Tag: cultural independence

  • مشكلة اللغات الأجنبية

    مشكلة اللغات الأجنبية

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ١٨ يناير ١٩٤٨

    عمدت وزارة المعارف أخيرًا إلى تخفيف برامج اللغات الأجنبية في المدارس، فما هو رأيك في هذه السياسة من حيث تأثيرها في الثقافة العامة للجيل الجديد؟

    هذا هو السؤال الذي طرحه مندوبنا على الدكتور طه حسين بك والدكتورة درية شفيق، فأجابا بما يلي:

    الدكتور طه حسين رأيي أن النزعة إلى إضعاف اللغة الأجنبية في المدارس شديدة الخطر … لا على حياتنا الثقافية وحدها، بل على حياتنا العامة كلها. فاللغة العربية تتطور وترقى، ولكنها لم تبلغ بعدُ أن تكون لغة عالمية للعلم والأدب والسياسة والاقتصاد. واتصالنا بالعالم الغربي هو الأساس الصحيح لنهضتنا ورُقِيِّنا، ولن تُفلِح وزارة المعارف إلَّا إذا أعادت النظر في تعلُّم اللغة الأجنبية، فلم تقصره على اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ لأن في ذلك احتقارًا للعقل المصري ووقفًا له على النفوذ الثقافي للفرنسيين والإنجليز. وإنما يجب أن تُدرَّس اللغات الأوروبية الكبرى كلها في المدارس، على أن يختار التلميذ أو أسرته لغتين من هذه اللغات؛ فالألمانية والإيطالية والإسبانية والروسية لغات عظيمة الخطر في الثقافة والسياسة والاقتصاد، ويجب أن يكون بين شبابنا من يُحسنوا هذه اللغات. ومن الخزي لمصر في القرن العشرين أن يُنقل إليها الأدب الألماني والإيطالي والروسي والإسباني لا مباشرةً من اللغات التي كُتب بها، بل من طريق التراجم الإنجليزية والفرنسية. هذا الاحتكار لا يلائم الاستقلال الذي نطمح إليه، وهذا الجهل لا يلائم الكرامة التي نحن أهل لها. والأمر لا يحتاج إلَّا إلى شيءٍ من الشجاعة يمكِّن وزارة المعارف من أن تخطو هذه الخطوة التي طالبت وما زلت أطالب بها. والشرق العربي وحده هو الذي قبِل هذا الاستعمار الثقافي الإنجليزي الفرنسي، فإذا كنَّا نريد الاستقلال حقًّا فسبيله ألَّا نبيح لأمة من الأمم — مهما تكُن — أن تحتكر أخص ما يمتاز به الإنسان وهو العقل والقلب والذوق.

    الدكتورة درية شفيق رأيي أن الاتجاه الذي يقصد به تخفيض عدد الدروس للغات الحية في مدارس الحكومة اتجاه يسيء إلى مصر وإلى تطلُّعها المرموق نحو الفائدة من حضارات الأمم الأخرى. ونحن نسيء إلى أنفسنا إذا خلطنا بين التعصب للوطنية والاستفادة من حضارة الغرب؛ فإن مصر الحديثة لم تستطع أن تتبوَّأ مكانها الرفيع بين الأمم الغربية والشرقية إلَّا بعد أن استكملت بعض الدراسات الغربية. وكان محمد علي الكبير والخديو إسماعيل فاهمين هذا الوضع تمامًا؛ لذلك كانت بعوثهم العلمية كثيرة، متعددة الجوانب. ولولا مدرسة البعوث لكان تأخرنا ملحوظًا، ولولا مدرسة الألسن وناظرها رفاعة الطهطاوي وتلاميذه الأعلام؛ لما زخرت آدابنا وعلومنا العربية بهذا التراث الفخم من المعرفة. ولولا دراسة أدبائنا للُّغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها دراسة عميقة؛ لما فخرنا بهؤلاء الأدباء الذين يضارعون أدباء الغرب فكرًا وعقلًا وأسلوبًا. فإذا نحن حاربنا هذه اللغات لأمر غير مفهوم، فإنما نحارب أنفسنا، وسوف يأتي يوم — إذا نجح خصوم اللغات الحية — نبحث فيه عن مترجم في مصالح الحكومة أو الأعمال الحرة فلا نجده. ناهيك بما يترتب على جهل أمة بهذه اللغات، فإن كل جديد سيبقى محجوبًا عن لغتنا وآدابنا، ولن نُفيد من أي تيار فكري جديد؛ لأننا قوم انطوينا على أنفسنا ونسِينا أن من يتعلم لغة أمة أمِن مكرها كما قال رسول الله ﷺ.

