حديث اليوم: مصادرة
طه حسين
جريدة السياسة
٢٥ يوليو ١٩٣٢
الحمد لله؛ فقد بلغ الشر أقصاه، وانتهت المحنة بهذا البلد وأهله إلى حيث لا يتأتى لها مزيد. وإذا بلغ الشر أقصاه، وإذا بلغت المحنة غايتها؛ فمن المُحقَّق أن أيامًا بيضًا ستتبع هذه الأيام السود، وأن أملًا مشرقًا سيمحو ظلمة اليأس، وأن هواءً طلقًا من الحرية سَيُنَفِّس عن المظلومين، والذين استُذلُّوا وليس لهم من ذنب إلا أن الله خلقهم ليكونوا أحرارًا، فصادفوا أفرادًا يجدون لذة في استذلال الناس.
الحمد لله. ما كنت أُقدِّر أن بأس هذا العصر التي تتجشمه مصر سيتجاوز الأحياء إلى الأموات، وسينال القدماء بعد أن نال المحدثين، وسيتجاوز في هذا كل غاية حتى يصبح فضيحة وخزيًا لهذا البلد الذي كان الشرق يراه موئل الإسلام، وملجأ العلم، ومعقل العلماء، فأصبح الآن وإن أهله ليتأهَّبون لفراقه، وإن اللاجئين إليه ليُطردون منه، وإن الراغبين في زيارته ليتنكَّبون هذه الزيارة مخافة أن يُصيبهم ضيمٌ أو يَنالَهم أذًى؛ فقد أصبحت مصر لا تصلح مقامًا للأحرار.
لقد أنفقت ساعة وساعة، وقرأت في كتاب وكتاب، ولهوت بصحيفة وصحيفة، وتحدثت إلى صديق وصديق، أريد أن أهدئ ثورة الغضب التي ملكتني صباح اليوم حتى أكتب مطمئنًّا مستقر النفس، ولكني لم أوفق ولم أبلغ من الهدوء واستقرار النفس ما بلغه رئيس الوزراء من هدوء الحال واستقرار النظام. لقد قرأ الناس جميعًا صباح اليوم أن الحكومة صادرت «تاريخ بغداد»؛ لأن في جزء من أجزائه، الذي لم يتم طبعه بعدُ، كلامًا عن أبي حنيفة لم يُرضِ الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر.
قرأ الناس هذا في مصر وسيقرءونه غدًا في فلسطين والشام، وسيقرءونه بعد غد في العراق وبلاد العرب، وسيقرءونه في الهند، وسيقرءونه في أفريقية ثم في أوروبا وأمريكا، وسيوصم هذا الجبين المصري الذي كان إلى الآن وضاءً وضاحًا مشرقًا نقيًّا بميسم من الخزي والعار، وسيقال في أطراف الأرض وفي بيئات العلماء من الشرقيين والغربيين أن الحكومة المصرية في القرن العشرين تصادر كتابًا أعجب به المسلمون تسعة قرون، وتهالك المستشرقون على درسه وترجمته، وكان كل باحث عن التاريخ والعلم يتمنى لو ظفر به، فصادرته الحكومة وحملت نسخه في السيارات إلى وزارة الداخلية لتمزقه، أو لتحرقه، أو لتلقيه في النيل. صادرته لأن شيخ الجامع الأزهر لم يَرضَ عما قال صاحبه أو روى في أبي حنيفة. هذا كثير، هذا إسراف.
إن الذين يعصفون بالحرية، ويستذلون الناس، ويهدرون حرية الرأي، ويطئون بأقدامهم كرامة العقل، هؤلاء الناس خليقون أن يذكروا كرامة الوطن، وأن يفكروا في أن هذا الذي يصنعونه بكتاب الخطيب البغدادي سيستخذي له المصريون جميعًا إذا لقوا أحدًا من علماء الشرق والغرب. فإذا هانت على سادة اليوم قيمة الحرية وحقوق الوطن؛ فليتقوا الله في سمعة الوطن، وليَرْبَئُوا بأبناء مصر عن أن يطأطئوا رءوسهم أمام أبناء الشام والعراق حياءً وخزيًا.
ما ذا؟ أفهم أن تُقاوِم الأحزاب السياسية أحزابًا سياسية، وأفهم أن تسرف الأحزاب الحاكمة في مناهضة الأحزاب المعارضة، وأفهم أن يُعاقَب الكُتَّاب وأن تُوقف الصحف وأن تُغلق، وأن يُقصى الأساتذة عن كراسيهم في الجامعة، وأن تُصادر كتب المؤلفين الأحياء، وأن يُشهَّر بهم، وأن يجتمع لهم البرلمان. أفهم هذا كله؛ لأنه يعتمد على خصومة سياسية سيئة قوامها الانقياد للأهواء، والاندفاع في الانتقام، ولكنها خصومة سياسية على كل حال، يُمكن أن تفهم، ويُمكن أن تُعلل، ويُمكن بنوع خاص أن تُقاوم.
