Tag: Cultural Communication

  • نعم واجب …

    نعم واجب …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٢ أكتوبر ١٩٥٤

    لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أصدَقُ الشكر وأجمله على مقاله القيِّم الذي قرأته اليوم في الجمهورية، عن نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. ولفضيلته كذلك أصدقُ الشكر وأجمله على ما تفضَّل به من ثناء، وما وجه إليَّ من دعاء … وأحب أن يطمئن الأستاذ الجليل إلى أني حريص أشدَّ الحرص على أن أكون عند ما يحب من معونته حسب طاقتي على ما يحاول من تَبْيِين حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب جميعًا … ولكني أعود بعد ذلك إلى الموضوع الذي كتبت فيه منذ حين، والذي أثار الأستاذ الجليل إليَّ الكتابة فيه اليوم، وهو ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.

    فقد يظهر أن فضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني على أن هذه الترجمة واجبة لا ينبغي التقصير في أدائها، ويوافقني كذلك على أن الأزهر قد فكر في هذه الترجمة وأطال فيها التفكير، وتحدَّث عنها وأكثر فيها الحديث منذ عشرين عامًا، ولكنه على ذلك لم يصنع شيئًا، بل لم يأخذ في هذه الترجمة، ولم يتمَّ منها لا قليلًا أو كثيرًا.

    وكنت أظن أن الأزهر في هذا العهد الجديد سيستأنف التفكير الجاد المنتج في هذا الواجب الخطير، ويأخذ في أدائه دون إرجاء له أو إبطاء فيه، مكتفيًا بما ضاع من الوقت في التفكير والحديث أثناء هذه السنين الطوال …

    ولست أدري أمخطئ أنا في فهم الذي نشرته الأهرام للأستاذ الأكبر منذ أسابيع بهذا العنوان الذي لم ينكره الأستاذ الأكبر، ولم ينكره أحد من الأزهريين، وهو إرجاء ترجمة معاني القرآن للغات الأجنبية «مشروع جديد لمشيخة الأزهر للتعريف بأحكام الإسلام ومبادئه».

    رجال الدين مسئولون أمام «الضمير» الإنساني عن سلامة العالم، وهذا العنوان وحده يصور حديث الأستاذ الأكبر تصويرًا دقيقًا، كما أنه يصور المقال الذي نشرته الجمهورية له صباح اليوم؛ ففضيلته يرى في صراحة صريحة أن الغاية التي يقصد إليها من ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، إنما هي تعريف حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب، تعريفًا صحيحًا صادقًا لا لبس فيه ولا غموض ولا التواء …

    والأستاذ الأكبر يرى الإسراع إلى تحقيق هذه الغاية بوضع الكتب والرسائل التي تعرض حقائق الإسلام وأصوله، وترجمة هذه الكتب والرسائل إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ولا يتحدث عن الأخذ في ترجمة معاني القرآن نفسه اليوم أو غدًا أو بعد غد، وأخشى أن يُكتفى بوضع هذه الكتب وترجمتها وإذاعتها ويُستغنى بذلك عن الموضوع الذي أُلِحُّ فيه أشدَّ الإلحاح، وهو ترجمة معاني القرآن نفسه ترجمة دقيقة صادقة يمكن أن يثق الناس بها، ويطمئنوا إليها، ويعلموا أنها هي التي تصور فهم أعلام الإسلام للقرآن الكريم.

    فهناك فرق واضح أشدَّ الوضوح بين كتاب يقدم إلى الناس على أنه ترجمة لمعاني القرآن قد أقرها رجال الدين وأطبقوا على إقرارها، ولم يروا فيها عوجًا ولا انحرافًا عما ينبغي أن يفهم من نصوص الذكر الحكيم، وبين كتاب يقدم للناس على أنه عرض لهذه الحقيقة أو تلك من حقائق الإسلام قد ألفه هذا الأستاذ أو ذاك من أساتذة الأزهر الشريف أو من غيرهم.

    وما أكثر الكتب التي ألَّفَها المستشرقون عن الإسلام، والتي يستقيم بعضها؛ لأنه يصدر عن الإخلاص في حب العلم، والصدق في عرضه على الناس، وتجنب الهوى والتعصب، وحُسن العلم بالتراث الإسلامي، وينحرف بعضها عن الجادة لتأثُّر المؤلف بالهوى أو لقصوره عن فهم هذا النص أو ذاك من النصوص الإسلامية على اختلافها.