  • ثقافة٢

    حديث اليوم: ثقافة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٥ يوليو ١٩٣٢

    بين الذين يفهمون التعليم على وجهه، ويقدِّرون عمله في تكوين الشعب، ويقدِّرون كذلك الصلة بينه وبين ما للشعب من مثل عليا. بين هؤلاء الناس وبين وزارة المعارف خلافٌ واسع، بعيد عميق في الثقافة المصرية: ما هي؟ وعلى أي شيء تعتمد؟ وماذا يجب أن تكون؟

    ومصدر هذا الخلاف أن وزارة المعارف لم تضع هذه المسائل يومًا ما موضع البحث والتفكير؛ لأنها فيما يظهر أضيق عقلًا من أن تستطيع التفكير في مثل هذه الموضوعات، وهي ترى الذين يفكِّرون في الثقافة المصرية وفي دعائمها وفي مستقبلها جماعة من المتحذلقين الذين يفلسفون في الهواء، ويضيعون وقتهم ووقت القرَّاء فيما لا يُغني ولا يفيد.

    وأنا أحدثك عن تجربة، حين أقول لك: إنك ستشعر بشيءٍ كثيرٍ من السأم والملل، ثم من اليأس والقنوط، حين تتحدث إلى رجال التعليم في وزارة المعارف في هذه المسائل التي أشرت إليها آنفًا؛ لأنك ستجد قومًا لا يفهمونك، ولا يستطيعون أن يفهموك. ومن العسير على من لم يفهمك أن يستمع لك، وإذن فستجد إعراضًا وازورارًا. فإن كان محدثك على شيءٍ من الأدب وحسن الذوق، صرفك عن هذا الحديث للفكاهة والمزاح، وقدَّم إليك السيجارة، وطلب لك القهوة، وقال لك ضاحكًا: «هذه مسائل سابقة لأوانها، والخير أن ينتظر بها حتى يتم الاستقلال.» وإن كان يحدثك جافيًا، صفيق النفس غليظ الذوق، تركك تقول، وتثاءب وتمطَّى ولعب بما يجد أمامه على المائدة من قلم أو ورق أو كتاب، حتى تشعر بأنك إنما تتحدث إلى نفسك؛ لأن جليسك لا يُصغي إليك، فتغير موضوع الحديث، وحينئذٍ يقبل عليك صاحبك طلق الوجه وضَّاح الأسارير.

    وقد لقيت الرجلين في وزارة المعارف، وبلوتهما، وحاولت أن أصل معهما إلى شيء، فلم أوفق في ذلك إلى خيرٍ قليلٍ أو كثيرٍ.