ولكن الشيء الذي لا أستطيع أن أفهمه، ولا يستطيع إنسان له ضمير حي أن يفهمه، أو أن يُقرَّه، أو أن يصبر عليه، هو أن تصادر كتب العلم الخالص التي أصبحت كنزًا للعقل الإنساني كله؛ لأن شيخ الأزهر لم يرض عنها. وأين كان شيخ الأزهر من الغضب لأبي حنيفة وغير أبي حنيفة من علماء المسلمين؟ إن في كتب الأدب والتاريخ لكلامًا كثيرًا عن هؤلاء الأئمة، منه ما يَسرُّ ومنه ما يسوء.
إن في كتاب الأغاني لشناعات تنسب إلى الأئمة، وإن فيه لأحاديث تتهم أبا حنيفة باللهو والقصف وشرب الخمر. إن في نهج البلاغة لسنًا قبيحًا لأعلام الصحابة والخلفاء الراشدين. فهل يريد شيخ الأزهر أن تُصادر هذه الكتب، وأن يَحرم الناس قراءة التاريخ والأدب لأنه لا يَرضى عنها؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تُصادَر كتب الشيعة لأن فيها تَعريضًا بأهل السُّنة؟ وأن تُصادر كتب أهل السنة لأن فيها تَعريضًا بأهل الشيعة؟ هل يريد شيخ الأزهر أن تصادر كتب الفقهاء على اختلافهم؛ لأن الفقهاء يختصمون في الفقه ويتجنى بعضهم على بعض؟ أين يريد أن يذهب بنا شيخ الأزهر؟ وإلى أي حد تريد الحكومة أن تجاري شيخ الأزهر؟
إن أمر الخطيب البغدادي لغريب: كان حنبليًّا فتحوَّل إلى مذهب الشافعي، فكرهته كثرة الحنابلة في بغداد، وأغريت به، وكادت له، واضطرته في وقت من الأوقات إلى أن يُهاجر من بغداد، ويفر إلى حيث يستظل بلواء الفاطميين، ولكنه لم يكد يبلغ دمشق حتى ائتمر الفاطميون به ليقتلوه؛ لأنه من أهل السنة، وليس من الشيعة، فخرج من المدينة خائفًا يترقب، ومضى هاربًا متنكرًا حتى انتهى إلى حلب، وهناك عرف أن الأمور قد صلحت في بغداد، فعاد إليها واسترد فيها مكانته العالية، ومات فيها يحيط به الإكبار والإجلال.
وقع هذا كله في القرن الخامس للهجرة، وفي القرن الحادي عشر للمسيح؛ فانظر ماذا يقع الآن في القرن الرابع عشر للهجرة، وفي القرن العشرين للمسيح، وفي مدينة القاهرة ملجأ علم الإسلام والأدب العربي حين طاردهم الترك والتتار.
شيخنا الأكبر — فيما أظن — شافعي المذهب، ولكنه يحب أبا حنيفة ويغضب له أكثر مما يحبه ويغضب له الحنفيون، وعلى رأسهم مفتي الديار المصرية. يحب أبا حنيفة ويغضب له فيضطهد في سبيله شافعيًّا مثله، ويأمر بمصادرة كتابه دون أن يستشير في ذلك علماء الحنفية، أو يسأل رئيسهم المفتي على أقل تقدير. ما ذا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُنظَّم هذا الظلم. إذا لم يكن بد من مصادرة كتب العلم؛ فلتوضع قواعد مضبوطة واضحة لهذه المصادرة، وليعرف الناس من أين يأتيهم الشر.
ما ذا؟ لقد عدل البابا عن مصادرة الكتب، واكتفى منذ زمن طويل بتحريم الكتب التي لا ترضاها الكنيسة على المؤمنين. فهلَّا اكتفى شيخنا الأكبر بنهي المسلمين عن قراءة الكتب التي لا يرضى لهم قراءتها، فيقف بذلك عند حدود الله الذي كلفه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ليس غير. ما ذا؟ ما هذه السرعة الغريبة التي اصطنعتها الحكومة في تنفيذ هذا الأمر الأزهري الغريب؟ ليس للخطيب البغدادي سفير أمريكي أو فرنسي يحميه؛ فكتابه يصادر إذن في غير هوادة ولا رفق ولا أناة، بينما كُتب الجامعة الأمريكية تستمتع بالحرية والتنقل في أيدي القراء.
مَن يُجير العلم؟ مَن يُجير العلماء؟ مَن يُجير كتب السلف من مثل هذا العدوان؟
بأي حق يصادر هذا الكتاب وإن في المكاتب الأجنبية لكتبًا مِلْؤها الكفر والإلحاد، وإن فيها لتَراجِم للقرآن مِلْؤها الخطأ والتحريف، وإن فيها لكتبًا أُلِّفت لهدم الأديان ومهاجمة الإسلام خاصة؟ أفتقصر يد الشيخ والحكومة عن هذه الكتب ثم تمتد إلى كتاب البغدادي المسكين؟ بأي حق يصادر هذا الكتاب وتحظر قرءاته على أهل فلسطين والشام والعراق وغيرهم من المسلمين الذين لا يؤمنون لشيخ الأزهر، ولا يدينون لصدقي باشا؟ إذا لم يكن بد من الظلم فليُظلَم المصريون وحدهم؛ لأن منهم شيخ الأزهر، ومنهم صدقي باشا، وليحظر عليهم شراء هذا الكتاب، وليُؤمر طابعه بأن لا يبيعه إلا من وراء الحدود لهذه المملكة المصرية الحرة.
