Tag: Cultural Policy

  • ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم

    ما أحوج ثقافتنا إلى التنظيم

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٩ فبراير ١٩٤٠

    أنشأت وزارة المعارف العمومية في حركتها التجديدية الأخيرة مراقبة جديدة سمَّتها «مراقبة الثقافة العامة»، واختارت لرئاستها الأستاذ النابغة الدكتور طه حسين بك. وقد قابله مندوب المصور، وسأله عن الغرض من إنشاء هذه الرقابة وبرنامجها وأهدافها في خدمة الثقافة العامة، فتفضل عزته بالحديث الآتي:

    لوزارة المعارف في نشر الثقافة مهمتان: مهمةُ نشرِها في مدارسها الخاصة والمشرفة عليها، ومهمة نشرها وتنظيمها خارج هذه المدارس. وقد بَقِيَتْ هذه المهمة الأخيرة بلا تحديد ولا تنظيم ولا أهداف معينة، مع أنها أخطر من المهمة الأولى، وأكثرها ارتباطًا بالأمة وهيئاتها وبالأمم الأخرى، فأرادت الوزارة أن تتلافى هذا النقص، وأن تضع حدودًا تُمَكِّنها من خدمة الثقافة العامة على أحسن الوجوه وأصحِّها غرضًا وأضمنها إنتاجًا؛ فأنشأت هذه الرقابة، وجعلت تحت إدارتها قسمين: قسم الترجمة والإحصاء، وقسم التعاون الثقافي.

    ولأدعك من هذا التنظيم الإداري الذي ما زلت أُعنَى به؛ لأحدِّثك عن التنظيم الثقافي. فالواقع أننا في حاجة إلى تنظيم الثقافة العامة، وفي حاجة إلى تحديدها، بل إلى توحيدها إذا أمكن هذا التوحيد. فجميع الجهود المبذولة فيها مبعثَرة، والأعمال الجارية بها تكاد تكون فوضى، وخدمات وزارة المعارف فيها غير منظَّمَة، وأغراضها منها غير معروفة. وهذا التنظيم الثقافي يتناول داخِلَ البلاد وخارجها. فعندنا في مصر جمعيات علمية وأدبية ولجان التأليف والترجمة والنشر. وهذه الهيئات تعاونها وزارة المعارف كل عام بنحو «١٥ ألف جنيه». ولا ريب أنها تقوم بواجبها في خدمة الثقافة العامة، ولكن جهودها غير منظَّمَة، وإنتاجها غير محدود. فلو أمكن تنظيم جهود هذه الجمعيات لاستطعنا أن ننشئ منها مجمعًا علميًّا عامًّا لا يقل عن المجمع العلمي في فرنسا. فعندنا في مصر ثروة علمية وأدبية لا ريب فيها، ولكنها كما قلت غير منظمة، والإشراف عليها غير موجود. ولست أدَّعي أننا في ثروتنا الفكرية كفرنسا وإنجلترا، ولكنني أقول إننا لسنا أقل من بلجيكا وإسبانيا واليونان، بل لسنا أقل من إيطاليا في ثروتنا العلمية والتاريخية.

    وقد قامت الحرب ومجمع فؤاد الأول للغة العربية على أبواب افتتاح دورته السنوية، فاعتذر بعض أعضائه في الخارج. فرأى المجمع تأجيل دورته، ورأت وزارة المعارف في هذا التأجيل ما يُفوِّت الغرض من قيام هذا المجمع، فعهدت إلى رقابة الثقافة العامة في تنظيم العضوية فيه؛ بحيث تكون أكثريته العامة في مصر حتى نتابع أعماله على الدوام، وحتى نكون أسرع إنتاجًا.

    ***

    وقد رأت رقابة الثقافة العامة أن دراسة التاريخ المصري القديم والتاريخ العربي في مدارس الوزارة يكاد يكون مقصورًا على الكتب، فاقترحت أن يقوم رجال المُتحف المصري ودار الآثار العربية بإلقاء محاضرات فيهما على المعلمين؛ ليقوموا هم بإلقاء دروسهم على طلابهم بين آثار هذين المُتحفين. وقد شرعت الوزارة في العمل بهذا الاقتراح، ويقوم رجال الآثار الفرعونية والعربية بإلقاء هذه المحاضرات.

