شعر الرعاة
طه حسين
؟؟
٧ مايو ١٩٥٨
إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.
هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.
ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.
والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.
هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.
وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.
ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.
على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.
لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.
وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.
ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.
والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.
ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.
ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.
وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.
ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.
وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.
وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.
فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.
ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء.
Tag: cultural revival
-
شعر الرعاة
-
جهد خصيب
جهد خصيب
طه حسين
جريدة مصر الفتاة
١٨ مايو ١٩٥٣
هو هذا الجهد العنيف إلى أقصى غايات العُنف المُمْتِع إلى أبعد حدود الإمتاع، الذي بذله الدكتور عبد الرحمن بدوي حول كتاب الشعر لأرسطاطاليس.
وأقول: إنَّ هذا الجهد عنيف إلى أبعد غايات العنف؛ فقد ترجم هذا الكتاب في القرن الرابع الهجري إلى اللغة العربية، وعسى أن يكون قد تُرجم قبل ذلك في القرن الثالث، ولكن ترجمة القرن الرابع هي التي وصلت إلينا، وهي سَقيمة مُمْعِنَةٌ في السُّقم، لا تُصور كتاب أرسطاطاليس كما هو، بل لا تُصَوِّره تَصويرًا مُقاربًا، وفيها من الخلط والاضطراب شيء كثير.
وعلى هذه الترجمة وترجمة أخرى ظهرت في القرن الرابع أيضًا ولم تَصل إلينا، اعتمدْ الفلاسفة المسلمون حين لخصوا هذا اللون من علم أرسطاطاليس، فكان علم العرب والمسلمين بهذا القسم من علم أرسطاطاليس مُشوهًا مَنقوصًا، ثم عُرف النَّص اليُوناني لهذا الكتاب في أوائل عَصر النَّهضة؛ ففرغ له جماعة من العلماء الإيطاليين في ذلك العصر مُترجمين ونَاقِدينَ، وشَارحين ومُحَلِّلين، ولم يلبث الكتاب أنْ تجاوز إيطاليا إلى غيرها من أوروبا الغربية، فعُرف في إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا، واشتدت عِنَاية النُّقَّاد والعُلماء به كما كانت عِنَايتهم تَشْتَدُّ بكل ما كان يصل إليهم من آثار اليونانيين عامة، ومن آثار المعلم الأول بوجه خاص.
وما زالت هذه العناية مُتصلة إلى الآن، ثم لم يلبث الكتاب أن تجاوز بيئة العلماء والنُّقَّاد إلى بيئات الأدباء والشعراء منهم خاصة، فتأثرت به فنون الشعر في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، ولم ينصرف الأدباء عن التأثر به إلا حين ظهرت حركة الرومنتيكيين في القرن التاسع عشر.
فقد مَرَّ الكِتَابُ إذن في العالم الإسلامي القديم كما تَمُرُّ سَحَابَةُ الصَّيف لم يعرف منه فلاسفتنا إلا أطرافًا، لم يحققوها ولم يقنعوا بها، وإنما ألمُّوا بها إلمامًا في كُتب المَنْطِق ليُحْصُوا ما وصل إليهم من فلسفة أرسطاطاليس. وكان تأثر العالم العربي بكتاب الخَطابة لأرسطاطاليس أقوى وأعمق، ظهر ذلك في النقد الأدبي منذ عهد الجاحظ، ثم تمثل تمثيلًا قويًّا واضحًا في فنون البلاغة منذ عبد القاهر إلى الآن.
ولكن أثر الكتاب في أوروبا كان عظيم الخطر جدًّا، فهو كما رأيتَ لم تقف العِنَايةُ به عِنْدَ المُخْتَصِّين مِنَ العُلَمَاءِ والنُّقَّاد، بل تَجَاوَزتهم إلى الشُّعراء وأصحاب التمثيل منهم خاصة.
وكان نقصًا خطيرًا في حياتنا الأدبية أَلَّا نَعْرِفَ من هذا الكتابِ إلا اسمه، وإلا هذه الأسطر التي توجد في أواخر كتب المنطق، وكان مما يزيد خطورة هذا النقص أنَّ المحدثين قد جهلوا حتى ما عرفه القدماء من هذا الكتاب، فهم لم يعرفوا الترجمة العربية القديمة، ولم يعرف تلخيص الفلاسفة لهذه الترجمة إلا المتخصصون الذين يمكن إحصاؤهم من أساتذة الجامعات في القاهرة والإسكندرية.
ولم يكنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يكمل هذا النقص في ثقافتنا الأدبية العربية، ويُمْحى عنها هذا العيب، وسبيل ذلك إحياء الترجمة القديمة، وتلخيص الفلاسفة لها من جهة، وترجمة الكتاب نفسه ترجمة صحيحة دقيقة من جهة أخرى.