فأما أن يطغى شيخ الأزهر على المسلمين جميعًا وغير المسلمين، وأن يطغى صدقي باشا على المصريين جميعًا وغير المصريين، فشيء أقل ما يوصف به أنه بريء من الذوق. وهل قدَّر شيخ الأزهر، وقدَّرت معه الحكومة مقدار ما أنفق طابع هذا الكتاب من مال وقد أتم منه اثني عشر جزءًا أصغرها لا تقل صفحاته عن أربعمائة؟ وهل يرى شيخ الأزهر والحكومة أن من الإنصاف وإرضاء الله وأبي حنيفة أن يضيع على هذا الرجل جهده وماله في غير بحث ولا تحقيق؟
وإذا لم يكن بد من أن تفرض علينا الكتب التي نقرؤها، والآراء التي نراها، فما بال شيخ الأزهر لا يتفق مع الحكومة على إصدار قانون يحرم على الناس أن يطبعوا كتابًا، أو ينشروا فصلًا حتى تأذن به سلطتنا الدينية الجديدة التي لا يعرفها الدين؟ هذا القانون إن أصدرته الحكومة يوفر على الناس جهودهم وأموالهم، ويصرف أهل الشرق والغرب عن أن يطبعوا كتبهم وكتب القدماء في مدينة القاهرة؛ حيث تسيطر إرادة الشيخ الأكبر على ما يُطبع وما لا يُطبع، وعلى ما يُقرأ وما لا يُقرأ.
اللهم اشهد أن الأمر قد بلغ في مصر حدًّا لا يلائم كرامة الخُلُق، ولا كرامة العقل، ولا كرامة الوطن، ولا كرامة الإنسان؛ فليس من كرامة الخُلُق أن يسعى رجل أو رجال بناشر هذا الكتاب إلى شيخ الأزهر، وينقل إليه منه صحفًا يعلم أنها لا ترضيه فيأمر بمصادرة الكتاب، ويضيع على هذا الناشر وعلى شركائه ما أنفقوا من جهد ومال، وأمَّلوا من خدمة للعلم والعلماء. وليس من كرامة العقل أن يتحكم في ثمار العقل رجل مهما يكن عالمًا، ومهما يكن فيلسوفًا، ومهما يكن حكيمًا مستنيرًا، فكيف به إذا كان الشيخ الظواهري، ونحن نعلم من يكون الشيخ الظواهري، وما يكون إذا قيس إلى أقل تلاميذ البغدادي قدرًا، فضلًا عن الخطيب البغدادي نفسه؟
كلا، ليس مما يلائم كرامة العقل أن يتحكم رجل وإن كان شيخ الأزهر، وأن يتحكم ألف رجل وإن كانوا شيوخًا لألف أزهر فيما ينتج العقل وما يقرأ الناس، وليس مما يلائم كرامة الوطن أن تصبح مصر خزي الشرق، وأن يقول العالِم للعالِم في دمشق، أو في بغداد، أو في باريس، أو في برلين، أو في لندرة: لا ترسل هذا الكتاب إلى مصر، ولا تنشر هذا الكتاب في مصر؛ فإن فيها إنسانًا رابضًا في غرفة من الغرف له لحية وعلى رأسه عمامة، يستطيع أن يأمر فتذعن لأمره حكومة دستورية تعلن في جنيف أنها تقوم على أساس الديمقراطية الحديثة. وهذا الإنسان الرابض ذو اللحية وذو العمة يستطيع أن يلغي كتابك إلغاءً، يستطيع أن يجعله نهبًا للنار، أو طعامًا لأسماك النيل السعيد. ألم تعلم أنه صادر تاريخ بغداد؟
هل تعلم الحكومة أن أساتذة مستشرقين من ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، بل من النرويج والدانمرك ينظرون إلى القاهرة على أنها مركز الحياة الأدبية والعلمية في الشرق، فينشرون فيها كتبًا كتاريخ بغداد فيها ما يرضي الشيخ، وفيها ما يغضبه؟ أفتريد الحكومة أن تُصادر هذه الكتب فتفضح مصر في أوروبا وأمريكا؟ أم تريد الحكومة أن تخلي هذه الكتب فتكيل للغرب بصاع وللشرق بصاع؟ وليس مما يلائم كرامة الإنسان أن تكون هذه الملايين من المستنيرين في الشرق والغرب لعبة في يد شيخ الأزهر يغذوها بما شاء من العلم، ويصرف عنها ما شاء من العلم دون أن يبحث أو يحقق — ماذا أقول — بل دون أن يقرأ.