    ذلك أن وزارة المعارف منذ الاحتلال مضت على أن التعليم وسيلة لتكوين الموظفين. ثم كثر عدد المتعلمين حتى تجاوز عدد الوظائف، وأخذت الصحف تنشر فصولًا ومقالات تبيِّن فيها أن وقف التعليم على تكوين الموظفين سيئة من سيئات الاحتلال، وأصبح مما يتحلى به الرجل المستنير أن يسجِّل على الإنجليز هذه السيئة، ويؤكد أن للتعليم أغراضًا أخرى غير هذا الغرض اليسير. فمشت وزارة المعارف وراء الصحف، وقال رجالها بهذا الرأي — لأنهم مستنيرون — ولكنهم لم يبحثوا عن هذه الأغراض الأخرى، ولم يحاولوا لها تحديدًا. ولقد دُهشت في أول هذه السنة الدراسية لحديث كان بين وزير المعارف وبيني في أمر الطلاب الذين كانت وزارة المعارف تحشدهم حشدًا في مدرسة التجارة العليا. سألت الوزير: «وماذا يصنع هؤلاء الطلبة الذي يُحشرون مئات في هذه المدرسة إذا أتموا دروسهم. فالذي نراه في البلاد الأخرى أن المدارس الفنية الخصوصية العليا لا تقبل الطلاب إلَّا بمقدار، وأن الجامعات وحدها هي التي تقبلهم بغير حساب؛ لأن الجامعات تبيح العلم للناس ليس غير. أمَّا هذه المدارس فتهيئ طلابها لأعمال خاصة، فيجب أن يكون عدد هؤلاء الطلاب ملائمًا للحاجة». قال الوزير: إنما الذي يعنيني هو أن أخفف الضغط على الوزارة، وأزيل سخط الناس الذين لا يعرفون أين يضعون أبناءهم بعد أن ظفروا بالبكلوريا. فأمَّا مستقبلهم بعد أن يتموا دراستهم فلا شأن لي به، وإنما ينبغي أن يتعلم الناس على حسابهم هم. إن التعليم العالي ليس كنزًا ينبغي أن يتهالكوا عليه!

    فوزير المعارف إذن كان يشتغل بالسياسة لا بالتعليم حين كان يحشد الطلاب في مدرسة التجارة حشدًا. كان يريد أن يريح الحكومة — ولو مؤقتًا — من سخط الساخطين واحتجاج المحتجين. فأمَّا مستقبل هؤلاء الطلبة، فأمَّا تعليمهم فشيءٌ لا يعنيه. وقد نتج عن هذا أن أصبحت مدرسة التجارة مدرستين: تعمل إحداهما في وجه النهار، والأخرى في قفاه، ولم يكد يزاد عدد الأساتذة. فأشفق معي على هؤلاء الأساتذة المساكين الذين يرددون الكلام الواحد في اليوم الواحد مرات عدة، ووزير المعارف مع ذلك أوسع الناس في وزارته عقلًا، وأبعدهم أفقًا، وأكثرهم حديثًا في مثل هذه الأشياء، فاحكم بعد هذا على حظِّ وزارة المعارف من سعة العقل وبُعد الأفق وصحة التفكير.

    ومضت وزارة المعارف منذ الاحتلال على أن التعليم يجب أن يكون إنجليزيًّا؛ لأن الإنجليز أرادوا هذا، وقاوموا الثقافة الفرنسية حتى طردوها من مدارس الحكومة، ثم أعلن الاستقلال وتحدثت الصحف بأن الثقافة الإنجليزية وحدها لا تكفي، وأن شيئًا من اللغة الفرنسية لو أُعيد إلى المدارس لكان مفيدًا. فقاومت وزارة المعارف هذه الفكرة ما استطاعت إلى مقاومتها سبيلًا لترضي هذه الناحية التي أشرت إليها في مقال أمس. وأنا أعرف وزيرين لقيا من هذه المقاومة شرًّا كثيرًا عرَّضهما لكثيرٍ من المكروه. فأمَّا أحدهما فعلي ماهر باشا، الذي أقبل إلى وزارة المعارف متحمسًا للثقافة اللاتينية، مدافعًا عنها، مُصرًّا على تقويتها، وخُيِّل إليه أنه يستطيع ذلك، وأنه مستقل بشئون التعليم، واندفع فأمر بتعليم اللاتينية في بعض المدارس الثانوية، واليونانية في بعضها الآخر، والفرنسية فيها جميعًا. فلم يلبث حتى عرف أن استقلاله مشكوك فيه، وأن اليونانية واللاتينية ضربٌ من الترف يجب أن يُباح للأوروبيين دون المصريين، وأن الفرنسية يجب أن تُعلَّم، ولكن بمقدار. ورأى الرجل نفسه بين الاستقالة أو الإذعان، فأذعن ومحيت اللاتينية واليونانية، وفرق أساتذتهما في الأقاليم يعلِّمون الفرنسية تعليمًا متواضعًا.