وهذا الجهد العنيف الممتع هو الذي فرغ له الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي فوُفِّق فيه أحسن التوفيق.
وإني لأفرغ بين حين وحين إلى هذا الكتاب الذي أهداه إليَّ صاحبُهُ منذ أسابيع؛ فأجدُ من الرِّضا والغِبْطَة ومن العَناء والمشقَّة ما لا أجده إلا قليلًا جدًّا حين أخلو إلى ما يُهدَى إليَّ في هذه الأعوام الأخيرة من الكتب.
فأمَّا الرضا والغبطة فمصدرهما أنَّ أُستاذًا مِصْرِيًّا، من أساتذة إحدى جامعاتنا، قد استطاع أن يستخلص من وقته ومن حياته هذه المُعاصرة، التي تزدحم عليها الأحداث وتكتنفها الخطوب، جزءًا يفرغ فيه لكتاب من كتب أرسطاطاليس، وما أنفق القدماء والمُحدثون من جهود مُتصلة ليترجموه ويُلخِّصوه، وليفهموه وينقدوه، وليُقرِّبوه آخر الأمر إلى الشُّعراء يجدون فيه أصول فنهم كما عرضها زعيم الفلاسفة منذ ثلاثة وعشرين قرنًا.
هذا إذن أستاذ مصري مُعاصر لم يكد يتجاوز الشباب بعدُ، ولم ينسَ نصيبه من الحياة المُعاصرة بما فيها من خير وشر، ولكنه على ذلك، بل من أجل ذلك يَحتمل العناء كل العناء، وينفق الجهد كل الجهد ليدرس كتابًا في أصول الشعر أُلِّفَ مُنذ ثلاثة وعشرين قرنًا، ونُقل إلى العربية منذ عشرة قرون، وشُغِل الأوروبيون به منذ خمسة قرون، لم ينصرف عنه لأنه قديم مُسرف في القدم، ولم يُعرض عنه لأنه ليس من هذه الأعمال التي تتصل بالمنفعة القريبة المادية، ولم يضق به لأنَّه كتاب لا يُعنى به إلا قليل جدًّا من المثقفين، وإنما أحب الكتاب لهذه الخصال كلها، وأقبل عليه مشغوفًا به أشد الشغف، حريصًا أعظم الحرص؛ على أن يمتع به أمثاله من مواطنيه ومن طلاب الثقافة والعلم، الذين يقرءون اللغة العربية.
وهو قد استحيا لنفسه ولقومه من أن ينفق المستشرقون الإنجليز والنمساويون الجهود العنيفة في الأعوام المُتصلة لدَرْسِ هذا النوع منَ التراث الإسلامي العربي، ونحن عنه غافلون لا نَكادُ نَعلمُ به، فضلًا عن أن نشارك فيه.
هو إذن يحب هذا النوع من البحث؛ لأنه يجدُ فيه متعة لنفسه، وثروة للغته، وتعليمًا لمُواطنيه، لا يصدُّه عنه قِدَمُه، بل يُرَغِّبه فيه، ولا يَصْرِفهُ عنه عسره، بل يُغْرِيه به، ثم هو ينفق ما أنفق من الجهد، ويبلغ ما بلغ من التوفيق، دونَ أنْ يَتكثر أو يستطيل، وإنما يشجعه هذا التوفيق على أن يستقبل من البحث ألوانًا ليست أقل قدمًا ولا عُسرًا من هذا اللون الذي فرغ منه.
فالأستاذ عبد الرحمن بدوي غارقٌ في علم أرسطاطاليس إلى أذنيه. لقد كنتُ أشدَّ الناس حرصًا على أن يفرغ المُتخصصون من فلاسفتنا للترجمة العربية القديمة لمنطق أرسطاطاليس؛ فقد كان يجبُ أنْ تحيا هذه الترجمة التي عاش عليها قدماؤنا، ونبغ فيها وبها فلاسفتنا.
وقد وقف الدكتور عبد الرحمن بدوي مقدارًا عظيمًا من وقته وجهده وماله على إحياء هذه الترجمة؛ فنشر منها ما نشر حتى إذا بلغ الشعر، ووجد الترجمة القديمة قليلة الغناء أحياها فيما أحيا، ولكنه لم يكتفِ بها، وإنما أقبل على كتاب أرسطاطاليس نفسه فترجمه ترجمة جديدة دقيقة.
وجمع لنا في هذا السفر الذي أتحدث عنه ترجمته هذه، وترجمة أبي بشر متَّى بن يونس، وتلخيص الفارابي، وابن سينا، وابن رشد لهذه الترجمة، وقدَّم بين يدي هذا كله درسًا مُفصلًا لتاريخ هذا الكتاب في العالم العربي القديم، وفي العالم الأوروبي الحديث، وفي بيئات المُستشرقين.
