجزيل والشكر الجميل — حفر الخنادق وإقامة الأسوار، وصف السيارات والعربات حول زفتى يوم زارها رئيس الوفد وصاحبه. لكن هذه الأشياء كلها على جلال خطرها وارتفاع شأنها، وعلى أنها قد أقامت لمصر مجداً مؤثلاً، وكسبت للدولة نصراً مؤزراً، ليست طريفة ولا مبتكرة، وإنما هي تقليد أو شيء يشبه التقليد كان يأتيه رئيس الوزراء حين كان يتولى وزارة الداخلية في عهده القديم والجديد. ففضل هذه الأعمال الجليلة يرجع إليه أكثر مما يرجع إلى وزير داخليتنا القائم. وإذا أذن الله للوزارة بطول البقاء وامتداد أسباب الحياة فقد يأتي وزير الداخلية من الأعمال ما يقرنه إلى زميليه العظيمين.
ووزير الزراعة خطب وله أحاديث وله صولات وجولات، ولكنه على ذلك كله حديث عهد بالوزارة، لا تظهر شخصيته بارزة تفرض الإعجاب على الناس إلا إذا دار عليه العام وحدث في حياتنا الزراعية حدث جديد يشبه الأحداث السياسية والتعليمية. وكان لنا وزير للحقانية كاد يفرض شخصيته فرضاً ويضطر حزب الاتحاد إلى أن يقيم له، لا نقول حفلات التكريم، بل النصب والتماثيل لولا أن هذه الشخصية أدركها الضعف في منتصف الطريق فضاقت بالبدارى، وضاقت بها البدارى، وطاحت قضية البدارى بهذا الوزير واثنين من أصحابه.
ومر الآخرون من وزراء هذا العهد بمناصبهم مر الطيف، لم يتركوا آثاراً ولا أحداثاً كباراً حتى قال الإنجليز إن وزارة صدقى باشا وزارة رجل واحد في حقيقة الأمر، فالآن تصحح الحوادث رأى الإنجليز وتثبت أنها وزارة رجلين: رئيس وزرائنا الذي يستريح في «فرسايل»، ووزير التقاليد الذى يتعب فى القاهرة ويتعب غداً في الإسكندرية.
فليس غريباً إذن أن تقام حفلات التكريم لوزيرينا العظيمين فهما من غير شك أهل للتكريم ولأكثر من التكريم، إنما الغريب ألا تقام هذه الحفلات إلا من حين إلى حين مرتين أو مرات في العام. ولو أن المصريين يعرفون الجميل لأهله ويقدرون حسن الصنيع لمن يتولاهم بالخير ويمسهم بالمعروف لاتصلت حفلات التكريم للوزيرين الجليلين ولأصبحا في تكريم وأمسيا في تكريم وباتا فى تكريم. ولكان هذا أقل ما يجب على مصر لهما من الشكر وأيسر ما تؤدى إليهما مصر من الثناء.
لهذا لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت واضحة جلية في خطبة وزير الزراعة حين أراد أن يتكلم باسم الوزراء وباسم «حزب الشعب» فى تكريم القائد العظيم لحزب الاتحاد؛ فقد كان وزير الزراعة حائراً حقاً يلتمس العلل والأسباب لهذا التكريم الذي ظهر فجأة وطرأ على غير انتظار، ويحاول أن يرد الأمر إلى نصابه فيضيف شيئاً من فضل وزير التقاليد إلى رئيس الوزراء، ويرد شيئاً من فوز حزب الاتحاد إلى تأييد «حزب الشعب» له وعطفه عليه. لم نفهم هذه الحيرة التي ظهرت على وزير الزراعة وهو الذي إذا تكلم في مجلس زانه، وإذا نطق أطلق بالشهد لسانه، وإذا دعا البيان انقاد له البيان في استسلام وإذعان. ففضل وزير التقاليد أظهر من أن ينكر وخطر وزير التقاليد أجلى من أن يرتاب فيه. ولولا أن بعض الظن إثم لأشفقنا على وزير الزراعة أن يكون قد أوجس خيفة من هذا التكريم الفجائي، وظن أن له أسبابا يجهلها الناس وأسراراً لا يقف عليها إلا الراسخون في العلم. ولكن الأمر أيسر من ذلك فمآثر وزير التقاليد بادية لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وأول مأثرة من مآثر وزير التقاليد أنه نهض وحده بتمثيل حزب الاتحاد فى الوزارة منذ زمن بعيد، منذ أبعد عنها ماهر باشا، ومنذ مرض وزير الخارجية، فكان واحداً بين زملائه لكنه احتمل الأمانة على ثقلها، وأدى الواجب على وجهه واحتفظ بعلم الحزب مرفوعاً، وبلوائه منشوراً خفاقاً. أليس ذلك وحده يكفي لأن يقيم له حزب الاتحاد حفلات التكريم إذا أشرق الصبح، وإذا دنا المساء، وإذا أظلم الليل.