    ***

    أمَّا إحياء التراث العربي، فقد اقترحت أن تضاعِف دار الكتب المصرية عنايتها بإخراج نفائس العلوم والفنون العربية، ونقل نفائس المؤلَّفات الأجنبية وطبعها في مطبعتها التي تُعَدُّ من أرقى المطابع. وقد صادف هذا الاقتراح عناية معالي وزير المعارف العمومية واهتمامه الكبير. كما اهتم معاليه بالعمل لإنشاء فرقة مصرية للموسيقى الأجنبية تحل محل الفرق الأجنبية التي تستدعيها الوزارة كل عام للعزف والتمثيل بدار الأوبرا الملكية، وتُنفِق عليها ستة آلاف جنيه، فعندنا الآن طائفة من المصريين والمصريات يُتقِنُون هذه الموسيقى، كما عندنا طائفة يستطيعون التمثيل باللغة الأجنبية، ويستطيعون أن يكفوا حاجة الأجانب في مصر. وقد لا يمضي وقت طويل حتى تكون هذه الفرقة قد أُنشِئت.

    ***

    هذه بعض نواحي تنظيم الثقافة العامة في داخل البلاد، أمَّا تنظيمها في الخارج، فلمصر عَلاقات ثقافية بالأقطار الشرقية والبلدان الغربية. فالأقطار الشرقية ترسل الآن بعوثها من الطلبة إلى المعاهد المصرية، كما تستدعي بعض المعلِّمين المصريين للتدريس في معاهدها. ولما كانت برامج التعليم في هذه المعاهد تختلف كثيرًا عن برامج التعليم في مصر؛ فقد جعلت المعاهد المصرية تشترط شروطًا معينة في البعثات الشرقية، وتُجري بين طلبتها امتحانات خاصة. كما أن إيفاد المعلِّمين المصريين إلى الأقطار الشقيقة يحتاج إلى تنظيم خاص. لذلك كان من مهمة رقابة الثقافة العامة أن تُعنى بهذا التنظيم، وأن تهتم بتقريب المناهج بين الأقطار العربية حتى يسهُل التعاون، ويؤدي إلى الوحدة العربية المنشودة.

    ***

    أمَّا أوروبا، فقد أخذت مصر منذ زمن طويل تستدعي بعض علمائها وأساتذة جامعاتها للدراسة في معاهدها، وتأخذ عنها بعض نُظُمِها، وتتبادل معها الشئون الثقافية، وترسل مندوبيها لحضور مؤتمراتها العلمية، كما ترسل بعض البلدان الأوروبية علماءها لحضور بعض المؤتمرات العلمية في مصر. فهذه العلاقات الثقافية بيننا وبين أوروبا في حاجة إلى تنظيم، وإلى عناية خاصة؛ حتى لا تظهر مصر أمام البلدان الراقية بمظهر يحط من شأنها، ويجعل الغربيين ينظرون إلى حركتنا العلمية نظرة لا تتفق وما أخذته وزارة المعارف على عاتقها من تقدُّم النهضة العلمية والأدبية وخدمة الثقافة العامة على أكمل الوجوه، وأحسن النُّظُم التي تضمن المحافظة على كرامة البلاد.