    وقُرَّاء العربية يعرفون بعض هذه الكتب؛ لأنها نقلت إلى لغتهم في عصور مختلفة وبأقلام مختلفة أيضًا، والذين يحسنون اللغات الأجنبية يقرءون كثيرًا من هذه الكتب في اللغات التي أُلِّفَتْ فيها أو نقلت إليها، فيعرفون وينكرون، ويرضون ويسخطون.

    ولست أرى بأسًا — كما قلت في الحديث الماضي — بأن يشارك الأزهريون في تأليف بعض هذه الكتب والرسائل، بل أنا أرى في ذلك الخير كلَّ الخير، وأتمنى أن يُسرع الأزهريون إليه، وأرجو أن تكون لي في بعضه مشاركة. ولكن هذا شيء والموضوع الذي أُلِحُّ فيه وأراه واجبًا لا يحتمل إرجاءً ولا إبطاءً شيء آخر.

    فأنا أريد ألا يرجئ الأزهر نقل معاني القرآن نفسه إلى اللغات الأجنبية الحية أكثر مما أرجأه إلى الآن؛ ذلك أن الناس في العالم الغربي كثيرًا ما يحرصون على قراءة الكتب المقدسة نفسها في لغاتهم التي يتكلمونها أو في اللغات الأجنبية التي يحسنونها، وهم يقرءون التوراة والإنجيل ويقرءون كتبًا أخرى تقدسها شعوب لا تؤمن بالكتب السماوية، يدفعهم إلى هذا الحرص حبهم للعلم، ورغبتهم في المعرفة، وطموحهم إلى فقه الشئون الدينية مهما يكن مصدرها. وهم يقرءون تراجم كثيرة للقرآن نشرت منذ أواخر القرون الوسطى، وما زال بعضها ينشر في هذه الأيام. وكان آخر ما وصل إليَّ منها ترجمة فرنسية نشرت بعد الحرب العالمية الثانية للأستاذ الفرنسي رجيس بلاشير أستاذ اللغة العربية بالسوربون.

    وأصحاب هذه التراجم المختلفة يحملون تبعاتهم بالطبع، وهي تبعات ثقال في أكثر الأحيان، والشيء الذي أقطع به هو أن هذه التراجم لا تقع في نفوس المسلمين المتقنين لعلوم الإسلام مواقع الرضا؛ لأنها تنحرف عن الجادة من هذه الناحية أو من تلك، بعضها يخطئ الفهم ويخطئ الأداء، وبعضها ينحرف عن السنة الموروثة في ترتيب القرآن، ويحدث اضطرابًا شديدًا في نفوس الذين يقرءونه، ولن يستطيع الأجانب أن يفهموا هذا الموقف الغريب الذي يقفه المسلمون من كتابهم المقدس الكريم، فلا يترجمون معانيه لهم، ولا يقدِّمون إليهم منه صورة يمكن أن يطمئنُّوا إليها ويثقوا بها، على حين تقدم إليهم التراجم المختلفة للتوراة والإنجيل، وكل ما يتصل بالتوراة والإنجيل من المباحث والشروح.

    والمثل الذي ضربته في الحديث الماضي ليس إلا شيئًا قليلًا من أشياء كثيرة لا أحبُّ أن أعرض لها الآن كما لم يحب الأستاذ الأكبر أن يعرض لها الآن، لا أريد أن أُثِير خصومة قوية أو ضعيفة بين المسلمين وغير المسلمين، وإنما أريد أن ينهض المسلمون بهذا الواجب الذي نهض به كثير من غير المسلمين يخلص أكثرهم وينحرف قليل منهم عن الإخلاص، ويتورط أولئك وهؤلاء في الخطأ الذي لا ينفع أحدًا، والذي يسوء الإسلام ويسوء المسلمين عن عمد وعن غير عمد. والإسلام دين يتجه إلى الناس كافة لا إلى العرب منهم خاصة، وليس من الطبيعي ولا من الممكن أن نفرض على الناس أن يقرءوا القرآن في نصه العربي إذا أرادوا أن يعرفوه؛ لأن هذا تكليف بالمحال كما يقول الأزهريون.

    فلا أقلَّ من أن يُفَسَّر لهم القرآن بنقل معانيه إلى لغاتهم؛ لنتيح لهم ما يريدون من ذلك دون أن يجدوا في ذلك مشقة أو عسرًا، ودون أن يتعرَّضوا في ذلك للخطأ أو الجهل أو التحريف.

    وفضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني فيما أظن على أن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ليس مستحيلًا ولا ممتنعًا، وعسى ألا يكون من العسر بحيث يظن المتحرجون.