فلو قرأ شيخ الأزهر تاريخ بغداد منذ أخذ الناشرون يذيعونه على الناس لأمر بمصادرته منذ زمن بعيد، ولو عرف شيخ الأزهر أن الدولة تنشر بأموال المسلمين في دار الكتب المصرية كتبًا لا يقاس إليها تاريخ بغداد فيما تشتمل عليه مما يُغضِب الشيخ لتقدم إلى الحكومة في أن تكف عن نشر هذه الكتب، وفي أن تصادر ما نشر منها. الله! الله! هذه مصر في القرن العشرين تُنفَى منها كُتب العلم، وقد كانت في القرن الرابع عشر تلوذ بها كتب العلم. الله! الله! هذه مصر التي يظلها عرش محمد علي وأسرته يراد بها أن تكون بلد الجهل، ودار الظلم، وسجن العقل، وقد كانت مصر في أيام المماليك بلد العلم، وموطن العلماء! فيها كان يثمر الأدب والعلم والفن، وإليها كان يُهاجر ابن خلدون هاربًا من ظلم ملوك أفريقيا الشمالية.
كل شيء ممكن في مصر: تتأخر حين يتقدم حولها كل بلد، وتشرق حين يكون العالم كله مظلمًا. بمن يستجير العلم؟ وإلى من يشكو؟ وعلى من يعتمد وقد فقد النصير والعون، وضاقت به مصر التي وسعته مرتين، وحفظته للعالم مرتين، وحمته من الجهل والجهال مرتين: مرة في عصر الإسكندر، وأخرى في عصر المماليك؟
اللهم إن رضِيَ صدقي باشا وحكومته، ورضِيَ البرلمان لمصر بهذا الخزي والعار، فإن ابن إسماعيل، ووارث محمد علي، ومنشئ الجامعة، ومحيي الجمعية الجغرافية، ومنشئ المعاهد العلمية المختلفة أحرص على الكرامة المصرية من أن يرضى لها هذا الخزي والعار. إليه وحده يجب أن يلجأ العلم بعد أن فقد النصير والعون في مصر، وإليه وحده يجب أن يشكو الخطيب البغدادي من وزير الداخلية وشيخ الأزهر، وهو خليق أن يُنصف الخطيب البغدادي من شيخ الأزهر وإن كان الشيخ الظواهري، ومن وزير الداخلية وإن كان صدقي باشا.
Tag: cultural heritage
-
كلية الآداب٢
كلية الآداب
بقلم الدكتور طه حسين عميد كلية الآداب
إذا ذكرت الجامعة المصرية فهم منها كثير من الناس كلية الآداب. وكثير من الناس يريد أن يذكر كلية الآداب فيعبر عنها بالجامعة المصرية. وقد يستطيع أصحاب علم البيان أن يجدوا لهذا التعبير وذلك الفهم عللا مقبولة سائغة من علمهم. فهناك المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الجزء والذي يطلق فيه اسم الجزء على الكل، ولكن الأمر هنا لا يعدو أن يكون اختلاطا مصدره فيما يظهر أن كلية الآداب عرفت باسم الجامعة المصرية حين أنشئت منذ نيف وعشرين سنة، واحتفظت بهذا الاسم ما بقيت حرة لا سلطان للحكومة عليها، فلما ضمت إلى جامعة الدولة وأصبحت إحدى كلياته الأربع التي تتألف منها الجامعة احتفظت باسمها القديم في أذهان كثير من الناس. ومما يسر لها احتكار هذا الاسم والاستئثار به دون الكليات الأخرى أنها ظلت في عهدها الجديد كما كانت في عهدها القديم شديدة الاتصال بجمهور الناس، وبلغت من ذلك ما لم تبلغه ولا يمكن أن تبلغه كلية أخرى من كليات الجامعة. فهي أكثر كليات الجامعة محاضرات عامة يلقى بعضها في الجمعية الجغرافية الملكية ويلقى بعضها الآخر في دور التمثيل حين تضيق الجمعية الجغرافية بالمستمعين. وهذه المحاضرات تلقى باللغات الثلاث: باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. وقلما يوجد في القاهرة رجل متوسط الثقافة لا يفهم لغة من هذه اللغات. وهذه المحاضرات تتناول موضوعات عظيمة الخطر لها صفتها العلمية العليا ولها صفتها الأدبية الجذابة، وكلها متصل بحياة الناس مس اتصالا قريبا، فهي تبحث عن قديمهم القريب أو البعيد إن كانت في التاريخ، وتبحث عن شعورهم وعواطفهم، وعن ميولهم وأهوائهم، وعن أذواقهم وملكات الجمال فيهم إن كانت في الأدب، وعن بيئاتهم ومواطنهم ومنافعهم إن كانت في الجغرافيا، وعن عقولهم وملكاتهم ونظمهم وأطوارهم إن كانت في الفلسفة. فليس عجيبا إذن أن تتصل هذه المحاضرات