    وأمَّا الوزير الآخر، فمراد سيد أحمد باشا. أقبل مؤمنًا بالثقافة اللاتينية، مشجعًا لها، وللغة الفرنسية بنوع خاص. وقد راعه وراع رئيس الوزراء أن الحكومة عندما أتمت الدستور الجديد لم توفق إلى من يترجمه إلى العربية والإنجليزية إلَّا بعد مشقة وعناء. فأراد مراد باشا أن يقوِّي دراسة اللغات، وأن يشجع تعليم اللغة الفرنسية. ولم يزد الرجل على أن فكر وقدر، وعرض تفكيره وتقديره على رئيس الوزراء، فكاد يوافقه ويؤيده، ولكن الذين وقفوا لماهر باشا عادوا فوقفوا لمراد باشا. وقد قيل لي: إن إصلاح الشطط الذي تورط فيه مراد باشا قد كلَّف رئيس الوزراء تعبًا غير قليل. والذين وضعوا العقاب في سبيل الوزيرين المتحمسين للثقافة اللاتينية ليسوا بعيدين عن وزارة المعارف، وليسوا كارهين للثقافة اللاتينية، ولا محبِّين للثقافة الإنجليزية؛ لأنهم يجهلون الثقافتين جميعًا، وإنما هم قوم لا يقبلون على أمر من أمور التعليم حتى يتساءلوا: ماذا ترى هذه الناحية في هذا الأمر؟ وماذا ترى تلك الناحية في هذا الأمر؟ وهم لا يسألون أنفسهم: أين منفعة الأمة في هذا الأمر؟

    ولست أعرف بيئة من بيئات الحكومة المصرية ضعف فيها الشعور بالاستقلال منذ إعلانه، واشتد فيها الحرص على تعرف رأي الإنجليز في جملة الأشياء وتفصيلها كوزارة المعارف. وحديث ذلك يطول، وتفصيله ليس مما يرفع رأس المصري أو يحقق كرامته.

    في وزارة المعارف إذن سياسة ترمي إلى فرض الثقافة الإنجليزية على هذا البلد، ووزارة المعارف تؤيد هذه السياسة؛ لأن تأييدها يرضي الإنجليز، ولأن الثقافات جميعًا تستوي عند وزارة المعارف، لا يُرجَّح إحداها على الأخرى، إلَّا ما يحقق نفعًا قريبًا. وأي شيءٍ أدنى إلى تحقيق النفع القريب من إرضاء الإنجليز؟ ومع ذلك فمن الإثم الوطني، ومن الجناية على هذا الشعب، أن تُفرض على المصريين ثقافة بعينها. إنما يجب أن تكون للمصريين ثقافتهم المصرية الخالصة. وهذه الثقافة المصرية الخالصة إنما توجد يوم يُباح للمصريين أن يردوا ما يشاءون من الثقافات، وأن يأخذوا العلم حيث يريدون هم لا حيث يُراد لهم.

    يُباح للمصريين أن يشتروا ما يحتاجون إليه من المتاع الأجنبي من الإنجليز والفرنسيين والألمان والإيطاليين، لا يقيد حريتهم في هذا شيء إلَّا التنافس بين هذه الأمم، أيها يستطيع أن يرضي المشتري بجودة المتاع وقلة الثمن وحسن المعاملة. فيجب أن يُباح لهم أخذ ما يحتاجون إليه من الثقافات عند هذه الأمم كلها، يختارون هم ولا تختار لهم الحكومة.

    وماذا يكون رأيك لو أن الحكومة فرضت علينا ألَّا نشتري إلَّا من الإنجليز، ولا نتصل إلَّا بالإنجليز، ولا نسافر إلَّا لبلاد الإنجليز؟ هي لا تستطيع أن تفرض علينا هذا، ولكنها استطاعت إلى الآن بفضل الاحتلال من جهة، وبفضل مصالح الإنجليز بعد الاستقلال من جهة أخرى، وبفضل إهمالنا للتعليم من جهة ثالثة، استطاعت أن تفرض علينا اللغة الإنجليزية والثقافة الإنجليزية. فمن أراد منَّا لغة أخرى أو ثقافة أخرى، فليس له أن يطلبهما في مدارس الدولة، وإنما عليه أن يطلبهما في المدارس الحرة الأجنبية.