  • في المجمع اللغوي

    في المجمع اللغوي
    طه حسين
    جريدة المصري
    ١٥ مايو ١٩٣٧
    لست أرى بأسًا بالرجوع إلى حديث المجمع اللغوي بعد أن أعرضت عنه منذ أسابيع، وبعد المقال الممتع الذي نشرته السياسة الأسبوعية لصديقي هيكل يوم السبت الماضي؛ فقد يقال: إن مجلس الشيوخ سينظر قانون المجمع بعد أيام، وقد يكون من الحق، بل من الواجب أن يعرض الذين لهم رأي في المجمع مذهبهم على الشيوخ قبل النظر في هذا القانون، لعل الله عز وجل أن يُوفِّق شيوخنا إلى ما لم يُوفَّق إليه نُوَّابُنا، وإلى ما لم يُوفِّق إليه الحكومة التي أنشأت هذا المجمع، فيضعوا الأمر في نصابه، وينشئوا للغة العربية مجمعًا ينفعها ولا يضرها، ولمصر مجمعًا يزينها ولا يشينها، أو يريحوا أنفسهم ولغتهم وبلادهم من هذا الحديث الذي يمكن الإعراض عنه دون أن تقف حركة الفلك، أو تطلع الشمس من مغربها.
    وقد يخيل إلي أن من أخص منافع الديمقراطية أنها حين تجعل أمر الشعب إلى الشعب تبيح للناس أن يُبصِّروا شيوخ الشعب ونوابه بما ينبغي أن يبصروا به من الأمور العامة، التي لم ينفقوا أوقاتهم فيها، ولم يقفوا جهودهم عليها، والتي لا بد من أن يقضوا فيها عن بصيرة وروية، لا عن محاكاة وتقاليد.
    وقصة المجمع اللغوي في مصر كقصة كثير من المنشآت المصرية لا تخلو من بعض العجب؛ فقد كان الشعور بالحاجة إلى تنظيم العناية باللغة العربية قويًّا جدًّا منذ عهد بعيد، وقد كانت محاولات لإيجاد هذا المجمع الذي يُعنى باللغة، ويحافظ على سلامتها، ويجِدُّ في تنقيتها. وكان الطبيعي أن ينتهي ذلك الشعور وتنتهي هذه المحاولات إلى أن ينشأ المجمع ملائمًا أشد الملاءمة للحاجة التي دعت إلى إنشائه والتفكير فيه.
    ولكن مصر كما تعلم، أيها القارئ الكريم، مرضت في بعض أوقاتها بمرض الأبهة، وتكلف الفخامة والضخامة، والتماس مظاهر العظمة الكاذبة لتخيل إلى نفسها وإلى الناس أنها قد بلغت من أطوار الرقي ما بلغته الأمم الأوروبية التي تسود العالم وتسيطر عليه. والغريب أن هذا المرض بارع جدًّا في استغلال الشعور، وانتهاز الفرص، وتسخير الميول الطبيعية للوصول إلى هذه العظمة المتكلفة، والأبهة المتصنعة، والزخرف الذي لا يغني شيئًا ولا يدل على شيء.
    شعرت مصر بالحاجة إلى العناية باللغة، فانتهز هذا المرض فرصة هذا الشعور واستغلَّه، وخيل إلى مصر أنه سينشئ لها مجمعًا يُعنى باللغة، ثم أنشأ لها مجمعًا أقل ما يوصف به أنه لا يستطيع على حاله التي أنشئ عليها أن ينفع اللغة قليلًا ولا كثيرًا، وقد يستطيع أن يضرها ضررًا بعيد الأثر.
    ذلك أن هذا المرض الذي أنشأ المجمع اللغوي سنة ١٩٣٢ لم ينظر إلى حال اللغة العربية ولا إلى حاجتها، ولا إلى طاقة أصحابها نظرًا مفصلًا دقيقًا، وإنما نظر إلى أوروبا بإحدى عينيه، وإلى الشرق العربي بعينه الأخرى، وأراد أن يقول لأهل الغرب: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامعكم، وأن يقول لأهل الشرق: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامع الأوروبيين ليس للشام مثله ولا للعراق.
    أراد أن يكون هذا المجمع دعاية، ودعاية تلائم مكانة مصر من أهل الشرق وأهل الغرب جميعًا، فمصر جزء من أوروبا، وإذن فيجب أن يكون مجمعنا كمجامع أوروبا، ومصر زعيمة البلاد الشرقية العربية، فيجب أن يكون مجمعها زعيم المجامع اللغوية العربية. يجب أن يكون هذا المجمع عمارة من هذه العمارات الضخمة الفخمة التي تنطح السحاب، وتبهر الألباب، ولا تستطيع العين أن تقع على مصر دون أن تقع عليها. وليس المهم أن تكون هذه العمارة نافعة مجدية، ولكن المهم أن تكون خلابة رائعة تُخيِّل إلى الأوروبيين أننا مثلهم، وتُخيِّل إلى الشرقيين أننا سبقناهم إلى ما لم يصلوا إليه، ولم يطمعوا فيه.