    فأنا لا أريد أن أنقل إلى اللغات الأجنبية ما في بيان القرآن من روعة وإعجاز، وإنما أريد أن أعطي الأجانب من القرآن الكريم صورة صادقة تؤدي إليهم معانيه، وإن لم تؤدِّ إليهم روعة النظم وجمال اللفظ وبراعة الأسلوب.

    وفي معاني القرآن نفسها من الروعة والبراعة ما يؤثِّر في القلوب الإنسانية أعظم الأثر وأقواه، وما لا يدرك كله لا يترك جله، كما كان يقال لنا في الأزهر أيام الشباب، وكما يقال لطلاب الأزهر الآن فيما أظن، وما أريد أن يظن فضيلة الأستاذ الأكبر أني قصدت أن أسوء الأزهر من قريب أو من بعيد … فأنا أعرف للأزهر حقه عليَّ، وأحاول أن أؤدي إليه بعض هذا الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا،، ومن أداء حق الأزهر عليَّ أن أذكِّره بالواجب وأدعوه إلى أدائه وأُلِحَّ عليه في هذا التذكير والدعاء.

    فالله يأمرنا أن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف ونذكر الواجب، والأزهر هو الذي علمنا أن الله يأمرنا بهذا كله، فنحن حين نطلب إليه أداء هذا الواجب الخطير في غير إرجاء ولا إبطاء ولا تريث إنما ندله على أننا استمعنا له فأحسنا الاستماع، ودرسنا فيه فأحسنا الانتفاع بما تلقينا من الدروس.

    أما بعد؛ فإني أرجو أن يتفضل الأستاذ الأكبر فيُعنى أشدَّ العناية وأقواها وأصدقها بنقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وبتأليف ما يجب تأليفه من الكتب والرسائل التي تبيِّن حقائق الإسلام للناس؛ فالاستكثار من الخير مرغوب فيه دائمًا مدعوٌّ إليه دائمًا، وفي الأزهر والحمد لله قدرة على النهوض بهذين الأمرين جميعًا، ومن حول الأزهر من المسلمين القادرين على معونته من يستجيبون له إذا دعا ويعينونه إذا احتاج إلى العون. ولا يغضبِ الأستاذ الأكبر من هذه الجملة التي رأى فيها قسوة على معهدنا العظيم، فهو يذكر من غير شك أن من القسوة ما ينفع، وهو يذكر كذلك من غير شك أن قد أتى على الأزهر حين من الدهر كان بعض شيوخه يحرجون على غير الأزهريين أن يخوضوا في حديث الدين من قريب أو بعيد، ويرون ذلك مقصورًا عليهم من دون الناس.

    وليس أحب إليَّ ولا أحسن في نفسي موقعًا من أن يكون هذا العهد قد انقضى، ومن أن يعود الأزهر الشريف إلى سماحته الأولى، فيعمل الخير ويُذِيعه ويدعو الناس إلى المشاركة فيه.

    فتلك مهمة الأزهر التي طالما دعوناه إلى أن يخلص لها نفسه وجهده ووقته ونشاطه كله، وأي شيء أحسن موقعًا في نفوس المسلمين من أن يروا الأزهر قد أقبل على واجبه يؤديه أصدقَ الأداء؟

  • واجب …

    واجب …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٤ سبتمبر ١٩٥٤

    نعم؛ واجب طالما أُرْجِئ واتصل التقصير في أدائه بأسباب كثيرة مختلفة منها ما يُساغ ومنها ما لا يُساغ، حتى كان التفكير في أدائه منذ أكثر من عشرين عامًا، حين أراد الأزهر الشريف أن تُنقَل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وأن يكون نقله إلى نفر من المسلمين الذين يحسنون العلم بدقائقه، ويفهمون أسراره حق فهمها، ويتقنون لغته حق إتقانها، ويملكون اللغة الأجنبية التي ينقلون إليها ملكًا يتيح لهم أن يتصرفوا فيها تصرف القادرين عليها المطوعين لها المجيدين لإيداعها أدق المعاني في بلاغة تلائم مكانة القرآن، ومقامه الرفيع من البيان العربي.

    وقد أحسَّ الأزهرُ الشريف أنَّ نَقْل القرآن ببيانه الرائع المعجز إلى لغة أجنبية شيء لا مطمع فيه ولا سبيل إليه؛ فآثر التواضع ولم يفكر في ترجمة القرآن كما يُترجَم غيره من الكتب، وإنما فكر في نقل معانيه إلى اللغات الأجنبية اعترافًا بالقصور عن الترجمة بمعناها الدقيق، وتجنبًا لكثير من الحرج الذي يأتي من الدين والفن جميعًا.