    أيسر مبادئ الحرية السياسية يلزم الحكومة بألا تفرض على البلاد ثقافة أجنبية بعينها في التعليم العام، ويلزمها بأن يكون التعليم باللغة العربية في جميع فروعه، وأن تكون اللغات الحية الراقية كلها أو على الأقل أرقاها ممثلة في مدارس الدولة، يختار منها التلاميذ والآباء ما يشاءون. وأيسر حظ من الفطنة والتقدير للمنفعة الوطنية يلزم الحكومة ألَّا تفرض الثقافة الإنجليزية على البلاد فرضًا، فنحن نريد الاستقلال، ونريد أن نستخلصه من الإنجليز، فمن الخير أن تكون أمام تلاميذنا مُثُل عليا للفن والأدب والعلم والحياة غير المثل الإنجليزية.

    أعتقد أن مما لا خير فيه أن نفاضل بين ثقافة وثقافة، فلكل ثقافة قيمتها ومميزاتها. ونحن في حاجة إلى أن نأخذ من كل شيءٍ أحسنه. فلننصرف إذن عن هذه المفاضلة السخيفة بين الثقافة اللاتينية والإنجليزية، ولنوجه جهودنا إلى تكوين ثقافة مصرية خالصة تستمد غذاءها من العلم الحر بالثقافات الإنسانية القديمة والحديثة عامة.

    وإني لأسعد الناس يوم أرى حكومة مصرية تأخذ من الشجاعة حظًّا يمكنها من أن تسوي بين اللغات والآداب الإنجليزية والفرنسية والألمانية في مدارس الدولة، وتدع للتلاميذ وآبائهم حق الاختيار. ولكني واثقٌ بأن هذه الحكومة لن تكون حكومة صاحب الدولة صدقي باشا.

  • في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران

    في اتحاد الجامعة بين هيكل ومطران
    طه حسين
    جريدة السياسة الأسبوعية
    ٢١ إبريل ١٩٢٨

    أراد اتحاد الجامعة المصرية أن يستعير من أمثاله في الجامعات الإنجليزية عادة يظهر أنها مألوفة هناك، وأن لها أثرًا غير قليل في تقويم ألسنة الطلاب وتعويدهم الخطابة والبراعة فيها، فأقام منذ أسابيع حفلة كانت فيها مناظرة باللغة الإنجليزية في موضوع غريب هو: الغرض من الجامعة؛ أهو كسب الحياة أم العلم الخالص؟

    وأقام في هذا الأسبوع حفلة أخرى كانت فيها مناظرة في موضوع ليس أقل غرابة من الموضوع السابق، وهو أن الأدب العربي قديمه وحديثه كافٍ أو غير كافٍ لتكوين الأديب؟ والعادة المألوفة في الجامعة الإنجليزية أن يشترك المستمعون في المناظرة، وينحاز فريق منهم إلى «صاحب الرأي» كما يسمونه، وفريق آخر إلى المعارض، حتى إذا استوفيت المناظرة أخذت فيها الأصوات.

    وقد أحكم تقليد الاتحاد المصري ما يقع في الجامعات الإنجليزية، فبسط صاحب الرأي رأيه، ونقضه عليه المعارض، واشترك المستمعون، فانحاز فريق منهم لهذا، وفريق منهم لذاك، ثم أقفلت «المناقشة»، كما يقولون، وأُخذت الأصوات، فكانت نتيجة الاقتراع منذ أسابيع أن الغرض من الجامعة كسب الحياة، وانهزم القائلون بأن الغرض من الجامعة إنما هو العلم الخالص.

    وكانت نتيجة الاقتراع في هذا الأسبوع أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، وانهزم القائلون بأن الأدب العربي في حاجة ماسة إلى الآداب الأجنبية ليتاح له تكوين الأديب حقًّا.