    ونحن نستطيع أن نبهر الغربيين والشرقيين جميعًا، وأن نلقي في روعهم أننا قادرون لا على أن نأتي بما يعجز عنه الشرق وحده، بل على أن نأتي بما يعجز الغرب نفسه أيضًا.
    ولذلك نستطيع أن ننشئ مجمعًا لا يكون مقصورًا على مصر والمصريين، بل يكون شائعًا بين الشرق والغرب جميعًا، مجمعًا مختلطًا كالمحاكم المختلطة لا يساهم فيها قضاة من الشرق، وإنما يساهم فيها قضاة غربيون مصريون، فأما المجمع اللغوي فيجب أن يكون أشد اختلاطًا من المحاكم المختلطة، يجب أن يساهم فيه المصريون بالنصف، والنصف كثير، وأن يقسم النصف الثاني بين الشرق والغرب قسمة سواء عدلًا. ونحن قوم منصفون، ومنصفون من أنفسنا قبل أن ننصف من غيرنا، فلا ينبغي أن يزيد عددنا في المجمع على النصف حتى لا تكون لنا الكثرة التي تمكننا أن نقضي في أمور المجمع كما نحب.
    وكذلك استصدرت الحكومة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الحلو اللذيذ مرسومًا ملكيًّا ينشئ المجمع اللغوي، وتمدحت بهذا المجمع في خطبة العرش التي أُلقيت أمام البرلمان.
    وأظرف من إنشاء المجمع على هذا النحو أن البرلمان الذي كان قائمًا في ذلك الوقت الحلو اللذيذ رضي عنه كما رضيت الحكومة، وصفق له كما صفقت الحكومة، ولكن الشعب الذي كان في ذلك الوقت سيئ الخُلق، مُرَّ الطبع، منحرف المزاج لقي المجمع مُتَجهمًا له، متبرمًا به، ساخطًا عليه، وقال الفلاسفة والحكماء وأصحاب الرأي الأصيل في ذلك الوقت: إن هذا الشعب المصري مُترف مُدلل، وجاهل مُغفل، لا يُرضيه شيء، ويجب ألا يُستشار في شيء، ويجب أن يُفرض الخير عليه فرضًا، وأن يُؤخذ بالإصلاح، رغم أنفه؛ لأن أنفه لم يُخلق إلا للرغم، ولأنه قاصر إن خُلِّي ونفسه لم يجد إلى الخير سبيلًا.
    وكذلك أنشئ المجمع اللغوي في تلك الظروف الغريبة، فكان يعمل على هامش الحياة المصرية، أو قل إن شئت: كان يعمل على هامش الحياة الأدبية واللغوية.
    وقد أرادت هذه الظروف الغريبة أن يكون كثير من الذين كان يمكن أن يشيروا في أمر المجمع اللغوي من خصوم الحكومة التي كانت قائمة، ومن أضدادها ومُقاوِميها، فلم يكن بدٌّ من أن يخفى أمر المجمع عليهم ويُسترَ دُونَهم، ومن أن يفاجئوا به مفاجأة — إن صح هذا التعبير.
    ولقد أذكر أن وزير المعارف في ذلك الوقت السعيد أراد أن يستشير في أمر المجمع بعض المستشرقين الذين كانوا يعملون في كلية الآداب، وكنت لها عميدًا، فدعاهم إليه، وسمع منهم وقال لهم، فلما خرجوا من عنده ألقى إليهم مَن ألقى أن من الخير ألا يتحدثوا في ذلك إلى عميد كلية الآداب، ولكنهم مع ذلك تحدثوا مع العميد، وأظهروه على ما قالوا وما سمعوا.
    ولم يكن بُدٌّ في تلك الظروف من أن يكون تأليف المجمع سياسيًّا، كما كان إنشاؤه سياسيًّا، وعلى ذلك طبع المجمع بذلك الطابع الرجعي، وكانت له في ذلك أُسوة حسنة بالمجمع اللغوي الفرنسي؛ فقد أنشئ إنشاء سياسيًّا، وأُلِّف تأليفًا سياسيًّا، وطبعه ريشيليو، زعيم السلطة الفردية، بطابعه القوي، وظل صورة قوية للرجعية حتى ألغته الثورة الفرنسية وأنشأت مكانه المجمع العلمي.
    وقد أعيد المجمع اللغوي الفرنسي بعد أن هدأت حِدَّة الثورة، ولكنه ظل إلى الآن أقرب إلى المحافظة منه إلى التجديد.