    وكان الأزهر موفقًا منصفًا في هذا التواضع؛ فالترجمة في نفسها عسيرة أشد العسر، وهي ممتنعة بالقياس إلى الآيات الأدبية الرائعة؛ فكيف بالقرآن المعجز الذي لم يستطع أن يأتوا بمثله في لغتهم التي نشئوا عليها وبرعوا فيها، وبلغ النابهون منهم أقصى ما يمكن أن يبلغوا من القدرة عليها والتطويع لها والسحر بما أُتِيحَ لهم من البيان والتبيين.

    وقد استجابت الحكومة في ذلك الوقت لإرادة الأزهر وقررت النهوض بالأعباء المادية لهذا النقل، وأرصدت لذلك في ميزانيتها المتتابعة مقدارًا رمزيًّا من المال يتيح للأزهر أن يبدأ عمله حتى إذا خطا فيه الخطوات الأولى أنفقت الحكومة على هذا العمل عن سعة وفي غير بخل ولا تقتير.

    ولكن الأزهر أكثر الحديث في هذا الموضوع، ثم سكت عنه فجأة، وظلت الحكومة ترصد هذا المقدار الرمزي في ميزانياتها أعوامًا متصلة، والأزهر ساكن لا يعمل شيئًا وساكت لا يقول شيئًا.

    وأشهد لقد هممت بشيء من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية غير مرة، ولكني صرفت نفسي عن ذلك صرفًا؛ لأني لم أُرِدْ أن أقحم نفسي على ما أراد الأزهر أن يُختَصَّ به من دون غيره من الهيئات، ومن دون غير الأزهريين من الناس.

    ولكني أقرأ في الأهرام التي صدرت صباح الأحد حديثًا لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أفهم منه كما يفهم منه غيري أن الأزهر قد أعرض عن هذا الرأي، واكتفى بأن يؤلف المختصون من رجاله كتبًا ورسائل تُعرِّف الإسلام إلى الناس على أن تُترجَم هذه الرسائل إلى اللغات الأجنبية.

    ولست أشك في أن تأليف هذه الكتب والرسائل خير في نفسه وحق على القادرين عليه من المختصين، وقد كنت أتحدث في أول الصيف في شيء من ذلك إلى صديقين كريمين، واقترح أحدهما أن نضع كتابًا نُبيِّن فيه حقائق الإسلام كما ينبغي أن تُبيَّن؛ ليقرأه أصحاب الثقافات المتوسطة وليُنقَل بعد ذلك إلى بعض اللغات الأجنبية فيظهر عليه بعض القُرَّاء من الأجانب الذين لا يعرفون الإسلام إلا كما تُصوِّره لهم بعض الكتب الأجنبية تصويرًا فيه الخطأ والصواب، وفيه الإنصاف أحيانًا والجور أحيانًا، وقد أمعنَّا في حديثنا ذاك، ولم نفترق حتى وضعنا منهاجًا لهذا الكتاب، وقسَّمْنَاه على أنفسنا، واتفقنا على أن يفكر كل منا في النصيب المقسوم له من هذا المنهاج أثناء الصيف، على أن نأخذ في الكتابة بعد انصرام القيظ عنَّا.

    وفي أثناء هذا الصيف وحين كنت في عزلتي تلك الأوروبية القصيرة قرأت كتابًا فرض عليَّ التفكير المتصل فيما كان الأزهر يفكر فيه منذ أعوام طوال، من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية تصويرًا صحيحًا أو مقاربًا.

    والكتاب الذي قرأته في تلك العزلة كتاب خطير حقًّا ألَّفَه كاتب إيطالي مسيحي معروف هو الأديب العظيم جوفني بابيني، وضاقت به الكنيسة الكاثوليكية أشد الضيق فأنكرته، وحرمت قراءته على المؤمنين من أتباعها، ولكن الكتاب مع ذلك تُرْجِم إلى اللغات الأوروبية الكبرى، وقرأته أنا في ترجمته الفرنسية.

    وموضوع هذا الكتاب هو الشيطان، والكتاب مُحيِّر حقًّا لا يدري قارئه أهو كتاب ديني أم هو كتاب أدبي، بل لا يدري قارئه أهو كتاب قُصِدَ به إلى الجد الخالص والبحث العلمي الصارم، أم هو كتاب خُلِطَ به الجد والهزل، وامتزج فيه العلم والأدب.