بلى، فكيف إذا كانت لوزير التقاليد مآثر جاوزت حزب الاتحاد، لا أقول إلى الأمة المصرية وحدها، ولا أقول إلى الشرق العربى وحده، بل أقول إلى العالم المتحضر كله؛ فوزير التقاليد هو الذي أنشأ «المجمع اللغوى». وليس يعنينا أن يكون المجمع قد وجد، أو لم يوجد وعمل أو لم يعمل فذلك شيء ينبغى أن يكون في الدرجة الثانية أو الثالثة من التقدير. إنما المهم أن المجمع قد صدر به المرسوم وذكر فى خطبة العرش، وكتبت فيه الصحف، وخوطبت فيه دول الشرق والغرب، وهيئت له بعثة وسيؤلف من غير شك في يوم من الأيام. وأنت تعرف أن هذا المجمع ليس مقصوراً على المصريين، ولا على الشرقيين، بل هو يتناول الشرق والغرب جميعاً، فلا غرابة في أن ينهض المصريون من حزب الاتحاد بتكريم وزير التقاليد، ولا غرابة في أن تنهال الأوسمة من الشرق والغرب على وزير التقاليد.
فإذا أضيفت إلى هذه المأثرة مأثرة أخرى ينعم بها الأجانب طول فصل الشتاء من كل عام، وهى مأثرة الرقص والتمثيل والغناء في الأوبرا وما تكلف وزير التقاليد من إكراه البرلمان على أن يرصد لها الآلاف رغم الأزمة ورغم وزير التقاليد، لم نشك في أن الأجانب مقصرون حين لم يشتركوا مع المصريين في تكريم وزيرنا العظيم. ويزداد تقصير الأجانب نكراً إذا ذكرت هؤلاء المحاضرين الذين دعاهم وزير التقاليد من بلاد الإنجليز والفرنسيين وأنفق عليهم المئات من الجنيهات ليثقفوا الأجانب ويفقهوهم في آدابهم؛ ألست ترى أن من الحق على الأجانب لو أنهم يحسنون الشكر لمن يستحق الشكر أن يقيموا لوزير التقاليد حفلة تكريم واحدة على أقل تقدير. ولوزير التقاليد مآثر أخرى مهما نقل ومهما نكتب فلن نحسن تصويرها، فهو الذى قص جناح الجامعة وطرد استقلالها من مصر وهو الذى ضيق حدود التعليم العالى وأخضعه لقيود أقل ما يقال فيها إنها لا تلائم آمال مصر ولا حاجتها ولا كرامتها.
واحذر كل الحذر أن تنظر إلى هذه الأعمال على أنها إساءة إلى مصر أو إفساد لأمورها فلم يخدم مصر كما خدمها وزير التقاليد بسياسته الشيطانية؛ لأنه فرض على المصريين أن يقدروا أمور التعليم وفرض على الأحزاب السياسية المعارضة أن تجعل مسألة التعليم فى أول برامجها السياسية لتصلح منها ما أفسده هذا العهد. ولو لم يمن الله على مصر بوزير التقاليد لظلت مسائل التعليم مهملة محرومة من الإصلاح في غير نظام ولا اطراد. أما الآن فقد أصبحت مصر واثقة بأن بناء التعليم فيها سيستأنف من جديد وسيقام على أساسه الصحيح يوم ترد إلى مصر حريتها الصحيحة؛ فلو لم يكن لوزير التقاليد إلا هذا الفضل لكان خليقاً أن يكرم مرات في كل يوم لا في كل عام.
رجلان اثنان سيحفظ التاريخ الحديث اسميهما على أنهما من أكبر المحسنين إلى مصر: رئيس الوزراء لأنه نبه الشعب المصرى إلى واجبه فى الإصلاح السياسي أحسن تنبيه، ووزير التقاليد لأنه نبه الشعب إلى واجبه في الإصلاح التعليمي أحسن تنبيه. وستستقيل هذه الوزارة في يوم من الأيام، وسيرى رئيس الوزراء ووزير التقاليد أن المعارضين الذين يخاصمونهما اليوم سيقيمون لهما حفلات التكريم أجمل وأروع وأبدع من الحفلات التي تقام لهما الآن في «حزب الشعب» أو حزب الاتحاد.
كوكب الشرق في ٣٠ – ٦ – ١٩٣٣.