    كل هذه ظروف خارجية أحاطت بإنشاء المجمع اللغوي فلم تهوِّن أمره ولم تُيسِّر مهمته، ولم تجعله إلى الشعب حبيبًا، ولا على قلب الشعب خفيف الروح، فإذا نظرنا إلى الظروف الداخلية التي كوَّنت المجمع، ورسمت له طريقه العملية لم نجدها خيرًا من الظروف الخارجية؛ فقد طُلب إلى المجمع ما لا يستطيع، وفُرض عليه ما لا يُطيق. وليس في هذا شيء من الغرابة؛ لأن إنشاء المجمع لم يكن جدًّا في حقيقة الأمر، وإنما كان دعاية وسياسة وزينة وتخييلًا.
    فلم يكن من المهم أن يعمل، وإنما كان المهم أن يوجد وكفى، غير أن المجمع لم يكتف بالوجود، وإنما أراد أن يعمل ليثبت أنه خليق بهذا الوجود الذي وُهب له وفُرض عليه، ولم يكد يبدأ في العمل حتى وجد نفسه أمام عقبات ليس إلى تذليلها من سبيل، فأخذ يضطرب ويختلط ويدور حول هذه العقبات دون أن يستطيع لها اجتيازًا. وإنك لتنظر في مجلته فترى دلائل الاضطراب والاختلاط أوضح وأجلى من أن تحتاج إلى تفصيل.
    إن المعلم يُعرِّض نفسه للسخرية إذا طلب إلى وزير الأشغال أن يَعهد إليه ببناء القناطر وإقامة الجسور، ويُعرِّض نفسه للبيمارستان إذا طلب إلى وزير الصحة أن يعهد إليه بمعالجة التيفوئيد أو الملاريا أو البلهارسيا — ما دام الناس يتحدثون عن الأستاذ بلهرس في هذه الأيام — ويُعرِّض نفسه لا أدري لماذا إذا طلب إلى وزير الحربية أن يعهد إليه بتمرين الجند وقيادتهم إلى الميادين.
    ما أظنك تناقش في ذلك أو تنكره، ومع ذلك فقد فُرض على المعلمين الذين أُلِّف منهم المجمع أن يكونوا علماء بالهندسة والطب والإدارة والحرب وما شئت وما لم تشأ من العلوم التي سمعوا بها، والتي لم يسمعوا بها ولا في المنام.
    وقيل لهم: أيها السادة، أنتم تعرفون اللغة العربية وتحسنون علومها كما كان يعرفها ويحسن علومها علماء البصرة والكوفة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أو على نحو ما كان يعرفها ويحسن علومها هؤلاء الأئمة في البصرة والكوفة؛ فقد جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء بالطب وفروعه على اختلافها، وبالرياضة وأشكالها وألوانها، وبالطبيعة والكيمياء، وبعلوم الحياة وبالفنون الجميلة، وبكل ما وعى العقل الإنساني، وما أنتج العقل الإنساني، وبكل ما أحس القلب، وبكل ما أثر في الشعور، وبكل ما ينتج عن إحساس القلب وتأثُّر الشعور. ويجب أن تعلموا ذلك علمًا صحيحًا دقيقًا مفصلًا متقنًا، يُمكِّنكم من التعبير عن هذه العلوم بألفاظ صحيحة دقيقة مطابقة، لا تخطئها ولا تنحرف عنها، وهي مع ذلك تلائم اللغة العربية الفصحى أصح الملائمة وأدقها وأجلاها.
    وكان الذين قالوا لهم هذا القول مازحين في أكبر الظن؛ لأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يظنوا أن هذا ممكن، ولأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يحسبوا أن الرجل يستطيع أن يسمي اصطلاحات العلوم تسمية مصيبة موفقة دون أن يتقن هذه العلوم إتقانًا … كانوا مازحين في أكبر الظن لأنهم لم يكونوا يريدون إلا سياسة ودعاية.
    ولكن اللعب قد يجر الجد كما قال أبو نواس؛ فقد مزح الذين أنشئوا المجمع، ولم يفهم المجمع عنهم هذا المزاح، أو لم يُردْ أن يفهمه عنهم، وأراد أن يكون عالمًا بكل شيء، قادرًا على تسمية كل شيء، ونسي أن آدم حين سمى الأشياء كلها لم يسمها من عند نفسه، وإنما علَّمه الله الأسماء كلها.