    وليس في هذه المناظرات ولا فيما تنتهي إليه من النتائج شيء من العجب أو الغرابة، فهي في نفسها ضروب من العبث البريء الذي يقصد به إلى التمرين والتدريب، دون أن يقصد به إلى إثبات حقيقة من الحقائق، هو لون من ألوان التمثيل، وضرب من ضروب اللعب اللساني لا أكثر ولا أقل.

    وليس يفكر المدبرون لهذه المناظرات في إثبات حقيقة من الحقائق الأدبية أو العلمية بهذه الفنون من الجدال الناقص أمام هذا الجمهور المختلف التكوين، وبأخذ الأصوات في مسائل العلم والأدب كما تؤخذ الأصوات في الأمور السياسية والإدارية.

    لذلك أقبلنا على هذه المناظرات مبتسمين كما نقبل على ما يلعب في الملاعب مبتسمين، وأخذنا بحظنا من هذه اللذة البريئة التي يجدها من يستمع لخطيب مجيد، ومناظر بارع، ولكن فريقًا من الناس منهم المصري ومنهم الأجنبي، منهم الناشئ ومنهم من تم تكوينه العقلي، نظروا إلى هذه الفكاهة على أنها جد من الأمر، وأشفقوا من نتائجها في شيء من الجزع والهلع.

    وليس هناك بأس من أن أذكر أني لقيت بعض زملائنا من جلة الأساتذة في الجامعة من غير الإنجليز، فإذا هم مشفقون الإشفاق كله؛ لأنهم عرفوا أن جمهور المستمعين قد أُعلِن أن الغرض من الجامعة كسب الحياة لا العلم الخالص، أشفق هؤلاء الأساتذة وخافوا على عقل الشباب المصري أن تفسده المنفعة، وأن يكون عمليًّا أكثر مما ينبغي، وأن يُضحَّى بالعلم الخالص في سبيل الراحة وترف الحياة.

    ولقيت غير قليل من الجهد في إقناعهم بأن هذا الأمر في نفسه يسير، وأنه لا يعدو أن يكون فكاهة وفنًّا من فنون اللعب؛ ذلك أن هذا اللون من ألوان الجدال ليس مألوفًا في البلاد اللاتينية كما هو مألوف عند الإنجليز، والأستاذ اللاتيني صاحب جد لا دعابة فيه، وربما أسرف في هذا الجد إسرافًا شديدًا، وكذلك كانت الحال حين صَوَّت المستمعون في هذا الأسبوع فأعلنت كثرتهم أن الأدب العربي قديمه وحديثه يكفي لتكوين الأديب، جزع لهذه النتيجة فريق من الناس وأشفقوا على الشباب المصري من هذا الإسراف في الغرور بما عندهم، ومن هذا الفهم السيئ لمعنى القومية، ومن هذا الخطأ في تصور العواطف الوطنية والخضوع لسلطانها في غير تبصر ولا روية.

    وقال هؤلاء الجزعون: إن هذه النتيجة تدل على ميل سيئ في الشباب إلى الاكتفاء بما عنده على غير بصر به، ولا فقه له، وعلى غير طموح إلى الكمال، وعلى غير تقدير صحيح لحقائق الأشياء، وإن الواجب على الأساتذة تقويم هذا الميل، وتثقيف هذا العوج، وتعويد الشباب أن يفهم الأشياء كما هي، وأن يتخذ لنفسه مثلًا أعلى يلائم حاجته إلى الحياة الراقية رُقِيًّا مُطَّرِدًا.

    ولقيت مع هؤلاء مثل ما لقيت مع أولئك من الجهد لأقنعهم بأن هذا الأمر لم يتجاوز أن يكون سجالًا كلاميًّا، وسباقًا خطابيًّا، وأن هذه النتيجة لا تتجاوز أن تكون إعلانًا لرضا الكثرة عن خطابة فريق من الفريقين؛ ذلك لأن أشد الناس نصرًا للاكتفاء بالأدب العربي وتأييدًا لأنه كافٍ وحده لتكوين الأديب، هم في حقيقة الأمر من أشد الناس اقتناعًا بأن أدبًا من الآداب — مهما يكن — لا يستطيع أن يكتفي بنفسه ويستغني عن غيره من الآداب، وهم في حياتهم الأدبية يمثلون هذا الرأي أصدق تمثيل.