    فالمؤلف يُصوِّر الشيطان كما وصفته التوراة، وكما وصفه الإنجيل، وكما وصفه شُرَّاح التوراة والإنجيل من آباء الكنيسة وأحبارها، ويعرض آراء قديمة في الشيطان وفي مصيره. تغضب الكنيسة أشد الغضب، ولكن الكاتب لا يقف عند هذا الحد، وإنما يصور الشيطان كما وصفته آثار الأمم المختلفة قديمها وحديثها على اختلاف دياناتها ومذاهبها الفلسفية.

    ثم يتجاوز هذا كله فيصور الشيطان كما رآه الأدباء وأصحاب الفنون الجميلة على اختلاف بيئاتهم وأزمنتهم، وعلى اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وكما رآه هو في بعض أوقاته.

    والكتاب ممتع ما في ذلك شك، وهو يدل على علم عميق وثقافة واسعة بعيدة المدى وإحاطة بشئون الأجيال المتباينة المتباعدة من الناس منذ أخذ الناس يكتبون ويصورون إلى هذا العصر الذي نعيش فيه … ولكنه على ذلك مختلط فيه الجد وفيه الهزل، وفيه الصحيح وفيه المحال، وإن ذهب المؤلف فيه مذهب العلماء وتكلف فيه سيرة الذين يجدون ولا يعبثون.

    وقد وقفني من هذا الكتاب تصويره للشيطان كما وصفه القرآن الكريم، وهذا التصوير هو الذي اضطرني إلى أن أفكر فيما أراد الأزهر منذ ربع قرن، من نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية … ذلك أن الكاتب الإيطالي ليس مستشرقًا، فهو لا يقرأ القرآن في نصه العربي، وإنما يقرأ هذه التراجم التي نهض المستشرقون بأعبائها في اللغات المختلفة وفي العصور المختلفة أيضًا.

    ولست أدري أي ترجمة وقعت له لأنه لم يدلنا عليها، ولكنها ترجمة خاطئة مخطئة من غير شك، وقد نتج عن قراءته لهذه الترجمة واطمئنانه إليها واعتماده عليها شر عظيم يضيق به الأزهر، ويضيق به الأستاذ الأكبر أشد الضيق، وينكره المسلمون أعظم الإنكار.

    فهو قد قرأ — فيما يظهر — ترجمة لهذه الآيات الكريمة من سورة الحجر؛ حيث أنبأ الله ملائكته بأنه خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم إذا سوَّاه ونفخ فيه من روحه أن يقعوا له ساجدين … ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ).

    وقد تُرجِمَتْ هذه الآية الأخيرة على أن إبليس لم يكن من الذين يسجدون؛ لأن طبيعته وعلوه في نفسه يرفعانه عن السجود، واستنتج من هذا — ويا بؤس ما استنتج! — أن إبليس كان أقرب إلى الإسلام من الله؛ لأن إبليس أبى أن يسجد لبشر، والإسلام يحرِّم السجود لغير الله، فكان إبليس أحرص على رعاية الإسلام من الذي جعل الدين عند الله الإسلام!

    تعالى الله عما يقول المترجمون الخاطئون المخطئون علوًّا كبيرًا!

    ولكن الشيء المهم الخطير هو أن هذا الكتاب قد قُرِئَ بالإيطالية والفرنسية وغيرهما من اللغات الكبرى، وظن كثير من قرائه أن هذا الكلام في القرآن، وأن الله قد أراد الملائكة على أن يسجدوا لآدم عابدين له من دون الله، وأن إبليس قد أبى أن يشرك بالله بشرًا، وأن الله عاقبه باللعنة على هذا التوحيد.

    فما رأي الأزهر؟! وما رأي فضيلة الأستاذ الأكبر؟! ألا يزال الأزهر والأستاذ الأكبر يريان العدول عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية الكبرى لِيُعْرَفَ الإسلامُ في البلاد الأوروبية والأمريكية على وجهه؟! ألا يوافقني الأزهر والأستاذ الأكبر على أن التقصير في أداء هذا الواجب إثم لا ينبغي أن يتورط فيه المسلمون بعد أن كثر هذا السخف السخيف الذي يتناقله كثير من غير المسلمين منذ تُرْجِم القرآن في أواخر القرون الوسطى إلى أن تُرْجِم أخيرًا في هذا العصر الحديث تراجم أقل ما تُوصَف به أنها ليست دقيقة ولا صادقة ولا مقاربة في كثير من أجزائها، وأنها تنشر الخطأ في كثير من العقول وتلقي في روع كثير من الناس أمورًا ليست من الإسلام ولا من القرآن في شيء؟!