    ومهما يكن من شيء فقد اجتهد المجمع في أن يسمي الأشياء، سواء منها ما يتصل بالعلم، وما يتصل بالعمل، وما يتصل بالبدع أيضًا؛ فألَّف اللجان، وقسَّم بينها العلم والمعلوم، والوجود والموجود، وكلف كل لجنة بأن تصعد في السماوات العُلى إن شاءت، وأن تهوي إلى الأرضين السفلى إن أحبت، ولكن يجب أن تجد الأسماء للأشياء، تنزل بها من أعلى أو تصعد بها من أسفل، ولكن لا بد من أن تُوجِد هذه الأسماء لهذه الأشياء، وإلا كان وجود المجمع عبثًا، وإنشاؤه لعبًا، وإنفاق المال عليه تبذيرًا.
    وكذلك أخذت اللجان تعمل، ثم استيقنت أنها في حاجة إلى من يعلمها العلم الذي لم تُحصِّله، فدعَت المستشارين، واختلف إليها الأطباء والطبيعيون وأصحاب الكيمياء وأصحاب الفن، ومن شئت ومن لم تشأ من الأخصائيين، وجعل كل واحد من هؤلاء المستشارين يبيع هذه اللجان علمه بثمن بخسٍ قروش معدودة، فقد كان الاصطلاح، فيما حدثني المحدثون، يُباع بخمسة وعشرين قرشًا، وكان المستشار يأتي بالكلمة الإنجليزية أو الفرنسية من اصطلاحات العلم أو الفن فيترجمها للجنة ترجمة مقاربة، حتى إذا فهمت اللجنة عنه، أو خيل إليها أنها فهمت، جعلت تبحث وتستقصي وتنقب وتُروِّي حتى تجد كلمة عربية تظن أنها تصلح للتعبير عن هذا المعنى الذي يُخيِّل إليها أنها فهمته.
    وأبرع من هذا وأروع، أن الذين أنشئوا المجمع جاءوا بقوم يحسنون طائفة من العلوم، ولكنهم لا يحسنون اللغة العربية، وقالوا لهم: أيها السادة، أنتم تحسنون هذا العلم أو ذاك، ولذلك جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي منذ هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء باللغة تحسنونها وتتقنون علومها كما كان يحسنها الخليل وسيبويه، وكما كان يتقنها الفراء وثعلب، ثم سموا ما تعلمتم وأحسنتم من العلم بما لم تتعلموا وتحسنوا من اللغة.
    وكذلك أصبح أمر المجمع عجبًا: قوم يحسنون اللغة ولا يحسنون غيرها يقال لهم: كونوا علماء وسموا ما لا تعلمون بما تعلمون، وقوم يحسنون بعض العلم ولا يحسنون اللغة يقال لهم: كونوا لُغويين وسموا ما تعلمون بما لا تعلمون. ومصدر هذا الخلط الظريف أمران؛ أحدهما: أن الذين أنشئوا المجمع كانوا يلعبون ويدعون إلى لون من ألوان الحكم، وفن من فنون النظام السياسي، والآخر: أن الذين أنشئوا هذا المجمع لم يكن لهم علم صحيح، لا بالعلوم التي يُراد أن تُسمَّى، ولا باللغة التي يُراد أن تُسمَّى بها، فنشأ عن ذلك ما ترى في مجلة المجمع من هذه الأسماء الكثيرة التي لا تلائم علمًا ولا لغة، ولا تحقق حاجة من حاجات العصر، ولا تصادف هوى من أهواء الكُتَّاب والشعراء، والتي كلفت الدولة أموالًا تستطيع وزارة المالية أن تحصيها، وكلفت رجال المجمع جهودًا يستطيعون أن يحتسبوها عند الله عز وجل.
    ذلك أن حكومتنا تلك كانت تعيش في القرن العشرين، وتعمل كما كان يعمل ريشيليو في القرن السابع عشر، وتجهل أن بينها وبين ريشيليو ثلاثة قرون تغيَّر فيها كل شيء، وتجهل أن المجمع الفرنسي لم يكد ينشأ في باريس حتى نشأت من حوله مجامع علمية أخرى مضت جادة في ترقية العلوم وتسميتها، واضطرته هو إلى أن يكون مُسَجِّلًا ليس غير.
    نعم وكانت حكومتنا تلك تعيش في القرن العشرين وتجهل أن اللغة لا تُشرَّع بالقوانين، ولا تُفرَض بالمراسيم، وإنما تَنبُت في البيئات التي تحتاج إليها، تَنبُت في مكتب العالِم ومَعمَل المُجرِّب ومَصنَع الصانع، وتنبت في الشارع والحقول أيضًا، ويصقلها الاستعمال ويذيعها ويشيعها ويفرضها على المجمع اللغوي؛ فإذا هو يُسجلها في المجمع، ويضع لها القيود والحدود.