المتنوعة في لغتها، المختلفة في موضوعاتها، بجمهور الناس على اختلاف لغاتهم وجنسياتهم وعلى تباين طبقاتهم ودرجاتهم الاجتماعية وعلى تفاوت حظوظهم من الثقافة والعلم. وأبواب كلية الآداب مفتوحة للذين يحبون العلم ويريدون أن يختلفوا إلى دروسها اختلافا منظما أو غير منظم متصلا أو مؤقتا، لا يقيدهم في ذلك قيد ولا يمنعهم منه منع. ما دام الظاهر من سيرتهم مقبولا لا مغمز فيه، وهؤلاء المستمعون يقبلون مئات على الدروس المختلفة فيشاركون فيها الطلاب النظاميين وهم أحرار لا يؤدون امتحانا ولا يدفعون رسما ولا يكلفون مواظبة. وهم مختلفون منهم المصري والأجنبي، ومنهم الشرقي والغربي، ومنهم المتوسط وذو الثقافة العالية. وإذا كتب أساتذة كلية الآداب كتبا أو نشروا في الصحف والمجلات فصولا طرقوا هذه الموضوعات التي يطرقونها في محاضراتهم العامة والتي تمس حياة الناس جميعا والتي يحسب الناس جميعا مخطئين أو مصيبين أن لهم بها إلماما قليلا أو كثيرا. فطبيعي إذن أن تكون كلية الآداب أظهر كليات الجامعة وأقربها إلى الجمهور وأن تستأثر أحيانا وهي ظالمة في غير عمد برضى الناس وثنائهم وأن تختص أحيانا أخرى وهي مظلومة بنقد الناس وإنكارهم. ولو أن الكليات الأخرى اتصلت بجمهور المثقفين اتصال كلية الآداب فكثرت محاضراتها العامة وفهمها الناس وارتاحوا إليها وفتحت دروسها ومعاملها للمستمعين والباحثين على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم وجنسياتهم لما ظهرت كلية الآداب ظالمة ومظلومة كما هي الآن. ولكن الأمر فيما يظهر ليس مقصورا على كلية الآداب المصرية إنما هو حظ كليات الآداب في أقطار الأرض جميعا. فالناس يفهمون من جامعة باريس السوربون وفيها مع ذلك كلية العلوم. وليست كلية الآداب الباريسية وحدها هي المجد العلمي لباريس بل للكليات الأخرى من هذا المجد حظوظ لا تقل عن حظ كلية الآداب وقد تربى عليها أحيانا. ولكن الله أراد لكليات الآداب هذا المجد الخطر وهو أن تكون عنوان الجامعات وأن تكون لهذا نفسه درقة تحتمي بها الكليات الأخرى وتتقي بها ما يوجه إلى الجامعة من سهام.
ومع هذا كله فالناس في مصر لم يفهموا بعد كلية الآداب على وجهها. وكثيرا ما تمنت كلية الآداب لو جهلها الناس وأغضوا عنها كما يجهلون الكليات الأخرى ويغضون عنها. فهم يطلبون إليها أحيانا ما لا تستطيع أن تنهض به. ألم يزعم بعض الكتاب منذ أسابيع أنها لم تؤد رسالتها لأنها لم تغير الحياة المصرية ولم تقلبها ظهرا لبطن كأن كلية الآداب متى وجدت يجب أن تحدث المعجزات، وأن تمس الشعب المصري بعصا سحرية فإذا هو قد خلق خلقا جديدا. والناس لا يطلبون مثل هذا إلى كلية الطب ولا إلى كلية العلوم ولا إلى كلية الحقوق لأنهم لا يزعمون لأنفسهم فهم ما يدرس في هذه الكليات أو المشاركة فيه بينما كلهم أديب وكلهم مؤرخ وكلهم فيلسوف.
لم يفهم الناس كلية الآداب على وجهها لأنهم لم يفهموا ما يدرس في هذه الكلية على وجهه. وإنما يفهمون ما يدرس في كلية الآداب يوم يعترفون بأن الأمر فيه كالأمر فيما يدرس في الكليات الأخرى، فليس هو شيئا شائعا يساهم فيه الناس جميعا وإنما هو علم كغيره من العلوم له مناهجه ومذاهبه التي لا يحسنها إلا أصحابها. فليس يكفي أن تكون شاعرا أو كاتبا لتكون أستاذا في الأدب. وليس يكفي أن نفهم كتابا في التاريخ لتكون مؤرخا، بل ليس يكفي أن تكون مؤرخا لتكون أستاذا للتاريخ، وليس يكفي أن تكون فيلسوفا لتكون أستاذا في الفلسفة.
يوم ترتفع العلوم التي تدرس في كلية الآداب عن أن تكون نهبا للناس جميعا وشركة بين الناس جميعا يساهم فيها القادر والعاجز ويقضي فيها الجاهل والعالم — أقول يوم ترتفع علوم كلية الآداب عن هذه المنزلة يمكن أن نقول إن الناس قد فهموها وأقروها في نظامها الطبيعي.