    وليس كل الغربيين قادرًا على أن يقرأ القرآن في نصه العربي، وليس كل الغربيين قادرًا على أن يفهم القرآن إن قرأه في النص العربي، وليس أوساط الناس مكلفين أن يتحققوا من صدق التراجم التي تُنشَر لهم ودقتها ولا قادرين على هذا التحقق، بل هم مدفوعون بطبعهم إلى أن يأخذوا هذه التراجم على أنها صحيحة دقيقة كما يأخذون تراجم الكتب الكثيرة التي تُنقَل إليهم. وكثير منهم يقرءون العهد القديم والعهد الجديد مُترجمَين إلى اللغات التي يتكلمونها، فهم يقرءون تراجم القرآن كما يقرءون تراجم التوراة والإنجيل مع هذا الفرق الخطير؛ وهو أن تراجم التوراة والإنجيل تخضع لمراقبة شديدة عسيرة من السلطات الدينية المسيحية، ولا تخضع ترجمة القرآن لمراقبةٍ ما إلا مراقبة الناقدين من العلماء، وقلَّما يحفل العلماء بهذه المراقبة، وقلَّما يقدرون عليها!

    ليصدقني الأزهر وليصدقني الأستاذ الأكبر أن هذا شر عظيم غفل المسلمون عنه دهرًا وتغافلوا عنه دهرًا، وأصبح إهماله إثمًا يجب أن تُبذَل الجهود كل الجهود للتخلص منه والتخفف من ثقله.

    وبَعْدُ، فما أكثر ما ترجم الأوروبيون القرآن إلى لغاتهم كما أحبوا أو كما استطاعوا وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يترجموا معاني القرآن بأنفسهم إلى هذه اللغات! وما أكثر ما كتب الأوروبيون الرسائل وألفوا الكتب عن الإسلام فأخطئوا وأصابوا وأنصفوا وجاروا عن قصد السبيل! وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يُعرِّفوا الإسلام بأنفسهم إلى غيرهم من الأمم.

    وإذا كان الأزهر لا يريد أن ينقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية — وأنا أُجِلُّه عن ذلك — فلا أقلَّ من أن يُخلِّي بين المسلمين وبين هذا النقل يجتهدون فيه حسب طاقتهم دون أن يصرفهم عن ذلك أو يحرج عليهم فيه أو يثير في سبيلهم المصاعب والعقبات.

    إن العالم الغربي يفكر في الإسلام ويتحدث عنه أكثر جدًّا مما يظن الأزهر والأزهريون، فلا أقل من أن نتيح له التفكير فيه والتحدث عنه على وجه صحيح وعن علم دقيق بأسراره وحقائقه؛ ذلك أجدر أن يعفينا من التقصير، وأن يُقرِّب الصواب إلى غير المسلمين.

  • حياتنا العقلية

    حياتنا العقلية
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١٦ سبتمبر ١٩٢٩

    تأتلف الأمم وتتصل بينها أسباب المودة والحب، فيترجم بعضها عن بعض، وينقل بعضها ما لبعضها الآخر من علم وفلسفة، ومن أدب وفن، وتختلف الأمم وتتقطع بينها الصلات وتشبُّ بينها الحروب، فيترجم بعضها عن بعض أيضًا، وينقل بعضُها ما لبعضِها الآخَر من الآثار العقلية والفنية، ويكون النقل والترجمة أثرًا من آثار الحب والألفة، كما يكون النقل والترجمة أثرًا من آثار البغض والفرقة، على نحو ما قال الأستاذ العقاد في الفصل الممتع الذي نشره له الجديد منذ أسبوع.