    ولم تكن حكومتنا تلك تجهل هذا وحده، وإنما كانت تجهل معه أشياء كثيرة أخرى، وقد أقامت المجمع على ما تجهل لا على ما تعلم؛ فنشأ مُشوَّهًا عقيمًا مقضيًّا عليه بالإخفاق.
    وكان أخص ما تمتاز به وزارة المعارف في ذلك الوقت أنها كانت تعرف أوائل الأشياء، وتجهل أوساطها وأواخرها، وكانت تعرف أسماء الأشياء وتجهل معانيها وحقائقها … قيل لها: إن اللهجات شيء حلو جميل تحسن العناية به، تُعنى به الجامعات والمدارس في أوروبا، ويَكلَف به المستشرقون، فقالت: ما دامت اللهجات حلوة؛ فلنأخذ منها بطرف، ولنذق منها نصيبًا، ثم جعلت من أغراض المجمع أن يُعنى باللهجات الحديثة في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولم تسأل نفسها، وما كانت تستطيع أن تسأل نفسها، عن معنى هذه العناية، ولا عن مداها، ولا عن نتائجها.
    ولم يخطر لها أن المجمع الذي يحافظ على سلامة اللغة الفصحى ليس من شأنه أن يدرس اللهجات العامية. سمِعتْ ذِكْر اللهجات فأحبت هذا الاسم ووضعته في المرسوم الذي أنشأت به المجمع، وقالت للمجمع: أنت وما تريد، أو أنت وما تستطيع! ولم يُرِد المجمع شيئًا، ولم يستطع المجمع شيئًا إلى الآن في أمر اللهجات، وإن كان يُظهِر الحِرْص عليها، ويخاف أن يَخطفَها منه البرلمان خطفًا.
    وأبرع من هذا كله وأروع، أن الحكومة طلبت إلى المجمع أن ينشئ مُعْجمًا، وصدَع المجمع بهذا الأمر، ولكنه لم يشرع في إنشاء المعجم إلى الآن؛ لأنه يريد أن يستهبط الاصطلاحات من السماء، أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل، وقد يئست الحكومة من هذا المعجم بعد أن انتظرت البدء فيه أربعة أعوام، فهَمَّتْ بإنشائه وزارةُ المعارف في العام الماضي، وتلطَّف وزير المعارف يومئذٍ، الأستاذ علوبة باشا، فأشرك المجمع في أمر هذا المعجم.
    وقبِلَ المجمعُ كارهًا هذا الاشتراك؛ لأنه لم يجدْ منه بدًّا، وما كاد الوزير يتخلى عن الوزارة حتى لجأ المجمع بمرسومه إلى الوزير القائم، وقال له: أنصفني؛ فقد ظلمني سلَفُك، واردُدْ عليَّ مُعْجمي؛ فقد غصبته وزارة المعارف، واجْعَلْه لي خالصًا من دون الناس، فقد أشرك فيه الوزير السابق من ليس من المجمع في قليل ولا كثير.
    واستجاب الوزير القائم لرئيس المجمع فألغى لجنة كانت بدأت في العمل بالفعل، ورد المعجم إلى المجمع في شهر يوليو الماضي، ولكن المجمع لم يصنع شيئًا إلى الآن، وتأخر المعجم سنة أخرى؛ لأن المجمع لا يستطيع أن يشرع فيه قبل أن يضع الاصطلاحات، يستهبطها من السماء أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل؛ فلا بد من الانتظار.
    والدولة في أثناء هذا كله تنفق المال وتنفق المال، ولا نجني إلا هذه المجلة التي يُصدرها المجمع، والتي يعرفها بعض أعضائه وينكرها بعضهم الآخر إنكارًا شديدًا.
    ثم أراد وزير المعارف القائم أن يَردَّ الأمر إلى نصابه، وأن يعيد النظر في نظام المجمع، وأن يعرض أمره على البرلمان، فوضع للمجمع قانونًا رجع فيه إلى المجمع نفسه؛ لأنه رجل دستوري، وكان قاضيًا قبل أن يكون وزيرًا، فلم يُرد أن يشعر المجمع بأنه مظلوم.
    وحافظ المجمع على نظامه القديم؛ لأنه يحبه أشد الحب، ويَكلَف به أعظم الكلف، ولكن الوزير القائم لم يذُق اللهجات الحديثة كما ذاقها وزير التقاليد، فحذفها من القانون الجديد، وعني بإحياء الأدب القديم لأنه المادة التي يؤخذ منها المعجم اللغوي والمعجم التاريخي جميعًا.