وقد نشأ عن سوء فهم الناس لكلية الآداب أنهم لم يقدروا حاجتها وطاقتها ونفعها ومكانتها من حياة مصر، فأما المسرفون فيكلفونها شططا كما رأيت. ولكن هناك قوما هم أشد خطرا على كلية الآداب من هؤلاء المسرفين وهم الذين يرون كلية الآداب إنما هي نوع من أنواع الترف، وفن من فنون اللهو التي لا تحتاج إليها البلاد إلا بعد أن تستكمل حاجاتها الضرورية الأخرى. فالطب ضروري لأنه يمس صحة الناس وعلم القانون ضروري لأنه يمس مصالحهم أمام القضاء، والعلوم التجريبية ضرورية لأنها تمس صناعة الناس وزراعتهم وتجارتهم. فأما الآداب فيحتاج إليها الناس في أوقات الفراغ. وما حاجتنا إلى التاريخ أو إلى الفلسفة ننصرف إليها عن حياتنا اليومية المنتجة؟
فأما الأدب شعره ونثره فليس إلا كلاما، وتستطيع أن تثق بأن هذا النحو من التفكير شائع جدا في مصر، وتستطيع أن تذهب إلى بعض المكاتب في وزارة المعارف وفي وزارة المالية فتجده قويا عنيفا مستعدا دائما للقص من جناحي كلية الآداب والغض من قدرها. ولا تكلف نفسك جدالا ولا محاورة فلن يغني عنك الجدال ولا المحاورة، ولا تقل لهؤلاء الناس إن الحياة الأدبية الصالحة قوام الحياة العلمية الصالحة، وإن العلوم التجريبية لا تنتج إلا في بيئة حظها من الآداب عظيم — لا تقل شيئا من هذا فسينفضون إليك رءوسهم ويقولون كلاما لا يغني ولا يفيد. ولو أن سخط الساخطين على كلية الآداب وجهل الجاهلين وقفا عند الخطأ والجهل لهان الأمر، ولكنهما يتجاوزان ذلك إلى إنشاء المصاعب وبث العقبات في سبيل كلية أقل ما توصف به أنها القوام الصحيح للحياة العقلية في هذا البلد الناهض. فالغرض الأساسي الذي قصد إليه الذين أنشأوا كلية الآداب وعلى رأسهم حضرة صاحب الجلالة ملك مصر إنما هو إحياء العقلية المصرية ومنحها هذه القوة الخصبة المنتجة التي تدفعها إلى أن تحيا وإلى أن تحب الحياة وتفهمها وتأخذ بأسبابها الصحيحة في جميع أنحائها. وإنما يكون ذلك يوم يوجد المصري الذي يفهم ويذوق ويحب أرقى ما يمتاز به الإنسان من طموح إلى المثل الأعلى في الأدب والعلم والفن.
إلى هذا قصد الذين أنشأوا الجامعة المصرية القديمة وكانوا موفقين كل التوفيق، وإلى هذا يقصد الذين يشرفون على أمر الجامعة الآن وهم موفقون كل التوفيق أيضا. وإذا لم يكن بد من أن أذكر هنا بعض الذكريات الخاصة التي لا تنسى لجلال خطرها وارتفاع شأنها عن النسيان فلأذكر ذلك العطف الملكي السامي الذي شملني به حضرة صاحب الجلالة ملك مصر يوم عدت من أوروبا شديد العناية بدرس الآداب اليونانية واللاتينية، وعرف مني أيده الله هذا الميل فحمده فيّ وشجعني على المضي فيه تشجيعا ماديا ومعنويا حتى وضعت أول كتاب لي في هذه الآداب تحت رعايته العالية ورفعته هدية إلى سدته الكريمة. ومنذ ذلك الوقت لم تضعف عناية جلالته بهذا النوع من الأدب القديم في كلية الآداب. فبفضله وبفضله وحده جعلت الدراسات القديمة جزءا من برنامج الدرس في الكلية. ذلك لأن جلالته أقدر الشرقيين جميعا على فهم هذه الحقيقة القيمة وهي: أن مصر لن تنهض حقا ولن تبلغ ما تريده من الحضارة الحديثة إلا إذا استخرجتها من معدنها واستقتها من ينبوعها، وإنما معدنها وينبوعها أدب اليونان والرومان.
نعم ولن تنهض مصر وتبلغ من الحضارة الحديثة ما تريد محتفظة بشخصيتها وكرامتها إلا إذا عرفت قديمها فأحيته ووصلت بينه وبين الجديد واتخذت من هذا وذاك مزاجا صالحا هو قوام الحياة الصالحة التي لا تفنى في القديم فتجمد ولا تفنى في الجديد فتضيع.
نعم ولن تبلغ مصر من الحضارة الحديثة ما تريد إلا يوم تزول فيها الفروق العقلية بين أبنائها فيفهمون الأشياء فهما متقاربا ويحكمون عليها حكما متشابها ويشتركون في الحس والشعور والتقدير. وكلية الآداب وحدها هي التي تسعى بمصر إلى تحقيق هذه الأغراض. وهي تفهم حق الفهم رأي منشئها ورغبته ولن تقصر في تحقيق هذا الرأي العالي وهذه الرغبة السامية مهما تعترضها المصاعب والعقبات لأنها تستمد من إخلاصها في خدمة العلم والوطن ومن تأييد المليك لها ما يمكنها من التغلب على كل ما سيعترضها من المصاعب والعقبات.