    ولكن أمر الترجمة وما يكون من التقارب العقلي والفني بين الشعوب أعظم فيما يظهر وأبعد مدى مما ذهب إليه الأستاذ العقاد، فليس من المحقق أن المؤثرات المتصلة بالحب والبغض أو بالمنافع العاجلة، وما تستتبع من تنافس وجهاد، هي التي تبعث على الترجمة والنقل، وإن كانت قد تزيد الميل إليهما وتحثُّ الشعوب على الاستكثار منهما، على نحو ما حدث بعد الحرب الفرنسية الألمانية في آخِر القرن الماضي، وبعد الحرب الكبرى في هذا القرن. وليس من المحقق أن الشعب المغلوب، يُكثِر من النقل العلمي والأدبي عن الشعب الغالب، بل قد يكون الأمر على عكس ذلك من كل وجه، فينقل الشعب الغالب عن الشعب المغلوب كل شيء، ولا ينقل الشعب المغلوب عن الشعب الغالب شيئًا، وأظن الأستاذ العقاد لم يُرِدْ في الفصل الذي أشرتُ إليه آنفًا إلا أن يتحدَّث إلى قرَّائه بملاحظات وخواطر عنت له، فحاوَلَ أن يعلِّلَها تعليلًا يسيرًا على شيء من السرعة التي نتوخَّاها جميعًا حين نريد أن نكتب الفصول الأدبية للصحف اليومية والأسبوعية، وعلى شيء من السهولة التي نتوخَّاها جميعًا حين نكتب للذين يقرءون هذه الصحف، على اختلافهم وتفاوت حظوظهم من الثقافة وتباعدهم في النظر إلى الأشياء والحكم عليها، وأحسبه أيضًا لم يُرِدْ أن يتجاوز بهذه الملاحظات هذا العصر الحديث أو بعض نواحي هذا العصر الحديث، وما أشك في أنه لو استقبل هذا الموضوع بما تعوَّدَ أن يستقبل به الموضوعات التي يدرسها ويكتب فيها عن أناةٍ واستقصاءٍ، لَكان حُكْمه مغايرًا قليلًا أو كثيرًا للحكم الذي قرأناه منذ أيام.

    يقال إن اليونان نقلوا عن الأمم الشرقية علومًا وآدابًا، ومما لا شك فيه أنهم نقلوا عن هذه الأمم نُظُمًا وفنونًا، ومن المحقق أن الرومان قد نقلوا عن اليونان حضارتهم كلها، سواء منها المادي والمعنوي، وسواء منها العقلي والفني، بدءوا في هذا النقل قبل أن تشبَّ بينهم وبين اليونان حروب، وأكثروا منه وأمعنوا فيه بعد أن تمَّ لهم الفوز على اليونان، وأصبح هؤلاء اليونان عبيدًا للرومان بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة من غير تجوُّزٍ أو إسرافٍ، ولم يَكَدِ اليونانُ ينقلون عن الرومان شيئًا لا قبل الخصومة ولا إبَّانها ولا بعدها، فالغالب هنا هو الذي أخذ عن المغلوب وأسرف في الأخذ عنه، حتى قال هوراس الشاعر الروماني:

    إن اليونان قد قهروا روما من ناحية الحضارة والثقافة، بينما قهرت روما اليونان من الناحية السياسية، وكان التنافس شديدًا جدًّا بين اليونان والفينيقيين في غرب البحر الأبيض المتوسط، واشتركت روما في هذا التنافس فلم ينقل الفينيقيون عن اليونان علمًا ولا آدابًا ولا فلسفة، ولم ينقل اليونان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا، ونقل الرومان عن هؤلاء الفينيقيين شيئًا يسيرًا جدًّا، فلم يكن الحب والبغض، ولا العداوة والصداقة هي المؤثرة في الترجمة إبَّان ذلك العصر.

    ومن المحقق أيضًا أن العرب انتصروا على الفرس وعلى اليونان البيزنطيين بعد ظهور الإسلام، كما انتصروا على أمم أخرى، فنقل العرب عن الفرس واليونان كل شيء، ولم ينقل الفرس واليونان عن العرب شيئًا، وكل ما كان هو أن الفرس أسلموا وطال عهدهم بالإسلام فتثقفوا بالثقافة الإسلامية، وكانت لهم آداب حديثة فيها أثر قوي للآداب العربية. ومن غريب الأمر أن هذه النهضة الفارسية التي ظهر فيها تأثُّر الفرس بالعرب لم تكن حين كان العرب غالبين والفرس مغلوبين، وإنما كانت حين تمَّ الفوز للفرس على العرب، وظفروا بالسلطان السياسي كله في الشرق الإسلامي، فكيف يعلِّل الأستاذ العقاد هذه الترجمة؟ بالحب أم بالبغض أم بالتنافس والجهاد؟

    أما أنا فألاحظ قبل كل شيء أن العلة الحقيقية الأولى لكل ترجمة ونقل، إنما هي الطبيعة الإنسانية التي تجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول أرستطاليس في السياسة، وحيوانًا مفكِّرًا كما يقول أرستطاليس في المنطق، فطبيعته الاجتماعية تضطره إلى أن يتصل بغيره من الأفراد والجماعات ويشاركهم فيما يفكِّرون ويشعرون ويستحدثون، وطبيعته المفكِّرة تضطره إلى أن يبحث ويستقصي ويتعرَّف حقائق الأشياء، فالترجمة إذًا أداة من أدوات الحياة الاجتماعية، وهي أداة من أدوات الحياة العقلية، وبمقدار حظ الشعوب من الحياة الاجتماعية والعقلية وحاجتها إلى تكميل هذين النوعين من الحياة، يكون حرصها على الترجمة.