    فغضب المجمع، وامتلأ قلبه حزنًا وأسفًا، وشكا إلى مجلس النواب، واستعان ببعض النواب، وخيل إليهم ما خيل، وزين لبعضهم ما زين، وإذا القانون يَرِدُ في مجلس النواب كما أرادته الحكومة التي أنشأت المجمع، وكما أراده المجمع القائم نفسه، ولكن على غير ما تريده مصلحة العلم، وعلى غير ما تريده كرامة مصر العقلية؛ فما زال المجمع كما أنشأه مجلس النواب مُكلَّفًا أن يعلم غير ما يجهل، وأن يضع الاصطلاحات لعلوم ليس له منها حظ قليل أو كثير، وما زال المجمع مكلفًا أن يدرس اللهجات العامية، ويحافظ على سلامة اللغة الفصحى، ويجمع بين هذين المتناقضين؛ لأن الله عز وجل قادر أن يجمع العالم في واحد كما قال أبو نواس.
    وقد عُرض قانون المجمع الآن على مجلس الشيوخ، فليأذن لنا النواب المحترمون في أن نصارحهم بأنهم قد أخطئوا وتعجلوا، أو كان يجب أن يلتمسوا الصواب وتعجلوا، وليأذنوا لنا في أن نقول لهم: إن مصلحة اللغة وكرامة مصر تفرضان عليهم أن يعيدوا النظر في هذا القانون تفصيلًا، وأن يرفعوا عن المجمع عبء الاصطلاحات العلمية؛ فليست من شأنه، وليس هو قادرًا عليها، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يفرض على الأفراد والجماعات إلا ما يطيقون، وأن يريحوا المجمع من اللهجات العامة؛ فليست من شأنه ولم يُخلق لها، والسيفانِ لا يُجمعان في غمد، والماء والنار لا يجتمعان؛ فإن كنا نريد اللغة العامية فلننشئ لها مجمعها، ولنترك اللغة الفصحى للذين يحسنون درسها، ويعرفون كيف ينتفعون بهذا الدرس.
    نعم، وليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نطلب إليهم أن يعيدوا النظر في النظام الإداري للمجمع، ولسنا نريد أن يُرَدَّ المجمعُ مصريًّا خالصًا كما كان ينبغي أن يكون، فالمصريون ينتفعون دائمًا بمعاونة العلماء الشرقيين والمستشرقين، ولكننا نريد أن تكون أمور الإدارة في المجمع إلى المصريين، وإلى المصريين وحدهم: هم الذين ينتخبون، وهم الذين ينتخبون — بالكسر والفتح.
    فأما الزملاء الشرقيون والمستشرقون فيشاركون في العلم وحده، ثم ليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نُخيِّرهم بين اثنتين، فإن كانوا يريدون مجمعًا لُغويًّا، فأغراض هذا إنما هي إنشاء المعجم اللغوي والمعجم التاريخي، وإحياء الأدب القديم، وتشجيع الإنتاج الأدبي الحديث، وإن كانوا يريدون وضع اصطلاحات العلوم، فسبيلهم إلى ذلك العدول عن المجمع اللغوي، وإنشاء المجمع العلمي ذي الشُّعب المختلفة، كما هو موجود في فرنسا، على أن يكون المجمع اللغوي شعبة من شُعَبِه.
    فليَختَر الشيوخ بين هذين الأمرين، وليجتنبوا ما تورطتْ فيه تلك الحكومة من التخليط؛ فليس ينبغي لمصر أن تَضحك من نفسها، وأن تُضحك الناس منها، وأن تُنفق الألوف من الجنيهات كل عام على هذه السخرية التي لا تنفع ولا تفيد.

  • الأدب العربي والتمثيل

    الأدب العربي والتمثيل
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١ يونيو ١٩٣٤

    وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟

    فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.

    وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

    وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.

    وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.

    ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.

    نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.

    ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟

    والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.