    بل لقد كنت مع الأستاذ مطران قبيل هذه المناظرة بدقائق، فكان ضيق الصدر بموقفه؛ لأن هذا الموقف لا يلائم رأيه، وهو إنما قبله ليجيب دعوة الاتحاد إلى ما أحب من تمرين الطلاب وتعويدهم حُسن الخطابة والبراعة فيها. وكنت أقول له ونحن في طريقنا إلى قاعة المحاضرات: إنه في موقفه هذا أشبه الناس بالمحامي الذي تندبه المحكمة ليدافع عن متهم نكل المحامون جميعًا عن الدفاع عنه.

    ولكن الأستاذ مطران كان خطيبًا هادئًا لبقًا ماهرًا عرف كيف يعبث بعقل السامعين، وأحسبه عبث بالحقيقة نفسها أيضًا ليؤدي هذا الواجب، واجب الدفاع عن متهم لا محامي له، فوُفِّق إلى ما أراده من استهواء الجمهور، ولست أجد في هذا شيئًا من الغرابة كما قدمت، ولا يجد فيه الأستاذ مطران نفسه شيئًا من الغرابة أيضًا، فقد كان الأمر كله كما قدمت لعبًا، ولكن هناك أشياء يجب أن يحدد فيها الموقف، ولا سيما بالقياس إلى هؤلاء الذين يأخذون هذا الأمر على أنه جد من الأمر لا عبث ولا فكاهة فيه.

    وهناك شيء أحب أن أناقش فيه شاعر القطرين في دعة وهدوء، وهو احتجاجه لمذهبه المستعار بالقرآن الكريم؛ فهذه الحجة وحدها هي التي كسبت للأستاذ مطران كثرته التي انتصر بها على خصمه هيكل، ومن غريب الأمر أن هذه الحجة تقوم لهيكل على مطران، وهي دليل ناصع على أن الأدب العربي وحده لم يكن يكفي لتكوين الأديب حين نزل القرآن، والقرآن لم يشتمل على ما ألف العرب من أدب قبل عصر النبوة، وإنما كان آية التجديد، وكان الحجة القائمة على أن الأدب العربي في ذلك الوقت كان قاصرًا عن تكوين الأديب.

    ومن وجوه الإعجاز التي يتحدى القرآن بها معارضيه من العرب أن فيه أشياء لم يكن العرب يعلمونها، ولم يكونوا ليصلوا إليها لولا الوحي، وكثير من هذه الأشياء كان عند الأمم الأخرى؛ فالقصص التي تتصل ببني إسرائيل مثلًا كان معروفًا لبني إسرائيل في التوراة أو في غير التوراة من الكتب المقدسة، فهو إذن بالنسبة للعرب أدب غير عربي عرَّبه القرآن حين أوحى الله به في لغة عربية، وقد امتن الله على النبي وعلى العرب بهذا القصص، كما امتن الله عليهم بغير القصص من هذه الفنون العجيبة التي لم يكونوا يعرفونها، ولم يكونوا ليعرفوها لولا أن أوحى بها الله في كتاب عربي مبين.

    فأنت ترى أن القرآن حجة لهيكل لا عليه، سيقولون: كان الأدب العربي ناقصًا حتى نزل القرآن فكمل، وأصبح بعد نزوله كافيًا وحده لتكوين الأديب. وليس عندي ما يمنع من قبول هذا الرأي لولا أنه ينتهي إلى نتائج ذات خطر شديد، أولى هذه النتائج هي أن المسلمين جميعًا قد خرجوا على القرآن حين اعتزوا بالآداب الأجنبية، سواء منها الفارسي واليوناني والهندي والقبطي، وما شئت من الآداب التي ترجمت للمسلمين منذ انتصف القرن الأول للهجرة.

    ولكن المسلمين لم يخرجوا على القرآن حين اعتزوا بهذه الآداب، وكان اعتزازهم بهذه الآداب الأجنبية دليلًا ناصعًا على أنهم يؤمنون بأن الأدب العربي لم يكن يكفي لتكوين الأديب العربي، وأخرى يؤخذ بها مطران — لولا أن مطران كان مازحًا — وهي اعتزازه بالجاحظ وابن المقفع وغيرهما من الأدباء الذين أغنوا الأدب العربي ورفعوا شأنه؛ فهؤلاء الأدباء لم يغنوا الأدب العربي إلا لأنهم استمدوا من الآداب الأجنبية، فعرَّبوها وأضافوها إلى الثروة الأدبية العربية، وكانوا مقتنعين بأن الأدب العربي لا يكفي لتكوين الأديب، فكانوا يضيفون إليه من آداب الأمم الأجنبية ما يُمكِّنه من تكوين الأديب.

    والأمر الآن كالأمر في أيام الجاحظ وابن المقفع؛ فنحن نعتز بأدبائنا القدماء والمحدثين، ونحب أدبنا القديم والحديث، ونريد أن يكون هذا الأدب كافيًا لتكوين الأديب، ومن أجل ذلك نكمله ونحثُّ على تنميته ونُضخِّم ثروته، وسبيلنا إلى ذلك أن نصل بينه وبين الأدب الأجنبي.

    ونحن مؤمنون بأن أدبنا العربي — قديمه وحديثه — لو لم يتصل بالأدب الأجنبي لمات وعجز عن الحركة والنفع. وقد رأيت أن الأدب القديم إنما غني وأثرَى حين استمد من الآداب القديمة الأجنبية، والأدب الحديث كيف يُثري حين يستمد من الآداب الأجنبية الحديثة أو القديمة، فمَن هيكل ومَن العقاد لولا أنهما — على إتقانهما للأدب القديم — قد اتصلا بالأدب الأجنبي فانتفعا به وتأثرا به فيما يصدر عنهما من أدب عربي حديث؟

    حتى الذين يجهلون اللغات الأجنبية ولا يتصلون بالآداب الأجنبية اتصالًا مباشرًا لا يستطيعون أن ينتجوا إلا بمقدار ما يتأثرون بالأدب الأجنبي تأثرًا غير مباشر، فالمنفلوطي كسب شخصيته من هذه الكتب التي كانت تترجم له فيسبغ عليها الأسلوب العربي، وأشد أدبائنا الآن جمودًا ونفورًا من التجديد، وإغراقًا في حب القديم، متأثرٌ رغم أنفه بالآداب الأجنبية؛ لأنه يقرأ ما يترجم المترجمون، وما يكتب هيكل والعقاد، وما تنشر الصحف، وهو متأثر بهذا كله، وهو مضطر إلى أن يجاري هذا كله فيما يصدر من أثر أدبي.

    فموقف مطران وأصحابه موقف «مستحيل»، كما يقول الفرنسيون، لا سبيل إلى الدفاع عنه إلا أن يكون هذا فنًّا من اللعب والمجون، كما كان الأمر في مناظرة اتحاد الجامعة.

    فإذا كان من الناس من تصل به السذاجة إلى أن يتوهم أن الأمر كان جدًّا يوم الأربعاء؛ فليُغيِّر رأيه، وليعلم أن حقيقة الأمر لم تتجاوز العبث، وأن المسائل الأدبية والعلمية لا يحكم فيها بأخذ الأصوات، وأن الاستقلال الأدبي كالاستقلال العلمي والاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي، ليس معناه العزلة وأن تكتفي بما عندك اكتفاء تامًّا، وإنما معناه أن تكون لك شخصية قوية تُمكِّنك من أن تفيد وتستفيد، أو تُمكِّنك من تبادُل المنافع كما يقول الاقتصاديون.

    وليس مثلنا الأعلى في الأدب ألا نحتاج إلى الآداب الأجنبية، فهذا موت نعتصم منه بالله، وإنما مثلنا الأعلى في الأدب أن يستطيع أدبنا العربي أن يمد الآداب الأجنبية في يوم من الأيام كما يستمد منها، أي أن يكون أدبنا العربي من القوة والثروة بحيث يستطيع أن يُعطي كما يأخذ، لا أن يأخذ في غير إعطاء.