    كانت الحياة الاجتماعية والعقلية عند الرومان والعرب ضعيفة محتاجة إلى شيء كثير لتكمل وتقوى، فنقل الرومان عن اليونان، ونقل العرب عن اليونان والفرس، ولم يحتج اليونان إلى أن ينقلوا عن الرومان، ولا عن العرب شيئًا، ولم ينقل الفرس عن العرب إلا بعد أن تمَّ لهؤلاء التفوق العقلي والاجتماعي، وآية ذلك تجدها في التاريخ الحديث نفسه حين استكشف الأوروبيون علومَ القدماء وآدابهم وفنونهم، فأحَسُّوا حاجتهم الاجتماعية والعقلية إلى نقلها، فأسرعوا إليها فترجموها ودرسوها، فكانت النهضة الحديثة.

    ومع أن الحياة الحديثة تخالِف الحياة القديمة وحياة القرون الوسطى بظهور المطبعة وكثرة المواصلات، فما زال الأمر كما كان لم يتغيِّر إلا تغيُّرًا إضافيًّا، فالحاجة الاجتماعية والعقلية هي التي تدعو إلى الترجمة الآن، كما كانت تدعو إليها في العصور القديمة وفي القرون الوسطى.

    لا تستطيع أمة أن تعيش وحدها، فهي مضطرة إذًا إلى أن تتصل بغيرها من الأمم وتترجم عنها، وبمقدار شعور الأمة لهذه الحاجة الاجتماعية يكون حظها من الترجمة عن الأمم الأخرى، ومن هنا لا يكتفي الإنجليز والفرنسيون والألمان بأن يترجم بعضهم عن بعض، ولكنهم يترجمون عن العرب والفرس والترك والروس والصينيين، ومن هنا أيضًا كان حظ الغرب من الترجمة أكثر من حظ الشرق؛ لأن شعور الغرب في هذه الأيام بحاجته الاجتماعية أشد من شعور الشرق بهذه الحاجة.

    ولا تستطيع أمة، بل لا يستطيع فرد أن يستقلَّ بحياة عقلية منفصلة، بل هو مضطر إذا أراد البحث والتفكير والإنتاج العقلي إلى أن يعرف ما أنتج غيره فيما هو بسبيله من أنواع العلم والفن، فهو إذًا مضطر إلى أن يقرأ ما كتَبَ غيره في لغته القومية أو في اللغات الأجنبية الأخرى، والترجمة هي الأداة لهذا الاتصال العقلي كما هي الأداة للاتصال الاجتماعي، وهي أداة ناقصة دائمًا، فلن يجد الأفراد الذين يحرصون على تحقيق هذه الصلة العقلية والاجتماعية بين الأمم من التراجم ما يرضي هذه الحاجة؛ لذلك يتعلَّمون اللغات الأجنبية، وهل هناك معنى لتعلُّم اللغة الأجنبية إلا أنَّ مَن يتعلَّم لغة أجنبية إنما يترجم لنفسه ما لم يترجمه له المترجمون؟! وكما أن الشعور بالحاجة الاجتماعية مقياس لحظ الأمم من الترجمة، فالشعور بالحاجة العقلية مقياس للترجمة أيضًا. ومن هنا كان الغرب أكثر ترجمةً من الشرق، ولست أشكُّ في أن الألمان أشد شعورًا بالحاجة الاجتماعية والعقلية الآن من الإنجليز والفرنسيين، ومن هنا كان حظهم من الترجمة إلى الألمانية أعظم من حظ الإنجليز والفرنسيين من الترجمة إلى الإنجليزية والفرنسية.

    على أن المسألة التي تستحق العناية ليست هي تعليل الترجمة وبيان ما يدعو إليها — فالترجمة ظاهرة اجتماعية قديمة باقية — وإنما هي مقدار ما تستطيع الترجمة أن تحقِّقه من هذه الفكرة القيمة التي يسمو إليها أصحاب الأخلاق وعشَّاق المُثُل العليا، والتي جعلها الأستاذ العقاد عنوانًا لفصله، وهي: تعارف الشعوب. نعم وهي الوسائل التي يمكن أن تُتَّخَذ لتكون الترجمة سبيلًا واضحة مأمونة تلتقي فيها الشعوب المختلفة، فتأتلف ويحب بعضها بعضًا، ويعطف بعضها على بعض، ويتحقَّق بينها التعاون الصحيح في جميع فروع الحياة.

    كما أحب أن أقرأ في هذا رأيَ الأستاذ العقاد.