أليس هذا كله خَليقًا أنْ يُثير الرضا والغِبْطة، وأكثر من الرضا والغبطة في نفس من يُحِبُّ لمِصْرَ أنْ يُشْغَل أبناؤها بحقائق الثقافة ولبابها، لا بظواهرها وقشورها، وبصريح العلم وحده لا بما هو أقرب إلى البهرج والتمويه منه إلى أي شيء آخر؟
أليس مما يُثير الرضا والغبطة أنْ نَجِدَ بين الشباب المصريين من يُحبُّون العِلم؛ لأنَّه العِلم، ويُقبلون عليه؛ لأنهم يجدون في الإقبال عليه والإنتاج فيه هذه اللذة العليا التي لا تذوقها ولا تستحبها إلا النفوس المصفاة؟
أليس مما يُثير الرِّضا والغِبطة أن نَجِدَ بين الشباب المصريين من يقبلون على العلم لا لأنهم ينتظرون منه منفعة قريبة؛ بلْ لأنهم يَجِدُون فيه لذة خَالِصَةً مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، ويَجِدُون في الإنتاج فيه أخذًا بأسباب الثقافة الصحيحة التي يقوم عليها مجد الشعوب؟
بلى، ومما يزيد الرِّضا والغِبطة أنَّ الأستاذ عبد الرحمن بدوي ليس وحيدًا في هذا النحو من حب العِلم والإقبال عليه بين مواطنيه، ولكنَّ له في جامعتنا المصرية المظلومة لداتٍ وأقرانًا، يُقبلون مثله على العِلم الخالص، ويُنتجون مثله في العلم الخالص، ويبذلون مثله هذه الجهود التي تمتع أصحابها، وتمتع الذين يقرءون آثارهم، ولكنها لا تكسب أصحابها شهرة ولا مالًا؛ لأنَّ العلم الصحيح لم يكسب أصحابه الشهرة إلا بآخرة، وهو لم يكسب أصحابه المال، وإنما كان مصدر ثروة للناشرين.
وقد قلت: إن جامعاتنا مظلومة، وما لِيَ لا أقول ذلك ونحنُ لا نسمع في هذه الأيام إلا أنَّ جامعاتنا قد أخفقت ولم تُؤدِّ ما أنشئت لتأديته من المهام، أو لم تؤدِّ رِسَالتها، كما يُقال في هذا العصر الذي اختلط فيه كل شيء؟ كلا، لم تُخفِق جامِعَاتنا ما دامت تخرج بين حين وحين الدكتور عبد الرحمن بدوي وإخوانه، الذين يعملون وينتجون وينشئون ثقافتنا الحديثة الصَّادقة في غير تكثر ولا ضجيج ولا عجيج.
وقد ذكرت آنفًا أني أفرغُ لهذا الكتاب، فلا أجدُ في الفراغ له الرِّضا والغِبطة فحسب، وإنَّما أجدُ المَشَقَّة والعَناء أيضًا؛ فليست قراءة أرسطاطاليس وترجمته القديمة وتلخيص الفلاسفة المُسلمين له هينة يسيرة كقراءة القصص المُمتعة، أو هذا الأدب اليسير الذي يغرقنا في هذه الأيام، وإنما هي قراءة تحتاج إلى الأناة كل الأناة، وإلى التفكير الذي يستغرق فيه صاحبه أشد الاستغراق. ولعمري ما حبب الحياة الأدبية إليَّ إلا أنها تُتيح لي بين حين وحين هذه الكتب التي أقرؤها مُستأنيًا بقراءتها، مُشاركًا لأصحابها فيما بذلوا من جهد، وما احتملوا من مشقة. وهل الأدب الصحيح إلا مُشاركة خصبة بين الكُتَّاب والقُرَّاء؟
ليتقبل الدكتور عبد الرحمن بدوي مني أصدَقَ الشكر وأخلصه وأصفاه؛ لأنَّه أرضاني حين عني بآثار أرسطاطاليس هذه العناية القيمة، ولأنه وإخوانه جعلوا للثقافة العربية المُعاصرة قيمةً أيَّ قيمةٍ، وغَناءً أيَّ غناء. -
خطاب الدكتور طه حسين بك
خطاب الدكتور طه حسين بك
طه حسين
مجلة الحديث
فبراير ١٩٤٣
مولاي صاحب الجلالة:
أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.
هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.
لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.
لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.
ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.
وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.
لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.
فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.
ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.
وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.
وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.
وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.
ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.
وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.
أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.
والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.
وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.
بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.
أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين.