Tag: cultural influence

  • أدبنا العربي أدب عالمي …

    أدبنا العربي أدب عالمي … من الحمق أن يُقال إن أدبنا أدب محلِّي
    طه حسين
    مجلة الهلال
    مارس ١٩٥٧

    عُقِدَ في سبتمبر الماضي بدمشق المؤتمر الثاني لأدباء العرب، وكان من بين المحاضرات القيِّمة التي أُلْقِيَتْ فيه هذه المحاضرة النفيسة التي ننشر منها هذه الصفحات.

    ما هو الأدب العالمي؟
    أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟

    أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.

    فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.

    ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.

    الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.

    فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟

    وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.

    الأدب العربي القديم عالمي
    فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.

    هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.

    وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.

    وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.

    فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.

    وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.

    وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.

    لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.

    وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.

    أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.

    وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.

    وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.

    تفوق اللغة العربية
    أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.

    فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.

    ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.

    والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.

    وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.

    أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.

    وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.

    ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.

    الغرب مدين للثقافة العربية
    ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.

    كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.

    مزاعم وأخطاء
    بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.

    يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.

    واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.

    والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.

    والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.

    الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.

    والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.

    وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.

    أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …

    أدبنا الحديث أدب عالمي
    أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟

    من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.

    هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.

    أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.

    وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.

    يجب أن نكون عربًا
    وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.

    هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.

    يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.

    برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …

    أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …

    مقاومة الغرب لنا
    إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.

    وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.

    وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.

    يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن.

  • مؤتمر العلوم التاريخية

    مؤتمر العلوم التاريخية

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٩ مايو ١٩٢٣

    عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massignon ، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».

    والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.

    لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.

    أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.

    هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.

    فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.

    وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.

    وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.

    وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.

    والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.

    لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.

    وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.

    حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.

    وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.

    وإذن؟

    وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!

    هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.

    أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟

    أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.

    هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.

    أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.

    كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.

    ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.

    هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.

    ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.

    وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!

    فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!

    أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟

    سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.

    أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.

    أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟

    سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».

    سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.

    أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.

    ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!

    صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»

    أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.

    فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