طه حسين
المصور ٤ – ٣ – ١٩٣٢ -
في وزارة المعارف مدرسة اللغات
في وزارة المعارف: مدرسة اللغات
طه حسين
جريدة السياسة
١٦ يوليو ١٩٢٣
يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به. يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتَّاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها، وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها. تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.
أقرأت ما نشرته «المقطم» حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف، وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء «المقطم» يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وُزِّع توزيعًا حسنًا، فأصاب من ليس لهم في التعليم حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك؟! بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًّا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك شأن بعض العمد الأميين في عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر، فهي تشتري الثناء ولو كلَّفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جديًّا منتجًا، وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج.
لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتُثني عليها، ووزارة المعارف تُبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتَّابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتَّاب الآخرين؛ ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق، والكتَّاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن، فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب، ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.
تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتَّابها الرسميين بأسرارها ودخائلها، وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في «المقطم» تاريخ مدرسة اللغات، وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير، وما اتخذ من قرار في هذا الاجتماع. وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلَّا عن وحي … ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف، ولا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القرَّاء. نعتقد ذلك، ونريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ، وقرروا أن تدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف، وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية، والآخر في هذا الاجتماع الأخير.
على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تُضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يُهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة، شرُّها أكثر من خيرِها، وضرُّها أكبر من نفعِها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري، وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنَّا نحب ألَّا نعرض لها؛ لأنها لا تلائم الكرامة، ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مريت» و«مسبيرو» وأمثال «مريت» و«مسبيرو»، وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت — أو يريد أبواقها أن يثبتوا — أن كمال باشا قد نفع وأفاد، فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيءٍ، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال. وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم، فعلَّمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.
نعم، نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.
نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر، وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد. ولكن مضيها هذا لن يغير في الأمر شيئًا، ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية، فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد، ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين، كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بدُّ من النقص في العناية. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية، ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون، وما أحدثت من ضجة. كلا، إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف، وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها، وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر، ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًّا وإنما هو مصري مثلك ومثلي؛ هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط، ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب، وعنيَ بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله، وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية، وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية؟! وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط، مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلِّف وزارة المعارف عُشْر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار، وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة، وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور؛ فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها. واستغلال عواطف الجمهور؛ لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة، ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة محققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن، فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري، فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكْفَاءُ من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة، والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسِّن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية، وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر، فإن ذلك ضربٌ من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.
ثم نعود فنلفتك — يا معالي الوزير — إلى أنك تريد أن تبني بناءً، فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب، وَكِلْ أمرها إلى الأخصائيين، ثم كلِّف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًّا، وإذن توفق حقًّا إلى صواب. -
وزارة المعارف وجه الصواب في درس الآثار
وزارة المعارف
وجه الصواب في درس الآثار
طه حسين
جريدة السياسة
١٣ يوليو ١٩٢٣
يوفق الله قومًا فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير؛ فإذا هم يسعون إلى المنفعة سعيًا سريعًا منظَّمًا آمنًا كل عثار. ويخذل الله قومًا فتضطرب عقولهم، وتؤخذ عليهم طرق المنفعة، ويُحال بينهم وبين الحق فإذا هم يتخبَّطون، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات، وإذا هم يَمِيلُون إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى، وإذا هم يتحرَّكون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة.
يوفق الله قومًا فيهتدون إلى الخير، ويخذل الله قومًا فيتورَّطُون في الضلال. ولست أدري أيوفق الله وزارة المعارف في أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضي وزارة المعارف في هذا الأمر الذي اعتزمته بعد أن قُدِّم إليها النصح وأُشير عليها بالخير ودُلَّت على وجه المنفعة، ليس إلا ضربًا من ضروب الخذلان.
ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو إرشاد المرشد؛ فإن وزارة المعارف لم تنسَ بعد عصر الحكم الأوتوقراطي، وعزيزٌ عليها أن تنساه، وعزيز عليها أن تطمئنَّ إلى النظم الديمقراطية الجديدة. وإذن، فهي إذا رأت رأيًا مضت فيه غير ملتفتة إلى ما يُقال، خيرًا كان أم شرًّا. وإن كان العهد بوزارات المعارف الحرة في البلاد الأخرى ألا تُقْدِم على أمر ذي بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم، وربما بالغت في ذلك فاستشارت الجمهور والصحف. ولكن ذلك في البلاد الديمقراطية لا في مصر …!
نيأس إذن من وزارة المعارف، ونعتقد أنها قد تمضي فيما تريد. ولكنَّا لا نيأس من البرلمان، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيردُّ وزارة المعارف إلى طريق القصد، وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق. وليس من المنفعة ولا من الحق في شيء أن يكون في مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان، وأغنى متحف لتاريخ مصر في العصر الإسلامي، وألا تكون في مصر مدرسة نافعة منتجة حقًّا تُدرَّس فيها هذه الآثار المخزونة في المتاحف والمنبثَّة في أقطار البلاد.
ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملأ مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار. فإذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» في باريس، أو إلى المتحف البريطاني في لندن، أو إلى غيرهما من المعاهد في فينا وبرلين.
ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة. فإذا اشتد إلحاح مصر في أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تُلقى في مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تُفِيد. ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة، وإنما الحق والمنفعة أن تقدِّر وزارة المعارف حاجة مصر، ومنفعة مصر وكرامة مصر، وأن تنشئ هذه المدرسة التي تستخزي مصر بأنها غير قائمة فيها، والتي إن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلِّفها من النفقات شيئًا كثيرًا.
تعنى وزارة المعارف في مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية، وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصري ويقومون فيه بشيء من التمرين، وسيسيحون في أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها. ولكنَّا نلفت وزارة المعارف إلى أن هذه الزيارات لن تنفع؛ لأنها لن تكون من الاطِّراد والاستمرار بحيث تمكِّن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرًا أثرًا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التي تعلِّمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها.
وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيهًا! وهو مقدار لا يكفي لسياحة فرد واحد في مصر العليا أثناء الشتاء، فكيف بطلبة كثيرين وأستاذ كثير الحاجات؟! ولكن في الأمر ما هو شرٌّ من هذا؛ فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبًا وهي العناية بالآثار العربية الإسلامية؛ العناية بما في دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة في أقطار مصر وغير مصر، والتي يتقن الأوروبيون العلم بها، ونختلف نحن إليها كثيرًا دون أن نعرف من أمرها شيئًا، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التي تمثِّل تاريخ الإسلام وحظَّ دول الإسلام من الحضارة والرقي الفني.
فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربي والآثار الإسلامية؟ وماذا أعدت وزارة المعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك في إنشاء مدرسة أو قسم في مدرسة المعلمين تدرَّس فيه هذه الآثار، ويخرِّج لنا طلَّابًا يشعرون بأن هناك نقوشًا عربية عُنِيَ الأوروبيون بجمعها وتفسيرها ونجهلها نحن الجهل كله؟
لم تفكر وزارة المعارف في شيء من هذا، وما كان لها أن تفكر في شيء من هذا. فهي كما قلت لك أمس ضيقة التصور؛ ترى الشيء من وجه لا من وجهين ولا من وجوه. ولو أن الله وفَّق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى إنشاء مدرسة الآثار التي تدرس الآثار المصرية الفرعونية وآثار مصر أيام اليونان والرومان وآثار مصر في العصر الإسلامي. والتي لا تمضي عليها أعوام حتى تتجاوز الآثار المصرية إلى الآثار الأخرى السامية وإلى الآثار الأخرى غير السامية، فتصبح معهدًا من المعاهد الأثرية المعدودة في العالم كما ينبغي أن يكون الأمر في مصر التي التقت فيها الحضارات المختلفة، والتي لا يعرف العالم القديم تاريخًا إلا وله فيها أثرٌ ما.
ولكن وزارة المعارف أضيق تصورًا من أن تدخل في رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة. وليس في الأمر شيء من الغرابة؛ فأنت لا تجني من الشوك العنب، وليس ينبغي أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين، وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار. وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها.
والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لما لا تتقن. ولو أن في مصر إدارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك ألف مرة لأحسنت هذه الإدارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذًا نافعًا مفيدًا. لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار، وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد.
حدثني وزير المعارف حين زرته أخيرًا أنه يفكر في إنشاء دار الفنون، وأنه قد كتب في ذلك تقريرًا سيرفعه إلى الحكومة. فإذا كان هذا حقًّا — وما نشك في أنه حق — فما بال وزير المعارف يبني أعلى البيت قبل أن يبني أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجِّه همه إلى إنشاء هذه الإدارة قبل كل شيء؟ فإذا تم تكوينها واستقلَّت بأمورها عن المهندسين والمشرفين على تنظيم المباني وتوزيع الصدقات؛ كُلِّفت هذه الإدارة أن تنشئ ما تحتاج إليه من المدارس ومعاهد البحث. أليس هذا هو الخير؟ أليس هذا هو الصواب؟ بلى، هو الخير وهو الصواب. ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعي إلى الخير أو إلى الصواب؟!
صدقني يا معالي الوزير، إن الحق عليك لمصر أن تنشئ أولًا إدارة للفنون، ومن الآداب أن تجمع للمتحف المصري، ودار الآثار العربية، ودار الكتب المصرية، والأوبرا الملكية، ومدارس الفنون على اختلافها؛ فإذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين في إنشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية.
هذا هو الحق وهذه هي المنفعة؛ فانصرف إلى الحق وإلى المنفعة، ولا تخدعنَّك هذه المشروعات التي ليست في حقيقة الأمر إلا ألفاظًا خلابة براقة، دون أن يكون وراءها نفع ولا غَنَاء.